Ads by Google X

رواية مملكة سفيد الفصل السابع 7 - بقلم رحمة نبيل

الصفحة الرئيسية

  

 رواية مملكة سفيد الفصل السابع 7  -   بقلم رحمة نبيل




#السابع
#العودة_للوطن
قبل القراءة متنساش تضغط على زر اللايك ( تصويت للفصل )
مهما حصَّلت من علمٍ..
لن ترتفع بغيرِ القرآن، ولو قرأت ألف كتاب.
– ش. سعيد الكملي.
صلوا على نبي الرحمة
_______________________
بالنسبة لرجلٍ لم يعلم من النساء غير والدته، وعاش حياته بين رجال أشداء لا يرى من النساء إلا لمامًا، بضع نساء يلمحهن حينما يحرر قرية أو ينقذ رهائن، نساء لم يهتم حتى ولو بدافع الفضول أن يتطلع على ملامحهن، فقط عاش حياته سعيدًا بعيدًا عن كامل تعقيدات النساء والمشكلات التي ترافقهن، لم تمس يده امرأة قط عدا والدته العزيزة، والآن وبعد كل تلك السنوات، وبعد ثلاثة وثلاثين عامًا من العزوف عن لمس امرأة، فعل المحظور، هو لم يلمسها فحسب، بل عانقها….أو بالأحرى هي من عانقته .
انتفض جسد سالار بقوة بين ذراعيّ تبارك التي كانت تبكي على ذراعه برعب وهي تردد كلمات غير مفهومة من بين شهقاتها، وهو المسكين يشعر بيديه تكافح لدفعها بقوة وتحطيم عظامها لتجرأها وتخطي منطقته الخاصة، ابتلع ريقه يغمض عيونه بقوة وجسده يرتجف هامسًا داخله حتى يهدأ :


” هذه ملكتك …هذه ملكتك وهي خائفة، هذه ملكتك، لا تتصرف بعنف قد يؤذيها، تريث …تريث سالار ..تريث بالله عليك ”
لكن كل تلك الكلمات تبخرت وتلاشت في الهواء حينما شعر بكف تبارك يقبض على سترته من الخلف بقوة من بين شهقات غير مفهومة، ليكون ردة الفعل منها هو دفعة قوية للخلف اسقطتها ارضًا بشكل جعل أعينها تتسع ألمًا، و سالار هتف بشكل جنوني :
” لا تتعدي حدودك معي، ولا تقتربي بهذا الشكل مجددًا لأي سبب كان من أي رجل، سمعتي ؟؟”
نظرت له تبارك برعب كبير تحاول أن تتحدث وتبرر ما تريد قوله وعيونها قد التمعت بدموع كثيفة :
” أنا كنت بس خا…..”
لكن سالار لم يهتم لأي سبب تنطق به صارخًا بصوت تسبب في طيران الغربان والعصافير التي تسكن الاشجار :
” سمــعـــتــي ؟؟”
هزت رأسها بسرعة كبيرة وعيونها متسعة مليئة بالدموع تراقبه والخوف قد احتل جسدها في تلك اللحظة، تخافه أكثر من خوفها بأن تضل وسط الغابة والحيوانات الشرسة وحدها .
راقبها سالار وهو يدري داخله أنه بالغ، بالغ في التعامل معها باعتبارها أمرأة، حسنًا على من يكذب هو يعاملها كأحد جنوده، وهذا ما يملك في الحقيقة .


أنزل إصبعه وهو ينظر لها بشفقة ورغبة عارمة بالاعتذار تلح عليه، لكن هي لم تمنحه فرصة، لم تمنحه ثانية واحدة ليفكر في كلمات اعتذار مناسبة إذ فجأة ودون مقدمات انفجرت في البكاء والصراخ وهي تنهض من الارض تصرخ في وجهه .
وكأنها وافقت أوامره منذ ثواني دون وعي، والآن فجأة استفاقت منها، صرخت رغم دموعها وشهقاتها :
” لا مسمعتش، مسمعتش، هتعمل ايه يعني ؟؟ هتقتلني بالسيف اللي في ايدك ده ؟؟ مش بخاف، ولا هخاف منك، ولو فاكر أن زعيقك وصوتك ده هيخوفني تبقى غلطان ”
وقفت تتنفس بصوت مرتفع أمام أعين سالار الذي كان من الواضح أنه يعجبه ما يرى في تلك اللحظة، يعجبه أن تنتفض ملكتهم وتتوقف عن الضعف وتصرخ في وجه ما يخفيها، حتى لو كان هو المقصود ..
رفعت تبارك وجهها بعنفوان له تردد من بين دموعها :
” أنا…. أنا الملكة هنا، وأنت مجرد بودي جارد للملك واوامري تمشي عليك …المفروض يعني، وأنت مجبر غصب عن عينك تسمع كلـ …..ااااه ”
كانت تصرخ أمامه بقوة ودون خوف رغم دموعها التي تهبط دون إرادتها، لكن وحينما كانت في غمرة قوتها ووسط فقاعة الشجاعة الخاصة بها وجدت حد سيفه يفرقع تلك الفقاعة وهو يرفعه في وجهها تحديدًا على بعد سنتيمتر واحد فقط من رقبتها وصوته خرج بهدوء شديد من خلف بسمة صغيرة مخيفة :
” وأنا قائد الجنود الذي يمكنه قتلك هنا ودفنك بارضك دون أن أبذل قطرة عرق واحدة ”
ارتجف جسد تبارك بقوة تود لو تبتلع ريقها، لكن ابتلاع ريقها في هذه اللحظة قد يتسبب في تحريك رقبتها وبالتالي يصيبها السيف، شعرت بالغضب يتلبسها من ذلك المتجبر الذي لا يخشى شيء ولا حتى تهديداتها .
” مش هتعرف تعمل حاجة، الملك مش هيسمح ليك تقتلني ”
ابتسم لها سالار بسمة جانبية :
” ومن يا ترى سيخبر الملك بما سأفعل ؟؟”
شعرت تبارك بالعرق يسير أعلى جبينها والخوف يملئ جسدها بقوة، بالله ما رأت يومًا من هو بمثل قسوة وتحجر ذلك الرجل، فجأة وقعت عيونها على صامد وصمود اللذين كانا يشاهدان ما يحدث بأعين متسعة ورعب كبير أخذته هي أنه رعب على ملكتهم :
” صامد وصمود هيروحوا ويقولوا للملك كل حاجة لو قربت مني ”
اتسعت أعين سالار بقوة لتلك الفكرة يدعي التفكير :
” أوه أنتِ محقة، يا الله ما العمل الآن ؟؟”
ابتسمت تبارك براحة، سرعان ما تبخرت حينما سمعته يقول يكل بساطة محركًا كتفه:
” لا بأس سأتخلص منهما كذلك، لكن لا تقلقي مولاتي فلن يتم دفنهما بنفس قبرك، سأحفر واحدًا لهما، لأنني لن أقبل أن تُدفن ملكتنا مع رجلين غريبين عنها، هذا مرفوض البتة ”
” شهم …”
ابتسم لها سالار يستمع لصيحات صامد وصمود خلفه وكلماتهما المتداخلة برعب ..
” سيدي نحن لن نتحدث بكلمة واحدة ”
” نعم سيدي، فنحن لا شأن لنا بها إن أردت التخلص منها ”
” هيا سنساعدك في حفر قبر لها ”
نظرت لهما تبارك بشر وشعرت بالغضب يعتريها، لكن فجأة انتزع سالار سيفه عن رقبتها يستدير بسرعة كبيرة صوب الاثنين وهو يوجهه لهما قائلًا بصوت جهوري :
” تعينان شخصًا يود قتل ملكتكما دون الدفاع عنها ؟؟ ياله من عارٍ مخذي”


عادت تبارك للخلف بريبة من ذلك الرجل وهي تهمس داخلها، أنه أنت من أردت قتلي إن لم تكن تتذكر، لكن رؤيتها لنظرات الشر تنطلق من أعين سالار جعلتها تبتلع تعليقها وهي تراه يوبخ الاثنين بصوت مرعب جعلها هي ترتجف في مكانها ..
” هذه ملكتكما، وإن رأيتموني أرفع عليها سيفًا ترفعون عشرة في وجهي، سمعتم ؟؟”
هز الإثنان رأسيهما بقوة وقد كانا جسديهما يرتجفان، ليرمقهم سالار بشر وهو يقول :
” لتشكرا الله أنكما لستما من رجال جيشي وتحت أمرتي، وإلا كنت أحلت حياتكما لجحيم ”
ختم حديثه يعيد السيف لغمده، ثم استدار صوب تبارك يقول بجدية ونبرة عملية بحتة :
” وأنتِ …”
سارعت تبارك تقول بصوت مرتجف تبعد عيونها عن صامد وصمود بسرعة :
” أنا آسفة والله كلام في لحظة انفعال مش اكتر …”
للعجب ابتسم سالار بسمة صغيرة يهمس بكلمات غير مسموعة لها، ثم أشار للجميع أن يلحقوه ليكملوا رحلتهم، سارت تبارك وخلفها صامد وصمود و صوت تذمرهما وحنقهما يصلاها بشكل واضح، لا بأس يستحقان ما حدث لهما، هذا فقط كي يفكروا مرات قبل محاولة التستر على جريمة قتلها، شكرت تبارك سالار في رأسها وهي تردد بصوت هامس ممتن :
” راجل جدع وشهم والله …”
ولم تنتبه تبارك أن ذلك الرجل الجدع والشهم هو نفسه من كان سيتسبب في الجريمة التي كان سيتستر عليها صامد وصمود .
وبعد ساعة ونصف من السير، توقف سالار فجأة ليتوقف الجميع بقوة وتنظر لهم تبارك بدهشة، تسمع صوت صامد يقول بجدية وبسمة واسعة :
” ها نحن يا قائد وصلنا للحافة ….”
__________________
يتحرك بقوة بين ممرات القصر وخلفه الكثير والكثير من الجنود بملامح واجمة، ما حدث ليلة أمس لم يكن سوى بداية، بداية فتح بوابة الجحيم على جميع الممالك، يبدو أن فترة الانتظار والتريث قد انتهت بالكامل .
فُتح الباب وخطى لغرفة الاجتماعات بقوة ومعطفه يتحرك خلفه، وبمجرد أن وصل أبصر الجميع ينتظر؛ مستشاريه وقادة جيشه _ عدا سالار_ والعريف، والملك آزار وولي عهده والملك (بارق ) ملك سبز .


نظر لهم إيفان نظرات هادئة يحييهم بعيونه، ثم جلس بهدوء يتنهد بصوت مرتفع يقول بجدية كبيرة :
” اشكركم لتلبية دعوتي، لكن الأمر في غاية الخطورة ”
انتبه له الجميع، وقد بدأ إيفان يحرك نظراته بينهم وكأنه يبحث عن شيء ضائع بينهم، وبعد صمت قصير استمر ثواني أدلى بما يضمر داخله :
” البارحة تعرضت سفيد وتحديدًا قصري لمحاولة هجوم فاشلة ”
نظر له الجميع باهتمام وهو اكمل دون أن يهتم بأي ردة فعل في تلك اللحظة، هو فقط يود وضع حد لما يحدث داخل الممالك الأمر تطور وأصبح خطر المنبوذين مرعبًا ..
هؤلاء المنبوذون…مجموعة من المرتزقة المنبوذين يسكنون الجبال احيانًا، والسهول أحيان أخرى، ولا هواية لهم سوى قطع طرق القوافل ونهبها وقتل التجار بين الممالك، وقد خاض سالار حملات تطهير لهم، لكنهم يتكاثرون كالذباب وبشكل مهول، ومن افضل منهم ليتكاثر؟!
فهم بالإضافة لنهب القوافل، كانوا بارعين في خطف النساء والزواج بهم بالاجبار للحفاظ على سلالاتهم العفنة …
” لم يكن هجومًا مدبرًا أو خطرًا أو حتى مؤثر، فكان يكفيهم جنديين فقط ليتخلصوا من هؤلاء المنبوذين لكن …”
صمت بسبب تدخل بارق في الحديث، لا يفهم سبب دعوتهم لهنا إن كان جنود الملك قد احبطوا عمليتهم :
” إذن ما الضرورة من جمعنا إن افشل جنودك بالفعل محاولة الهجوم على المملكة ملك إيفان”
نظر له إيفان قبل أن يقول بشر :
” الضرورة هي أن ذلك الملعون بافل أرسلهم فقط ليعلمني جيدًا أنه يستطيع دخول مملكتي وقتما شاء دون أن يتكبد أي عناء، يريد إخباري أن احتلاله لعرشي مسألة وقت وتكتمل، والأمر لا يقتصر على مملكتي فقط ملك آزار، بل سيمتد ليشمل جميع ممالككم ”
حدجه آزار بنظرات واثقة قبل أن يعتدل في مقعده يقول بصوت هادئ وهو يمد كفيه أمامه يعقدهما ببعضها البعض وفي صوته نبرة كبرياء وغرور لا حدود لهما، يثق بجيشه الذي هو اقوى ما لديه :
” لن يطأ أي حقير منهم أرض مملكتي، فلا أسمح لأيًا كان أن يفعل، انتبه لحدودك وجنودك ملك إيفان فيبدو أن منظومتك الدفاعية تعاني خللًا كبيرًا خاصة في غياب قائدهم ”


عاد إيفان للخلف يستند بهدوء على مقعده وهو يقول بصوت بادر كالصقيع وجميع الأعين حولهم قد تأهبت لبدء قتال :
” كنت لاخجل من نفسي ومن جنودي ملك آزار، لو أن هؤلاء المنبوذين لم يأتوا عن طريق الحدود المشتركة بيننا وبين مملكتك بأوراق خاصة بشعبك فقط وبتصاريح تم ختمها بختم تجارك ”
ابتسم دانيار بسمة سوداء وهو ينظر بأعين آزار ومن معه وقد تحركت يده على القوس الخاص به والذي يقبع أعلى كتفه، وجوراه تميم يستند على الطاولة بيد، وبالاخرى أخرج سيفه من غمده أسفل الطاولة، وقد بدأت حالة الاستنفار تعلو في المكان والنظرات تتحرك بين الجميع ليروا أيهم سيبدأ المعركة اولًا .
وصوت آزار يصدح رافضًا لتلك الفكرة داخل المجلس وتحت أعين جميع القياديين مستنكرًا لما سمع، لا يمكن أن يكون ذلك حقيقة ابدًا:
” مهلًا، هل تتهمني بمعاونة هؤلاء المنبوذين ملك إيفان !!”
صمت إيفان ثم أجاب بهدوء كبير وكلمات ذات معنى :
” أنا لستُ كالبعض ألقي اتهامات دون أدلة أو بلا علامات على تلك الاتهامات مولاي، لذلك إجابتي لا، معاذ الله أن القيك بالباطل دون دليل ”
كان في حديثه تلميح واضح للاجتماع الأخير الذي اتهمه خلاله بالتواطؤ مع المنبوذين، والآن وأمام الجميع يضعه إيفان في نفس الموقف، لكن مع استخدام حكمة تفوق حكمة وتفكير الملك آزار الذي ينحصر عقله وذكاؤه في القتال والحروب فقط .
عاد آزار بظهره على المقعد مصدومًا :
” ربما أنت مخطأ، فلا أحد من هؤلاء الرجال قد يأتيك عبر مملكتي، أنا حدودي آمنة تمامًا .”
مال إيفان على الطاولة ينظر للجميع بنظرات غامضة، ثم تشدق بصوت هادئ بعض الشيء :


” يبدو أنك يا مولاي أمنت حدودك بشكل أقوى من تأمينك لداخل المملكة ”
” ماذا تعني ؟!”
ابتسم إيفان يقول دون مواراة أو التفاف حول المواضيع :
” يعني أن هناك خائن في مملكتك وهذا الخائن لا يمتلك مكانة صغيرة، بل يمتلك مقامًا رفيع يؤهله لتأمين عدد ثلاثين رجل من رجال بافل وإدخالهم لبلادي عبر تصاريح خاصة مختومة بختم تجارك ملك آزار…”
صمت يراقب ملامح آزار المصدومة، ثم قال إيفان بصوت غاضب مرتفع يضرب الطاولة معلنًا الحرب على كل من يقترب من مملكته :
” هناك متآمر في مملكتك ملك آزار وهذا المتآمر كاد يتسبب في كوارث للجميع هنا، وأنا أطالب بهذا الخائن ليمثل أمام عدالة مملكتي فمن تأذى كان أنا والخسائر كانت لدي، والآن اطالبك بإحضار ذلك الخائن بنفسك، قبل أن أعطي نفسي حق إحضاره من بين اسوار مملكتك بشكل لن يعجبك أو يعجبه ….”
________________
” هذا يعني أن سيفك معه ؟! ياللمصيبة ..”
هكذا هتفت كهرمان بصدمة وهي تسير مع زمرد نحو الغرف لتنظيفها، قبل أن تتجه هي لترى عملها في الحظيرة مع الابقار والماشية.
جالت زمرد بنظراتها حولهم قلقة أن يستمع لهم أحد، ثم قالت بصوت منخفض :
” اخفضي صوتك كهرمان، بالله عليكِ ستتسببين في كارثة لي، أشعر أنكِ لن ترتاحي إلا عندما أُعاقب واشاركك اعمال الحظيرة ”
ابتسمت كهرمان تحرك كتفها بدلال :
” ربما افعل، لكن صديقتي أنتِ تعلمين أن هذا الرجل قد يرى الاسم المحفور على السيف ويكتشف حقيقته ”
نظرت زمرد أمامها بأعين مفكرة، تتحدث بصوت خفيض لا تدري أتطمئن نفسها، ام كهرمان :
” لن يفهم اللغة التي حُفرت بها تلك الكلمات، أو هذا ما اتمناه ”
تنهدت بصوت مرتفع وقد شعرت بالحنق الشديد :
” لا ادري ما بال ذلك الرجل بي، كلما ذهبت لمكان رأيته يقفز أمام عيوني، بدأت اصدق أنه أحد المهووسين ”
ابتسمت كهرمان بخبث شديد تقترب منها ضاربة إياها بكتفها مع غمزة صغيرة :
” لربما هو بالفعل أحد المعجبين بكِ حبيبتي، فمن يرى تلك الأعين الجميلة ويظل صامدًا ها ؟؟”
ارتسمت بسمة ساخرة على فم زمرد تقول بحنق :
” نعم معجب وبشدة، حتى أنه كاد يقتلني في كل مرة قابلته بها تقريبًا ”
أطلقت كهرمان ضحكات صاخبة قبل أن تتوقف فجأة وتطرح ما يدور بخلدها :
” إذن هل هو وسيم ؟؟”
وبهذه الكلمات تسببت كهرمان دون أن تشعر في تدافع العديد والعديد من الصور داخل عقل زمرد، صور لذلك الجندي مجهول الاسم والهوية، وسيم الملامح قوي البنية، رجل لو كانت مجرد فتاة عادية لا تحمل من الأسرار ما قد ينهي حياتها لكانت سقطت صريعة له دون أن تهتم بأي اعتبارات، بل كانت ستجبره على حبها رغم أنفه، ولو تحت تهديد سيفها .
فأنت لا تجد كل يوم رجلًا بمثل بهاء ذلك الجندي وقوة شخصيته، لكن التمنى لن يقدم شيء، وحياتها لن تنفعها بشيء إن ألقت بقلبها في غياهب الحب دون اهتمام، لن ينفعها الندم إن أحبت من قد ينبذبها، لكن إن كانت كهرمان تنتظر أن تجيب سؤالها، فالاجابة هي نعم ونعم ونعم ونعم وألف نعم، هو الوسامة بحد ذاتها ..
” لا ليس وسيمًا البتة، ثم اتركينا من ذلك الجندي واخبريني ”
نظرت لها تحاول تغيير الحديث متسائلة بخبث :
” مابالك وذلك المنحرف الوقح الذي ظهر أمامك عند الجدول القريب من الحظيرة ؟؟”
اشتعلت فورًا ملامح كهرمان وشعرت بالغضب يتلبس كل خلية حية داخل جسدها، تتذكر ذلك الرجل الذي لا تعلم ملامحه بدقة بسبب بعد المكان بينهما، بالإضافة للشمس التي كانت تحجب عن ناظريها الرؤية بشكل جيد، كان يضحك ويسخر منها وأخذ تهديدها باستهانة ..
” ذلك الوقح أقسم أن اجعله يندم أشد الندم، سأذهب للملك واشتكيه، لا بد أنه أحد العاملين بالمزارع القريبة من الحظيرة، لقد رأيت ثيابه وأستطيع أن اصفها له، لقد تطاول على امرأة وظل واقفًا يراقبني بكل وقاحة وهذا ينافي قوانين الملك هنا، لذلك سأريه بنفسي ….”
_____________________
” نهاية العالم ؟؟”
كلمات نطق بها صامد واصفًا ذلك المكان الـ…عجيب أمامهم، نعم عجيب وهذا الوصف الوحيد الذي استطاع عقلها تدبيره بهذه السرعة، لا شيء يظهر أمامها، فقط حافة جبل عملاق أو نهاية اليابسة وامامها سحب كثيفة تخفي ما يقبع أسفلها..
” هو احنا فين بالضبط ؟!”
نظر لها سالار ثواني ثم قال :
” نهاية العالم، حافة يقبع عندها نهاية اليابسة، ومن بعد تلك الحافة تبدأ حدود الممالك الأربعة ”
” أيوة يعني فين ؟! احنا فين دلوقتي؟! دولة ايه دي على الخريطة ؟! اللي اعرفه إن حافة العالم دي في السعودية مش كده ؟؟”
” السعودية ؟! ”
” شبه الجزيرة العربية تعرفها، فيها جبل اسمه نهاية العالم ”
مال سالار برأسه قليلًا، ثم هز كتفه يقول بهدوء وصوت قوي النبرة كعادته، وهو يخرج سيفه وينظر للاسفل دون ذرة خوف واحدة :
” نعم بالطبع أعرفها، لكن هذه ليست حافة العالم التي تقبع هناك إن كان هذا ما تقصدينه، هذه نهاية اليابسة في قارة أخرى ولا ادري مسميات الدول الحديثة، لكننا لسنا في شبه الجزيرة العربية”
ختم حديثه ثم أشار بإصبعه لصامد وصمود وهو يخبرهم :
” هيا اسبقانا ..”
هز الإثنان رؤوسهما يتحركان صوب الحافة التي يخفي السحب ما يقبع اسفلها، إذ تجعلك تشعر كما لو أنك في السماء السابعة تحلق فوق السحاب .
اقتربت تبارك خطوات بريبة وهي ترى صامد وصمود يقفان على الحافة بالتحديد :
” يسبقونا لفين و…”
وفجأة انطلقت صرخة رنّ صداها في المكان بأكمله وهي ترى أجساد صامد وصمود تسقط عن الحافة بقوة مرعبة، جعلتها تعود صارخة للخلف وهي تضع كلتا يديها على فمها، كانت تشعر أن قلبها سيتوقف وهي تنظر للحافة بخوف كبيرة .
ثواني حتى ارتفع صوت صرخاتها وهي تشير للحافة مرتجفة :
” دول …دول وقعوا، دول وقعوا ”
” لا لم يفعلوا، هم فقط سبقونا للبلاد، فهذه هي طريق العودة ”
نظرت له تبارك ثواني وكأن رأس إضافية نبتت له، أو أن هناك قرون ظهرت أعلى رأسه، لا تفهم أي كلمة من تلك الحملة التي نطقها، ابتلعت ريقها تقول :
” العودة للي خلقهم اكيد …”
” لا بل العودة للبلاد ”
وفجأة وبعد تلك الكلمات اتسعت أعين تبارك تصرخ دون مقدمات وجسدها يرتجف من فكرة مجنونة خطرت لها، لكنها بالطبع لن تنافس جنون ما يحدث معها :
” أنتم… أنتم أرواح ؟؟ ”
تشنج وجه سالار وهو يتحرك صوبها :
” ماذا ؟؟”
” أنتم اكيد من العالم التاني اللي هو بتاع العفاريت والأرواح عشان كده عايزين تقتلوني وانتقل لعالمكم ”
زفر سالار وقد مل حقًا تصرفات تلك الفتاة :
” اسمعي ”
هنا ووصل صبر تبارك الحافة وهي تصرخ بجنون :
” لا أسمع أنت، أنا مش هتحرك خطوة هنا وهرجع …هرجع لوحدي، أنا لا يمكن اقرب من الحافة دي ولا اعمل العبط اللي بتقول عليه ده ابدا ”
كانت دموعها تشق طريقها أعلى خدها بقوة وهي تهتف برعب وتحرك يدها أمامها تتجاهل ارتجاف جسدها، استدارت بسرعة وهي تنظر من الطريق الذي جاءوا منه وتحركت له، لكن قبل أن تصل، شعرت بأحدهم يمسكها من حقيبتها وصوت سالار يصدح بجدية وغضب :
” أنتِ ستأتين معي، بإرادتك أو دونها ”
وهذه كانت آخر كلماته قبل أن يسحبها معه للحافة والتي بمجرد أن ابصرتها تبارك تقترب حتى أصابتها حالة هستيرية من الخوف صارخة وجسدها ينتفض تشعر بروحها تُسحب منها :
” لا لا لا لا، ارجوك، ارجوك لا، سيبني ارجع البيت، ابوس ايدك، مش عايزة أنا … أنا… أنا…”
كانت تتحدث وهي تشعر أن أنفاسها تكاد تتلاشى من صدرها، هذا مرعب وبشدة أن تقترب بقدمها من تلك الحافة، وتقفز منها لهو أمر جنوني ومغامرة لم تفكر بها يومًا، يالله هي عندما كانت ترى القفز الحر بالمظلات، كانت تشعر أن قلبها سقط في قدمها من مجرد التخيل، والآن هي ستفعل الأمر نفسه، لكن الفرق هو أنها لا ترتدي مظلة قد تساعدها .
” سيب ايدي، أنا مش عايزة اروح في حتة، سيبني ”
لكن سالار رفض تركها يردد بجدية :
” لا تخافي، لا شيء لتخافي منه ”
نظرت له لحظات قبل أن تصرخ في وجهه :
” هو أنت ساحبني اجرب مرجيحة جديدة ؟؟ دي …دي حافة عالية وعايزني أنط منها يا مجنون، أنا مش عايزة اروح معاك لمملكتك دي أنا متنازلة عن منصبي ”
” أنتِ ستكونين الملكة هناك، كيف تتخلين عن هكذا لقب ”
سقطت تبارك ارضًا تحاول سحب حقيبتها من بين أنامله باكية بقوة ورعب شديد :
” مش عايزة .. مش عايزة اكون ملكة أنا عايزة اعيش طول عمري ذليلة كده، مش عايزة أي حاجة، ابوس ايدك سيبني ”
شعر سالار بمشاعر شفقة وحزن لرؤية انهيارها ورعبها هذا، لكنه مجبر على سحبها صوب مملكتهم دون وجود أي اختيارات أخرى .
لذلك أخذ نفس عميق وقال بصوت جامد وأمر نافذ وكأنه يتحدث لأحد رجال جيشه :
” هيا توقفي عن كونك مثيرة للشفقة، ألم تملي كونك ضعيفة ؟؟ ”
رفعت تبارك عيونها له، تحدق في وجهه من بين دموعها تشعر برغبة عارمة في الأنقضاض عليه وتقطيع وجهه باظافرها، وحديث سالار لم يساعد البتة في تحسين أفكارها وتخفيف حدتها، إذ مال قليلًا يردد من بين أسنانه يرفض رؤيتها ضعيفة أو خانعة :
” أنتِ ستنهضين الآن وتأتين معي برأس مرفوع أمام الجميع، لن أسمح لكِ أن تكوني مجرد فتاة مثيرة للشفقة، لن أسمح لكِ أن تضيعي تاريخ مملكتي فقط لأن الله جعلك ملكة عليها، فهمتي ؟؟”
شعرت تبارك بالغضب يتلبسها ودون مقدمات نهضت بقوة تدفعه بكل قوتها صارخة في وجهه بجنون، وسالار لم يتحرك قيد أنملة يراها تصرخ في وجهه وتثور عليه، ثم مالت واحضرت صخرة والقتها بكل قوتها في وجهه وهي تصرخ بجنون :
” أنا مش ضعيفة ولا مثيرة للشفقة، ولا عايزة اكون ملكة لمملكتك، أنا إنسانة طبيعية عايزة اعيش حياتي زي أي بنت، مش عايزة مغامرات، مش عايزة تنطيط وحياة أنا رفضاها، أنا مش من النوع ده، أنا بس عايزة اعيش في سلام لوحدي، سيبوني لوحدي، ســامع ؟؟”
امسك سالار بسرعة الحجر قبل أن يصيب وجهه، ثم ابتسم لها يقول باستحسان لانتفاضتها تلك، هناك أمل داخلها يستدير ليحدق بالحافة :
” هذا جيد، أرى أن داخلك طاقة مكبوتة، سأكون سعيدًا باستخراجها، في النهاية أنتِ لستِ سيئة لهذه الدرجة ”
أصاب بروده تبارك في مقتل وجعلها تشعر بالقهر، هي لم تحركه خطوة واحدة ولم تصبه بخدش واحد، ابتلعت غصتها وقد قررت أن تنتقم لكرامتها، لذلك ودون تفكير ركضت صوب ظهره وقفزت أعلاه بغية جذب جسده وإسقاطه ارضًا، لكن بمجرد أن تسلقت جسده وجذبت رأسه :
” هقتلك …بكرهك ”
ارتسمت بسمة مثيرة للرعب على فم سالار ومن حسن حظ تبارك أنها لم ترها حينما كانت منشغلة بمحاولة جذب رأسه وإسقاطه ارضًا .
همس سالار بفحيح وهو يمد يده ليمسك جسدها ويثبته على ظهره، ثم قال بفحيح :
” هذا يسهل عملي أكثر”
وقبل أن تستفسر منه تبارك عن مقصده شاهدت بأعين متسعة الحافة تقترب منهم، بعدما امسكها سالار بقوة وركض صوب الحافة بكل قوته وهو يبتسم بسمة واسعة، ولم تشعر تبارك سوى بجسدها يطوف في الهواء وهو محمول أعلى ظهر سالار، مدت أظافرها تثبتها في وجهه تصرخ بقوة مغمضة عيونها دافنة رأسها في كتفه :
” أشهد أن لا إله إلا الله…. أشهد أن لا إله إلا الله”
وفجأة شعرت باصطدام قوي يصيب جسدها لتتعالى صرخاتها وتنفصل عن ظهر سالار، ويرن صدى صرخاتها في المكان بأكمله، قبل أن تنكتم تلك الصرخات فجأة …..
___________________________
خرج من القاعة يسير مبتسمًا بسمة لا معنى لها، وعلى عكس عادته لم يتبعه أحد جنوده، بل كانت شياطينه هي من تسير خلفه، ترك لهم الاجتماع وخرج بعدما ألقى تهديده في وجه آزار، أخبره صراحة أن الخائن داخل مملكته يخصه …
ترك الجميع وخرج دون أن يعبأ بأي شيء، ما يزال غضبه مشتعلًا كالجحيم، يشير لحرسه ألا يتبعوه، لا يريد الحديث مع أحد أو رؤية شخص في هذه اللحظة، نظرات آزار له تخبره جيدًا أن القادم لن يكون جيدًا لا عليه ولا على مملكته .
ابتسم بسمة جانبية يتوعد للجميع، لطالما استهان به جميع حكام الممالك لصغر عمره، يرون أن سفيد أكبر منه، وهو سيريهم أنه خُلق ليكون ملك سفيد وأن سفيد لن تكون سوى له .
وصل لممر قاعة العرش حيث أخبر الجميع أن يلحقوا به بعد تأمين خروج الملوك ورجالهم من مملكته، لكن وقبل أن يطأ قاعة العرش سمع صوتًا يهتف بلقبه .
” مولاي …”
توقف إيفان ينظر خلفه ببطء شديد ليبصر إحدى الخادمات تحاول الاقتراب منه، لكن الحراس يمنعونها من ذلك، تنهد بتعب، هو ليس متفرغًا لسماع مشاكل العاملات في هذا الوقت، ورغم ذلك أشار بيده للحراس أن يدعوها .
وبالفعل تركوها لتركض له الفتاة وهي تقول بلهفة شديدة :
” مولاي جئت لأنني أثق بحكمك وعدلك ”
توقف أمام إيفان ليتعرف عليها إيفان في ثوان من صوتها وطريقة سيرها المختلفة عن الجميع وكذلك الوقفة، وقفتها تشعرك أنك تتحدث مع أميرة راقية وليست مجرد فتاة تعمل داخل قصره .
هي نفسها فتاة الحظيرة.
” مولاي أنا… أنا جئت اشكوك ظلمًا تعرضت له أسفل سقف قصرك ”
اشتدت أعين إيفان وقد انتصب جسده، هو في هذه اللحظة غاضب بما فيه الكفاية، لا يحتاج سوى شرارة صغيرة فقط كي يحترق وينفجر في الجميع .
نظر إيفان حوله، ثم تحرك صوب القاعة يقول بهدوء :
” تعالي .”
دخل القاعة وهي سارت خلفه ترى العديد من الحرس على جانبي القاعة الواسعة، تشعر برهبة المكان والتي اكتسبها من صاحبه الذي يعتلي عرشه بكل قوة .
رفعت رأسها تنظر لايفان الذي قال بكل هدوء :
” تفضلي واخبريني ما تعرضتي له وما حدث بالتفصيل ”
نظرت له كهرمان بتردد تحاول ألا تنظر له مباشرة احترامًا له، ورأفة بنفسها وقلبها الذي يخفق بقوة لرؤيته بهذه الهيئة أعلى عرشه .
” هو مولاي … أنا… أنا هي نفسها من …من عاقبتها منذ أيام بتنظيف الحظيرة، وأثناء تنظيفها تعرضت للعديد من المصاعب بسبب الأبقار و…هناك هناك شاب وقح اعتقد أنه يعمل مزارعًا، كان طويل القامة ذو جسد ضخم بعض الشيء مولاي، أخذ يتواقح عليّ و….”
توقفت تشعر أن كلماتها غير مرتبة، كان عليها الاستماع لزمرد وتجاهل ما حدث، لكنها لم تتحمل أن تتعرض لمثل تلك المعاملة من مزارع حقير وهي من اعتادت الدلال والحماية المبالغ بها من جميع أفراد عائلتها، ولديها مبادئ أنها إن تنازلت مرة ستتناول أخرى.
” هو كان يزعجني و…ينظر لي بشكل سييء مولاي ”
نظر إيفان لكهرمان من أعلى عرشه وقد ارتسمت بسمة غير مصدقة على فمه، واتسعت عيونه بصدمة من حديثها :
” حقًا ؟؟”
” نعم مولاي ”
عض إيفان شفتيه بقوة يشعر برغبة عارمة في الضحك، لقد جاءت لتشتكيه لنفسه، فعلتها جديًا وجاءت تشتكيه، هي لم تكن تمزح؟؟ لم تكن تبالغ حين قالت إنها ستشتكيه للملك، وأي وقاحة تلك التي تقصدها هذه الفتاة ؟! هو تواقح عليها ؟؟
” هناك هجوم حدث البارحة على القصر وكاد سكن الجنود يحترق بأكمله، والمملكة على اعتاب حربٍ ضارية، والأوضاع غير مستقرة، وأنتِ تريدين أن أترك كل ذلك والنظر في مشاكلك مع الأبقار وذلك الشاب الوقح ؟!”
وبعدما كان وجهها منخفض ارضًا باحترام، رفعته بكل قوة وشجاعة تحدق في عيون إيفان التي ضاقت بقوة وهو يطيل النظر لتلك الفتاة، تذكره بجسد قريب من نفس طولها، يتذكره جيدًا، وكيف لا يفعل وهو ظل ليلة طويلة يتخيلها ويفكر في صاحبته التي تجرأت على مبارزته دون خوف متنكرة بزي جندي له، هل يعقل أنها هي نفسها أم الأمر مجرد تشابه في الهيئة؟؟ لكن صوتها ليس هو؟؟
أفاق إيفان على صوتها تقول بكل قوة :
” هذا واجبك كملك، أن تحقق العدالة لشعبك رغم كل شيء ”
ارتسمت بسمة جانبية على فم إيفان يقول :
” نعم معكِ حق آنسة….”
” كهرمان ..كهرمان مولاي ”
اتسعت بسمته يقول بجدية :
” حسنًا آنسة كهرمان، سأحرص بنفسي على معاقبة ذلك الشاب الوقح الذي تجرأ ورفع نظراته لكِ، لكنني للأسف لا استطيع التفاهم مع الأبقار وإيجاد حل معها ”
رفرفت كهرمان بعيونها من خلف غطاء الوجه، وهي تشعر بالخجل من بسمته الجانبية التي لا تدري أساخرة كانت أم مجرد بسمة عادية ؟؟
ابتلعت ريقها وقد شعرت بنظراته تطيل لها، لتقول بصوت خرج بصعوبة بسبب ذلك الموقف :
” لا بأس…لا بأس مولاي .. أنا… أنا سأصل لحل مع ..مع الأبقار، يكفيني أن تعاقب ذلك الوقح ”
رفع إيفان حاجبه وقد ظهرت أسنانه في بسمة غريبة :
” سأفعل آنسة كهرمان، لكِ وعدي بمعاقبة ذلك الوقح وبنفسي …”
____________________
” سيد بافل، ما الخطوة التي ستخطوها قريبًا ”
ابتسم بافل يستريح بظهره على المقعد خلفه، وعيونه تشتعل في الظلام المحيط، فيها هي واحدة من الممالك المشرقة يعمها الظلام والظلم .
رفع بافل يده يحك ذقنه بهدوء :
” ما رأيك أنت ؟؟”
ابتلع الرجل ريقه لا يدري هل يسأله رأيه حقًا، ام ذلك مجرد سؤال لا معنى له وهو يتحدث مع نفسه كالعادة، وبعد صمت طويل تحدث بافل واخيرًا رافعًا عنه مشقة التفكير في خطوته القادمة وإن كان سيجيب سؤاله أو لا .
” سفيد، أنا أريد سفيد، تلك المملكة بمن فيها اريدها لي، وحين تسقط سفيد سيسقط الباقي، آبى وسبز ”
” سيدي عفوًا، لكن لا آبى ولا سبز بهذه السهولة التي تتحدث بها، هم أيضًا يمتلكون قوى جبارة وخاصة تلك آبى، بينما سبز ملكها داهية لا تفوته شاردة ”
نظر له بافل يحدق فيه طويلًا قبل أن يتجاهله دون رد واضح، ينظر أمامه وفي عقله تدور فكرة واحدة، هو سيقتحم سفيد ويسقطها ومن ثم يحين دور باقي الممالك، فسفيد هي القلب النابض للمالك الأربعة وبتوقفها عن النبض، تموت باقي الممالك …
” من عاد من الهجوم الأخير، أخبرك بشيء قد يفيدنا ؟؟”
” سيدي هو لم يقل سوى كلمات غير مفهومة وهو الآن ما يزال يتعالج، لا أحد يدري ما حدث هناك، هو فقط يردد أن الجحيم انفتح في وجوههم حتى أنهم فقدوا البعض منهم داخل القصر وهربوا ”
ضيق بافل ما بين حاجبيه يهتف بنبرة مخيفة :
” سالار ؟؟”
” لا، لا أعتقد فهو لم يذكر وجود سالار، قال أنه رأى رجل آخر يقود الجنود، لو كان سالار لذكره فمن لا يعلم سالار منا ”
ارتسمت بسمة مرعبة على فم بافل يردد بسخرية :
” نعم من لا يعرف سالار منا ؟؟ فمن غيره يقود حملات تطهير علينا، ومن غيره يقود جيوشه دون لإبادة شعبي ؟؟ ”
في تلك اللحظة اقتحم المكان أحد رجال بافل وهو يقول بصوت مرتفع وانفاس لاهثة ورعب جلي على وجهه :
” سيدي …الشعب …لقد …ثار على الرجال …”
ابتلع ريقه يحاول أن يبلل حلقه الجاف :
” احدث أحد الرجال ثورة في سوق المدينة وهناك حشد كبير من شعب مشكى يتجه صوبنا سيدي والغضب يقودهم وقد تسلحوا بكل ما وجدوه في طريقهم من سكاكين وخناجر وغيرها والبعض يحمل حجارة يلقون بها على القصر وقد أصابوا العديد من الرجال ”
انتفض جسد بافل بقوة وقد انتفض قلبه بالتزامن مع انتفاضة جسده وهو يركض بسرعة مهولة صوب إحدى نوافذ القصر يصرخ بجنون :
” من ذلك الشجاع الاحمق الذي اشعل شعلة الثورة وايقظ الضمائر الميتة داخل صدور هؤلاء الضعفاء ؟؟”
توقف في النافذة ينظر أمامه ليرى حشد مرعب من الشعب يتحرك صوب القصر ورجاله يقفون برعب متسعي الأعين وكأن أيديهم قد شُلت، بل الادهى أن أجسادهم كانت ترتجف، رؤية هذا الشعب الأعزل يتحرك نحوهم بهذه الثقة دون خوف من الأسلحة جعلت أحد الرجال يصرخ بصوت جهوري :
” تحصنوا فلربما كانت معهم قنابل ”
وبالفعل ارتعشت قلوب رجال بافل اجمعين يركضون داخل القلعة يحتمون بها من شعب اعزل لا يحمل سلاحًا سوى الايمان والثقة، ثقتهم واندفاعهم بهذا الشكل جعلتهم يشكّون بحيازتهم لقنابل .
توقف الحشد أمام باب القلعة وصرخ أحد الشباب وهو يحمل حجارة بين كفيه :
” لعنة الله عليكم أجمعين، خارج مملكتنا يا حثالة، لعنة الله عليكم ”
وبمجرد انتهاء جملته رفع يده عاليًا وألقى الصخرة لتصيب أحد رجال بافل وقد علت الصيحات بين الجميع، لتشتعل أعين بافل بقوة ويرتجف جسده غضبًا وتشتد قبضته على إطار النافذة أمامه يقول ببسمة مرعبة وقد اشعل ما حدث شياطينه:
” تخلصوا منهم جميعًا، اريد أن تفترش أرض مشكى بجثثهم، واحضروا لي ذلك القذر الذي يقودهم، فأنا من سيتولى أمره، لا اريد منزلًا في مشكى إلا وبه قتيل أو إثنين”
_______________________
شهقة عالية رنّ صداها في المكان بأكمله بعدما جذب سالار جسد تبارك بعنف من أسفل البحيرة، فاسفل الحافة تقبع بحيرة وهي التي خففت من سقوطهم ..
تحرك سالار خارج البحيرة وهو كالعادة يسحب تبارك خلفه من حقيبتها، وهي تحرك يديها وقدميها بقوة داخل المياه وكأنها تغرق تصرخ بصعوبة بسبب المياه التي تصطدم في وجهها، وسالار لا يهتم وهو يجذبها خلفه دون حتى أن ينظر ويرى ما يحدث لها :
” براحة، براحة كده هتخلص عليا قبل ما نوصل للشط”
وبعد دقائق من السباحة لكليهما، أو السباحة لسالار وتحريك الأيدي _ كالهرة الغارقة _ لتبارك، وصل الاثنان صوب الشاطئ ليستقبلهما صامد وصمود بالاغطية تاني يحتفظون بها في مكانٍ ما هنا .
خرج سالار من المياه بثياب ملتصقة بجسده العضلي يحمل غطاء من صمود ثم وضعه على كتفه، وحمل الآخر والقاه دون أن يستدير على تبارك حتى لا يرى ثيابها وقد التصقت بجسدها بفعل المياه.
أما عن تبارك فهي للتو لمست اليابسة لتسجد لله شاكرة فهي للتو انتهت من الطيران والسباحة، والآن تود لو تسير على قدميها وتلعب دورها كإنسان..
تنهدت براحة وهي منحنية ارضًا، ثم رفعت رأسها ببطء تقول بأنفاس لاهثة رافعة إبهامها :
” أنا زي الفـل، الحمدلله عدت على خيـ ”
وقبل أن تكمل كلمتها سقط غطاء على وجهها بقوة لتغمض عيونها بغضب تهمس بحنق وشعور عارم بالسخط يملئها :
” كل ده ومعاملة ملوك، امال لو جواري هتجلدوني مع كل شهيق وزفير ”
سحبت الغطاء بعيدًا عن وجهها تسمع صوت سالار يصدح وهو يعطيها ظهره هو وصامد وصمود :
” هيا ضعي الغطاء على جسدك وتحركي معنا، ومن هذه اللحظة حري بكِ التحدث بالفصحى، فنحن لا نعتمد العامية لهجة داخل حدود مملكتنا ”
نظرت تبارك للغطاء ثواني، ثم رفعت نظرها له تقول بصوت هادئ مستنكر ساخر بعض الشيء :
” لماذا يا بُني ؟؟ العامية جميلة و خفيفة الدم ”
استدار سالار لها يراها قد وضعت الغطاء حولها وهي ترتجف، ثم تنهد بصوت مرتفع يشرح لها الأمر برمته :
” العربية هي اللغة الأولى في البلاد بالفصحى ولا يُسمح باللهجات هناك، فنحن ندرك جيدًا أن وحدة الأمة من وحدة اللغة في المقام الأول، قد تختلف بعض الممالك في اللهجات، لكن الملك يمنع ذلك في مملكتنا، لذلك حاولي التحدث بالفصحى مع الجميع ”
هزت تبارك رأسها متفهمة، تحدث نفسها باستنكار أن ما بكِ تبارك ؟؟ للتو طرتِ كالبطريق الذي نسي أنه طائر لا يستطيع الطيران، وسبحتي ككلب صغير لم يتعلم بعد كيفية السباحة، وعشتي يوم كامل في الغابة كالحيوانات البرية، وتسيرين خلف ثلاث اشخاص غريبي الأطوار من بينهم واحد متجبر وسيم اصهب، واثنان كالزجاجة والكوب .
الآن تعترضين على استخدام الفصحى ؟!
” وماله وماله، اللي تشوفه يا قائد ”
ابتسم سالار باستحسان لأنها لم تجادله :
” إذن عليكِ اعتيادها منذ الآن”
” حسنًا يا سيدي لا مشكلة لدي، فأنا كنت من أشد محبي اسبونج بوب ”
” من ؟؟”
ابتسمت تقول بفخر :
” معلمي للفصحى، تعلمت الفصحى منه ومن بسيط ”
هز سالار رأسه دون اهتمام :
” حسنًا لا بأس، والآن كفانا راحة ولنتحرك ”
وبالفعل وضع حديثه حيز التنفيذ إذ تحرك من فوره بعدما انتهى من كلماته، يسير وأمامه صامد وصمود وتبارك تسير خلفهم تقول بتمتمة بينها وبين نفسها :
” تلاقي الشنطة بتاعتي باظت من المايه”
فجأة توقف سالار فجأة في سيره واستدار صوب تبارك وجذبها من الغطاء كي تسبقه في المشي بعدما تذكر ما تفعله هي وحركاتها المفاجئة لهم :
” اسبقيني ”
نظرت تبارك لمسكته بحنق :
“حاول تعاملني بأسلوب احسن من كده، مش معاملة ملكات دي ”
رفع سالار حاجبها يدفعها أمامه بظهر سيفه وكأنه يقود اسيرًا وليس يحرس ملكته ليعيدها سالمة صوب المملكة ..
سار الجميع بين الجبال وقد كانت وجهتهم هي البركان الذي كان يخفي خلفه بوابة المملكة لهم، ابتسم يشعر بنسائم الوطن تقترب، يشعر بالراحة لقرب عودته إلى بلاده …
مر شهر تقريبا او أقل منذ خطى خارج سفيد، وها هو على اعتاب العودة لجيشه وجنوده ..
” سفيد ..ها نحن ذا ”
_____________________
كان التصميم يملئ عيونها وهي تبحث عنه بين ساحات التمرين وفي جناحه وفي كل مكان سبق وقابلته فيه صدفة، أو عندما كان يراقبها، فقط لتستعيد منه سيفها الغالي والعزيز، فهي لن تتركه له، ولن تظل عزلاء وهو آخر سلاح تملكه بعد الهرب …
أين هو عندما تحتاج له ؟! كل ثانية كان يقفز أمام وجهه، والآن اختفى وتبخر.
تنفست زمرد بصوت مرتفع وهي تدور بنظراتها حولها، وحينما خابت آمالها رجعت صوب القصر حيث الجميع يتناول طعامه في الاستراحة وهي استغلتها لتستعيد سيفها .
وقبل أن تطأ القصر سمعت صوتًا يردد خلفها كلمات خافتة، صوت لشخص وكأنه يتأوه، توقفت تحاول أن تستمتع بشكل أفضل، وقد بدأت اصوات التأوه تعلو أكثر وأكثر.
دارت زمرد بعيونها حولها تحاول معرفة مكان تلك الأصوات، لكن اصوات التوجع ازدادت وما هي إلا لحظات حينما سمعت صوتًا يقول بنبرة مرهقة :
” ليساعدني أحدكم ..لعنة الله عليهم أجمعين، هل هناك أحد في الجوار ؟؟”
تحركت زمرد بريبة صوب الصوت تبتلع ريقها وهي تردد داخل نفسها بشك :
” بالله أين الأسلحة حينما يحتاج لها المرء”
سارت ودارت حول أحد المبنى والذي تجهل وظيفته لتتفاجئ بجسد ملقى ارضًا وهناك بكرة دماء يسبح بها .
اتسعت عيونها بصدمة وهي تتعرف على صاحب ذلك الجسد، تحركت بسرعة صوبه تهمس برعب كبير :
” أنت… أنت هو … ألست صانع الأسلحة ؟؟”
رفع تميم عيونه بسرعة صوب ذلك الصوت يقول بلهفة :
” نعم نعم أنا هو، ساعديني بسرعة قبل أن ينتبه أحدهم لوجودي هنا ”
نظرت له زمرد بعدم فهم وريبة، عادت الخطوات التي سبق وتقدمتها منه وقد على الشك ملامحها :
” أحدهم ؟؟ من تقصد وما الذي يحدث هنا ؟؟”
نظر لها تميم يشعر بالمكان يدور حوله، نزف الكثير من الدماء، عض شفتيه بوجع يحاول التماسك مشيرًا لقدمه حيث كان هناك خنجرًا به :
” انزعيه، انزعي ذلك الخنجر من قدمي ”
كان يتحدث وهو يشير لها أن تخلصه من ذاك الوجع، نصل حاد مغروز داخل قدمك يقطع اجزاء من جسدك دون أن يسمح لك بالتنفس بسبب الوجع، أمر كالجحيم ..
” هييه أنت ما الذي أتى بك هنا، ومن ذا الذي فعل بك هذا ؟؟ أنا أشعر أنك تخفي الكثير ”
ابتسم تميم بسمة باردة ثم أجابها دون إهتمام لأي شيء :
” اقسم إن لم تنزعي ذلك الخنجر وتهرعي صوب مكتبة العريف لتحضري دانيار دون أن يشعر بكِ أحدهم وخاصة ذلك العجوز النحس، لاتخذنكن فأرًا لجميع قنابلي القادمة”
نظرت له زمرد بحاجب مرفوع وقد شعرت بحنق من كلماته التي لم تنل إعجابها، ورغم ذلك ابتسمت له تقول بهدوء وطاعة مصطنعة وهي تتمسك بالخنجر :
” أوامرك سيدي القائد .”
وبختامها لتلك الكلمات انتزعت زمرد الخنجر بقوة جعلت صرخة تميم تصدح في المكان قبل أن يكتمها عاضًا على شفتيه، وهي تراقبه ببسمة صغيرة، ثم نهضت تلقي الخنجر جواره تقول ساخرة :
” تستطيع التحمل حتى اعود لك بذلك دانيار أم احملك أعلى اكتافي واركض بك حيث الطبيب !!”
رمقها تميم بنظرات حمراء مخيفة هامسًا من تحت أنفاسه وقد كان العرق يغطي وجهه بأكمله :
” سأقتلك بيدي هاتين أيتها الـ ”
” لا لا سيدي القائد أنت الآن تتجاوز حدودك معي وهذا لن يكون جيدًا لأجل جرحك الذي يكاد يبرد ”
ضرب تميم الأرض بقوة صارخًا بصوت جهوري حتى أن عروقه نفرت لتصيب زمرد بالرعب :
” اذهبي واحضري دانيار يا امرأة وإلا اريتكِ مني ما لا يسرك ”
انتفضت زمرد للخلف، ثم هزت رأسها ببطء وسرعان ما استدارت تركض مهرولة صوب القصر وتحديدًا مكتبة العريف، يا الله ذلك الرجل تحول بسرعة لشخص مثير للرعب بحق ..
بحثت بعيونها عن تلك المكتبة التي تحدث معها، إذ طوال فترة إقامتها في القصر والتي تصل تقريبا لثلاث اسابيع لم تقابل يومًا المكتبة أو تقترب من الجزء الخاص بها في القصر ، والذي كان منعزلًا.
توقفت أمام باب المكتبة كما ارشدتها واحدة من الفتيات، تنفست بصوت مرتفع، ثم دفعت الباب الخاص بها تقول بصوت مرتفع تسبب للعريف بزبحة صدرية :
” أين ذلك المدعو دانيار ؟؟”
نظر لها مرجان والذي كان يحمل عدة كتب :
” القائد دانيار تقصدين ؟؟ يا فتاة هذا قائد الرماة في الجيش عليكِ بإظهار بعض الاحترام و…”
قاطعته زمرد بغضب دون اهتمام :
” للجحيم وما حاجتي لمعرفة تاريخه، أين ذلك المدعو دانيار ؟؟”
فجأة انتفض جسدها تستمع لنبرة هادئة ساخرة تأتي من أحد المقاعد الجانبية والتي كان يجلس عليها دانيار يحرك سيفها بني أنامله :
” يبدو أنه ليس سيفك فقط هو الحاد، فلسانك ينافسه حدة يا امرأة…”
استدارت زمرد صوب ذلك الصوت لتتسع عيونها بعدم تصديق، ترى الجندي المزعج يجلس وهو يحمل سيفها.
الجندي ؟؟ هو ليس بجندي أو رامي ؟؟ هي طوال هذه الفترة كانت تتحدى وتتواقح على قائد الرماة بجيش الملك ؟؟
” أنت؟؟ أنت هو دانيار ؟؟”
رفع دانيار حاجبه يقف عن مقعده متحركًا صوبها :
” القائد دانيار بالنسبة لكِ آنستي…”
ابتلعت ريقها وهي تراه يشرف عليها بطوله الفارع، لكنها فقط نظرت له وقالت بنبرة غير واعية وبصوت خافت :
” أنه ذلك الـ…صانع الأسلحة، هو ملقى هناك على وشك الموت ”
اتسعت عيون دانيار بقوة يهتف بعدم فهم :
” من تقصدين ؟! تميم ؟!”
” لا ادري، هو نفسه صانع الأسلحة الذي يكاد يسقط جدران القصر فوق رؤوس قاطنيه، هو يكاد يموت بجوار أحد المباني وارسلني لاحضارك كي تودعه ؟؟”
أطلق دانيار صرخة جنونية هزت أرجاء المكتبة وتسببت في جنون العريف بالمقابل أكثر وأكثر:
” مــــــاذا ؟؟”
_________________________
قبل ذلك بساعات كان تميم يعتلي فرسه كعادته في الصباح، ومن ثم حينما ينتهي يعود لمعمله الحبيب _الذي ما يزال تحت الانشاء _ ويقوم بعمل تجاربه على الأسلحة الجديدة .
لكن وأثناء جولته حول القلعة وفي الأماكن المحددة لهم بعيدًا عن مناطق عمل النساء، انتبه لحركات غريبة بين الأشجار، خيالات اركض بين الأشجار بشكل مريب، بالطبع هؤلاء ليسوا بمزارعين …
هبط تميم أسفل أحد الأشجار وترك فرسه كي لا ينتبه عليه أحدهم، ثم تحرك بخطى هادئة صوب ذلك الخيال الذي يركض، بدأ يركض هو الآخر خلفه حتى وصل صوب إحدى بوابات القلعة ليرى ذلك الجسد المتشح بالاسود يراقب البوابة ..
رفع حاجبه وقد تأكد أنه أحد المنبوذين الذين هاجموا القصر البارحة، ربما هرب وسط القتال واختبأ ليتحين فرصة الهرب .
اعتدل تميم في وقفته واقترب أكثر منه وقبل أن يتحدث بكلمة كي يجذب انتباهه ويهدده بسيفه شعر بسكين يشق خصره وآخر يستقر في ساقه ..
وفورًا أطلق تميم صرخة مكتومة يستدير ليرى ثلاثة آخرين من المتمردين، تمالك نفسه وتحمل ليقف دون أن يظهر أي شيء ورفع سيفه لتبدأ معركة حامية بينهم جميعًا استطاع تميم أن يسقط منهم اثنين ويهرب اثنين تاركين إياه يعاني مع اصابتيه، وهو لم ينس أن يرد لهم الضربة بعشرة .
نظر للجثث الملقية ارضًا يفكر أنه سيذهب ويرسل أحدهم لأخذهم، تحرك ببطء خلف أحد المباني كي يجلس هناك ونزع الخنجر من خصره كاتمًا تأوه، ثم أخذ يفكر في طريقة للعودة دون أن ينتبه له أحدهم ….
وهكذا وجد تلك الخادمة الوقحة والتي يقسم أن يريها الويل بمجرد أن يقف على قدميه، تنفس بصعوبة وهو يستند على المبنى جواره يحاول الرؤية من بين جفونه التي تكاد تنغلق بالكامل، لكن ثواني هي حتى سمع صوت أنثوي يطلق صرخة مرتفعة، ثم اقتربت منه صاحبة الصوت تهمس بنبرة مرتجفة:
” يالله دعوت أن ينتقم الله لي منك، لكن ليس لدرجة الموت ”
تنفس بصعوبة يحاول فتح عيونه ليرى فتاة تجلس أمامه وهي تبكي خوفًا وتتمتم بكلمات عن دعوات دعت بها عليه، تنهد تميم بصوت منخفض :
” سأقتل نساء هذا القصر كلهن ..”
ومن بعد تلك الكلمات سقطت رأسه التي كان يستند على على الجدار على كتف برلنت، لتسقط الأخيرة ارضًا بأعين متسعة وقد شعرت بدماء تميم تسيل أسفلها لتطلق صرخة مرتعبة …
____________________
توقفت فجأة وهي تشير بيدها لهم كي يتوقفوا، تحاول التقاط انفاسها بصعوبة شديدة، تستند على ركبتيها وهي تفتح فمها كي تتيح الفرصة لصدرها أن يأخذ حاجته من الهواء حولها، ووجهها متعرق بالكامل، وجسدها يأن بتعب شديد .
وبعد دقائق استغرقها جسد تبارك في الارتياح رفعت رأسها لهم تشير بيدها قائلة بأنفاس لاهثة :
” اصبروا بس أخد نفسي …”
وبالفعل أخذت نفس عميق ترفع نظرها لهم، لتجد الثلاثة ينظرون صوبها بملامح باردة دون أي ذرة ارهاق قد تعكر صلابة وجوههم، ودون ذرة عرق واحدة .
شعرت تبارك فجأة أنها هي فقط من كانت تركض وتعافر وهم … كأنهم لن يخطوا خطوة واحدة .
نظر لها سالار ثواني قبل أن يقول :
” التقطتي انفاسك ؟!”
” اصبر تبقى نفس أخير ”
جذب سالار الغطاء الذي ما تزال تضمه لها قائلًا بجدية :
” التقطيه في الوطن، فنحن قد وصلنا بالفعل ”
نظرت له تبارك دون أن تفهم تحاول سحب الغطاء من يده، وحينما نجحت رمته بنظرات حانقة غاضبة، ثم عدلت من وضعيته بهدوء تقول بحنق :
” حمدالله على السلامة يا خويا، ويا ترى هتعامل في الوطن ده زي البني ادمين، ولا كلهم نفس عينتك كده و…”
وفجأة صمتت بصدمة حينما أبصرت من فوق فوهة البركان الذي صعدوا إليه قصر يلوح لها من بعيد يبدو عليه الفخامة، بل وينطق بالثراء بذلك اللون الابيض وتلك الاحجار التي تلتمع بقوة أسفل الشمس .
ازدرت ريقها تحاول أن تستعوب ذلك المشهد أمامها :
” احنا فين ؟؟ دي الجنة ؟!”
ابتسم سالار يقول بفخر مستنشقًا رائحة الوطن بكل سعادة ولكم يود لو يهبط ويتمرغ في رمالها بحب شديد :
” هذه سفيد، موطننا ومملكتك جلالتك ….”
_______________________
ها نحن عدنا للوطن، حيث بداية كل حكاية …
وتذكر أنها حرب إما أن تنتصر أو تنتصر، لا خيار ثالث أمامك.


 
google-playkhamsatmostaqltradent