رواية مملكة سفيد الفصل التاسع 9 - بقلم رحمة نبيل

الصفحة الرئيسية

  

 رواية مملكة سفيد الفصل التاسع 9  -   بقلم رحمة نبيل



_____________
كان القتال مستمرًا بينهما، صوت اصطدام السيوف والانفاس العالية هو ما يمكن سماعه، وبسمات سالار وحركاته الرشيقة هي ما يمكن رؤيته في وسط كل تلك المعمعة، وربما يتفوق سالار على إيفان قليلًا، ليس لأنه اقوى منه، بل لأن سالار لم يدع سيفه من يده يومًا سوى في تلك المهمة.
بينما إيفان، والذي يحتم عليه عمله كملك يدير البلاد ويحكم بين شعبها، لا يحمل سيفه سوى لمامًا حينما يقرر أن يتدرب، ولا يخوض حروبًا سوى في الحالات الخطرة وبشدة وهذه الحالات لم تحدث منذ سنوات طويلة في حربهم الأخيرة مع المنبوذين، وحينها يكون الملك هو القائد الاول للجيوش ثم يأتي القائظ الفعلي في المرتبة الثانية بعده..
” يبدو أنك يا مولاي تحتاج لتدريبٍ مكثفٍ ”
ختم سالار حديثه يدفع بسيفه في قوة غاشمة صوب إيفان والذي تصدى له، لكن لقوة الضربة مال جسده للخلف وهو ما يزال يقاوم ويحاول دفع سالار عنه يتنفس بصوت مرتفع :
” ومن يا ترى سيكون معلمي سالار ؟؟ أنت ؟!”
ابتسم سالار بسمة جانبية يبتعد عنه مانحًا إياه فرصة كي يلتقط أنفاسه، وما كاد إيفان يفعل حتى دار سالار بجسده مباغتًا إياه بعنف :
” لا أظن ذلك، ربما في الوقت الحالي نكتفي بدنيار مدربًا لك، وحينما نرى تحسنًا في مستواك، يمكنني أنا أن أكمل معك ”


أطلق إيفان ضحكات صاخبة، يدرك جيدًا أي لعبة يلعبها سالار معه، هكذا هو سالار يحب، بل يعشق استفزازه ..
” آه إن هذا لكرم كبير منك قائد سالار، حقًا لا يسعني شكرك في هذه اللحظة ”
ابتسم له سالار، ثم في ثواني تلاشت بسمته يهجم عليه مستغلًا انشغاله في حالة السخرية الخاصة به، وقد أسقط إيفان دفاعه، ليسقط سالار سيفه ارضًا تحت صدمة إيفان مرددًا بصوت هادئ :
” عدوك لن ينتظرك حتى تنتهي من سخريتك، والافضل ألا تسخر منه قولًا، بل يمكنك أن تسخر منه فعلًا ”
صمت يبتسم بسمة جانبية :
” نعم، تمامًا كما فعلت معك مولاي ”
كان إيفان يحاول أن يستوعب ما حدث منذ ثواني، هل أسقط سالار سيفه للتو؟! هناك من غلبه للمرة الثانية في نزال ؟؟ نفسه الشخص الذي هزمه المرة الأولى ..
تنهد بصوت مرتفع، حسنًا هو يعترف أن لا أحد يستطيع أن يتغلب على سالار، ليس لأنه مقاتل شرس، بل لأن خبرته في القتال والحروب تخطت شراسته، فمهما كنت قويًا، لن تهزم رجلًا نشأ على ذكرى حروب الرسول وقصص معارك خالد ابن الوليد، وعاش سنوات في ارض المعركة .


سالار رجل كرس حياته بالكامل للدفاع عن الوطن ولرد كل الحقوق، لذا هو شاكر أن سالار في صفه وليس في صف عدوه .
لكن إيفان ليس بالخصم السهل ولن يستسلم بهذه السهولة، لذلك مال سريعًا في غفلة من سالار يحمل سيفه ثم عاد للقتال معه وحركات يده كانت سريعة بشكل جعل سالار يبتسم بسمة واسعة مستمتعة، واخيرًا خصم قوي بعد أيام من القتال مع صامد وصمود _ إن سمى ذلك قتالًا _
وبعد ساعة تقريبًا من كل ذلك وحينما لم يصل الإثنان لفائز ألقوا السيوف ارضًا مكتفين بتعادل مؤقتًا .
ليميل إيفان قليلًا وكأنه يرحب يملك يقول بصوت خافت :
” كان قتالًا رائعًا سالار، ذكرني أن نكررها ”
” حينما ترتقي لمستوى القتال معي، ربما نفعلها مجددًا ”
حدق به إيفان بسخرية شديدة وهو يجفف عرق وجهه، يفكر في كيف تحملته الملكة أثناء تلك الرحلة حقًا، فضول شديد اعتراه لمعرفة كيف مرت تلك الرحلة عليهما .
ارتشف سالار بعض رشفات من المياه يرى نظرات الملك له، والتي كانت تبدو غامضة غريبة مما جعله يسخر بمزاح :
” لو أنك امرأة مولاي لكنت قدرت نظراتك حقًا أو لحظة …لم أكن سأفعل، لكن نظراتك لي تلك لا أستسيغها، لذا رجاءً انزع عيونك عني ”
ارتسمت بسمة مخيفة على وجه ايفان الذي كان يفكر في شيء سيثير جنون سالار، وقبل أن يتحدث سمع صوت أحد الجنود يخترق الساحة :
” سيدي هنا معركة في منطقة النساء ”
نظر له إيفان بعدم فهم :
” معركة ؟؟ أليست المشرفة هناك ؟؟ دعها تفصل بين الفتيات ومن ثم ارسلهن لـ ..”
وقبل أن يكمل جملته قاطعه الجندي قائلًا بخوف :
” بل يا مولاي معركة بين أحد الرجال والملكة وفتاة أخرى”
وعند سماع تلك الجملة بصق سالار المياه ارضًا يهمس بعدم فهم :


” الملكة ؟! أي ملكة تلك ؟؟ من أخرجها من جناحها بالله عليكم ؟!”
لكن إيفان لم يتوقف ليطرح كل تلك الاسئلة فهو لن ينتظر حتى يعلم ما يحدث، ركض بسرعة كبيرة وسالار ينظر لاثره بصدمة، قبل أن يلحق به حاملًا سيفه وهو يفكر فيمن تجرأ وتعدي على حرمه نسائهم …
_____________________
كانت تواجهه وهي تحاول أن تخيفه بعدما قررت أن تتبع الخطة البديلة في خطط حياتها، وفي ثواني وقبل أن يستوعب ذلك الرجل شيئًا مالت تبارك ارضًا تحمل حجرًا تلقيه بعنف شديد على قدمه ليطلق الرجل تأوهًا عاليًا هاتفًا بكلمات غير مفهومة لها، لكن هي لم تتكبد عناء محاولة فهمها، وهي تحمل حجرًا آخر اضخم من الاول تنقض به تزيح الفتاة من بين يديه، ثم هبطت به فوق رأسه صارخة :
” لا يحق لك لمسها بهذه الطريقة .”
أطلق الرجل صرخات صاخبة أثارت الرعب في صدر تبارك التي تراجعت للخلف تستوعب ما فعلت، لتقرر الآن أن الوقت قد حان لتهرب، لكن وقبل أن تفعل جذب الرجل حجابها بقوة صارخًا :
” أيتها القذرة سأريكِ كيف تتجرأين وتفعلين ما فعلتي للتو”
وبعد هذه الكلمات شدد قبضته على حجاب تبارك ليخرج في يده، ثم أمسك خصلات شعرها بقوة يصفعها صادمًا رأسها في جدار المبنى الخشبي جوارهم، وصوت صرخات تبارك قد بدأ يعلو ويعلو، والفتاة التي نجت من يد ذلك المعتدي ركضت لتحضر الحرس ..


نظر لها الرجل يبتسم بسمة مقززة وهو يتأمل ملامح تبارك :
” سوف أريكِ الجحيم يا حقيرة ”
بصقت تبارك في وجهه تهتف باشمئزاز :
” رؤيتي للجحيم افضل من رؤيتي لوجهك عن قرب يا حقير”
اشتعلت أعين الرجل بشدة وشعر بجسدة يرتجف غضبًا وهو يرفع يده عاليًا، ولم يكد يهبط بها على وجهها للمرة الثانية حتى اتسعت عيونه بقوة وأطلق شهقة متوجعة .
نظرت له تبارك بعدم فهم، تشعر به يخفف قبضته على شعرها، ابتعدت بسرعة لترى فتاة تقف خلفه وهي تحمل خنجرًا وقد قامت بغرزه في ظهره دون أن يرجف لها جفن، ثم مالت على الرجل وهمست له بكلمات لم تصل لتبارك..
ولم تكن تلك الفتاة سوى كهرمان التي كان جسدها يرتجف، يرتجف غضبًا ورعبًا، ترى الوشم الذي يعلو رقبة ذلك الحقير القاتل، نعم هو واحد منهم، هو أحد المنبوذين الذين قتلوا عائلتها، ودمروا وطنها وحياتها .
ارتجفت يد كهرمان بقوة وهي تسحب الخنجر، ثم مجددًا غرزته وهي تصرخ :
” أوصل سلامي للقذرين امثالك، اقسم أن أجعل جميع ذريتك يلحقون بك ”
سقط الرجل ارضًا بقوة لترتعد تبارك وتعود للخلف مطلقة صرخة مرتعبة، يا الله هي شهدت مقتل رجل للتو، لقد طعنته، كانت أعين تبارك متسعة فزعًا وهي تراقب جثة الرجل ارضًا ..
وكهرمان التي لم تكتفي بعد أخذت تطعن به وهي تصرخ بقهر بكلمات غير مفهومة لتبارك التي شهقت وهي تضع يديها أعلى فمها، ترى الفتاة تنقض عليه بالطعنات وهي تصرخ باكية .
” هذه لأجل امي وأخي، لعنة الله عليكم جميعًا، لعنة الله عليكم يا كافرين، لتتعفنوا في الجحيم، لعنة الله عليكم ”
كانت تصرخ منهارة وتبارك ترتجف، ولم تشعر بشيء سوى بمن يجذبها للخلف، ومن ثم اندفع صوب الفتاة يصرخ فيها :
” كهرمان توقفي، توقفي ما الذي تفعلينه، توقفي لقد مات، لقد قتلتيه توقفي ”


ارتجفت كهرمان بقوة وهي ترفع عيونها لزمرد التي كانت مصدومة أن تتلوث يد الأميرة الناعمة والتي نشأت على حمل الاكواب الخزفية والورود، بالدماء وأي دماء ..دماء رجال بافل.
انتزعت زمرد الخنجر من يد كهرمان تتعجب حصولها عليه، في الوقت الذي وصل به حراس الملك يصرخون بهم أن يبتعدوا عن الرجل .
أبعدت زمرد كهرمان خلفها، ثم حملت هي الخنجر وجسدها يرتجف بقوة مما سيحدث، هذه جريمة قتل، ربما معرفتهم أنه من رجال بافل سيخفف العقوبة، نعم ستخبرهم، لن تدع مكروهًا يصيب كهرمان .
في تلك اللحظة كانت تبارك تحاول أن تستوعب ما يحدث، نهضت من مكانها تمسح دموعها بصعوبة ثم اقتربت من جثة الرجل تقاوم رغبتها في القيء في الوقت الذي سمعت به صوت جهوري يهتف :
” لا أحد يقترب الملكة بلا حجاب، عودوا جميعًا للخلف ..”
ارتعش جسد تبارك في تلك اللحظة تستوعب ما يحدث، تحسست شعرها بسرعة كبيرة وهي تشهق مرتعبة، تبحث بعيونها عن الحجاب حتى سمعت صوت زمرد تقول :
” أنه هناك بجوار الجدار ”
ركضت صوبه تخفي شعرها وهي ترتجف، وفكرة أنه شاهد شعرها تصيب جسدها برجفة، رجفة قوية، القائد رأى شعرها ..
كان سالار يركض خلف الملك، لكن زادت حدة ركضه وسرعته أكثر حينما سمع صرخات الملكة تعلو، اشتد غضبه والتهبت أنفاسه ينتزع سيفه مقتحمًا منطقة النساء يتحرك صوب تلك الصرخات ليبصر فتاة تطعن رجلًا بغضب شديد.


كاد يصرخ بها أن تتوقف، لكن صدمته لرؤية تبارك بلا حجاب وخصلاتها مسترسلة خلف ظهرها جعل كلماته تتوقف في حلقه بصدمة، تنفس بعنف وما كاد يبعد عيونه عنها صارخًا بها أن تغطي شعرها، حتى أبصر بطرف عيونه ركض الجنود والملك نحوهم ليصيح بغضب يعطي تبارك ظهره :
” لا أحد يقترب الملكة بلا حجاب، عودوا جميعًا للخلف ..”
توقف الجميع بمن فيهم الملك الذي اتسعت عيونه بصدمة لكلمات سالار، بينما سالار تلاشى النظر لهم جميعًا ولم يتحدث بكلمة حتى سمع صوتًا خافتًا يتحدث خلفه :
” أنا… أنا لبست الطرحة يا قائد ”
استدار سالار ببطء شديد وكأنه لا يثق في كلماتها، قبل أن يتنهد ويتأكد من الأمر، استدار مجددًا يشير للحراس بأمر :
” خذوا جثة ذلك الرجل بعيدًا، واحضروا الفتاتين والملكة، بكل هدوء صوب القاعة ليتولى الملك الحكم في شأنهم ”
ختم كلماته يترك الجميع متحركًا بعيدًا عنهم دون كلمة إضافية، بينما تبارك تحسست حجابها بخجل شديد وقد شعرت برغبة عارمة في البكاء على تفكيرها الغبي في هذه اللحظة، لكنها لم تستطع منع نفسها من الشعور بالخزي لأنها لم تمشط شعرها منذ ايام وقد كانت خصلاتها هائجة ومتشابكة بشكل …سييء، وهو رآها هكذا، هل هناك موقف آخر سييء لم يرها به القائد ؟؟
لا ينقصها سوى أن يراها نائمة يسيل لعابها حتى يكتمل البوم الصور المخزية في عقله لها ..
_____________________
لا تدري ما الذي جاء بها لهذا المكان، هي ممنوع عليها أن تخطو لمكان خارج صلاحيات عملها، وبالتأكيد مشفى الجنود ليست من ضمن تلك الصلاحيات، لكنها مرتعبة، منذ التهديد الاخير للقائد دانيار والذي أوضح به جيدًا أنه سيتخلص منها إن أثبت أن لها يدًا في إصابة رفيقه وهي مرتعبة، ونعم هي ليس لها يد، لكن ذلك المختل صانع الأسلحة هددها وبشكل مباشر قبل اغماءه أنه سيريها الويل ..
ابتلعت ريقها تتوقف في منتصف المشفى تنظر يمينًا ويسارًا بحثًا عن غرفته، لكن لا تدري أيهما كانت، لذلك فكرت في التراجع والاختفاء عن الأعين فترة و…
توقفت فجأة وهي تسمع صوت مقابض الابواب تتحرك مما جعلها تركض لتختبئ تراقب دانيار يخرج من إحدى الغرفة وهو يتحدث مع الطبيب بجدية كبيرة :
” حسنًا مهيار انتبه له وأنا في المساء سآتي لزيارته مجددًا، والآن سأرحل لاتحدث مع القائد بشأن عقابي ”
أمسك مهيار يد دانيار يردد :
” وأنا كذلك يا دانيار أخبره أن لا قِبل لي بمثل تلك الأمور يا أخي”
هز دانيار رأسه متنهدًا بحنق، قبل أن يربت على خصلات مهيار كما لو كان طفلًا وليس شابًا في الثامنة والعشرين :
” رغم علمي أن حديثي لن يغير ايًا من قراراته، لكن لا ضير في المحاولة ”
وهكذا تفرق الأثنان وابتسمت برلنت بسعادة كبيرة إذ أُتيحت لها فرصة الدخول وتوسل ذلك المختل ليتناسى ما قالته في غمرة رعبها .
دخلت الحجرة تاركة الباب مفتوح خلفها، فهي خالفت القوانين بالمجئ للمشفى، ولا تود أن تزيد من طينتهًا بلًا بالاختلاء برجل داخل حجرة مغلقة ولو كان ذلك الرجل طريح الفراش .
اقتربت منه بريبة وهي تنظر للخلف كل ثانية، ثم تكمل تقدم صوب الفراش بحرص، واخيرًا حينما أصبحت جواره مالت تجلس على ركبتها مبتعدة بشكل مناسب عن الفراش وهي تراه ساقطًا في غيبوبته، المسكين الحقير لا بد أنه يعاني من الوجع .
” سيدي مرحبًا جيتك للإعتذار، هذه أنا، أقصد، حسنًا ربما لا تعلم لي اسمًا، لكنني هي نفسها الفتاة التي ألقيت عليها قنبلة سابقًا واسقطتها عن الدرج بعدما حدت تفجرها للمرة الثانية، واسقطتها عن فرع الشجرة بكل حقارة، ثم هددتها و…”
صمتت برلنت فجأة وكأنها للتو استوعبت كل ما فعله معها، كل مرة قابلها يكون على وشك قتلها، وهي لأنها سبته فقط أثناء خروج روحه يهددها ويرعبها؟؟ ذلك الحقير .
فجأة تراجعت برلنت عن كل ما جاءت لأجله بعدما شعرت بنيران تشتعل داخل صدرها حينما أدركت كل ما فعله معها :
” أيها الحقير تهددني بالهلاك وأنت لم ترني يومًا، إلا وانتهى يومي بالخراب ؟؟ لقد كدت تقتلني في كل مرة قابلتني به، يالله للتو أدركت الأمر ”
نظرت له بتشفي كبير وهو متسطح بملامح شاحبة أعلى الفراش، لتبتسم بكره شديد وهي تقف تراقبه من الاعلى :
” ما تعانيه في تلك اللحظة هو عقاب الله لك، لتذهب إلى الجحيم لن اعتذر لك، وهذا المدعو دانيار اقسم أنني سأشتكيه للملك بسبب تهــ….”
” هل خرقتي القوانين وغامرتي بحياتك فقط لتؤرقي منامي وراحتي يا امرأة ؟؟”
أطلقت برلنت صرخة مرتفعة تتراجع خطوات للخلف، وقد بدأ جسدها يرتجف برعب شديد، وهو تنفس بحنق ينتفض عن فراشه ليس وكأنه منذ ساعات كان ينازع الموت، تحرك عن فراشه وهبط منه يراها تنظر له بأعين متسعة …
ابتسم يقول :
” والآن ما الذي كنت تهزين به وقت تسطحي على الفراش؟!”
” أنا… أنا سيدي … أنا فقط جئت كي …اعتذر ..نعم جئتك اعتذر عما بدر مني منذ ساعات أثناء احتضارك ”
رفع تميم حاجبه بسخرية وهي ابتسمت له، وحينما رأته يقترب منها خطوات مثيرة للرعب أطلقت صرخة مرتفعة جعلت أعين تميم تتسع :
” أيتها الغبية توقفي عن الصراخ سيظن الجميع بنا سوءًا وسنحاكم سويًا ”
بكت برلنت برعب تشير له أن يبتعد :
” ارجوك ارحمني أنا لست سوى فتاة يتيمة مسكينة جئت هنا للعمل لأجل ايجاد منزل يأويني، لقد عشت ليالي دون أن أتمكن من تناول كسرة خبز عفنة حتى، كنت التحف بالسماء وانام على الرمال، اكلت الحشائش و…”
كانت برلنت تسهب في سرد معاناتها عبر السنين السابقة، تبكي بحزن وقد بدأ جسدها يرتجف بقوة وهو يراقبها بملامح بلهاء لا يفهم ما تفعل تلك الغبية، ومن بين كل تلك الحوادث المأساوية أشار لها تميم يقول بعدم فهم :
” يا فتاة أوليس والدك بائع اقمشة ؟؟ ووالدتك ربة منزل ؟؟ ومنزلك يقبع في المقاطعة الشمالية ؟؟ ”
اتسعت أعين برلنت بقوة وقد ثقب تميم لتوه فقاعة البؤس التي كانت تدفع نفسها داخلها، تنظر له بصدمة. هامسة من بين دموعها بصوت مذهول :
” كيف علمت ؟؟”
” كيف علمت ماذا أيتها الحمقاء ؟؟ جميع من بالقصر يعلم الأمر فأنتِ نفسها من تشاجرتي مع فتاة منذ شهر تقريبًا وجئتِ تشتكين للملك وتقصين عليه حكايتك ”
مسحت برلنت دموعها وقد فشلت خطة الاستعطاف التي تتبعها في مواقف عدة، ثم نهضت تنفض ثيابها ومن بعدها نظرت له ببسمة صغيرة تقول بريبة وقلق :
” إذن أنت لن تكون وقحًا وتنتقم مني حينما تصبح بخير ؟؟”
رفع تميم حاجبه مبتسمًا بسخرية، وهي ابتسمت أكثر تنتظر منه إشارة أنه لن يمسها بسوء، وهو فقط أشار صوب الباب يقول بملامح جامدة :
” اخرجي من هنا ”
” هل هذا يعني أنك سترحمني لأجل عائلتي المسكينة على الأقل؟؟ ”
نظر لها بغضب وحنق شديد :
” إن لم تخرجي سأتناسى كل شيء يمنعني من الأمر واتخلص منكِ”
اتسعت بسمة برلنت أكثر وقد شعرت أنه لن يؤذيها، لذلك ركضت صوب الباب تقول بصوت مرتفع :
” حسنًا وأبعد عني ذلك الرجل المسمى بدانـ …”
ولم تكمل جملتها حتى وجدت جسد ضخم يمنعها عن الخروج من الغرفة، رفعت عيونها بصدمة لتجد أمامها الطبيب مهيار والذي أخذ يحرك نظراته بينهما، ثم ضيق حاجبيه يقول :
” امرأة بين جدران مشفايّ ؟؟”
_____________________
الأمر جاد وبشكل خطير تدرك ذلك، الملك على عرشه والفتاتين برؤوس منكوسة أمامه والجنود يحيطون بهما، والمستشارين يحدون الملك من الجانبين، حسنًا ستكون سخيفة إن قالت إن هذا المشهد اعجبها، ليس وكأنها سعيدة بالمأزق الذي سقطت به الفتيات، لكن …حسنًا هي قديمًا كانت دائمة النقد على المشاهد التافهة التي لا يتم الترتيب لها بشكل جيد، وهذا المشهد أمامها كامل متكامل، ربما لأنه ليس مشهدًا بل حقيقة …
فجأة شعرت بجسدها ينتفض حين سماع صوت الملك يتحدث بنبرة لغت في عقلها ذلك الراقي الهادئ الذي كان يتحدث معها سابقًا :
” اريد معرفة كل ما حدث داخل المزارع و…”
سارعت تبارك تبرر ما حدث بسرعة كبيرة رافضة أن يُظلم أحد وهي شهدت بعيونها ما جرى، وعند تذكرها للأمر لا إراديًا ارتجف جسدها من مشهد قتل الرجل :
“سيدي القاضـ…الملك، رجاءً لا تظلم أحدًا منهما، اللوم لا يقع على عاتقهما بل ذلك الحقير كان هو السبب فيما حدث، لقد حاول أن يتهجم على فتاة أمام مرأى ومسمع من الجميع ولم يكتفي …هي يكتفي ولا يكتف ؟؟ مجزومة صح ؟؟”
كانت تتحدث بجدية تدرك أنهم يعلمون أكثر منها في تلك الأمور إن كانت تلك لغتهم الرسمية، لكن نظرات الريبة والصدمة حولها والأعين المتسعة التي تحيط بها جعلتها تدور في مكانها وهي تفكر فيما فعلت :
” ايه مش مجزومة ؟؟ ”
كان إيفان يحدق بها في ذهول كبير، كيف تقاطع حديثه بهذه البساطة، ممنوع منعًا باتًا أن يتجرأ أحدهم ويقاطع حديث الملك دون أن يأمره هو بالحديث .
ابتلعت تبارك ريقها تحاول التفكير فيما قالت، هل أخطأت في قول شيء ليرمقها الجميع بهذا الشكل .
فجأة لمحت بطرف عيونها سالار يتقدم للمكان بكل هيبة وقوة لتنتفض وهي تهم بالركض له لتحتمي به، لكن وكأنه شعر بذلك إذ نظر لها نظرة جمدتها يأمرها بعيونها أن تلتزم مكانها جوار الملك، وهو توقف في منتصف القاعة أمام كهرمان وزمرد يقول :
” هل تسمح لي بالحديث مولاي ؟؟”
نظرت له تبارك باستنكار لما يقول، هل هم في فصل دراسي ليستأذن بالحديث، وما كادت تخبره أن يتحدث مباشرة، حتى قاطعها صوت إيفان يقول :
” لك حرية الحديث قائد سالار ”
هز سالار رأسه يقول بصوت هادئ وهو ينظر للجميع قبل أن يرى وجهها الشاحب لا يفهم ما فعلت تلك الكارثة :
” مولاي لقد اكتشفها أن ذلك الرجل الذي تم قتله بواسطة العاملة هو أحد المنبوذين وقد تسلل لمملكتنا خيفة في ذلك اليوم الذي هجموا به وهرب منهم وظل طوال ذلك الوقت هنا و…”
ومجددًا قاطعت تبارك حديثه مستنكرة لما يقول، وقد مثل جهلها بما يدور حولها كارثة ستدفع بها للهاوية :
” أرى أنه ليس من الجيد وصفه بالمنبوذ، هو الآن بين يدي الله حتى ولو أذنب، فلا يجوز لك أن تصفه بهذه الصفة العنصرية و…”
توقفت عن الحديث حينما أبصرت أعين سالار التي اسودت بشكل مرعب، لتنكمش على نفسها تسمع صوت الهادر يقول :
” ذلك الرجل كافر، مغتصب وقاتل، لا اعتقد أن امثال هذا الحقير تجوز عليهم الرحمة مولاتي ”
حسنًا هذا مفاجئ لها، بُهتت وهي تشعر أنها تلقت لتوها صفعة، هي ظنته أحد الرجال الذين راودتهم أنفسهم على ارتكاب معصية، هزت رأسها تهمس بصوت منخفض :
” أوه، هذا يفسر الكثير إذن، لعنة الله عليه ”
ابتسم سالار بسمة جانبية ساخرة، ثم نظر لايفان بنظرات أقرب للتشفي والشفقة، وإيفان المسكين نظر له نظرة المغلوب على أمره يحاول أن يضع لها حجج في رأسه كي يتغاضى عن أفعالها .
” حسنًا بالاستناد إلى حديث القائد سالار وما حدث من قِبل ذلك القذر، فلن تتحمل ايًا منكما عقابًا جراء ما حدث، بل سيتم منحكما مكافأة مالية لإغاثة رفيقة لكما، وكذلك سيتم إسقاط عقاب فتاة الحظيرة عنها ”
اتسعت عيون كهرمان التي كانت تنظر ارضًا تحاول أن تهدأ بعد ما حدث معها، لكن فجأة رفعت رأسها بصدمة تستنكر ما سمعت :
” فتاة الحظيرة ؟؟ هل تمزح معي ؟؟”
اتسعت عين إيفان بقوة وهو ينظر لها بشر بينما هي صُدمت حين سمعت صوت شهقات في المكان لتدرك أن صوتها كان أعلى مما تخيلت .
ابتلعت ريقها تهمس بصوت خافت :
” أقصد أنني شاكرة لك ولكرمك مولاي ”
ابتسمت زمرد بسمة صغيرة، ثم نظرت ارضًا تقول :
” اسمح لنا بالمغادرة مولاي ”
تنحنح إيفان يحاول تمرير ما سمع منذ ثواني، يبدو أن اليوم ليس يوم حظه مع النساء، أشار لهما بكفه أن يرحلا، ثم نظر لسالار وقال بصوت غامض :
” تعلم ما ستفعله قائد سالار ”
هز سالار رأسه بهدوء شديد، ثم غادر دون كلمة أو نظرة واحدة حتى صوب تبارك والتي كانت تلوح له بيدها في محاولة بائسة لجذب انتباهه، تريد فقط أن تخبره بشيء و…
فجأة انتبهت لنظرات الملك المستنكرة لها، وهي ابتسمت بهدوء :
” أنا.. أنا آسفة على ما حدث، لم أكن أعلم ما يدور ومن هم المنبوذون ”
تنهد إيفان بصوت مرتفع ثم قال :
” ملكة تبارك ”
ورغم تعجبها لتلك الكلمة، وصعوبة ابتلاعها لها، إلا أنها اومأت له تنتظر أن يتحدث، ليبتسم هو قائلًا:
” رجاءً تحركي مع الجنود صوب مخدعك، وخذي قسطًا من الراحة حتى موعد الطعام ومن ثم نتحدث، حسنًا ؟!”
هزت رأسها بلا اهتمام :
” وماله، انا اصلا تعبانة ”
” ماذا ؟!”
نظرت له تتذكر كلمات سالار بشأن العامية :
” أقول لا بأس أنا أشعر بالتعب الشديد حقًا و…”
الآن نفذت جميع كلماتها الفصحى، حسنًا لا بأس ستهز رأسها وينتهي الأمر، وهكذا بدأت تهز رأسها له وإيفان شعر بالريبة الشديدة وهو يعود برأسه لخلف ثم ابتسم بعدم فهم لما تفعل :
” حسنًا … امممم ..سيرشدك الجنود لمخدعك ”
وخجلت هي أن تسأل معنى كلمة ( مخدعك ) لكنها خمنت أنها غرفة، لِم لا يقول غرفتك فقط، هل يود التفاخر أمامها بلغته الفصحى ؟؟ لا وألف لا، هي من جيل شباب المستقبل ومن أبناء سبيستون، ستريه كيف تكون الفصحى، لكن حينما تستيقظ لاحقًا، الآن ستذهب لترتاح حتى تستعد للمعركة .
” طيب ”
وبهذه الكلمة تحركت عن مقعدها ترفع رأسها للأعلى تتحرك خارج القاعة دون أن تأبه بأحد حولها، أو تهتم لنظرات من يحيطها، فقط ابتسامة ثقة، ومشية مليئة بالرجولة هي كل ما صدر منها ..
تنهد الملك براحة متنفسًا الصعداء هامسًا :
” الآن فقط أدركت سبب بسمة سالار المتشفية ”
بينما تبارك خرجت من القاعة تشعر بالاختناق الشديد، لقد ملت حياة الملوك والقيود، ملتها قبل حتى أن تبدأها .
تنهدت بصوت مرتفع وهي تلمح رجل ذو شعر اسود وبشرة بيضاء وأعين ملونة يتحرك في الساحة يحمل حاوية سهام خلف ظهره لتتنهد بحنق :
” مش ده قليل الادب اللي زعق ليا الصبح ؟؟ اكيد واحد من رجالة سالار، لازم يعرف أنه قلل من احترامي”
انتبه دانيار والذي كان يتحرك صوب جناح سالار بعدما أرسل له جندي كي يحضره، لها وفجأة توقف حينما رأى الملكة تتحرك أمامه وهي ترمقه بنظرات غير مفهومة جعلته يتحدث بهدوء :
” هل يمكنني مساعدتك مولاتي ؟؟”
رمقته تبارك من أعلى لاسفل بعداء واضح وقبل أن تتحدث سمعت صوت سالار يقول بصوت جهوري :
” دانيار دعك منها وتعال بسرعة ”
راقبت تبارك المدعو دانيار يتركها ويتحرك صوب سالار الذي رمقها بشر قبل أن يختفي داخل المبنى الخاص بالغرف، وهي ما تزال تقف بذهول مما يفعل :
” ده أنا لو قاتلة ليه قتيل مش هيتعامل معايا معاملة العبيد دي، أنا مش فاهمة ملكة ايه دي اللي جايبني عشان اكونها؟؟ ده انا لو هشتغل جارية هنا اكرملي، على الأقل هقبض في الآخر، إنما أنا بتهزق من الرايح واللي جاي ببلاش ”
سارت صوب حجرتها بغضب وخطوات قوية وودت لو تركض بين الطرقات، والحنق يملئ صدرها بقوة وقد شعرت بالنقم من ذلك القائد والآخر دينار أو لا تتذكر ما اسمه، وكذا الملك الذي لا يساعد في اعطائها هيبة مستحقة لكونها الملكة هنا رغم احترامه وتقديره لها…
لعنة الله على مملكة لا تحترم ملكتها، تقسم أنها لو تعرف فقط طريق العودة لكانت عادت .
_____________________
” إذن ماذا ستفعلين ؟! ”
خلعت زمرد ثيابها المزعجة التي تقيدها في الحركة تحتفظ بسروال ضيق وثياب علوية قصيرة بعض الشيء، تتنفس براحة شديد :
” سأذهب لذلك الغبي قائد الرماة وأخبره أن يعيد لي سيفي، فبعد اهدارك لخنجري العزيز على ذلك القذر لم يعد لنا من أسلحة ندافع بها عن أنفسنا ”
نظرت لها كهرمان باعتذار شديد، لكن زمرد ابتسمت وهي تخبرها أنه لا بأس بما فعلت .
بينما برلنت والتي أصرت على أن تنتقل للمبيت في غرفتهم خوفًا أن ينتقم منها ذلك المختل تقول :
” ذلك المدعو دانيار، يا لطيف كم هو مرعب وحقير ”
” نعم برلنت هو حقير، جميع جنود الملك كذلك، وايضًا الملك نفسه حقير ”
كانت هذه جملة زمرد وهي تحرر خصلات شعرها بغضب شديد، بينما هزت كهرمان رأسها تؤيد ما قالته زمرد :
” صحيح الملك حقير، لكنني سمعت أن القائد سالار أفضل منه، دائمًا ما كان اخي يخبرني عنه وعن مروئته وقوته ”
وفورًا ارتسمت بسمة على فم برلنت تقول :
” القائد سالار ؟؟ يا فتاة هو رجل احلام أي امرأة، هو والملك، أنهما رائعان ”
رفعت زمرد حاجبها بسخرية، ثم ألقت نفسها على الفراش تنظر لبرلنت بشك :
” ما الذي حدث لكِ اليوم برلنت بعدما ذهبتي للمشفى ؟؟”
ابتلعت برلنت ريقها تتذكر امساك الطبيب بها في حجرة صانع الأسلحة لتقول بصوت خافت :
” لقد كادت كارثة تسقط أسفل رأسي لولا مساعدة القائد تميم، لا أصدق أنه فعلها لكنه ساعدني على أية حال، حسنًا هو مدين لي بالكثير لقد اخبر الطبيب أنني من وجدته وانتقذته وهو اسقط قلادته وأنا ذهبت لاعيدها ”
صمتت بعدما انتهت من حديثها، لكن بالنسبة لزمرد لم ينتهي الأمر عند تلك النقطة، فاحمرار وجه برلنت يوحي أن ما حدث أكثر من ذلك، لكنها لم تجادلها أو تتدخل أكثر، يكفيها ما تمر به هي .
تحركت صوب النافذة كي تستنشق بعض الهواء النقي وهي تفكر في القادم، ما الذي ستفعله لاحقًا، هل ستستمر حياتها بهذا الشكل الروتيني الممل ؟؟ تحيا وتموت فقط لتعمل كخادمة وتتركهم احياء يتنعمون في رغد الحياة ؟؟
لا والف لا، تقسم أنها ستريهم من الويل ما يشيب الرأس.
ومن بين أفكارها انتبهت زمرد لاجساد ترتدي الأسود بالكامل تتحرك في الظلام بحركات رشيقة، أحدهم يحمل سهامًا والآخر يسبقه بسيوف عدة، والثالث يسحب خلفه سلاسل حديدية
مالت برقبتها تحاول معرفة ما يحدث، لتجد أن هناك ثلاثة رجال صعدوا على الخيل وتحركوا خارج القلعة بسرعة كبيرة .
” ترى ما الذي يحدث هنا ؟”
_________________
هناك حيث تلك الأجساد التي اتخذت الليل ستارًا لهم واتشحوا بالسواد كي يندمجوا به .
ارتجف جسد تميم بقوة وهو يتحسس جرحه الذي ما يزال حيًا، وعيونه تحلق حول سالار بغيظ شديد، غيظ مكبوت من الصعب التعبير عنه، أو يمكن القول من المستحيل التعبير عنه .
لا يتذكر سوى أنه كأي مريض يعاني آلامًا، كان يتسطح على فراشه يفكر في تلك الفتاة التي اقتحمت غرفته، والتي ركضت تختبئ خلفه وتتحامى به من مهيار تهمس له بجزع :
” انتهى امري ”
نظر لها بعدم فهم، ثم نظر أمامه لمهيار الذي كانت عيونه تتعجب وجود امرأة في مشفى الجنود حيث لا يمكن لامرأة أن تتواجد، لكن فجأة شعر بيد تميم ترفع رأسه مبعدة إياها عن تلك الصغيرة خلفه :
” هي جاءت لرؤيتي كي تعيد لي قلادتي مهيار، فهي من وجدت جسدي غارقًا في دمائي وابصرت قلادتي ملقاه جواري، فجاءت لتعيدها ”
ورغم أن مهيار لم يقتنع، كان تميم غير مهتم البتة وهو ينظر لبرلنت خلف ظهره بجدية :
” اخرجي من هنا ولا تخطي هذه المشفى مجددًا لأي سببٍ كان ”
هزت رأسها تركض كالقذيفة ولا تصدق انها نجت، كانت ضربات صدرها تكاد تتوقف من رعبها ..
بينما تميم تابعها بعيون غامضة، ثم صرف مهيار بطريقته وتسطح على فراشه لينال قسطًا من الراحة، لكن وبعد ساعة وحينما بدأ النوم يداعب جفونه، اقتحم سالار غرفته وصفع النوم مبعدًا إياه عنه، وسحب جسده عن الفراش يهتف دون النظر له :
” هيا سنذهب لنأخذ بثأرك ”
وتميم المسكين لم يكن يعي ما يحدث، سوى أن جسده سُحب خارج الغرفة وخرج من المشفى بأكملها، ليجد دانيار ينتظرهم أمام بوابتها يلقي في وجهه ثياب القتال :
” هيا يا فتى ارتدي ثيابك كي لا نتأخر ”
نظر لهما تميم يحاول أن يعلم ما يحدث هنا، لينتبه أخيرًا لثياب سالار القتالية والتي تتألف من بنطال قماشي اسودي وسترة من نفس اللون، ودرع اسود كذلك الذي كان يستخدمه في الغارات الليلة كي لا يعكس الإضاءة كالذهبي ويفضحهم .
وعلى خصره حزام يحوي سيفين.
والعزيز دانيار كعادته يرتدي لثامه وثيابه البنية وعلى كتفه حامل سهام وبين يديه قوسه، وفي اليد الأخرى يحمل سلسلته الحديدية .
ابتسم دانيار يلقي بالسلسة صوب تميم يقول ببسمة :
” هاك سلاحك، القائد سيأتي معنا ليشرف بنفسه على أخذك لثأرك ”
نظر تميم لثيابه ولسلاحه بين ذراعيه :
” الآن؟؟ في هذا الوقت وأنا بهذه الحالة ؟!”
اقترب منه سالار يهتف من بين أسنانه وبالقرب من وجه تميم وبصوت كالفحيح :
” الثأر يفضل أكله ساخنًا، وقبل أن يبرد جرحك، فهمت ؟؟”
هز تميم رأسه بسرعة يردد :
” فهمت ..فهمت يا قائد، سأتناوله مشتعلًا”
وها هو الآن فوق صهوة حصانه يسير مع سالار ودانيار لتناول وجبة ثأره ساخنة كما يقول سالار والذي جُنّ حنونه حين علم باقتحام المنبوذون لمملكة هو بها، أخذ يصرخ حينما علم أنهم يريدون إرسال رسالة لهم ليردد ببسمة مرعبة :
” حسنًا وأنا أيضًا سأرسل لهم رسالة، أنا كذلك لدي أصابع لكتابة الرسائل، ولكن رسالتي ستكون بدمائهم ”
ساعات مرت قبل أن تتوقف الأحصنة على حدود المملكة المشتركة مع مشكى، أشار لهما سالار بالهدوء، ثم بعيونه قام بعمل إشارة لدانيار الذي ابتسم وهو يهبط عن خيله يتحرك بخفة خلف بعض الأشجار وحينما توقف امسك القوس ووضع به أربعة سهام يراقب المنبوذين على الحدود ..
وابتسم بسمة جانبية قبل أن يطلق سهامه بقوة جعلتها تخترق الأجساد مسقطة إياها ارضًا دون حتى أن يستوعب أحدهم طريقة موته .
اتسعت أعين باقي الرجال وقبل أن يطلق أحدهم كلمة واحدة لتحذير الباقيين، كانت سلسال تميم الحديدية تلتف حول رؤوسهم بقوة مرعبة وهو يجذب طرفيها حتى خنقهم جميعًا ..
ظل سالار فوق حصانه يفحص الرجال المسطحين ارضًا، ثم تحرك داخل حدود مشكى، يقول بصوت خافت :
” تناولوا وجبتكم اعزائي، ريثما اكتب لبافل رسالة شكر عن زيارة رجاله الأخيرة ”
ختم كلماته وهو يتحرك بكل هدوء داخل المملكة وقد أنزل قلنسوة رأسه يخفي ملامحه، يبصر بطرف عيونه خيالات تميم ودانيار ..
زاد سالار من سرعة حصانه يقوده صوب قصر ملك مشكى السابق والذي كان رفيقه، لا يدري ما الذي حدث ولم يستوعب حتى الآن صدمته حين اكتشف ما حدث له..
اغمض عيونه بغضب شديد وحسرة ووجع أكبر يتذكر أرسلان العزيز والذي كان صديقًا لهم جميعًا قبل خلافه الاخير مع إيفان والذي أدى لنشوب حرب باردة بين المملكتين .
وجع نخر صدر سالار وبقوة وهو يسمع صوت أرسلان حوله وكأن جدران مملكته أبت إلا أن تحتفظ بصدى صوت ملكها العادل .
” ربما يومًا ما يا صديقي أوافق على منحك جوهرتي الغالية وازوجك شقيقتي الحبيبة”
نظر سالار صوب أرسلان ببسمة جانبية حانقة:
” لا يا عزيزي فلتحتفظ بجوهرتك هنا، فما لي والجواهر أنا، لا قِبل لي بالتعامل مع النساء، فما بالك لو كن كشقيقتك ؟! أنا إن أردت امرأة، اريدها قوية شرسة ولا تخشى سوى الله”
أطلق أرسلان ضحكات مرتفعة :
” إذن علينا أن نبحث لك عن فتاة حرب وليس زوجة، ثم أنا امازحك، فأنا لن اترك شقيقتي تتزوج وتبتعد عني ”
صمت ثوان ثم قال بجدية :
” سأنتظر ذلك اليوم الذي سيأتي فيه فارسًا شجاعًا يلقي سيفه أسفل أقدامي، ثم يركع طالبًا ودّ غاليتي، وفي النهاية ارفضه ”
خرج سالار من ذكريات حينما أصبح على مشارف قلعة مشكى، المكان الذي كان يفتح له أبوابه حينما يقترب منه بأمر من أرسلان :
” رحمة الله عليك وعلى جميع أفراد عائلتك يا صديقي، سأقتص لك، اقسم أنني سأقتص لك منهم اجمعين، عشت رجلًا ومت بطلًا يا صديقي، رحلت شهيدًا فهنيئًا لك الجنة”
ختم حديثه وقلبه يرتجف تأثرًا، ليس من السهل أن يتأثر رجلٍ كسالار بالموت خاصة وهو يرى الجثث في حياته أكثر من رؤيته للأحياء، لكن أرسلان لم يكن رفيق يوم أو حتى عام، أرسلان كان صديقه منذ ثلاثين عامًا، فترة كاملة ليبكي رحيله، لكن لا وألف لا، والله لن تهبط دمعة واحدة عليه حتى يقتص له ويجد جثته التي أخفاها هؤلاء الملاعين ويدفنه وحينها يمكنه أن ينهار باكيًا على قبر صديقه ويرثيه .
تحرك سالار صوب الجزء الخلفي من القلعة، حيث تحيطه أشجار كثيفة، ابتسم يسحب أحد أفرع الشجرة جانبًا ليظهر أمامه بوابة خفية تُستخدم في حالات الطوارئ..
فتح البوابة ودخل للقلعة بكل سهولة ويسر وللعجب لم يعترض أحد طريقه، همس بسخرية لاذعة :
” آهٍ من خنازير أمنوا مكر الأسود .”
تحرك صوب المبنى الرئيسي في القصر وأعينه تلتمع بالشر وهناك بسمة مخيفة ترتسم جانب شفتيه :
” بافل أيها الحبيب، أنا قادم …”
سحب سيفيه يتحرك للداخل وحوله هالة سوداء مرعب، كان كما الموت يسير على قدمين .
توقف أمام بوابة القصر ليجد رجلين أمامه فتعجب من وجود حراس وهو الذي لم يبصر حارسًا واحدًا في طريقه :
” أوه، ما الذي تفعلانه هنا يا رجال، هل أغلقوا البوابة عليكم في الخارج ؟!”
انتفض الرجلان بسرعة كبير وتحركت أيديهم صوب السيوف الخاصة بهم ولم يكد أحدهم يسحب سيفه حتى كانت سيوف سالار تخترق أجسادهم يقول بهدوء :
” تأخرتم في الإجابة …”
سحب سيوفه يمسح دمهم القذر باشمئزاز في ثيابهم، ثم دار حول القصر ليجد ثغرة يدخل منها، وفي هذه اللحظة شكر أرسلان داخله والذي استأمنه يومًا على ثغرات بلاده .
دخل القصر واخيرًا يسير بين ممرات الغرف بكل هدوء وهو يصفر كعادته صفارة تنبأ بالموت، صفارة لا تصدر من فم سالار سوى وقت حضور شياطينه، صغير لقبه البعض في المعارك بـ ( صفير الموت ).
كانت صفارته تصدح بين جدران القصر ليسمعها رجل من رجال بافل ويرتعش جسده بقوة يختأ خلف جدار كالفأر الهارب من قط شرس، يالله هو لا يصدق أنه نجى منه في آخر حرب بينهم، بعدما قتل سالار شقيقه وكاد يقتله هو، لكنه نجى بأعجوبة .
كان صوت انفاس الرجل المرتعبة يصدح في المكان وهو ينظر للممر الرئيسي يبحث عن سالار وقد توقف صوت صفيره، تنفس الصعداء أخيرًا، لكن فجأة سمع صوتًا جوار أذنه يهمس بفحيح :
” مرحبًا …”
اتسعت اعينه ولم يكد يصرخ أو يستدير حتى، يشعر بسيف يمر على رقبته ليسقط ارضًا على ركبته وقد انبثقت الدماء منه كالنافورة، وسالار دفع جسده بقوة، ثم أكمل تحركه داخل جدران القصر وكل من يقابل من الرجال يتخلص منه، الأمر في غاية السهولة، ليس لأن سالار قاتل محترف، بل لأنهم هم من لا يفقهون شيئًا في الأسلحة سوى أنها معدن، لذلك كانوا يخسرون حروبهم بمنتهى السهولة، مشربة ماء .
تحرك حتى توقف أمام بوابة كبيرة، حجرة أرسلان القديمة، ابتسم بسمة جانبية ينظر للحراس على الباب يقول بهدوء :
” إن تركتموني أدخل سأرحمكم ”
نظر الحراس لبعضهم البعض برعب ورغم جهلهم لهوية المتحدث، والذي لم يسبق لهم أن تواجهوا معه في معركة، إلا أن هيئته وصوته وأسلحته التي تقطر دماءً رسمت له صورة مرعبة في هذه اللحظة .
رفع الرجال أسلحتهم في وجه سالار :
” تراجع للخلف واترك اسلحتك ارضًا ”
نظر لهم سالار من خلف قلنسوته، ثم نفذ لهم ما يريدون تاركًا أسلحته ارضًا، يرفع يده في الهواء وهم تقدموا صوبه متخليين عن حذرهم مهددين إياه بعيونهم، وسالار الذي يرفع يديه في الهواء في ثواني استخلص خنجرين من داخل حافظة الخناجر التي يتركها في اكمامه، ليخترق في الثانية التالية أجساد الحراس .
سقط الاثنان ارضًا وسالار حمل سيوفه وتحرك بهدوء صوب غرفة بافل فتح البوابة بكل بساطة ودخل ليراه ينام قرير العين على فراش رفيقه، ينام هانئ البال بعدما قتله بكل دم بارد وأقام مذابح بحق شعبه وجنوده .
اقترب سالار خطوات يهمس بفحيح وصوت منخفض :
” لا، لا تخف لن اقتلك بهذه السهولة، ولن اهاجمك اعزلًا هانئًا، ستكون ميتتك اسوء مئات المرات من ميتة والدك القذر ..”
صمت ثم نظر صوب الرجال الملقيين في الخارج، يبتسم بخبث :
” أنا فقط جئت أرسل لك ردًا على رسالتك التي أرسلتها لنا…”
_____________________
ماذا يفعل ذلك الذي يشعر بالجوع داخل جدران ذلك القصر الواسع ؟؟ تقسم أنها إن فكرت حتى في البحث عن المطبخ فستموت جوعًا قبل أن تجده في تلك المتاهة.
” ليه مثلا ميعملوش تلاجات في الأركان كده زي كولدير الصدقة، بحيث لو حد جاع يلاقي اكل ؟؟”
ختمت تبارك كلماتها وهي تسير بين الممرات، فهي منذ حادثة الصباح وقد سقطت في نوم عميق لم تستيقظ منه سوى منذ دقائق قليلة :
” اكيد طبعا أكلوا كلهم ومحدش فكر يصحيني عشان يسألني لو جعانة أو حاجة ”
هتفت من بين أنفاسها بغضب شديد وهي تحارب ذلك الثوب الطويل الثقيل الذي اضطرت لارتدائه بعدما صادروا ثيابها وهي نائمة :
” معقولة كل مخرجين الافلام معرفوش يجسدوا حقيقة معاملة الملكات في العصور القديمة، وقعدوا يعرضوا لينا مشاهد خادعة للناس وهي بتحترمها وتقدرها، وانا هنا ناقصني بس انضرب بالجزمة عشان تكتمل المهزلة ”
توقفت عند مفترق طرق في القصر وضيقت عيونها تنظر يمينًا ويسارًا تفكر أي الطرق تسلك، وفي النهاية اخذت نفس عميق وقررت أن تستخدم عقلها وحدسها وفورًا رفعت إصبعها تقول :
” حادي بادي كرنب زبادي ..”
وبالتزامن مع نطقها لتلك الكلمات سمعت صوتًا هادئًا يصدر من الخلف :
” اليسار يؤدي لمساكن العاملات، واليمين لباقي القصر والمخرج، أين تريدين الذهاب أنتِ ؟!”
انتفض جسد تبارك تنظر خلفها صوب صاحب الصوت والذي لم يكن سوى إيفان والذي عاد لتوه من جولة سريعة على حصانه قبل خلوده للنوم .
ابتلعت تبارك ريقها تشعر بالتوتر الشديد من وجوده في محيطها ولا تدرك السبب، ربما لما حدث في الصباح ورؤيتها لوجهه الآخر، أم لأنه الوحيد الذي يعاملها كملكة هنا ؟؟
” أنا.. أنا فقط كنت ..في الحقيقة شعرت بالملل وخرجت لاستنشاق بعض الهواء مولاي ”
ختمت جملتها تنظر ارضًا بهدوء ورقي كما فعلت تلك الفتاة صباحًا في المحكمة، لا ريب أن تقلدها قليلًا كي تتماشى مع الأمور حولها .
ابتسمت إيفان لها يقول بهدوء شديد :
” إذن لن تمانعي مرافقتي لكِ في جولة قصيرة داخل القصر ؟؟”
ودت لو تصرخ وتقول أن مخزون الطعام داخل معدتها لا يكفي لخطوتين، ومن بعدها ستفقد كل ذرة طاقة داخل جسدها، لكنها رغم ذلك ابتسمت تهز رأسها:
” بالطبع لا أمانع مولاي ”
وبحركة غبية ظنتها هي راقية أشارت له بيدها مبتسمة :
” من بعدك مولاي ”
نظر لها إيفان بتشنج وقد اتسعت عيونه وهو يراها تميل بنصف جسدها تدعوه هو أن يسبقها، أليس من المفترض له أن يفعل هو ذلك ؟؟
وتبارك التي استوعبت فجأة ما فعلت قالت :
” أنت اللي بعدي صحيح ؟؟”
نظر لها بحاجبين معقودين بعدم فهم، وهي ضمت قبضتها أمام فمها تقول بصوت منخفض :
” كنت امزح، هيا اتبعني ”
سارت تسبقه بسرعة وهو يراها تسير نفس تلك المشية الغريبة ليقلب عيونه تابعًا إياها بسرعة يدعو داخله أن يلهمه الله الصبر .
جلس الاثنان في حديقة القصر الخلفية على طاولة أسفل القمر لتشرد تبارك في هذه الحياة، يا الله هي لا تصدق أنها الآن في موعد غرامي مع ملك، ملك وهي ملكته ؟؟
أفاقت فجأة على صوت الملك يقول :
” إذن ملكة تبارك هل يمكنك أن تحكي لي عن حياتك ؟؟ ومهاراتك وكل ما تعلمينه من هذه الحياة ”
نظرت له تبارك ثواني تتعجب سؤاله :
” هكذا وبدون مقدمات ؟؟ أنت حتى لم تمنحني فرصة التعرف عليك كي امنحك ثقتي واخبرك كل شيء بخصوص حياتي ”
اتسعت عيون الملك من حديثها، هل تظنه جاء ليرافقها ؟؟ تلك الفتاة أمامه لا تستوعب أنه وخلال أيام سيتم زواجهما وتنصيبها بشكل رسمي كملكة ؟؟
وقبل أن يخبرها بكل ذلك تنهدت تبارك وهي تعود بظهرها على المقعد :
” لكن ولأنك سألت، وكما يظهر عليك أنك شخص جيد، سأخبرك، بدأ الأمر حينما ولدتني أمي في ليلة ممطرة …”
وهكذا وجد إيفان نفسه مجبرًا للجلوس وسماع قصتها بأكملها منذ كانت رضيعة، ومشاكلها مع الإبر الطبية، وأم أنور جارتها ونساء المنطقة التي كانت تقطن بها .
وبالطبع تلاشت تبارك الجزء المظلم من طفولتها وحياتها، فلا هي تحب تذكره ولا تهوى الحديث عنه .
كان يسمعها وهو يبتسم دون شعور وهي تحرك يديها تصف له كل شيء ليضحك إيفان دون شعور منه عليها
وبعد ساعات طويلة أخذت تبارك نفس عميق تختم قصتها :
” وبهذا الشكل وجدت نفسي اقف أمام ابواب القلعة مع القائد بعدما ودعنا صامد وصمود ”
ابتسم لها إيفان يتابع حركات يدها الغريبة، يقول بتسائل :
” قصة مشوقة حقًا، لكن أعتقد أن هناك شيء فاتك، أنتِ لم تذكري لي شيئًا بخصوص مهاراتك القتالية ؟!”
” أي مهارات قتالية تلك ؟! أنا ولدت في حارة وليس في ساحة حرب، أنا فتاة سلم يا سيدي ”
رفع إيفان حاجبه بعدم فهم :
” ونحن لسنا دعاة حرب مولاتي، لكن رغم ذلك نحن نستطيع القتال ونعلم من فنون القتال ما يعجز العقل عن تصوره، وبصفتك ملكة فأنتِ مكلفة أن تتعلمي فنون القتال المختلفة، وهذا ضروري ”
نظرت له تبارك بملامح حانقة رافضة، لكن رغم ذلك تنهدت بصوت مرتفع تود أن تخبره أن هذا ما تعلم وإن لم يعجبه فليعيدها إلى منزلها، لكن ما صدر من إيفان هو أنه تنهد فقط يقول وقد توقع الأمر مسبقًا
” حسنًا لا بأس أنا سأتدبر أمر كل ذلك وفي اسرع وقت قبل التتويج، والآن دعينا نعود للغرفة كي لا يصيبك برد بسبب الطقس هنا ”
تحركت معه تبارك تتمتم داخلها بتعب وإرهاق شديد وهي لم تتناول طعام حقيقي منذ بداية رحلتها التي اعتمدت خلالها على القليل فقط من الطعام المعلب كالتسالي ورقائق البطاطس .
وصلت تبارك لجناحها، ثم شكرته تدخل له، وهو تحرك صوب جناحه، وبمجرد أن أبتعد عن غرفة تبارك حتى فتحت الأخيرة الباب مبتسمة تتحرك للخارج بهدوء …
____________
بينما إيفان لم يذهب صوب جناحه بل تحرك جهة ساحة التدريب فقط كي يشغل تفكيره عن كل ما يؤرق عقله، وينتظر عودة سالار ودانيار وتميم .
حمل سيفه ينظر له ثم ابتسم فجأة بسخرية حينما تذكر كلمات سالار له، هل حقًا تضائلت قدراته القتالية أم أنه فقط يزعجه ؟؟
حرك إيفان السيف في الفراغ ببطء يستمتع بصوت اصطدامه بالهواء حوله وكأنه يقاتله، رفعه في الهواء يحركه بقوة يتخيل عدوًا وهميًا أمامه، لكن فجأة سمع صوت خطوات خلفه، هناك من يقترب منه، وفي ثواني قليلة استدار إيفان بسرعة يرفع سيفه موجهًا إياه على المتسلل لتشتد حدة عيونه وهو يرى نفس العيون التي جابهته تلك المرة دون اهتمام لكونه الملك، ابتسم إيفان بسمة واسعة غريبة :
” انظري لتدابير القدر، منذ لحظات فقط كنت أبحث عن عدو يبارزني ”
ابتسمت له كهرمان من خلف لثامها، ثم رفعت سيفها تضعه على سيفه الذي رفعه في وجهها تبعده، ومن بعدها مالت بشكل خفيف له تقول بصوت حاولت تغييره كما حدث المرة السابقة كي لا يتعرف عليها :
” لي الشرف أن تتخذني عدوًا مولاي ..”
وبهذه الكلمات أعلنت كهرمان بدء حرب أخرى بعدما ابصرته يسير صوب الساحة منذ دقائق لتشعل رغبة عميقة في اذيته داخلها، فارتدت ثياب الجنود التي احتفظت بها منذ آخر مرة وركضت له ..
آه تلك الفتاة ايًا كانت هويتها، تدفع داخل صدره متعة لا حدود لها، رفع سيفه يلوح به في قوة كبيرة، ثم أشار بأصبعه لها :
” أرني ما لديكِ يا امرأة..”
___________________________
وصل سالار حيث تميم ودانيار ليجد أن الاثنين قد أحدثا فوضى كبيرة في طرقات المملكة بعدما تخلصوا من نصف رجال بافل المنتشرين في المملكة .
ابتسم وهو يرى تميم يلف السلسلة المعدنية الخاصة به حول رقبة أحد الرجال، ليقول بهدوء :
” هذا هو تميم ؟؟”
ابتسم له تميم ورغم وجع خصره إلا أنه زاد من اشتداد الحلقات المعدنية حول رقبته يهمس له بفحيح :
” نعم هو ذلك القذر قائد ”
” إذن خذ قصاصك ولا تزد عنه ”
ترك تميم الرجل ليسقط ارضًا يلتقط أنفاسه بصعوبة وهو يحاول أن يزحف بعيدًا عنهم، بينما دانيار يستند على أحد الجدران يراقب ما يحدث باستمتاع شديد .
أخرج سالار خنجرين من ثيابه يمدهم صوب تميم :
” هيا عزيزي خذ قصاصك منه وعرفه كيف يتجرأ ويلمس أحد رجالي ”
وبمجرد انتهاء كلمات سالار انطلق خنجر يشق طريقه صوب قدم الرجل لترتفع صرخاته الموجوعة ويرن صداها في هذا الليل الهادئ، حتى أن أحد سكان المدينة فتح باب منزله برعب ينظر حوله ليبصر ذلك المشهد أمامه وتتسع عيونه .
استدار له سالار نصف استدارت يقول ببسمة صغيرة :
” مرحبًا يا عم، نعتذر على ازعاجك في هذا المساء، رجاءً عدم للنوم ولن نزعجك ”
ارتجف الرجل وكاد يصرخ رعبًا لكن حينما أبصر ثياب الرجال المتراميين ارضًا وتعرف عليهم، رفع عيونه بسرعة صوب سالار يهمس بصدمة :
” من أنتم ؟؟ أنتم لستم رجال بافل ؟!”
قال دانيار بهدوء وهو يتحرك صوب الرجل يشير له بدخول المنزل :
” بل نحن رجال سفيد يا عم، والآن عد للداخل رجاءً فلن تحب ما ستراه ”
سقطت دموع الرجل وهو ينظر للرجال، ثم تحرك خارج المنزل بسرعة يقف أمام سالار يقول بصوت خافت، صوت موجوع، صوت من فقد حيلته، اللهفة غطت على صوته حتى جعلت نبرته غير واضحة بشكل كامل :
” أنتم رجال مملكة سفيد ؟! جئتم لمساعدتنا ؟؟ رجاءً ساعدونا، لقد …لقد أحدثوا منذ يومين مذبحة ذهب ضحيتها نصف شباب المملكة و…..”
صمت يبكي بعجز شديد، أن يطالب بالمساعدة، وإن تتملكه قلة الحيلة لهو عارٌ أبت نفسه أن تحمله، لكنه أوشك على فقدان الأمل، لا يدري متى وكيف حدث كل ذلك، في يوم وليلة انقلبت الأحوال بهم، ليعيش الشعب اسوء اختبار قد يحياه انسان يومًا :
” لقد اعتدوا على نسائنا بعدما كبلونا، وقتلوا العديد من الرجال، كل هذا لأننا ثرنا، نحن لم ننيأس والله، لكن ذلك الطاغية لم يدع لنا سلاحًا ندافع به عن أنفسنا ومنازلنا سوى الايمان، لقد ابادوا العديد من رجال العاصمة وأخذوا الكثير من الأطفال دون أن نعلم غرضهم أو مصيرهم ”
اتسعت أعين سالار بقوة مما سمع وقد بدأ جسده يشتد وملامح وجهه لا تبشر بالخير، حدق دانيار لوجه سالار بصدمة مما سمع، هم لم يصل لهم ايًا مما حدث، فلا أحد يخرج من المملكة ولا رجل يدخلها .
ابتلع سالار ريقه يتماسك قدر المسطاع، مذكرًت نفسه بأهوال كثيرة رآها سابقًا، ثم مال يقبل رأس الرجل يربت عليه :
” لا تقلق يا عم موعدهم قريب، صدقني سيأتي يومٌ يشهد به رجال مشكى نهاية هذه الطاغية، وسنشفي صدروكم اجمعين، حينها سأخذك بنفسي لتقتص منهم بيديك، وهذا وعدي، وسالار لا يخلف وعده ”
شهق الرجل يردد بصدمة وهو يحدق في وجه سالار بأعين دامعة، يتذكر هذا الاسم، يعرفه جيدًا ليس لشيء سوى لقربه من ملكهم قديمًا :
” سالار … أنت القائد سالار صديق الملك أرسلان ؟؟”
هز سالار رأسه، وحتى البسمة كانت صعبة عليه في تلك اللحظة، بافل بدأ رحلته في التطهير العرقي لشعب كامل، من جانب يقتل رجالهم، ومن ناحية أخرى يعتدي على نسائهم ليزرع بذور شعبه الفاسدين داخل رحمهم ويزيد من أعدادهم، ويختطف أطفالهم لسبب لا يعلمه إلا الله، هو يحاول بناء مملكة له على اطلال مشكى وانقاض شعب مشكى .
” صبرًا يا عم …صبرًا، إن نصر الله لقريب ”
____________________
تتحرك في الساحة وتدور حوله وكأنها تبحث لها عن ثغرة تهجم منها، وهو متوقف في منتصف الساحة مبتسمًا يراقب ظلالها التي تتراقص ارضًا بفعل المشاعل خلفها .
كان يدقق النظر في عيونها الساحرة يشعر بأنها مألوفة له، مألوفة كما لو أنه عاش عمره بأكمله يراها أمامه طوال الوقت.
وقبل أن يخرج إيفان من شروده بعيونها وجد سيفها يستغل حالته تلك بكل خبث ويباغته من الاعلى، ليميل بظهره في سرعة كبيرة للخلف وهو يتصدى لسيفها بسيفه .
ثم نظر لها يراها تشرف عليه وهناك انعاكس لبسمة في عيونها، اعتدل بسرعة كبيرة متسببًا في عودتها للخلف وهو يحرك سيفه بين يديه بكل مهارة :
” لا بأس بكِ سيدتي”
سمع صوتها يصدح في المكان باعتراض وحنق شديد :
” بل مستواي أفضل من أن يوصف بـ ( لا بأس ) مولاي، أنت فقط من لا تحب الاعتراف بذلك ”
أطلق إيفان ضحكات صاخبة قبل أن يتوقف فجأة وفي ثواني كان يباغتها بسرعة كبيرة حتى أنها كادت تسقط ارضًا لولا توازنها في الثانية الأخيرة .
نظر إيفان لحالتها بسخرية لاذعة :
” لا سيدتي مازلت عند رأيي، حتى أن وصف ( لا بأس) لهو كرم مني لا أكثر”
عند هذه الكلمات اشتد غضب كهرمان لتنتفض راكضة صوبه وهي ترفع السيف ليستلم هو سيفها وتبدأ معركة بينهما، معركة يستمتع هو بها ولا يدري السبب، وتفرغ هي فيها كامل حقدها وغضبها من ذلك الملك الحقير الذي تسبب في مشاكل لشقيقها قديمًا بسبب اتهامه زورًا بتهمة شنيعة ولم يضع اعتبارًا لصداقتهم .
كان إيفان يتخذ دورًا دفاعيًا فقط دون أن يحاول الهجوم وهو يراقب حركاتها التي توحي بمقدار غضبها الشديد، ليبدأ إيفان بالشك، هذا الغضب والحنق الذي يلتمع داخل عيونها لا يمكن أن يكون طبيعيًا، حسنًا وجودها في هذا الوقت تحديدًا لمبارزته ليس طبيعيًا .
” على رسلك سيدتي فالغضب لا يليق بالنساء الرقيقات ”
استفزها إيفان بتلك الكلمات وهي ما تزال توجه له ضربات قاسية، لكن ايًا منها لم تفي بالغرض، فتعليمها المبارزة كان مجرد تعليم من باب الواجب لأنها أميرة ويومًا ما ستصبح ملكة، لكن هذا الشخص أمامها فهو محارب قبل أن يكون ملك، لذا شتان بينهما …
وحينما تعبت كهرمان من كل ذلك توقفت كي تلتقط أنفاسها وبعدها تعود للقتال .
لكن إيفان قال ببساطة :
” انتهيتي ؟؟ الآن دوري ”
وقبل أن تستوعب ما يقصد كان يهجم عليها بكامل قوته لتسارع هي في الدفاع وهي تشعر بالرعب من تحوله، كان يقاتلها وكأنه في حرب حقًا ..
وفجأة وفي غمرة انشاغلها بالدفاع لم تنتبه لذلك الحجر خلفها لتتعثر به ساقطة ارضًا بقوة تطلق صرخات مرتفعة، لكن إيفان لم يهتم وهو يسقط سيفها ارضًا مبتسمًا :
” عليكِ التفكير مئات المرات قبل تحديكِ لرجل، وآلالاف المرات إن كان هذا الرجل أنا يا صغيرة ”
تنفست كهرمان بصوت قوي وهي تنظر لعيونه بنظرات جعلته يبتسم وهو يميل جالسًا القرفصاء :
” أخبرتك أن عيون القطط تلك لا تؤثر بي مقدار شعرة واحدة ”
مد يده صوب لثامها ينتوي كشف هويتها تلك المرة ومعرفة من تلك التي تنظر له بكل ذلك الغضب والكره، لكن قبل أن يفعل كانت يد كهرمان تلقي في وجهه حفنة من الرمال ليتراجع للخلف صارخًا بغضب، وهي نهضت تمسك السيف، ثم نظرت له ثواني تهتف بصوت مرتفع :
” لنا لقاء آخر مولاي ”
وهكذا ركضت وهي تطلق ضحكات، فهي اليوم انتصرت لسماعها صوت صرخات الملك، حتى لو لم تكن تلك الصرخات جراء قتالها بل بسبب خدعتها فلا بأس .
نظرت للخلف لتراه ما يزال يقف في منتصف الساحة يراقب رحيلها دون أن يتحرك أو يحاول اللحاق بها .
ابتسم إيفان بسخرية، فمن هي ليركض خلفها، يومًا ما ستقع في يديه وحينما سيريها كيف تتجرأ وتفعل به ما فعلت .
” لنا لقاء يا صاحبة الأعين القططية..”
_____________________
وصل الجميع بعد ساعات للقصر ليذهب كلٌ لحجرته، أشار سالار لتميم صوب المشفى يقول بجدية :
” اذهب أنت للمشفى تميم، فأنت ما تزال جريحًا ”
أطلق تميم صوتًا حانقًا من حنجرته يتحرك صوب حجرته ساخرًا :
” الآن تذكرت أنني جريح ؟؟ أوتعلم، سأذهب لغرفتي ولا اريد لأحد أن يقترب منها حتى أقرر أنا الخروج ”
وبالفعل تحرك لكن صوت سالار تبعه بكل هدوء :
” طالما أنك عدت لغرفتك، إذن أنت أصبحت بخير، غدًا تكون في ساحة التدريب ”
نظر بعدها لدانيار متجاهلًا صيحات تميم المعترضة والمستنكرة :
” وأنت كذلك دانيار أذهب للراحة، فغدًا أمامنا يومًا طويلًا”
” ماذا عنك يا قائد ؟!”
تحرك سالار في اتجاه معاكس لجناحه يقول :
” أنا سأذهب للعريف، احتاجه في أمر هام..”
وهكذا رحل بساطة وهو يمسح وجهه يأبى الراحة قبل أن يضع في رأسه على الأقل حدًا لما حدث بسكان مشكى، وهذا الحد لن يحدث سوى عندما يـ…
فجأة توقف في منتصف الممر بعدم فهم، حينما أبصر جسدًا منكمشًا في ركن من أركان الممر ..
تحرك ببطء صوب ذلك الجسد والذي كان جسد امرأة مما يتضح أمامه من هيئتها وثوبها، ضيق عيونه يحاول معرفة من تلك وماذا تفعل هنا .
اقترب بريبة شديدة يلحظ غياب الحراس في هذا الممر الذي يؤدي لمكتبة العريف .
جلس القرفصاء أمامها ينظر لها جيدًا، ثم نادى بصوت منخفض مخافة أن تستيقظ فزعة، لكنها لم تتحرك، وهو بالطبع لن يلمسها، لذلك اختار اسلم الحلول وهي أن أخرج خنجرًا واستعمل جزءه الخلفي ينغز به كتفها :
” أنتِ يا امرأة ما الذي تفعلينه هنا في هذا الـ …”
وفجأة سقطت رأس تلك المرأة عليه كالجثة، واستقرت أعلى قدمه لتتسع أعين سالار وهو يتنفس بصوت مرتفع مرددًا :
” يا الله يا رحيم …”
نظر للاسفل يحاول أبعادها مستخدمًا الخنجر الخاص به، فقد بدأ يدفع رأسها عن قدمه باستخدام الخنجر :
” هييه هل أنتِ حية ؟؟ ”
وصوت انفاسها اخبره أنها كذلك، لذلك رفع الخنجر بكل غضب وود لو غرزه في ظهرها، لكنه استغفر ربه، يحاول الحديث، لكنها لم تسمع له، لذلك رفع يده في الهواء ثم ودون مقدمات ضرب رأسها بالخنجر لتسقط ارضًا بقوة وتعلو صرخات نسائية في الممر .
وهو لم يهتم بها، بل كان جُل ما يفكر به أن هذه المرة الثانية التي تتجرأ امرأة على لمسه غير والدته، الاولى كانت الملكة والثانية كانت وللعجب…….. الملكة ؟؟؟؟؟؟؟؟
________________
ربما هي بداية، وربما كان هدوءً، لكنه بالتأكيد كان هدوء ما قبل العاصفة …
دمتم سالمين
رحمة نبيل


 
google-playkhamsatmostaqltradent