Ads by Google X

رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الاول 1 - بقلم مريم غريب

الصفحة الرئيسية

  رواية كرسي لا يتسع لسلطانك كاملة بقلم مريم غريب عبر مدونة دليل الروايات 

رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الاول 1


 تكوّرت “فريال” في سريرها محدقة به ..
دفتر مذكرات أمها.. لقد حصلت عليه و لم تدري كيف لم تعلم به من قبل.. قبل أن تذهب و ينتهي لقائها بشقيقها “إركان” ظهر اليوم.. أعطاها إيّاها و أخبرها بأنه وصيّة والدتهما ..
ألا يطّلع أحدٌ غيرها عليه.. و لكن للغرابة أن أمها أمنت “إركان” على شيء خاص كهذا !
و الأكثر غرابة أن يصون “إركان” أمانة والدته.. و هو نفسه الذي خان دمه و عِرضه بل و أعتدى عليه !!
تنهدت “فريال” بحرارة و قد أعيّتها الحيلة.. إلى متى تتجنّب فتح المذكّرات ؟
عليها أن تفعل في الأخير.. عليها أن تعلم ماضيها.. هذا ما تحتاجه.. طيّ صفحة الماضي حتى تتمكن من المضي إلى المستقبل في سلامٍ.. حتى تتمكن من التعافي و السماح لأقرب الناس إليها بمداواتها ..
تحاملت “فريال” على نفسها و جلست في الفراش.. أمسكت بالدفتر ذي المغلّف المصنوع من الجلد المصقول.. فتحت دفّتيه و غاصت من فورها دون أدنى ترددٍ …
***
أسمي “جهان شاهينك”.. و هذه ليست مذكرات أو ما شابه.. بل هي رسالة ..
رسالة أتركها هنا من أجل يوم قلبي يشعر بأنكِ سوف تحتاجين فيه للشرح.. عزيزتي.. ابنتي الغالية “فريال”.. هذه أمك ..
أكتب لكِ هذا لتعلمي أنّي لم أخذلكِ تمامًا.. على الأقل من منظوري.. أنا مجرد أمٌ.. لكِ و لأخيكِ.. ها أنتِ اليوم و قد رزقت بطفلك الأول عزيزي “عثمان” الصغير.. هل أتجرأ و أطلب إليكِ أن تضعي نفسكِ بمكاني ؟
أنتِ ابنتي.. “إركان” ابني.. ماذا كان عليَّ أن أفعل ؟
لقد أجرم بحقك.. و أقترف ذنبًا لا يُغتفر.. و لكن يا حبيبتي.. الأم هي الوحيدة التي تمنح الغفران.. قلبي ما كان ليتقبّل أن أفرّط بكِ أو به ..
فبذلتُ فوق طاقتي لكي أحافظ على كليكما.. قمتُ بإقصائه بعيدًا عنكِ.. و من جهة أخرى لم أسكن حتى ضمنتُ لكِ حياةً سالمة.. هانئة.. أنظري أين أنتِ اليوم ..
أنظري من حولكِ.. زوجًا يحببك.. و طفلًا أنا واثقة من إنه سوف ينسيكِ كل آلامك بمجرد نظرةً في وجهه ..
و إن جاء يا ابنتي اليوم و فقدتِ الزوج المُحب.. أو شعرتِ أنكِ بحاجة للشرح.. فها هي أمك تمنحكِ ما تنشدين.. و أتركها لكِ مع عقدة ماضيكِ.. لا شيء سوى أن تتحرري ..
لتتحرري يا حبيبتي ..
***
عزيزتي “فريال” إنه شابٌ رائع.. حقًا.. طيب القلب.. دمث الخُلق.. و يعشقك ..
اليوم مرّ على زواجكما عامان و نصف.. تعلمين أن والدكِ قد رحل.. و أنا أيضًا تركتكِ و عدتُ إلى إسطنبول ..
قلتُ لكِ بأنّي لا أحب العيش بعيدًا عن موطني.. و لكن هذه أوراق الصراحة فيجب أن أصارحكِ.. عدتُ من أجل “إركان”.. و دون الخوض في تفاصيلٍ قد تزعجك ..
وددتُ كثيرًا أن أعلمكِ بمدى امتناني لأنّكِ زوجةً لـ”يحيى”.. ما زلتُ أذكر فترة صباكِ و مراهقتك معه.. و كم كان يحببك و يخشى عليكِ.. لأكون صريحةً معكِ ما كنت ألقي بالًا لجديّة العلاقة بينكما ..
ظننتُ إنها مجرد لحظات و سوف تنتهي.. إلى أن جئتِ إليَّ و أبلغتني بأنه يود مقابلة أبيكِ و سيحضر والديه ليطلبا يدكِ له ..
في هذه اللحظة أدركتُ إلى أيّ مدى صار وضعكما حقيقيًا.. و كان عليَّ أن أتدخل ..
كان لديَّ هذا الإصرار.. “يحيى” يجب أن يعلم بما صار معكِ على يد “إركان”.. و لم أفعل ذلك إلا حين تأكدتُ بأنه أهلٌ للثقة.. و لأجل مصلحتكِ.. كنتُ سآخذكِ و نعود إلى “إسطنبول” فور أن ألقي بالحقيقة في وجهه.. في حالة رفض الاستمرار معكِ ..
ما كنت لأعرّضكِ لخيبةٍ كهذه.. و لكنه حطّم سوء ظنوني به و أبدى تفانيًا لم أره طوال حياتي.. دعوته للتحدث بمكانٍ ما بعيدًا عنكِ و عن الجميع.. أخبرته بكل شيء صار لكِ ..
أراهن بأنكِ تتحرّقين شوقًا لسماع حديثه.. ألستِ كذلك ؟
سأذكر لكِ بالضبط ما قاله …
-من فعلها ؟
ألقى سؤاله هذا ما إن فرغت من إخباره بأنكِ تعرّضتِ لاعتداءً ..
وجهه لم يكن مقرؤوً أمامي.. و كأنه يمتصّ أجوبتي بتركيزٍ أغناه عن التقرير قبل الاستماع إلى النهاية …
-أخيها !
جاوبته و كنتُ في منتهى الصراحة معه.. أردته أن يعلم كل شيء.. حتى يأخذكِ كما أنتِ.. حتى يعرف ما الذي سيخوضه إذا أختار الزواج منكِ على تلك الحال …
و كما ظننت.. تزعزعت دفاعاته كلها.. و سقط درع الصلابة الذي حمله أمامي طوال الوقت.. تمكنت من رؤية الذهول.. الصدمة.. و حتى الاستنكار بعينيه ..
لكنّي أكدتُ مرةً أخرى :
-إركان شقيق فريال الوحيد.. قام باغتصابها و هما أطفالًا
كانت بالكاد تبلغ الرابعة عشرة.. و إركان يكبرها بعامين.. ما إن عرفت بذلك حتى أبعدته عنها.. و جئنا إلى هنا و قابلتك
ابنتي لم تتحسّن إلا حين إلتقت بك يا يحيى.. لذلك أنا أصارحك بكل هذا الآن
إن كنت لا تزال ترغب بها هكذا فقد طابت نفسي بذلك و يسرّني أن تكون زوجها
و إن أبيتَ فلا ألومك أبدًا.. أنت صاحب القرار !
هل تعرفي يا عزيزتي ماذا كان قراره ؟
هذا واضحٌ على أيّة حال.. ما إن عرف بأنكِ في حالة رفضه الاستمرار معكِ ستغادرين معي أنا و أبيكِ بغير رجعةٍ.. لم يتردد للحظة و هو يبلغني بقبوله ..
بل و يتوّسل إليَّ للوساطة عندك والدك حتى يبارك الزواج في أسرع وقتٍ ..
و كما تعلمين ما حدث لاحقًا.. تمت الزيجة.. و كنتِ أجمل عروس رأتها عينيَّ ..
تساءلت و أنا أراكِ تزدهرين مع حبيبك يومًا بعد يوم.. هل ما فعلته صواب ؟
أجل يا حلوتي.. إنه عين الصواب.. لقد سلّمت ابنتي لرجل حقيقي.. رجل لن يجعلني أندم أبدًا على الوثوق به ..
إنه حقًا يحببك.. لم أعد أشك بهذا ..
كما أنا أيضًا.. على استعدادٍ لبذل حياتي في سبيلك ..
أمّك ..
“جهان” ..
***
أقفلت “فريال” دفتر المذكّرات.. لا تندهش من كمّية الدموع التي تساقطت فوق خدّيها و أغرقت الأوراق.. في حين تكوّنت ابتسامة ملتوّية و ساخرة على فمها ..
كم كانت أمها حسنة النيّة.. و كم كانت “فريال” نفسها بتلك السذاجة ..
كلتاهما وضعتا الثقة بشخص لا يؤتمن.. شخص من وجهة نظر “فريال” الأكثر أنانية على الإطلاق.. و استطاع خداعها لسنوات ..
لماذا ؟
هذا السؤال هو وحده من يستطيع الإجابة عنه ..
أين هو ؟
لقد رحل.. و ما من عودةً له ..
قامت “فريال” من السرير.. سارت مترنّحة صوب نافذة الغرفة العريضة.. لقد اختارت غرفة مميّزة بهذا الفندق.. بحيث يمكنها الاشراف على جسر البوسفور من حيث تقف ..
و صدقًا.. إنه أكثر الأشياء التي يهفو إليها حنينها.. و بالنظر إليه لم تستطع منع أفكارها من الشرود مجددًا ..
التفاصيل التي سردها “إركان” عليها.. أكثر شيء علق برأسها.. ليلة زفافها.. و ما حدث خلف الكواليس …
***
من دون دعوة.. حتى دون علم والديه.. قرر “إركان المهدي” السفر إلى “مصر” و حضور زفاف شقيقته ..
لم يكن مسموحًا لغير حاملي كارت الدعوة الدخول إلى قصر عائلة “البحيري”.. لذا قدّم “إركان” اسمه فقط و انتظر على البوابة.. ليُفاجأ بعد قليل برجال الأمن يسحبونه بهمجية قسرًا عنه إلى غرفة نائية بحديقة القصر الخلفية و الخاضة للاستصلاح ..
لم تتسنّى له فرصة لإبداء أيّ ردة فعل.. رأى شابًا قوي البنية.. رائحة الثراء و الأصالة تفوح منه.. يقبل عليه مرتديًا بذلة العرس ..
أيقن بأنه زوج أخته المزعوم.. فلم يسعه إلا أن يبتسم له بتهكمٍ و هو يشمله بنظراتٍ مستخفّة …
-ماذا تريد ؟
رفع “إركان” حاجبه مدهوشًا ما إن سمع عبارة الأخير و قد نطقها بهذه الحدة ..
حك طرف ذقنه و هو يرد عليه بذات الأسلوب التهكمي :
-أنت العريس إذن.. و تتحدث التركية ؟ ترى من علّمك ؟
دعني أحزر.. فريال صحيح ؟ أختي الحبيبة !
كان عليه أن يذكر أسمها.. و أن يقول هذا تمامًا.. لكي يندفع “يحيى البحيري” صوبه بخطواتٍ هوجاء ..
أمسكه من تلابيب قميصه.. ليأتي رد “إركان” بدفع نسيبه إلى الحائط المقابل ..
اندفع “يحيى” نحوه مرةً أخرى بعزمٍ أكبر و عنف أشدّ.. دفع بساعِده إلى حلق “إركان” و قام بثبيته إلى الجدار من خلفه و هو يهسّ من بين أسنانه :
-أنطق اسمها مرةً أخرى.. و سأدفنك هنا حيًّا أيها القذر اللعين !!!
كان “إركان” يوازي “يحيى” في سعّة الجسم تقريبًا.. لكن غضب “يحيى” جعله يتفوّق عليه في القوة ..
تركه “يحيى” بعد لحظاتٍ مبتعدًا عنه خطوة واسعة حين بدأ يُعاني من صعوبة شديدة بالتنفس ..
أمهله دقيقة.. بقى يسعل و يتنفس جاهدًا.. ثم تطلّع إليه قائلًا بلهجةٍ ماكرة :
-ما هذا الحقد كله ؟ لا يعني سلوكك أيّ شيء سوى أن تكون على علمٍ بما جرى
و لكنّي لا أصدق أن تكون قد أبلغتك بنفسها.. إن فعلت فهي غبيّة بلا شك !!
يرفع “يحيى” قبضته محذرًا :
-حتى هذه اللحظة أنا أراعي الوعد الذي قطعته لوالدتك.. و أنّي لن أطوي الأرض بحثًا عنك لكي أقتلك جزاء ما فعلته بشقيقتك
شقيقتك أيها الوغد السافل !!!
-و هل تظن أنت أو أمي بأنّ كلاكما تحبانها أكثر مني ؟
و تزعم بأنك تحميها مني أنا ؟ إنها ملكًا لي قبل أن تكون زوجتك.. لقد امتلكتها بالفعل أيها الأحمق انت الليلة ستأخذ ما هو ملكي !!
يستعين “يحيى” بكل قوته حتى لا يفقد عقله و يقتله ها هنا.. و بكل منطقٍ لديه بأن اللية ليلة عرسه.. و لن يسمح لشيء على هذه البسيطة بتخريبها ..
مضى يقول بصوتٍ أهدأ.. لكنه الأكثر خطورة :
-أسمعني جيدًا.. أنت مجرد حثالة عديم القيمة.. و لكن والدتك و مع الأسف أمٌ تهتم لأمر طفلّيها
و قد أجبرتني على قطع هذا الوعد بألا أتعرّض إليك ما حييت.. إنما دعني أوضح لك أمرًا.. فريال عثمان المهدي هي الآن زوجتي.. أتفهم هذا ؟
إن تجرأت يومًا على التواصل معها بأيّ شكلٍ من الأشكال فسيكون من دواعي سروري الإتيان بكَ أينما كنت و إزهاق روحك بأشدّ الطرق قسوةً ..
و أشار ناحية الباب مكملًا :
-ستخرج من هذا البيت الآن.. و بخروجك منه سوف تنسى نهائيًا بأن كان لك أختًا
سمعتني ؟ إن رأيتك أو سمعت بك مجددًا فلا تلومن سوى نفسك !!!
***
تفيق “فريال” من الذكرى التي رواها أخيها عليها خلال لقائهما ..
تستمع إلى صوت طرقات على باب غرفتها.. فتسحب نفسًا عميقًا و تستدير ماضية لاستطلاع الطارق ..
كانت ابنتها كما حزرت.. تلقتها بابتسامة واسعة و هي تقول بصوتٍ مبتهج :
-مامي.. انتي لسا زي ما انتي من ساعة ما سبتك ؟
يلا يا حبيبتي احنا مش جايين نقعد.. يلا ننزل نلف في البلد شوية و نتفسح.
إن استمعت لوسواسها فإنه سيأمرها بالخضوع لأشباح الماضي التي تتوق للإجهاز عليها.. لكنه دحرته الآن ..
ابتسمت “فريال” بوجه ابنتها.. و قالت :
-أوكي يا صافي.. ماشي كلامك.. ننزل نلف في البلد و نتفسح !
صفّقت “صفيّة” بحماسٍ :
-أيوة بقى يا مامي.. ده أنا محظوظة هامشي مع واحدة شافت البلد و عرفاها حتة حتة هاتبقى فسحة ماحصلتش !!
ضحكت “فريال” و أفسحت لها لتدخل :
-طيب ادخلي.. إديني عشر دقايق أغيّر هدومي و بعدين ننزل !
google-playkhamsatmostaqltradent