Ads by Google X

رواية مملكة سفيد الفصل الخامس 5 - بقلم رحمة نبيل

الصفحة الرئيسية

  

 رواية مملكة سفيد الفصل الخامس 5  -   بقلم رحمة نبيل


#الخامس
#ملكة_عديمة_الفائدة
*مساء الخير، قبل القراءة اضغط على الفوت ⁦) علامة النجمة تحت (*
صلوا على نبي الرحمة..
اتمنى الفصل يعجبكم .
فصل آخر هدية لكم
_______________
اصوات الأمواج المتلاطمة، وهدير المياه وصرخات مكتومة …
كان هذا فقط ما يصل لمن على متن السفينة بعد أتزانها وبصعوبة شديد، حالة من الرعب تلبست الجميع بسبب غياب أجساد القائد والملكة أسفل المياه بعد سقوطهما .


مسح صامد عرق بدأ يظهر على جبينه برعب شديد مما يرى، كان البحر قد ابتلعهما بالكامل وبكل غدر، منذ ثواني فقط كان يبتسم لهما ويظهر لهما صفاءه، لكن اتضح الآن أن تلك لم تكن بسمة عادية، بل كان بكل بساطة يكشر لهما عن أنيابه وفي ثواني تعكر صفاءه ..
وأسفل المياه كان سالار يكتم أنفاسه بمهارة عالية، فهو لم يكن جاهلًا بالسباحة أو ما شابه، فلا تدري متى ترميك اقدارك لمعركة مع البحار .
كان يبحث بعيونه عنها في كل مكان وقلبه يكاد يتوقف من الرعب، لأول مرة يخشى شيئًا، ضياع الملكة يعني خسارته لكل تاريخه المحفوف بالانتصارات، أن يخسر مهمة لهو عارٌ غير مستعد أن يزين دفتر ملئ بالمكاسب .
وفجأة ابصرها تحرك يديها وقدميها على بعد كبير منه وبكل حماقة، وكأنها تعاند البحر ليزداد هو عنادًا وتشبثًا بها .
سبح جهتها بمهارة عالية وبسرعة فائقة، حتى التقط جسدها بسرعة كبيرة يخرج بها لسطح المياه مطلقًا شهقة عالية هاتفًا من بين أنفاسه :
” يا الله يا مغيث …”
وقبل أن يتبع جملته بأخرى شعر بها تضربه بيديها وقدميها وتتحرك بعنف شديد وكأنها ما تزال محتجزه أسفل المياه، وهو يحاول أن يتحكم بحركة جسدها كي لا يسحبها الموج مجددًا :
” لقد نجونا، تنفسي مولاتي، أنتِ بخير تنفسي جيدًا”
وفجأة تلقى صفعة على وجهه دون أن ترى هي أين تحط يدها، فقط ما تزال تشعر أنها أسفل المياه، وهو يصرخ بها أن تتوقف :
” بالله عليكِ توقفي قبل أن يشتد غضبي واريكِ مني ما لا يسرك و…”
ومجددًا هبطت صفعة أخرى على وجهه ليصرخ بجنون :
” لعنة الله على الكافرين، اقسم أنني …”
ولم يكد يتم جملته إذ تمادت بعدما بدأت تصعد فوق جسده وتنزل رأسه أسفل المياه مستعملة إياها كطوق نجاه صارخة :
” مش بعرف اعوم ….مش بعرف اعوم ”
كانت تتحدث وهي تُغرق رأس سالار الذي كان يحاول الخروج من المياه دون أن يؤذيها، وهي ما تزال تضغط على رأسه وتصرخ بجنون باكية برعب.
تشعر أنها ستموت الآن إن افلتته كل كوابيسها تجمعت أمام عيونها لتغطي على ذلك المشهد أمامها وتعرض لها مشاهد أخرى لخيالاتها التي كانت تراودها يوميًا، كانت تعيش يوميًا في كوابيس أن تموت وحدها ولا يشعر بها أحد حتى تتعفن، والآن ستموت ويتركونها ليذوب جسدها في المياه:


” حد يخرجني من هنا، مش بعرف اعوم، مش بعرف اعوم، مش بعرف اعوم ”
وعلى السفينة ركض أحد أفراد الطاقم يحضر طوق نجاه وصمود يصرخ وهو يشاهد ما يحدث :
” يا ويلي هل تحاول قتل قائد الجيوش ؟؟”
أجابه صامد وهو يرى ما تفعل :
” أقسم أن الملك لن يكفيه أن يجز رأسها أو ينفيها إن فعلت ..”
وفجأة اتسعت أعين الجميع حينما انتفض جسد سالار بقوة من أسفل المياه بعدما يأس أن تتوقف هي عن دفعه للاسفل، ليتراجع جسد تبارك للخلف بسرعة كبيرة ساقطة في المياه مرة أخرى وهي تصرخ أن ينقذوها، وقبل أن تعود للدوامة السابقة، شعرت بمن يسحبها من ثيابها للخلف جاذبًا إياها للأعلى، فتحت عيونها بصعوبة لتبصر وجه سالار الذي كان يحدق فيها بشر، ومن ثم جرها خلفه من ثيابها وكأنه امسك لصًا يحاول سرقة حذاءه من أمام المسجد ..
يجرها في المياه سابحًا، وهي كانت تشعر أنها شربت نصف المحيط حتى طريقها لطوق النجاة، ولا تدري كيف لكنها فجأة شعر باليابسة أسفلها وهناك عدد كبير يجتمع حولها مانعين عنها الشمس …
نظرت لهم، لا تشعر بشيء، فقط دوار ورغبة بالقيء الشديد، سمعت صوتًا يتحدث بلهفة :
” أنتِ بخير مولاتي ؟؟”
رفعت عيونها لذلك القصير الذي يرافق سالار ولا تتذكر له اسمًا، وقالت بصعوبة من بين أنفاسها :
” بخير ايه ؟؟ ده مسح بوشي البحر كله ”
دفع سالار الجميع عنها بعدما صعد هو للسفينة يسير صوبها بكل هدوء، ثم جلس القرفصاء يراها تحاول الاعتدال في جلستها، ليجذبها من ثيابها بعنف تسبب في اهتزاز جسدها بقوة وصوته يصدح في جدية كبيرة :
” أنتِ بخير ؟؟”
” لا أنا مبلولة ”
رفعت عيونها له، ونظرت بتشوش شديد، ثم مدت يدها تبحث عن شيء صلب كي تستند عليه، تحاول التحدث بكلمات ما وهو يضيق عيونه محاولًا فهم ما تريده، لكن فجأة اغمض عيونه بقوة كبيرة وهو يشعر بها و قد اغرقته بقيئها …
عض سالار شفتيه وهو يسمع صوتها ما تزال تفرغ ما في معدتها عليه والجميع يشاهد بأعين متسعة، وهو داخله يشعر برغبة عميقة أن يحملها ويلقي بها للبحر ليأخذ منها ثأره :
” لعنة الله على الكافرين ….”
______________________
” مجموعة كالمنبوذين يقتحمون مملكة بحجم مشكى، لهو أمر مثير للشك والريبة ”
ابتسم إيفان يستمع لكلمات تميم التي ألقاها بمجرد جلوسه، مال برأسه قليلًا محاولًا التفكير في الأمر، بالطبع هو لم يقتنع ولو للحظة بكل تلك الروايات التي وصفت تلك الغارة الشنيعة والمذابح البشعة بحق الأسرة الحاكمة لمشكى، الأمر وما فيه أن ذلك السبب الذي يختفي بخبث خلف كل ما حدث يحتاج فقط للصبر .
قال دانيار بهدوء شديد يوافق تميم الحديث :
” بالطبع يا تميم، فمن أين لهم بالأسلحة لذلك، وهم جماعة مرتزقة لا مصانع لهم ليصنعوا كل تلك الأسلحة، ولن تنفعهم العداد بلا عدة، إلا إذا اغاروا على قافلة أسلحة ”
نظر له إيفان ومازالت بسمته لم تنمحي عن وجهه، يستمع لكل كلمة ويحللها في عقله بهدوء وصمت، ذكي هو وماكر وهادئ ..


” هذا أكثر الاحتمالات منطقية دانيار، فلا يعقل أنهم بنوا مصانع بلا إمكانيات تؤهلهم لذلك، بل وصنعوا عدد أسلحة يؤهلهم لاحتلال مملكة كاملة ذات جيشٍ وسيادة ”
وكانت تلك كلمات تميم، الذي صمت يفكر ومن ثم أضاف :
” كما أن وحسب شهادة البعض ممن كانوا على حدود مشكى ذلك اليوم، فالاسلحة التي استعملوها كانت جيدة الصنع، تمامًا كتلك التي ….”
قاطعه إيفان بكل هدوء :
” نصنعها نحن، يستخدمون أسلحة تشبه خاصتنا، أو …ربما هي ذاتها ”
نظر له الاثنان بتعجب ليبتسم ويقول بهدوء شديد :
” الأسلحة التي كانت مع المنبوذين ذلك اليوم حين الغارة على مشكى هي نفسها اسلحتنا يا تميم ووجودها بين اكفتهم يعني شيئًا من عدة احتمالات، انهم اغاروا على قافلة لنا، وهم ما كان لهم من جرأة ليفعلوا ذلك، أو أنهم اغاروا على قافلة لمملكة تشتري منا اسلحة، ونحن لم نسمع بشيء كهذا، أو الاحتمال الاخير …”
صمت ينظر لهم نظرات غامضة جعلت أعين كلاهما تتسع بقوة والاجساد تتصلب بتحفز شديد.
ابتسم إيفان وقد أدرك أن مقصده وصل لهما؛ لذلك أشار ببساطة أن يتحركا قائلًا وهو ينهي الأمر :
” سنكمل النقاش في هذا حين عودة سالار يا رجال ونكتمل لنفكر سويًا، يمكنكم المغادرة ”
حياه الاثنان وخرجا من جناح الملك والذي استقبلهما فيه خصيصًا لأجل الحصول على خصوصية وهدوء بعيدًا عن الجميع .


وبمجرد خروج دانيار وتميم، حتى ابتسم إيفان وهو يضم كفيه ويشرد أمامه بأعين قد علتها نظرات تفكير عميقة، يتنفس بصوت مرتفع وقد قرر أن يستحم كي يهدأ ويفكر بشكل أفضل، لكن ما كاد يتحرك من فراشه إلا وسمع صوت الحراس يهتفون أن الملكة الأم تطلب إذن الدخول وهو قد أعطاهم الاذن، لتتحرك والدته داخل جناحه برأس مرفوع تقول ببسمة واسعة :
” صباحك ملئ بالخير والتوفيق مولاي ”
” صباح الخير لكِ أيضًا مولاتي …”
ابتسمت له الملكة وهي تقترب منه تقول بجدية وسعادة غريبة بعض الشيء عليها :
” جئتك لمعرفة إذا ما كنت تمتلك أي مخططات معينة لأجل الاحتفال الوطني مولاي ”
نظر لها إيفان ثواني وكأنه لا يفهم ما تقصد أو يستوعب، وفجأة أدرك ما تريد وقد نسي أمر ذلك الاحتفال تمامًا :
” آه نعم، بشأن هذا، فالأمور متروكة لكِ أمي كالعادة ”
تحدث وهو يتحرك في جناحه بهدوء شديد، لكن فجأة توقف على كلماتها حين قالت بخبث :
” إذن بني، هل تريد مني دعوة بعض الاميرات للحفل لربما تغير رأيك و..”
” أمي ”
قاطعها بصرامة ومن ثم قال منهيًا ذلك الحوار :
” هذا الأمر اخرجيه من رأسكِ رجاءً ”
” بني أرجوك اسمعني، لربما تجدك مبتغاك في أي امرأة غير تلك الـ ”
” ليست تلك امي، بل الملكة، أنا لم اخاطر بأمهر مقاتلي المملكة وقائد الجيوش الاعلى لأجل أن أبحث عن امرأة أخرى، لذا رجاءً انتهينا ”
هزت والدته رأسها وقد التمعت عيونها بالاصرار على تنفيذ ما تريد، تهز راسها ببسمة صغيرة :
” كما تريد مولاي، اسمح لي بالمغادرة ”
هز رأسه وهو يراها تتحرك صوب الباب وتخرج منه، ليذهب وينتهي مما كان يريد .
وبعد ساعة وحينما خرج وارتدى ثيابه قرر الذهاب للتدريب كعادته، لكن وقبل أن يتحرك، أبصر مشهدًا جعله يسرع وهو يشير للجنود ألا يتبعوه …
خرج يتبع تلك الفتاة التي تسير بحرص شديد وتتلفت بشكل يخبر الجميع أن ينتبهوا لها فهي على وشك القيام بشيء سييء .


ابتسم إيفان بسخرية شديد وهو يراها تتعمق صوب ممر لا يوجد به أحد تقريبًا، تناسى منصبه وكل شيء يتبعها لمعرفة ما تريد ونا تنوي ظنًا أنها جاسوسة أو متسللة، ولم يدري أنها نفسها مقتحمة مرحاضه وصاحبة كارثة الثيران .
وحينما توقفت أمام أحد الأبواب ابتسمت بسمة واسعة تضم المنشفة وبعض الثياب لها تمني نفسها بحمام ساخن منعش فاخر في جناح قائد الجيوش والذي كان خارج البلاد في هذا الوقت .
فجأة سمعت صوت خلفها يهتف بكل برود :
” لا انصحك بفعلها …”
صرخت كهرمان برعب شديد تستدير بسرعة خارقة وهي تضرب من خلفها بما تحمل، ثم التصقت في ركن الممر، وايفان وضع يده أعلى وجهه بغضب لتتسع أعين كهرمان مرددة بارتجاف :
” مولااااي ؟؟؟ أنا… أنا..”
” أنتِ ماذا أيتها الكارثة ؟! كدتي تتسببين في إصابتي بالعمى، ما الذي تفعلينه هنا امام جناح قائد الجيوش ؟؟ ”
نظر للثياب التي القتها على وجهه ليشحب وجهها هي .
حدقت به كهرمان وهي تدرك أن تلك المرة قد وضعت بالفعل نهاية لحكايتها البائسة، إن علم الملك أنها جاءت لتستحم في جناح قائد الجيوش مستغلة عدم وجود جنود على بابه، سينحر رأسها..
لكن هي ليست بالغبية لتعترف بما كادت تفعل، هي ستراوغه بكل ذكاء، وبالفعل نطقت بما سيجعلها تنجو من العقاب :
” أنا جئت كي انظف جناح قائد الجيوش، واطمأن أن كل شيء به صالح للاستخدام بعد غلقه لفترة طويلة ”
لو أنكِ قلتِ الحقيقة لكان افضل من هذا الهراء الذي اخرجتيه من فمكِ للتو كهرمان، أقسم أن لا غباء ينافس خاصتك، هذه المرة لن يكفي زمرد أن تعلق جسدك على باب السكن لتطعلك عبرة لكل غبي أسفل سقف تلك القلعة .
ابتسم إيفان بسمة جانبية أظهرت لها جيدًا أنه لم يقتنع، حسنًا هذا جيد نوعًا ما، فلو كان اقتنع بالهراء الخاص به لشكت في قواه العقلية ولتأكدت أنه لا يصلح ملكًا من الأساس .
تنحنحت وهي تقول بصوت خافت بعض الشيء :
” حسنًا بما أنك هنا مولاي، فسوف ارحل الآن واعود وقت آخر للتنظيف ”
تحركت ببطء لحمل ثيابها التي القته بها منذ ثواني، وقد كانت تتلاشى النظر له، وهو فقط يراقبها بسخرية لاذعة وحينما رأى أنها انتهت وتحركت بكل بساطة بعيدًا عنه أوقفها يقول :


” القائد لا يمتلك مرحاضًا واسعًا فخمًا كما تتخيلين، بل هو يمتلك واحدًا صغيرًا لا يستخدمه اغلب الوقت ”
نظرت له بصدمة ليكمل ببسمة وقد عرفها من ثيابها التي تحملها وصوتها المرتجف :
” هو في العادة يقضي أوقاته خارج القصر ولا يستعمل جناحه أو مرحاضه سوى مرات قليلة”
علت نظرات الخيبة أعين كهرمان وقد شعرت بالحنق يعلوها، ليقترب منها إيفان يضيف :
” هو يستحم معظم الأوقات في البحيرات وأسفل الشلالات، إن كنتِ تفكرين الآن في الأمر ”
اشتعل وجه كهرمان بقوة وهي تتراجع بعيدًا عنه :
” ماذا ؟! لا لا أنا … أنت يا مولاي قد فهمت الأمور بشكل خاطئ صدقني، من جاء على ذكر الاستحمام الآن بالله عليكِ، أنا فقط كنت اريد تنظيف المكان ”
نظر ليدها :
” بثياب نظيفة وسائل استحمام ومعطر جسد ومنشفة ؟! لا اظن ذلك ”
تنهدت كهرمان تهتف من بين أسنانها :
” لا أحب التعامل مع الاذكياء حقًا، الأمر مرهق ”
أطلق إيفان ضحكات مرتفعة وهو يقول بجدية :
” صدقيني نفس الأمر معي، لا أحب التعامل مع الحمقى، يكون التعامل معهم مرهقًا كذلك كما يحدث لي معكِ الآن”
هزت رأسها وهي تضم الثياب لها تخفي اسفلهم اشيائها الخاصة بالاستحمام :
” نعم اصدقك فأنا….مهلًا هل وصفتني بالحمقاء للتو ؟؟”
تنهد يتجاهلها متحركًا بعيدًا عنها وقد أخذت أكثر مما تستحق بالفعل :
” نعم فعلت.”
راقبت كهرمان رحيله لتشعر فجأة بالغضب يملء صدرها والحنق يعميها :
” هذا كان قاسيًا حقًا ”
سارت خلفه بغيظ شديد وفي رأسها تود أن تستوقفه للشجار معه، لكن فجأة ابصرته يخرج سيفه من الغمد وهو يتحرك للدرج الخلفي الذي يؤدي للساحة الخلفية حيث رأته لأول مرة وهو يبارز قائد الرماة .
ووصل لها صوته يقول بهدوء لأحد الجنود :
” اخبر أحدهم أن يأتي لمبارزتي …”
ابتسمت بسمة جانبية تميل برأسها وقد شعرت بالحماس لمتابعة مبارزة أخرى، لكن هذه المرة أرادت أن تكون عن قرب أكثر…
__________________________________
” ومن ثم تركتها ورحلت، أعني أنا فعلت الصواب، فمثل تلك الفتيات ذوات الألسنة الحادة لا يجب أن تتناقش معهن بالمرة، أفضل حل هو أن تتجاهلهن، حسنًا إن أردت رأيي فالنساء جميعهن يجب تجاهلن ”
ختم تميم كلماته وهو يركز كل حواسه في المواد التي يملكها أمامه لصنع قنبلة جديدة غير تلك التي خربت سابقًا، ومازال عقله يعرض عليه لقاءه مع تلك الفتاة قصيرة القامة طويلة اللسان .
بينما كان دانيار يجلس جواره يصفر بلا اهتمام لأي شيء، يحمل بعض السهام ويقوم بتلميعها، وتميم يكمل حديثه بكل جدية :
” لا لا يا دانيار، أنا لم أخطئ فيما فعلت، بل ما فعلته كان عين العقل ”
صمت ثم أكمل وكأن دانيار يحاوره بالفعل :
” صحيح هذا ما فكرت به كذلك، ثم أنا لا قبل لي بالتعامل مع النساء بحنان ولين مثلك ”
بدأ دانيار يختبر شفرات السهام واحدة تلو الأخرى، وتميم يكمل عمله بكل دقة وحرص شديد لئلا ينفجر بهم المعمل مجددًا :
” نعم أنت محق دانيار، يجب أن نتجنب النساء كي لا نتسبب لأنفسنا بصداع ”
ابتسم دانيار بسمة سعيدة حينما أتم التأكد من جميع سهامه العزيز، ومن ثم بدأ ينظف حاملة السهام نفسها بكل هدوء وتميم يكمل عمله وكذلك حديثه :
” وأنت أخبرني ما الجديد في حياتك ؟! هل فعلت ما طلب منك الملك ؟!”
ترك فجأة تميم ما بيده منتبهًا له :
” لا تقل أنك نسيت يا رجل ”
نظر له دانيار بطرف عينيه ليبتسم الآخر :
” نعم هذا ما ظننته أيضًا، آه يا صديقي الحياة ليست بهذه السهولة التي كنا نعتقدها حينما كنا صغارًا، أتتذكر تلك الأيام دانيار حينما كنا نركض في السهول ونلعب في البحيرات دون أن نحمل همًا ”
صمت يتنهد بصوت مرتفع :
” نعم كانت بالفعل ايام جميلة ”
فرك دانيار خصلات شعره، ثم تمطأ وتميم يكمل حواره الشيق بينه وبين دانيار الخيالي الذي يصنعه كي لا يصاب بالجنون من تصرفات المزعج الحقيقي .
وفجأة انتفض تميم عن مقعده يقول بأعين متسعة :
” لقد نجحت، لقد نجحت، تغير لون المسحوق دانيار، انظر لقد نجحت في صنع بارود متطور غير ذلك التقليدي يا رجل ”
نظر له دانيار بفضول شديد ليبتسم له تميم :
” نعم يا غبي الأمر رائع، بارودي العزيز سيحدث ثورة في عالم الأسلحة ”
نهض دانيار يتحرك صوب طاولة الأدوات الخاصة بتميم يقول وهو يشير صوب المادة التي بدأت ذراتها تهتز على الطاولة :
” مهلًا، هل تحركت تلك المواد للتو ؟!”
نظر له تميم بعدم فهم :
” ماذا ؟!”
لكن دانيار دفع رأسه وانظاره بسرعة صوب الطاولة وهو يصرخ مشيرًا لتلك المادة الصلبة التي كانت تنجذب بشكل غريب صوب النار :
” يا غبي انظر، باردوك العزيز يركض صوب النيران كالمشتاق للحبيب ”
اتسعت عين تميم وهو يحدق بذرات البارود التي تجذبها النيران كالمغناطيس، ليقول وهو يشعر أن القادم ليس جيدًا أبدًا :
” أوه لا ”
صرخت دانيار بجنون :
” ماذا تعني بأوه لا ؟؟ ما الذي فعلته يا أحمق؟!”
تراجع تميم للخلف شيئًا فشيء، ثم قال بريبة وبقلق :
” إذن يا صديقي يستحسن أن تركض الآن، فالقادم لن يعجبك، أو يعجبني أو يعجب أحد داخل جدران ذلك القصر ”
وبمجرد أن ختم كلماته هرول تميم للخارج صارخًا بصوت مرتفع :
” حريق على وشك النشوب داخل المعمل ”
كل ذلك ومازال دانيار لم يستوعب بعد ما يحدث ويقف أمام الطاولة يراقب هرولة ذرات الباورد صوب الشعلة التي يستعملها تميم عادة لتسخين المواد، ثواني حتى عاد له تميم يسحبه خارج المعمل صارخًا :
” أيها الغبي اركض سوف تصبح قطع محترقة بعد ثواني ..”
هرول الإثنان للخارج برعب شديد في الوقت الذي على صوت انفجار في المكان هز اركان القصر بأكمله ..
في ذلك الوقت كانت برلنت تسير صوب الطابق السفلي لإحضار بعض المؤن اللازمة لتحضير طعام الجنود، تتلو بعض الأغاني القديمة التقليدية للنساء وهي تسير باستمتاع وهدوء، لكن فجأة شعرت بالأرض تهتز أسفلها، ضيقت ما بين حاجبيها بتعجب تقضم قطعة تفاح داخل فمها ثم أخذت تلوكها بتفكير وهي تحدق بذرات الرمال التي تهتز ارضًا :
” ما الذي يحدث هنا؟! هل هناك زلزال أو ما شابه ؟؟”
رفعت عيونها ببطء وجهل، لتشعر أن الهزة ازدادت وبمجرد أن نظرت أمامهما اتسعت عيونها بقوة وهي ترى رجال كثيرين يركضون صوبها وأحدهم يصرخ بجنون :
” اخلوا الممـــر ..اخــلوا الممــــر ”
شهقت برلنت وهي تتراجع للخلف تضع التفاحة في فمها، ثم ألقت الإناء من يدها تسمك طرف ثوبها كي تركض، لكن فجأة شعرت بمن يجذب ثيابها بيد قوية ويركض بها صارخًا :
” ابتعدوا بسرعة ”
و برلنت كانت تركض دون وعي، وهناك تفاحة في فمها تمنع صرخاتها وعيونها متسعة بشكل مثير للضحك، وتميم يركض معها دون أن يعلم هويتها أو يدري من بجذب، هو فقط أخذ كل من قابله في طريقه….
نزعت برلنت التفاحة من فمها وهي تصرخ بنبرة توشك على البكاء :
” أسرع، يا ويلي اسرع سنموت، كله بسبب ذلك المختل الذي لن يتوقف إلا عندما يقتل له دزرينة رجال ونساء ”
نظر لها تميم ليقول بغيظ شديد :
” هذه أنتِ يا طويلة اللسان، لو علمتك من البداية لتركتك علّ القنبلة هذه المرة لا تخيب آمالي وتحولك لاشلاء .”
اشتد جنون برلنت لتنحني فجأة على ذراعه وتنقض عليه بالعض الذي جعله يطلق صرخات ولعنات وسباب ارتفع في الممرات، حتى أنه فجأة تعرقل وسقط ارضًا بسبب حركاتها، ليغفل عن الدرجات أسفل قدمه ويسقط عليها مع برلنت والعديد من الأشخاص بقوة والجميع أعلى الدرج يراقبون بأعين متسعة ما يحدث ….
__________________________
كانت الصغيرة تجلس في أحد الأركان باكية بصوت مرتفع، وقد ازداد ارتفاعًا بمرور الوقت ليأتي على أثره تلك المرأة المتجبرة المرعبة وهي تصرخ في جميع الأطفال حولها أن يبتعدوا جانبًا، ثم حدقت بالصغيرة الباكية وهي تنغزها بيدها :
” مالك يا بت أنتِ على المسا نازلة عياط كده ليه ؟؟”
رفعت الصغيرة الباكية وجهها وهي تقول من بين شهقاتها بصعوبة شديدة :
” تبار…تبارك ضربتني ”
ومن ثم انفجرت مجددًا في البكاء لتستدير السيدة تحدق في الجميع بشر كبير وقد شعرت داخلها بغضب قادر على إحراق مدينة بسكانها، تلك الملعونة تبارك والتي تتسبب لها بالعديد من المشاكل في العمل، تكرهها وتكره اليوم الذي خطت به ذلك الملجأ، منذ جاءت وهي متمردة مجادلة، لا تخشاهم وهذا أكثر ما يثير حنقها .
” فين الزفتة تبارك …فين طين البرك اللي مش هتسكت غير لما اقطم رقبتها ؟؟”
كانت تتساءل وهي تبحث عنها بين الجميع وقد نوت لها الليلة على جحيم لن تنساه، ستقومها ولو كان بالاجبار، ستجعلها تخضع لها ولو كان بالقوة .
ابتعدت جميع الفتيات عن المربية في تلك اللحظة وقد بدأت ملامح الرعب ترتسم على وجوههن، رافضين الحديث بكلمة، لكن الصغيرة الباكية نهضت بسرعة كبيرة تقول بحنق طفولي لا تعلم له عواقب :
” مستخبية تحت السرير اللي هناك ده يا أبلة سميحة ”
نظرت سميحة في المكان بأعين غاضبة، ثم تحركت صوب الفراش ومالت بجسدها الممتلئ لتجد تبارك تجلس في الركن ملتصقة بالجدار وكأنها تود لو تصبح رسمة عليه لا روح فيها، تضم دميتها الغبية الممزقة والمتسخة لصدرها وهي ترتجف، وحينما لمحت أعين سميحة تلتمع بالتهديد في الظلام قالت بصوت مرتعش :
” هي …هي اللي شتمتني وقالت إن… إن ماما مش كويسة يا أبلة ”
حجج كثيرة لم تكن سميحة مهتمة بسماعها أو التفكير بها حتى وهي تميل بجسدها أكثر تجذب لها جسد تبارك بقوة غير مهتمة بالارضية الباردة التي التصق بها وجه الصغيرة وهي تصرخ برعب .
بل فقط جذبتها للخارج، ثم سحبتها من خصلات شعرها تهز جسدها وتخضه بقوة صارخة :
” هو أنا مبقاش ورايا غيرك ؟! مبقاش فيه غير تبارك هي اللي عاملة مصايب ؟! ايه اسيب شغلي واشتغلك يا روح امك ؟!”
بكت تبارك برعب وهي تشعر بقلبها يكاد يتوقف :
” والله ما عملت حاجة يا أبلة والله هما اللي بيضايقوني وبيضربوني، أنا آسفة والله، خلاص يا ابله سميحة بالله عليكِ خلاص ”
تحولت الصغيرة من مرحلة الدفاع للانكار، واخيرًا وصلت للتوسل، ترتجي منها رحمة بطفلة صغيرة يتيمة لا تملك من الحياة ما يؤهلها للدفاع عن نفسها أمام تلك الطاغية التي سحبتها خارج العنبر بأكمله وهي تحاول سحب نفسها منها باكية برعب صارخة :
” والله ما عملت حاجة يا أبلة سميحة، بالله عليكي آخر مرة والله آخر مرة ”
لكن أي كلمات وأي رجاء يلقى صداه عند امرأة قد انتزعت قلبها ووضعت محله صخرة مصمتة لا رحمة بها، كانت تلك المرأة ممن قال الله عنهم في كتابه العزيز ” ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ”
كانت قاسية للدرجة التي تجعلها تهبط فوق جسد الصغيرة تبارك بسوط دون الاهتمام لصرخاتها التي هزت أرجاء الملجأ بأكمله وحركت قلوب الاموات في قبورهم ..
كل ذلك كانت تراه تبارك أثناء حلمها وهي تتحرك برعب وترتجف على الفراش باكية تهمس كلمات غير مفهومة له، هو فقط جاء كي يطمئن عليها بعد تبديل ثيابه، ليسمع صوت تأوهات من الخارج جعله يندفع للداخل، ليرى جسدها يهتز بهذه الطريقة المرعبة ويختض وينتفض كما لو كانت تحارب في أحلامها، لكن حروبها كانت أكثر شراسة من تلك الحروب التي يخوضها هو، كانت تحارب كوابيسها، وما اسوء من محاربة ما لا تستطيع التحكم به أو لمسه .
مال سالار قليلًا فقط ليصل صوته لها أثناء نومها وبدأ يقرأ بعض آيات القرآن بالقرب من أذنها بصوت خاشع أجش، صوت وصل لها في أحلامها بلسمًا، ليتبدل الكابوس بحلم جميل لفارسها البوليوودي الذي كانت تراه سابقًا وهو يضمها ويهمس لها كلمات مطمئنة بصوته الاجش، يهمس لها بآيات من القرآن ويربت على ظهرها بحنان لتبتسم تبارك واخيرًا تاركة لنفسها فرصة التنفس براحة داخل أحضانه .
ابتسم سالار حينما رأى جسدها قد بدأ يتراخى شيئًا فشيء ليعود بظهره على المقعد وهو يتنفس بصوت منخفض :
” ترى ما الذي تضطرين لمحاربته في احلامك مولاتي ؟؟”
____________________
أي جنون ذلك الذي ألقى بكِ لمثل ذلك كهرمان ؟! كيف فكرتي في مثل تلك الفكرة الغبية لتثبتي له أنكِ لستِ حمقاء كما يظن، وتنتقمي منه، وكيف ستفعلين وأنتِ من الأساس ترتدين ثياب جندي ولثام جندي ؟!
تنهدت بصوت مرتفع تتقدم صوب ساحة التدريب حيث كان يقف الملك وهو يحرك السيف الخاص به في الهواء بمهارة شديدة وتمكن كبير وملامح مرعبة جعلت اقدام كهرمان ترتعش رعبًا .
ابتلعت ريقها وهي تستدير رغبة في الهرب وإرسال أحد الجنود غيرها، لكن استوقفها صوت إيفان الذي قال متأففًا :
” وهل سأنتظر اليوم بطوله ؟؟”
استدارت كهرمان ببطء تنظر له ولجسده الذي كان يلتمع بسبب ذرات العرق عليه، ابتلعت ريقها وقد بدأت قبضتها ترتعتش، هي لن تنجو من ذلك، لطالما وصفتها زمرد بالتهور، لكن ما ما تفعله الآن اسوء من التهور بمراحل، هذا ببساطة انتحار .
كيف تعتقد تلك الغبية أن تدريبات شقيقها لها سابقًا قد تؤهلها لمجاراة ملك سفيد في قتال بالسيوف ؟!
تأفف إيفان بصوت مرتفع وهو يرى ذلك الجندي يتقدم بتردد صوب الساحة، لذلك تحرك صوبه بخطوات واثقة ودون مقدمات رفع سيفه في الهواء ليباغته بضربة قوية تصدى لها الجندي بمهارة جعلت بسمة واسعة ترتسم على فم إيفان يقول بهمس :
” ارني ما لديك يا فتى ”
وفي ثواني رفعت كهرمان سيفها وعادت للخلف بحركات ماهرة، ثم ركضت بسرعة كبيرة قافزة في الهواء وهي تحرك سيفها بمهارة لا بأس بها تهجم على إيفان الذي تصدى لضربتها بمهارة منقطعة النظير، وقد أعجبه الأمر واعجبه روح التحدي الواضحة في ذلك الجندي، فالجميع حينما يتبارز معهم يتعاملون معه بحرص شديد، لكن هذا كان جريئًا قويًا لا يهمه شيء، أو أنه الآن يقاتل الملك .
ابتسمت كهرمان وقد بدأت تستعيد كل ما تعلمته واكتسبت ثقة مع أول ضربة تصدت لها، تهجم عليه تارة وتدافع تارة، تتدحرج في الأرض وتقفز وقد بدأ القتال بينهما يشتد بقوة لا مثيل لها .
ورشاقة كهرمان كانت تؤهلها للتحرك بحرية كبيرة
لا تشبه أبدًا حركات رجل، وهذا ما جعل أعين إيفان تضيق يشك وهو يراقب كل حركة من ذلك الجندي بشكل جيد، وفي ثواني هجم بشراسة عليه متسببًا بجرح في ذراعه جعل صرخة كهرمان تخرج دون وعي .
لتتسع أعين إيفان بقوة وقد بدأ جسده ينتصب بتحفز يقترب منها بسرعة كبيرة صارخًا :
” امرأة في ساحة القتال ؟؟”
ابتلعت كهرمان ريقها وهي تدرك أن ساعتها قد حانت، يا الله ستموت هذه المرة، وحينما أوشك إيفان على الوصول لها رفعت في وجهه السيف تحذره بعيونها أن يتقدم وهو يحاول معرفة أين رأى تلك العيون ..
قالت كهرمان بصوت خافت بعض الشيء وقد حاولت تغيير نبرتها قدر المستطاع :
” للخلف ولا تفكر في الاقتراب ”
ارتسمت بسمة على وجه إيفان من تهديدها، لكنها أبدًا لم تكن بالسعيدة أو حتى الساخرة، بل كانت بسمة غاضبة مخيفة، جعلت كهرمان تعود للخلف وهي ما تزال ترفع السيف في وجهه محذرة، لكن إيفان رفع سيفه مجددًا يقول بشر :
” تريدنه قتال ؟؟ فليكن سيدتي ؟؟”
ختم كلماته بأنحائه صغيرة، ثم هجم عليها بشراسة مرعبة جعلتها تميل بنصف جسدها وهي تصد ضربته، تعتدل بسرعة كبيرة تصد ضرباته واحدة تلو الأخرى ببسالة وجسارة، إن كانت ستموت أو تُعاقب فليحدث ذلك بشرف كما علمها شقيقها ..
كانت كهرمان تبارزه بكل مهارة تعلمتها وتتحرك في الساحة وهو اندمج في القتال معها ونسى أنه الآن يواجه امرأة، بل بدأ يستمتع بذلك النزال والقتال، يرفع سيفه ويضرب بقوة وكأنه في معركة حقيقية ..
بدأت كهرمان تصاب بالتعب لترتسم بسمة على فم إيفان وهو يرفع سيفه ضاربًا يدها ضربة قوية مسقطًا سيفها ارضًا :
” ماذا ؟! أصابك التعب منذ الآن؟؟”
نظرت له بشر ليقول بصوت منخفض وهو يضع السيف أمام رقبتها وعيونها:
” لا تنظري لي هكذا آنستي فأنا لا أخشى عيون القطط خاصتك تلك، لا ادري كيف ظننتي أنني سأُخدع بكِ، منذ متى وامتلك جنودي جسد مرن وصغير الحجم كخاصتك ؟؟ ”
صمت ثم نظر ليدها التي كانت تمسكها بوجع :
” ومنذ متى كانت ترتجف أيديهم عند القتال ؟! ينقصك الكثير لتصبحي مبارزة بارعة يا امرأة، والآن اكشفي عن وجهك واخبريني من أنتِ وماذا تفعلين بثياب جنودي ؟؟”
ابتلعت كهرمان ريقها تعود للخلف ببطء شديد وقد بدأ وجيب قلبها يعلو أكثر وأكثر حتى شعرت بقرب توقفه من الرعب …
اشتعلت النظرات بين الإثنان ليتوه إيفان في عيونها وتلك القوة داخلهما جذبته كما الفراشة للنيران.
فجأة قطع كل ذلك صوت خلفه يقول :
” سيدي العريف يحتاجك بأمر هام ”
نظر لها إيفان ثواني قبل أن ينظر إلى سيفه مبتسمًا يقول بجدية :
” أخبره أنني قادم ..”
تحرك الجندي لتستغل كهرمان ذلك وهي تدفع إيفان للخلف بسرعة كبيرة وتركض خارج ساحة المبارزة وهي تشعر بقلبها يكاد يتوقف من الرعب وايفان لم يتحرك من مكانه مبتسمًا على ما تفعل، تحسب أنها خدعته وهو من أرخى دفاعاته، تعجبه تلك اللعبة، الذئب والنعجة .
ألقى السيف ارضًا ثم نظر لاثرها يقول بهدوء :
” جيدة كامرأة…سيئة كمحارب ”
_____________________
يقف على مقدمة السفينة وهو يمارس بعض التمارين مخافة أن تضعف قدرته البدنية لابتعاده هذه الأيام عن تمارينه المعتادة، فهو يومًا واحدًا لم يتخلف عن تأدية تمارينه أو المبارزة، إلا في حالة الحرب وقتها يطبق عمليًا ما تمرن عليه، والآن مرت اسابيع لم يحمل بها سيفًا أو يقاتل ..
كان يقف أمام صمود يقاتله بالأيدي بكل مهارة وصمود ذلك التعيس الذي جعله حظه النحس يستيقظ مبكرًا ويقع أمام سالار حتى يعرض عليه الأخير تمرينًا خفيفًا .
وها هو قد كُسر له ضلعين وأُصيبت عينه اليمنى بكدمات وأصبحت ذراعه رخوة لكثرة الضربات التي تلقتها، وكل ذلك خلال ( التمرين الخفيف )، حمدًا لله أنه لم يقترح قتالًا شرسًا، لكان الآن أصبح بطول صامد بعدما يكسر له القائد سالار عظامه ويطويه …
خرجت صرخات من صمود بعدما قبض سالار على ذراعه بحركة متمرسة يجذبه له وهو يقول بصوت خافت :
” ما بك صمود ؟؟ هل تحاول أن تتهاون معي ؟! قاتل يا رجل ولا تخشى ”
نظر له صمود يبتلع ريقه بألم:
” ليتني امتلك رفاهية التهاون يا قائد، أنا أريد أن أصل لمرحلة التهاون تلك، لكنني مازلت أحاول أن اقاتل، اعطني فرصة لرفع إصبعي ”
تركه سالار فجأة، ثم عاد هو للخلف يحرك رقبته بهدوء مبتسمًا بسمة صغيرة هادئة :
” حسنًا لك ذلك، سأمنحك فرصة الهجوم عليّ، أريدك أن تغافلني بحركة غير متوقعة، لتتخيل أنك في معركة ضدي صمود، هيا ”
تمتم صمود بتأوه مكتوم :
” أتخيل ماذا يا قائد؟! التخيل نفسه مفزع، أنت مرعب في معاركك ”
منحه سالار هزة بسيطة من كتفه :
” فقط تخيل، ولا تخف فلن اعقابك إن اصبتني بشيء، هذا متوقع في القتال ”
ردد صمود بتمني :
” أقسم أنني لا امانع إصابتك يا قائد، لكنني لن استطيع، الحالة الوحيد التي يمكنني إصابتك بها هي عندك تخديرك بالكامل ”
أعاد سالار خصلاته الصهباء الكثيفة للخلف يشير له بالاقتراب، وصمود ابتلع ريقه يردد بينه وبين نفسه بنبرة أوشكت على البكاء :
” ليتني مت عطشًا وما استيقظت مبكرًا للشرب ”
” هيا صمود لن انتظر اليوم بطوله ”
” ما بك تتعجل موتي يا قائد، رجاءً اعطني فرصتي لرثاء نفسي واستعادة ذكرياتي قبل الرحيل ”
تنفس بصوت مرتفع مغلقًا عينيه يستدعي كل قوته المخزنة داخل جسده، وقوته الباطنية التي حتى لم يستكشفها يومًا، يقوي روحه قبل جسده، واخيرًا فتح عيونه ببطء يستشعر اصوات الرياح الخفيفة حوله وقد أصبحت جميع حواسه في كامل قوتها وتركيزها، نظر لسالار من أسفل رموشه، يطقطق رقبته، ويفرقع أصابعه، ويحرك لسانه على باطن خده، ثم ابتسم بسمة جانبية يتراجع للخلف خطوة، ومن ثم انطلق بقوة مرعبة وخطوات سريعة كالبرق صوب جسد سالار الذي كان في انتظار ضربته..
وبمجرد أن أصبح على بُعد خطوة من سالار رفع يده صارخًا صرخة حماس سرعان ما خفتت حينما تلقى لكمة واحدة من سالار اسقطته ارضًا واسقطت معه كامل تجهيزاته .
وتزامنًا مع صوت اصطدام جسد صمود بالأرض ارتفعت صرخة من فم تبارك التي كانت تراقب القتال منذ بدايته والتي تراجعت للخلف حينما رأت ما حدث قائلة بصدمة :
” يا منجي من المهالك يارب ”
رفع سالار رأسه له بتعجب وهي ابتلعت ريقها وما تزال تنظر لصمود الذي هبط ارضًا ولم يصعد حتى الآن، وحينما رفعت رأسها لسالار قال بهدوء شديد وكأنه يخبرها تحية الصباح :
” تريدين قتالي ؟؟”
نظرت تبارك حولها بسرعة كبيرة على أمل أن يكون هناك من يحدثها خلفها، لكن اكتشفت أنها هي الفتاة الوحيدة هنا وعلى السفينة، أشارت على نفسها بصدمة :
” أنا ؟؟ اعاركك أنت ؟؟”
اومأ سالار بجدية :
” نعم، تستطيعين ؟؟ جميع الملكات يستطيعون القتال بمهارة معينة، هناك من يستطيع القتال بالسيوف أو السهام وغيرها من الأسلحة ومنهم من يبرع في استخدام اليد في القتال، ما الذي تبرعين أنتِ فيه ؟!”
” بعرف ادي حقن ”
تشنجت ملامح سالار بعدم فهم، بينما تبارك استرسلت بسرعة تقول بلهفة :
” أنا احسن واحدة في المستشفى كلها تدي حقن، والله كان المرضى يطلبوني بالاسم، اصل انا ايدي خفيفة محدش بيحس بيها ”
ارتفع حاجب سالار لا يفهم ما الذي تقصده، يتمنى ألا يكون ما وصل لعقله منذ قليل صحيح، لا يجوز، أن تكون ملكتهم عديمة الخبرة في القتال لهو عار على المملكة بأكملها، أن تحظى بملكة ضعيفة لا تستطيع حتى القتال والدفاع عن النفس، فمن المعروف في جميع الممالك أنه ومنذ صغر الاميرات يتم تعليمهن مهارات القتال بمختلف أنواعها …
” لا تستطيعن استخدام أي سلاح ؟!”
صمتت ولم تتحدث بكلمة واحدة، بينما هو شعر بصدمة كبيرة، يا الله أي ملكة تلك التي لا تمتلك من المهارات ما يؤهلها حتى للجلوس على العرش لثواني معدودة ؟
تحرك سالار صوبها بعناد، يخرج من ثيابه خنجرًا خاص به، يضعه بين يديها قائلًا :
” لا يمكن أن تكوني معدومة الخبرة القتالية، بالطبع هناك قدرات كامنة داخلك وعليكِ اكتشافها، هيا هاجميني ”
نظرت تبارك للخنجر ثواني، ثم رفعت عيونها له تقول ببسمة غير مصدقة :
” اهاجمك ؟؟ زي المرحوم اللي لسه مرمي في الأرض ده ؟؟”
كانت تتحدث وهي تشير صوب صمود والذي يبدو أنه لا ينتوي النهوض ابدا وكأنه استحسن فكرة إدعاء الموت كي لا يكمل سالار القتال معه …
ابتسم سالار يهز رأسه، وهي تراجعت للخلف رافضة أن تتسطح جوار صمود ارضًا بعدما ينتهي منها، لكن سالار لم يسمح لها صارخًا في وجهها بشراسة كما لو كان يأمر أحد جنوده :
” أخبرتك أن تهجمي عليّ…. الآن ”
وفي ثواني دون أن تعي حتى كيف رفعت السكين وحركت يدها ناحيتها بقوة ليتجنبها بكل سهولة ينظر لطريقة امساكها السكين بشر :
” ما هذا ؟! هل تقطعين بعض الخضروات ؟! احملي سلاحك بشكل صحيح ”
” سلاح إيه يا مجنون يا ابن المجانين أنت، حد قالك أنك معاك خبيرة قتال ؟؟ ده اخطر حاجة مسكتها كانت مشرط الجراحة عشان اناوله للدكتور وبعدها علقولي محاليل من الخضة ”
كان سالار يستمع لها دون اهتمام بكل ذلك الهراء، كل ما يهمه هو أن يجبرها على استخدام قوتها الكامنة داخلها :
” إذن أنتِ لن تهجمي عليّ ؟؟”
تحدثت بسخرية وهي تلوح بيديها في الهواء ثم أشارت صوب صمود :
” كان عمود النور المرمي في الأرض ده قدر، أنت صاحي على الصبح عايز تتكيف على قفانا ولا ا..”
وقبل أن تكمل كلمتها أخرج سالار خنجر آخر يخفيه في ثيابه حتى يريها كيف تحمله، لكن وحينما أظهره لها أطلقت تبارك صرخة جنونية متراجعة للخلف ظنًا أنه سيتخلص منها، ترفع الخنجر في وجهه :
” حاضر ههاجمك، والله هقطعك واعملك كل اللي عايزه، بس ..بس ارجع ورا شوية، اديني بس فرصتي وانا هعملك شرايح دلوقتي ”
ورغم تعجبه من كلماتها إلا أنه نفذ لها ما تريد وتراجع بعض الشيء ليمنحها فرصة الاستعداد، وبالفعل بمجرد أن فعل تنفست تبارك بصوت مرتفع، ثم رفعت يدها وألقت الخنجر عليه بقوة كما لو كانت ترميه بصخرة، ثم ركضت صارخة بعيدًا عنه صوب غرفتها التي خرجت منها وهو ما يزال يراقبها بصدمة مما فعلت :
” يا الله الصبر ياالله، سيموت إيفان بحسرته حينما يرى ما خرج بعد بعد سنوات تعففه وصبره ”
_______________________
” أقسم بالذي خلقني لو اقتربت مني خطوة واحدة لاصرخن في طرقات القصر واخبرهم أنك تحاول التحرش بي، ولن يهدأ لي بال حتى أراك تُجلد أمامي أيها المختل”
اتسعت عين تميم بصدمة ولا يصدق ما وصل له حاله، فتاة من عامة الشعب تهدده هو، هو من تهتز له أجساد رجال يفوقنها الحجم اضعافًا مضاعفة، هو صانع الأسلحة الأشهر في الممالك وافضل فارس بين الجميع تقف أمامه تلك الـ شيء الذي لا يجد له مسمى ويهدده بالجلد ؟!
حاول تميم الفكاك من بين ذراعي دانيار صارخًا بجنون :
” أي تحرش هذا أيتها الحولاء ؟! بالله هل تصنفين نفسك امرأة لتقفي وتتبجحي باتهامك لي بالتحرش ؟؟ ”
نظر له دانيار بشر هامسًا :
” ما بك تميم ؟! منذ متى ونعامل النساء بهذه الطريقة ؟؟”
صرخ تميم بجنون بعدما أفلت من يده :
” ومنذ متى ونحن نصنف مثل هذه الطفيليات نساء يا اخي، بالله عليك انظر إليها، بعدما انقذتها من انفجار آخر كاد يتسبب في تحويل جسدها لقطع لحم بحجم الرمال، تنهض وتصفعني ؟؟ تصفعني أنا ؟؟”
تنفست برلنت تحاول أن تتماسك رغم ارتجافة يدها، فهي تقسم بالله ما علمت كيف تجرأت ورفعت يدها وصفعته لجذبه لها، بل وصرخت في وجهه متهمة إياه بالتحرش .
” هذا جزاؤك لأنك لمستني و…”
” بالله وتالله ووالله كنت سأهرول لحجرتي بمجرد تركك لغسل يدي بالمطهرات، فلا تتصرفين بهذا الشكل وكأنني كنت مستمعتًا لجذب بقرة تزن طنًا والركض بها بين طرقات القصر ”
نفخ بحنق يهمس من أسفل أنفاسه :
” يا الله على عقول النساء، عسى أن يعطيكن الله على قدر عقولكن ”
ختم جملته يتحرك بعيدًا عن الجميع وهو يتمتم بغيظ وصوت تمتماته يصل للجميع، وبرلنت ما تزال تقف ارضًا تحاول أن تلملم بقايا كرامتها التي دهسها تميم أسفل أقدامه قبل الرحيل..
بينما دانيار وضع يده أعلى فمه يكتم ضحكة كادت تفلت منه، يقول بصوت هادئ بعض الشيء يظهر به بوادر ضحك :
” اتمنى أن تعذري رفيقي آنسة، فهو كالثور لا يرى أمامه حين الغضب، لكنه في الحقيقة امممم ثور لطيف، والآن اعذريني وآسف على ما تعرضتي له، ارجو ألا يصل للملك ما حدث ”
تحرك دانيار بسرعة وبخطوات واسعة بعيدًا عنها قبل أن تنفلت ضحكاته أمام برلنت والتي كانت ما تزال متسعة الأعين فاغرة الفاه، تحاول استيعاب ما قيل لها منذ ثواني ..
وفجأة انتفضت على صوت ضحكات صاخبة جوارها، جعلتها تستدير بتحفز وأعين تقدح شرارًا، لتجد أن مصدر الضحكات لم يكن سوى زمرد التي شاهدت ورأت كل ما حدث، وقد كانت أحد الناجين من الانفجار .
تنفست زمرد بصعوبة من بين ضحكاتها :
” حسنًا، في الحقيقة كان هذا أكثر من قاسٍ ”
تنفست برلنت بصوت مرتفع وقد بدأت تعلو نظرة مرعبة عيونها قبل أن تندفع بعيدًا عن زمرد بشكل جعل الأخيرة تقول وهي تهز كتفها بهدوء :
” رجال هذا القصر، لا يعلمون عن احترام النساء شيئًا”
تحركت زمرد لتنتهي من جولتها في القصر حتى ينتهي وقت العمل ويحين وقت الطعام، لتركض وتتظاهر بالاعياء والمرض جراء عمل اليوم ..
وبعد ساعة من الدوران حول حديقة القصر الداخلية حيث تعمل النساء عادة ويُمنع دخول الرجال لهذا الجزء بسببهن، كانت زمرد تجلس أسفل إحدى الأشجار وهي تتناول بعض الفاكهة التي قطفتها بنفسها ..
لكن وبعد مرور ساعات شعرت بالملل الشديد لتفكر في فعل شيء مختلف، نهضت بسرعة تنفض ثيابها، ثم تحركت صوب الباب الخلفي للقصر وهي تفكر في الخروج والعودة قبل المغيب، سوف تأخذ جولة في سوق المملكة، لكن قبلًا عليها تبديل ثياب العمل تلك وارتداء ثيابها القديمة، ستعيش اليوم كما كانت تفعل قديمًا وبكل حرية بعيدًا عن أسوار السوق الخانقة…
وفي سوق المملكة كان يسير هو بثياب عادية يحاول الاندماج بين عامة الشعب لشراء ما يحتاج بنفسه دون وجود أي حراس أو خيله أو أسلحته، يضع قلنسوة من القماش كالتجار مخفيًا ملامحه، يبتسم لهذا وذاك …
وفجأة سمع صوت ضرب الدف يصدح في المكان والجميع يتحرك صوب أحد الأزقة التي تجاور السوق، قادته قدمه بسرعة ليتفقد ما يحدث ..
وبمجرد أن وصل وجد امرأة تقف في منتصف الزقاق دون لثام والذي عادة ما ترتديه النساء، لكن البعض قد يخلعنه، وتلك المرأة أمامه لم تكتفي بخلع لثامها، بل كانت ترتدي ثياب غير مسموح بها للنساء، بنطال قماشي واسع وسترة علوية واسعة من اللون الاسود وتضع حجاب اسود تعلوه قبعة من نفس اللون أعلى رأسها، تحمل بين يديها خنجران تدور بهما في المكان وهي تقول بصوت صاخب ساخر :
” ماذا ؟! ألا يوجد بكم رجلٌ يمكنه هزيمتي ؟؟ عارٌ عليكم أجمعين…”
ابتسمت بسمة واسعة، ثم انحنت بعض الشيء وهي تؤدي لهم تحية ساخرة :
” إذن الميدالية لي والجائزة لي، حظ أوفر ”
ختمت حديثها تلقي الخنجرين ارضًا بعدما انتهت من منافسة الرجال وفازت هي بشكل غير متوقع بالجائزة المعروضة، بدأت تجمع القطع الذهبية بكل استمتاع، لكن قبل أن تنتهي من وضع القطعة الأخيرة داخل السلة وجدت خنجر يصيب السلة جوار كفها بانشات قليلة، ابتلعت ريقها بصدمة تستدير ببطء لتلمح جسد رجل يخفي وجهه خلف قلنسوته والذي قال ببسمة ظهرت في عيونه :
” بل العار هو أن تعلني فوزك بحرب لم تكتمل سيدتي ”
نظرت له الفتاة تحاول تبين ملامحه وصوته المكتوم خلف لثامه يذكرها بصوت مألوف، لكن الجسد لم تتبينه بسبب كبر حجم ثيابه .
ابتسمت زمرد بسمة جانبية تترك القطع الذهبية، ثم انتزعت الخنجر الذي ألقاه هو بالسلة، وهي تشير للهدف الذي يتم التنافس على التصويب عليه، دققت النظر به ثم صوبت عليه بتحديد وبشكل مهاري جعل الجميع يشهق بانبهار وهي ابتسمت تمد له أحد الخناجر :
” دورك يا سيد ..”
انتزع منها الخنجر ونظر للهدف ثواني معدودة، ثم عاد ونظر لها ودون أن يعيد النظر للهدف رمى الخنجر ليصيب منتصف الدائرة بالضبط في نفس النقطة التي صوبت هي خنجرها صوبها، وقبل أن تستوعب زمرد ما حدث كان هو يلقي خنجرين آخرين بنفس الشكل وهناك نظرة تحدي ملئت عيونه …
اسودت ملامح زمرد وهي تسمع صوت الرجل يقول :
” هل من منافس آخر ؟؟ لا ؟؟ إذن المنافسة محسومة ”
وبهذه الكلمات ختم حديثه يتحرك لحمل سلة القطع الذهبية، ثم تحرك خارج الزقاق بكل هدوء، يمر برجل مسكين تظهر عليه امارات الفقر، فوضع له كل القطع الذهبية :
” عد لمنزلك يا عم واطعم صغارك ..”
سار بعيدًا عنه وهو يخرج ورقة من جيبه ليرى ما ينقصه، لكن فجأة سمع صوتًا خلفه يقول :
” أنت…توقف يا سيد ماذا تظن نفسك فاعلًا؟؟”
استدار دانيار ببطء يراقب اقترابها منه، وحينما أصبحت أمامه انتزعت القبعة الخاصة بها تهتف بأعين مشتعلة :
” هل تظن نفسك بارعًا وتتحداني أمام الجميع ؟؟”
” أنا لا أظن ذلك آنستي، أنا كذلك بالفعل ”
كانت يتحدث وهو يتأمل ملامحها باندهاش حاول أن يخفيه، ملامحها مختلفة كليًا عليه، ملامح شرسة حاد وأعين كحيلة قاسية وفم يقذف سهام أشد حدة من سهامه المسنونة بعناية، تلوح بيديها في الهواء ثم رفع اصبعها تقول بتحدٍ :
” غدًا في نفس الموعد ونفس الزقاق، سأريك كيف تكون الهزيمة على حق ”
نظر دانيار لاصبعها باستهزاء، ثم قال بكل هدوء :
” عفواً آنستي، لكنني لستُ متفرغًا لهرائك الخاص، ولستُ مضطرًا لإثبات أنكِ خاسرة، اعتقد أنك تعلمين نفسك جيدًا وانكِ ناضجة بالقدر الكافي الذي يؤهلك لمعرفة ذلك دون أن يثبته أحد لكِ ”
ختم جملته يتركها بكل بساطة يسير بعيدًا عنها تاركة إياها تراقب ظهره ورحيله بصدمة كبيرة، تشعر بالخسارة تأكلها من الداخل، الشيء الذي كانت تتميز به بين المحيطين بها جاء ذلك الغبي وهزهمها به ….
________________
تتحرك في أركان السفينة بحذر شديد، تتلفت حولها كل ثانية والأخرى كما لو كانت على وشك افتعال سرقة أحد البنوك، واخيرًا وصلت صوب الكابينة الخاصة بتناول الطعام أحضرت لها بعض الغذاء، ثم أخذته في صحن صغير وركضت صوب إحدى الطاولات واختبئت أسفلها وهي تتنفس الصعداء وتنظر حولها أثناء تناول لما بيدها، لكن فجأة وقعت عيونها على صامد وصمود يشاركنها مخبئها حاملين اطباق الطعام ويتناولون بنهم…
ابتسم لها صامد حينما انتبه لها يشير بيده قائلًا من بين مضغاته :
” مرحبًا ”
انطلقت صرخات مرتفعة من فم تبارك التي تراجعت للخلف برعب شديد، بينما انتفض صامد بسرعة يحاول أن يصمتها :
” اهدأي رجاءً قبل أن يصل صوتك للقائد، وحينها لن يرحم ايًا منا ”
نظرت لهم تبارك بتعجب:
” أنتم كمان مستخبيين منه ؟!”
اومأ صمود يقول بصوت منخفض :
” لقد جن القائد، من الصباح يتحين أي فرصة لقتال أي شخص تقع عليه عيونه، وقد كاد يقتلني في التدريب الأخير ”
اخفضت تبارك صوتها تهمس بقلق :
” هو …هو على طول كده يعني ؟؟ هما طالقينه كده على الناس ؟! مفيش حاجة حكماه يعني ؟؟”
تناول صامد بعض طعامه باستمتاع شديد وما يزال الثلاثة جالسين أسفل الطاولة يتناولون ما بأيديهم :
” حسنًا نحن لا نعلم الكثير، فبحكم وظيفتنا في المملكة لا تتقاطع طرقنا مع القائد كثيرًا ”
تمتم صمود براحة :
” حمدًا لله على ذلك ”
اكمل صامد وهو يبتلع ما بفمه :
” لكنني سمعت أن القائد لا يحتك بأحد سوى جنوده ورفاقه، وحينما لا تكون هناك حروب، فإنه يقضي وقت فراغه في التدرب على جنوده وتعليمهم كيفية القتال الصحيح، و…”
صمت ثم اقترب منها يهمس بجدية :
” سمعت أنه وحينما يرون سالار يتحرك صوب ساحة القتال، يفر الجميع مرتعبين منه ”
كانت تبارك تتناول الطعام بكل اندماج مع حكايات سالار التي كان صمود وصامد يقصونها عليها، وهي تتابع يحماس وشغف كبيرين تتسع عيونها تزامنًا مع اشتعال الأحداث، وصمود يصف لها انجازات سالار وأفعاله :
” وذات مرة دخلت مملكتنا في حربٍ مع المنبوذين، وسمعت البعض يقول أنه وفي منتصف الحرب رأوا القائد سالار يتحول لوحش ثلثه اسد والثلث الثاني فهد، والثلث الاخير كان تنينًا ”
شهقت تبارك بدهشة شديدة وهي تبتلع ما بفمها، تحاول أن تتخيل ذلك الوحش الأسطوري الذي يتحدث عنه الاثنان، وصامد لم يتوقف عند ذلك الحد :
” نعم نعم أنا أتذكر تلك الحرب جيدًا، لقد أخرج نيرانًا من فمه، هو فقط توقف في منتصف ساحة الحرب فاردًا ذراعيه باتساع، ثم نفخ صدره وقال بصوت جهوري (قولوا وداعًا يا حمقى) ومن بعد تلك الكلمات لم يبصر أحد سوى جحيمًا مستعرًا خرج من فمه ”
ارتعش جسد تبارك تتخيل ذلك المشهد المهيب، لكن فجأة ومن وسط ذلك الحوار الشيق استمع الثلاثة صوت هادئ خلفهم، استداروا ببطء شديد ليجدوا سالار يجلس ارضًا بكل هدوء يضم قدميه لجسده، مبتسمًا بشكل مرعب، ومن ثم قال لهم بنبرة باردة كالصقيع :
” قولوا وداعًا يا حمقى …”
وبعد تلك الكلمات ارتفعت صرخات صامد وصمود اللذين انتفضا من خلف الطاولة ملقيين ما بأيديهما راكضين في المكان وصوت صرخاتهما يرن في الأجواء الهادئة .
بينما تبارك والتي لم تكد تهرب زحفت للخلف وهي تصرخ بصوت مرتفع صرخات متواصلة وقد كادت عيناها تخرج من محجرها، تعود للخلف وهي تلقي بكل شيء عليه :
” ارحمني، ارجوك ارحمني …”
وضع سالار يده على أذنه بانزعاج :
” بل أنا من ارجوكِ أن ترحميني وتتوقفي عن الصراخ، يا الله يا مغيث أكاد أفقد السمع ”
لكن تبارك كانت تبكي برعب وهي تزحف بسرعة من أسفل الطاولة لتخرج، ولم تكد تفعل إلا وشعرت بيد سالار تجذب ثيابها للاسفل مجددًا يردد بجدية :
” توقفي هنا واستمعي لي، أنتِ بالطبع لا تصدقين هـ ”
وضعت تبارك يدها أمام وجهها بسرعة كبيرة وهي ترتجف برعب وتردد من بين أسنانها التي تصطك بخوف :
” ارجوك متولعش فيا، أنا موافقة، هاجي معاك والله ”
” أنتِ حمقاء ؟؟”
لكن تبارك والتي كانت قد بنت في عقلها قصة كاملة عن مملكة خوارق ومصاصي دماء ومستذئبين ووحوش امثال سالار، لم تكن لتستمع لحديثه الذي يحاول إيصاله لها…
وحينما يأس سالار من أفعالها جذب ثيابها بعنف شديد جاعلًا إياها على بعد مناسب منه مرددًا من بين أسنانه ضاغطًا على كل احرفه كي يحشر كلماته في رأسها:
” أنا لست وحشًا ولا تنينًا ولا انفث نيرنًا من فمي كما أخبرك الاخوان الاحمقان، واضح ؟؟”
هزت رأسها بسرعة وبخوف :
” اللي تشوفه…. اللي تشوفه أنا معاك فيه ”
نفث بغضب قائلًا من بين أسنانه :
” أنا في هذه اللحظة لا أرى سوى ذرات الغباء تتحرك في المكان حولي ”
” صح، أنت عندك حق ”
كانت تتحدث وكأنها تهادن طفل صغير مخافة أن ينفجر في البكاء ويؤرق ليلتها، لكن الفرق أن من أمامها ليس طفلًا وأن انفجاره لن يكون بكاءً .
” أنتِ حتمًا اسوء واغبى ملكة ستحصل عليها سفيد يومًا”
” وماله يا باشا، اللي تشوفه ولو تحب اروح اعتذر منها بنفسي أنا مستعدة ”
” من هي ؟؟”
” سفيد ”
ترك سالار ثيابها يخرج من أسفل الطاولة بعدما آلمه ظهره من الانحناء يصرخ رافعًا يديه للسماء :
” يالله يا ولي الصابرين ”
راقبته تبارك وهو يخرج من المكان، بينما هي تحاول التنفس براحة شديدة بعدما تخلصت من أسر قبضته تردد :
” يا رب وأنا كنت ناقصة شغل الخوارق ده ووحوش وتحول وملكة و MBC2؟؟ والله انا أخري تسالي احلى عالم على MBC3 وكنت بمل في نصها وبجيب طيور الجنة ”
مسحت وجهها وهي تقول :
” خلاص هو الموضوع اتحسم، اول ما نوصل اقرب يابسة هسيبهم وأهرب على اول مركز شرطة اطلب منهم مساعدة، مستحيل اكمل مع شوية المجانين دول باقي حياتي ”
_________________
” ايه ده ؟؟ ”
اقترب سالار من الخلف وهو يحدق فيما تنظر له، غابة واسعة لا بداية ولا نهاية لها، أو هذا ما يظهر لهم، وأصوات مرعبة تخرج منها وكأنها تدعوك لخوض مغامرة رعب ستنتهي بموتك أنت وكامل طاقمك ..
ابتسم سالار يردد بهدوء :
” خلف هذه الغابة تقبع نهاية العالم ”
نظرت له تبارك بجهل:
” القيامة هتقوم؟؟”
” ماذا ؟؟ لا …اقصد المكان يسمى بحافة العالم أو نهاية العالم، وهذه هي بوابتنا لدخول المملكة ”
ابتلعت تبارك ريقها بقلق تشير صوب الغابة التي يخرج منها اصوات صريخ وحيوانات ليلة وهناك العديد من الطيور السوداء تحلق فوقها بشكل مثير للاختناق :
” يعني احنا هندخل هنا ؟! في الغابة دي ؟؟”
” نعم هذا صحيح ..”
اومأت تبارك بتفهم وهدوء شديد، هي لم تعد تتعجب ما يطلبونه منها، حقًا لم تعد تفعل :
” كلام جميل، كلام لطيف، لكن للاسف الشديد أنا ما اخدتش اجرتي عشان اشترك في فيلم الرعب ده، وانا سبق وجيت معاكم الرحلة على أساس أنها خيال علمي، بس محدش جاب سيرة الرعب، وعشان كده انا بنسحب من الفيلم ده وتقدروا تجيبوا أي زميلة مهنة تكمل الدور، اشوفكم في شاشات العرض، بالتوفيق يا شباب ”
وبمجرد انتهاء كلماتها تركت سالار وصامد وصمود خلفها دون اهتمام بهم، وسارت تحمل حقيبتها أعلى ظهرها وهي تردد بحنق وسخرية لاذعة :
” نهاية العالم …اللهي اشوف نهايتكم واحد واحد يا بعده”
زفرت بتعب وهي تنظر حولها لتلك الغابات المنتشرة والأشجار الشاهقة تردد بعجز وهي تخرج هاتفها عديم الفائدة تبحث عن شبكة اتصال، لكن بالطبع فشلت مساعيها، وضعت يدها أمام رأسها كي تخفي أشعة الشمس عن عيونها، تبحث في الإرجاء عما قد يفيدها مرددة بتأفف :
” اركب منين أنا لصفط اللبن دلوقتي ؟؟”
وكانت الإجابة هي ارتفاع اصوات الحيوانات في الغابة خلفها لتشعر تبارك بالرعب يتلبس جسدها، ابتلعت ريقها تستدير بخوف للخلف :
” يا قائد …يا قــــائــد ”
_________________________
أن تعيش طوال حياتك بحذرة مخافة أن تأتيك كارثة تؤرق مضجعك لهو أمر جيد، لكنك لم تدري أن كل الكوارث التي تجنبتها سابقًا بحذرك، تجمعت تنتظر لحظة طيشك لتغرقك كما السيل حين انهيار سد حذرك …

 



 
google-playkhamsatmostaqltradent