Ads by Google X

رواية مملكة سفيد الفصل الرابع 4 - بقلم رحمة نبيل

الصفحة الرئيسية

  

 رواية مملكة سفيد الفصل الرابع 4  -   بقلم رحمة نبيل



#الرابع
#المنبوذون
“تنهدم كل مُخططاتنا لمسارات حياتنا في اللحظة التي نُوقن فيها بحقيقة التسليم لله، عندما نُتقن حُسن التوكل عليه، نعلم أن الخطط والاستعداد كلها ناقصة إلا بقدرته وهو وحده يخلق الأسباب ثم يجعل الأسباب ممكنة ويجعل مما لا يمكن قد يمكن برحمته.”
صلوا على نبي الرحمة
_____________________
خطى قاعة التجمع بخطواته المهيبة، واعينه جامدة لا يظهر شيء على وجهه، فقط ملامح منقبضة وقبضة مشتدة، وجسد منتصب يوضح لك كمّ الغضب الذي يملئ جسده في تلك اللحظة .
نهض جميع مستشاري الملك، ومعاونيه، باحترام شديد، في الوقت الذي عزف فيه بعض ملوك الممالك الأخرى عن ذلك..
فهم مثلهم مثل إيفان ملوك لممالك ليست بالهينة .
ابتسم إيفان لهم بسمة صغيرة يرتاح على مقعده في حين تبادل ملوك الممالك الأخرى نظرات غامضة، لكن إيفان والذي فهم ما يرمون إليه من تلك النظرات، قال بهدوء شديد :
” مرحبًا بكم في مملكتنا المتواضعة ”
ابتسم له آزار ( ملك مملكة آبى ) يجيب بسخرية مبطنة وكلمات غاضبة تظهر جيدًا ما يكنه داخل صدره :
” نعم متواضعة، ما بال تلك المتواضعة تحاول أن تتحكم في ممالكنا ملك إيفان ؟؟ ما شأنك وحدودي ؟؟”


رفع إيفان حاحب واحد يهز رأسه بهدوء، ثم قال دون أن يستدير صوب محدثه وبكل سلام نفسي وبسمة ناعسة بعض الشيء :
” هل وضعت جنود على حدود آبى دانيار ؟؟”
دار دانيار بنظراته داخل القاعة ثواني، ثم تركزت نظراته على آزار يقول بجدية وملامح قُدت من صخر :
” العفو مولاي، نحن لم نطأ رملة واحدة من رمال آبى، نحن فقط وضعنا الجنود في الجزء الخاص بنا من الحدود ”
حرك إيفان كتفه بهدوء شديد وقال ببساطة وعدم اهتمام بما يحدث حوله :
” جيد إذن، فنحن لا نطمح لبناء عداوات مع الجيران دانيار، تأكد ألا يمس الجنود حبة خردل داخل أراضي آبى ..”
صمت ثم قال بشبه ببسمة وصوت خافت شبه مسموع :
” إلا بأمرٍ مني ”
وعند نطقه لتلك الكلمة انتفض آزار ومعه ولي عهده يصرخ بصوت جهوري مرعب رجّ القاعة بأكملها وتسبب بتحفز أجساد جميع مستشاري الملك وجنوده :
” إيفان التزم حدودك واعلم مع من تتحدث ”
نهض إيفان يجابهه طولًا بل يتفوق عليه بالبنية الجسدية الشابة_ على عكس ملك آزار _ وقد نهض كذلك جميع جنوده يقول بصوت جهوري قذف الرعب في قلوب الآخرين :
” أنا التزم حدودي المعروفة ملك آزار ولم اتخطاها، هذه أرضي وأرض ابائي أفعل بها ما أشاء واضع جنودي حيثما أريد ولا يحق لك أو لأيًا كان التدخل في سياسات مملكتي ”


بُهت وجه آزار، وعلى التعجب وجه ولده الذي قال بتسائل مستنكر :
” ما الذي ترنو إليه ملك إيفان؟؟ نحن لسنا بأعداء ولسنا هنا لنتقاتل معك، بل فقط جئنا لنتناقش بشأن ما حدث لمشكى ”
اجاب إيفان بملامح سوداوية مخيفة وصوت يقطر ظلامًا، وهو ما يزال يحدق في وجه آزار :
” أسأل والدك يا عزيزي ما الذي يرنو إليه هو من خلف كلماته التي يلقيها في وجهه وتعديه عليّ داخل مملكتي، احضرتكم هنا لنعلم القادم، لا لنتقاتل ”
اشتدت جميع الأعين وتحركت صوب آزار الذي كان ينظر بأعين إيفان بشكل مرعب، وايفان لم تتحرك منه عضلة واحدة يستمتع بتلك الهمسات التي علت جوار أذنه.
وآزار أظهر شرًا واضحًا و وقد على الغضب ملامحه، هو جاء ليتناقش معهم في أمر مشكى، ما الذي فتح كل تلك الأمور والنقاشات التي تحدث ؟؟
ابتسم لهم إيفان جميعًا ثم قال بصوت مرتفع وكلمات صارمة لا مزاح بها وبلهجة شديدة التوعد وبكلمات مقصودة تخفي خلفها الكثير، فصمته لا يعني جهله لما يُحاك خلف ظهره :
” لا تعتقدوا يومًا أنني غر يمكنكم خداعه كما فعلتكم مع ملك مشكى فقط لصغر عمره، أنا صغير لكنني افوقكم جميعًا بالتفكير، واظن أن هذا توضح لكم العديد من المرات؛ لذلك إياكم أن يجرأ أحدكم على تجاوزي أو التقليل من شأني وإلا أعلنتها حربًا على الجميع ولن اهتم ….”
صمت ثم همس له بصوت مخيف :
” فأنا اشتقت لساحة المعركة، وتتوق قبضتي لحمل السيوف كأيام الخوالي، ولا أعتقد أن سالار سيمانع أن يقود الحرب بنفسه، أنت تعلم أنه يحب تجميع ارقام جديدة ويحصي انتصارات أكثر وقد تمثل له حربًا مع مملكتك اغراءً لا يقاوم خاصة بعد آخر حديث لك معه ملك آزار”
ابتسم آزار بسمة لا تبشر بالخير، ومتى كان الخير خيارًا في عصر ذلك الملك الذي حكم مملكته بقبضة من حديد، تجبر وقسى، لكنه في المقابل صنع مملكة تنحني لها أعتى الروؤس، ومقابل ذلك ما جنى يومًا شكرًا أو كلمة حسنة من شعبه الجاحد الناكر لجميع افضاله، فهو أول من وضع قانون الإعدام لمن يرفض تسليم نصف امواله سنويًا للبلاد، وكان يأخذ نصف محصول الفلاحين جميعهم للجنود، ويُلزم شعبه أن يعملوا ويكدوا ليلًا نهارًا فقط لأجل بناء الدولة ولأجل اسعاد رجاله وجنوده ايضًا.


يطالبهم بالتنازل، وهو يومًا لم يتنازل لاجلهم، لم يدفع فلسًا واحدًا من جيبه، ببساطة هو حوّل شعبًا حرًا لعبيد له ولجنوده .
بنى جيشًا قويًا، لشعبٍ سقيم…
اهتم بالجدار، وتناسى العمدان…
هز آزار رأسه يقول بهدوء وبسمة جانبية غريبة :
” لك ما تريد ملك إيفان، لنتحدث في أمور مشكى ”
ومع انتهاء كلماته جلس الجميع مجددًا، وعلى الهدوء قاعة الاجتماعات مجددًا، ليقطع ذلك الهدوء صوت ملك مملكة ” سبز ” الذي قال بصوت خافت هادئ :
” وصل لي ما حدث بمملكة مشكى بأكملها، وقتل جميع أفراد الأسرة الحاكمة وهذا يجعل مشكى في يد المنبوذين ”
صمت ثم نظر لايفان وقال :
” ما رأيك ملك إيفان ؟!”
ابتسم له إيفان بسمة غامضة يجلس بكل راحة ينظر له بود شديد، فقد كان ذلك الملك من اوائل حلفائه، بل وكان صديق لوالده منذ القديم ..
لكن وقبل أن يبادر بالرد سمع الجميع صوت الملك آزار يقول بهدوء شديد وبنبرة قوية لا يُستهان بها، بل وغاضبة أشد الغضب لضياع مملكة صديقه وحليفه الأول، فمملكة مشكى هي الأقرب له من بين الممالك :
” ماذا تعتقد أنت ؟! مملكة بحجم مشكى تسقط بكل سهولة من مجموعة حفاة عراة لا عدة لهم ولا عِداد، بل ويقتلون جميع من بها بكل سهولة، بالله عليكم من الواضح أن هناك من ساعدهم في ذلك ”


كان آزار يتحدث بغضب جحيمي وهو ينظر صوب إيفان، بينما إيفان نظر له متحديًا وبقوة لا يحيد بنظراته عنه :
” الصراحة من شيم الرجال ملك آزار، توقف عن التلميح وألقى ما بجعبتك ”
ضرب آزار الطاولة بقوة مخيفة حتى كاد الخشب المصنوعة منه يتحطم تحت قبضته :
” جميع من بالقاعة هنا يعلم بعداوتك مع مملكة مشكى وخلافاتك مع ملكها، حتى أنك توعدت له يومًا بالقتل والخراب ”
اعتدل ملك سبز في جلسته يرى أن الحديث سيأخذ منحنى آخر لن يعجب احدهم، وقد حدث ما اعتقده، إذ انتفض دانيار بقوة يصرخ بوجه آزار دون وضع اعتبار أنه ملك ..
” هل تتهم ملكنا بالتواطؤ مع هؤلاء الخنازير ملك آزار ؟؟ تتجرأ وتلقي هكذا تهمة في وجهه وفي عقر داره؟”
نهض آزار كي يجابه كل ذلك وداخل صدره احتراق من حقيقة أن مملكة صديقه سقطت وجميع أفراد عائلته كذلك :
” أنا أقول لكم ما يعلمه الجميع ”
وفي ثواني كانت العديد من السيوف تحيط بآزار الذي احمرت عيونه غضب يرى انتفاضة جسد ولده جواره والذي صرخ بجنون :
” هذا تعدي منكم على ملكنا، وهذه بمثابة حرب ملك إيفان ”
نظر إيفان بهدوء مثير للأعصاب جنوده يأمرهم بالتراجع، ثم قال بكل بساطة :
” لا بالطبع نحن لا نطمح للحرب أمير نزار، لكن يبدو أن الملك آزار يفعل، أن تتهمني في مملكتي بالتعاون مع أعداء الله فقط بسبب وجود خلافات بيني وبين مشكى لهو أمر مرفوض لي، أنا لم اجعلكم تتكبدون عناء المجئ هنا كي نتقاتل ونلقي بالاتهامات أعلى رؤوس بعضنا البعض، رجاءً اجلسوا كي نتحدث بهدوء ”
ختم حديثه يشير لجنوده بالتراجع كليًا، ثم حدج دانيار بتحذير والأخير انحنى بعض الشيء يجلس مجددًا، وحينما استقر الجميع تنهد ملك سبز يقول بهدوء وقد كان هو أكثر الملوك ميلًا للسلام، فما كانت دولته يومًا دولة قتالية، بل هي دولة زراعية من الدرجة الأولى :
” إذن نحن هنا للتحدث بأمور مشكى ومعرفة ما سنفعل، علينا إعادة المملكة والبحث عن فرد من أفراد العائلة المالكة كي نسلمه العرش، كل ذلك قبل أن تسوء الأمور أكثر وربما تفشل جميع النقاشات، و نضطر للحرب مباشرة.”
هز إيفان رأسه ببسمة واسعة مخيفة :
” نحن لا نضطر للحرب، بل نختار الحرب بكامل إرادتنا مولاي، فمثل هؤلاء الشراذم لا حديث لنا معهم، ولن تجمعنا بهم طاولة نقاش”
ابتسم له الملك يرى ملامحخ الهادئة والباردة بشكل يدعوك للفخر به وبتفكيره، ليمازحه بخفة :


” إذن اقترح أن تُسرع من عودة سالار، فلا أظن أنه سيحب تفويت حرب كتلك ”
اتسعت بسمة إيفان يقول :
” أنت تعلم مولاي أن لا أحد يستطيع التحكم بكامل قوات الجيش عدا سالار، لذلك بالطبع لن نتخذ خطوة دونه، فقط يعود ونرى بشأن مشكى ومن بها، الآن لندعو أن ينتهي من مهمته على خير، وأن يعود بملكتي قطعة واحدة دون إصابات صعبة العلاج ….”
__________________
تتحرك بشكل قوي بين يديه تحاول الإفلات والركض صوب الطابق الخاص بشقتها حيث تقف جارتها، تمد يديها بقوة في محاولة بائسة للامساك بسور الدرج ليساعدها في جذب نفسها وثيابها من بين أنامل ذلك الضخم، تقول ببكاء وخوف :
” بالله عليك لتسبني، أنا متنازلة والله، أنا أساسا مش هنفع، والله ما هنفعكم ابدا، أنتم لو ناويين تخربوا البلد بتاعتكم دي مش هتسلموها ليا ”
جذب سالار ثيابها صوبه زافرًا بقوة وقد ملّ كل ذلك :
” أنتِ يا امرأة عنيدة ومزعجة، ولولا أنكِ الملكة هنا لكنت تخلصت منكِ”
تحدثت المرأة التي تقف في الاعلى تستند على سور الدرج وهي تلوي ثغرها في كل الاتجاهات بشكل جعل سالار يحدق فيها بأعين متسعة منبهرًا بتلك القدرة العجيبة عندها، وشعر كما لو أنه يشهد اعجازً أمامه.
” يعني حوار حلمك برجالة مطلعش كلام، وطلع حقيقة مش حلم ؟؟ ”
رمقها سالار بعدم فهم، عن أي حلم تتحدث تلك المرأة، هل تحلم ملكتهم بالرجال ؟!
نظر صوب تبارك التي كانت ترتجف بغضب وعيونها تتقد غضبًا وهي تسمع حديث المرأة :


” مين ده يا منيلة وماسكك كده ليه؟ والله أنا طول عمري اقول عليكِ واحدة ملاوعة ومش مظبوطة ”
اتسعت عيون تبارك بصدمة من حديثها، وهي من كانت تستجير بها منذ ثواني، بالله كانت تستغيث بها، تطالبها بمساعدة وهي تدري أن تلك المرة إن وجدتها مقتولة على يد رجل، ستترك الجريمة والرجل وتلوي ثغرها مستنكرة أنها لم تجد سوى الرجل لتمت على يده، وهل انعدمت النساء ليعجزن عن قتلها ؟!
فجأة انفجرت في الصراخ وقد شعرت بالقهر والحسرة ترتفع في نفسها والعيظ يملئ صدرها :
” أقسم بالله أنك ست مش محترمة، يعني بستنجد بيكِ وشيفاه بيجرجرني من هدومي زي الدبيحة وتقولي عليا ملاوعة، الملاوعة دي تبقى امـ”
وقبل أن تكمل تبارك كلمتها صرخت بصوت مرتفع وهي ترى صمود قد وصل في ثواني عند السيدة ورفع عليها سكينًا ينظر للعملاق خلفها قائلًا :
” هل اتخلص منها سيدي ؟؟”
نظر لها سالار ثواني، ثم نظر لتبارك يتساءل :
” ما رأيك مولاتي، تريدين التخلص من صاحبة الفم المتموج تلك ؟؟”
لكن تبارك كانت ما تزال غارقة في صدمتها مما حدث، وفجأة، ابتسمت وهي تمسح دموعها بسرعة كبيرة كطفلة حازت حلواها المفضلة بعد ساعات من البكاء :
” هو أنا يعني لو قولتلك تقتلها هتقتلها عادي ؟!”
هز سالار رأسه بكل بساطة ونسي أنه ليس في مملكته لتسير قوانينه هنا على الجميع يقول :
” إن كانت سيئة أو مخطئة تستحق الموت فنعم سنفعل”
ابتلعت تبارك ريقها تبتسم وقد اعجبها الأمر كثيرًا :
” طب هو …هو أنا لو قولتلك تقتل حد عشاني، هتعمل كده ؟؟”
نظر لها بعدم فهم، لكنه أجاب ببساطة :
” من ؟”
اتسعت بسمة تبارك تتنفس بلهفة :
” كل اللي في الحارة، عايزة اخلص عليهم كلهم، واولهم الست دي وعم متولي ”
” هل هم مذنبون أو ارتكبوا إحدى الكبائر ؟؟
فكرت تبارك لثواني، هي حقا لا تعلم، لكنها تكرههم، تكرههم من اعماق اعماق قلبها :
” معرفش ”
” إذن لا يمكننا، حينما نتأكد يمكننا تنفيذ الحد عليهم، لكن دون شهادة حق أنهم اذنبوا فلا يمكننا، دعها صمود ولنرحل فلدينا رحلة عودة طويلة ”
ختم حديثه يتحرك على الدرج يسحب معه تبارك التي أشارت على السيدة التي سقطت ارضًا ترتجف من هول الموقف :
” طب والست أم بؤق متموج ؟! على الاقل عم متولي أنت فاكرة الراجل الخرفان بتاع المكتبة اللي لسه عايش في جلالة الماضي ده ”
لكن لم يستمع لها يدفعها للخارج وخلفه مرشديه، وهي فقط تسير بخيبة أمل كبيرة، هل سترحل هكذا بكل بساطة قبل أن ترى بعيونها هلاك ذلك المكان القذر بمن فيه ؟؟
فجأة توقف الأثنان بصدمة بسبب امرأة قاطعت طريقهم تقول ببسمة واسعة وهي تجذب خلفها طفل ضعيف البنية طويل القامة بملامح غير مهتمة :
” تبارك كويس إني لحقتك، تعالي ادي الواد انور الحقنة لاحسن المفروض كان ياخدها امبارح وملقتكيش قالوا أنك كنتِ مبيتة في المستشفى ”
نظرت لها تبارك بملامح حانقة كارهة لكل شيء واولهم ذلك العملاق الذي يحدق فيهم بعدم فهم وكأنه يتساءل عما يفعلونه، زفرت ولم تعلم بما تتحجج، فقاطعت أم أنور كل ذلك تمد يدها بالابرة تدسها بين يديها، ثم جذبت ابنها توقفه بينهما وهي تقول :
” يا ختي خلصينا هي كيميا ”
وبمجرد انتهاء كلمتها مدت يدها لتسحب ثياب ابنها كي تنتهي من الأمر وترحل، لكن فجأة أطلق سالار صرخة جهورية يجذب تبارك خلفه يضع كفه أعلى عيونها قائلًا بصدمة مما يحدث أمامه :
” يــــالـلــه يا مــــغــــيــــث …”
______________________
كانت تتحرك بين حدائق القلعة براحة شديدة، ليس وكأنها لم تنتهي بعد من عملها في الداخل، بل وأن رئيسة العمال تبحث عنها لإتمام ما وكّل لها، لكن هي هكذا تعشق الحرية، وتحبها أكثر إن كانت في وسط معمعة العمل، لكم هي محبة لتلك النشوة الداخلية وهي ترى الجميع يعمل وهي تهرب منهم ..
ابتسمت تتذكر ما حدث معها منذ ساعات حينما كادت تلك الفتاة الغريبة المسماه زمرد أن تجز عنقها، حمدًا لله أنها كانت من التعقل كفاية لتهرب منها.
فجأة وخلال شرودها أبصرت من بعيد أحد الفرسان يعتلي خيله ويركض به بسرعة كبيرة بين المروج وكأنه يمتلك الكون بأسره، يمارس الحرية مثلها، لكن حريته كانت أكثر متعة من خاصتها…
التمعت عيون برلنت وهي تنظر حولها بأعين حذرة، ثم وفي حركات متمردة، خلعت غطاء الرأس، ثم شرعت تخلع عنها تلك الطبقات الإضافية من الملابس والتي كانت خاصة بزي العاملات، وتركض بفستان رقيق بسيط جدًا مكون من طبقتين، صوب ذلك الخيّال الذي جعلها تبتسم بانبهار لفروسيته الواضحة، تركض بين المروج وحينما أصبحت في محيطه نظرت حولها بفضول شديد وقد قررت أن تراقبه علها تتعلم ما يفعل ويومًا ما تأتيها الفرصة لتعتلي فرسًا مثله .
فجأة التمعت عيونها بقوة وهي تصعد الشجرة المجاورة لها بسرعة كبيرة متمرسة، إذ كانت متمرسة في ذلك منذ طفولتها حين مساعدتها لوالدها في الحصاد .
وحينما استقرت فوق الشجرة ابتسمت تراقب بأعين منبهرة ذلك الفارس الذي كان يقود الفرس بمهارة منقطة النظير، عيونها فضولية وهي تراقب جسده القوي :
” لا عجب أنه بمثل هذا التمرس ”
وعند ذلك الفارس.
كان العرق يتصبب على جبين تميم بقوة كبيرة يسرع من ركض فرسه أكثر وأكثر، يجبره على الوقوف على قوائمه الخلفية متحكمًا فيه بكل مهارة .
لكن فجأة وهو بذلك الوضع لمحت عيونه الرمادية التي تتوسط وجه قمحي اللون، جسد صغير يختبأ بين الأشجار على مقربة منه، ضيق عيونه بتعجب كبير وفي ثواني غير طريق الفرس بسرعة كبيرة متحركًا صوب ذلك الجسد بسرعة مرعبة .
سرعة جعلت جسد برلنت يختض وينتفض بسرعة صارخة من ذلك المشهد وكأنه على وشك اختراق الشجرة وجسدها بحصانه، لكن ما لم تحسب له حسابًا هو أن اختضاض جسدها تسبب في ابتعادها عن فروع الشجرة وتهاوي جسدها بقوة..
أطلقت برلنت صرخات عالية مرتعبة تغمض عيونها، تستعد للاصطدام والذي كانت تدرك أنه لن يكون سهلًا، لكن ثواني مرت …ولا شيء ؟
ما الذي حدث ؟! هل أنقذها ذلك الفارس المقدام الشجاع ؟! هل تتحقق أحلامها الآن وحازت فارسًا شجاعًا وسيمًا ؟؟
فتحت عيونها بخجل شديد وقد بدأ وجهها يتورد شيئًا فشيء تهمس وهي تشعر باشتداد ثيابها من الخلف وقد خرج صوتها هامسًا خجلًا تحاول الإفلات من قبضته:
” خفف قبضتك أيها الفارس فثيابي رقيقة قد تتمزق بين أناملك ”
رفع تميم حاجبه وهناك بسمة جانبية ارتسمت على وجهه، حك طرف أنفه في حركة معتادة منه، يراقب تلك الواهمة التي منعت الشجرة سقوطها، حينما علقت ثيابها في أحد فروعها لتظل معلقة كالخروف عند سلخه ..
” حسنًا أيتها القردة، يمكنني تخفيف القبضة لأجل ثيابك العزيزة ”
ضيقت برلنت ما بين حاجبيها تشعر بأن صوته مألوف، مألوف للغاية على آذانها، ذلك الصوت الذي لم تسمعه سوى مرتين، وفي كلتا المرتين لم يكن لخير .
فتحت عيونها ببطء لتتحطم أحلامها على صخرة الواقع حينما ابصرته، ذلك المخبول الذي ألقاها بقنبلة في لقائهم الاول ..
وقبل أن تبادر بقول كلمة واحدة كان تميم قد أخرج سيفه وفي ثواني معدودة قطع الجزء العالق بالفرع مسقطًا إياها بقوة مرعبة جعلت صدى صرخاتها يرن في المروج حولها ..
وهو فقط ابتسم بلطف يقول :
” لا داعي للشكر ”
تنفست برلنت بوجع وهي تمسك ظهرها تطلق تأوهات ولعنات وسبات ومن ثم رفعت وجهها لتميم الذي كان يراقبها بكل هدوء تصرخ في وجهه بجنون :
” أنت….. أنت أيها المخبول، ما الذي فعلته ؟! لقد مزقت ثيابي، كيف …كيف سأعود الآن ؟؟”
نظر لها ثواني ثم هز كتفه بجهل :
” لا ادري بشأن ذلك حقًا، أنا فقط ساعدتك وهنا ينتهي دوري ”
وقبل أن يتحرك أوقفته بسرعة وبانفاس لاهثة :
” لا لا مهلًا انتظر أيها الـ ..”
نظر لها تميم شذرًا لتصحح ما كادت تقذفه في وجهه:
” أيها القائد، انتظر ارجوك، أنا فقط لقد ..”
أشارت على الطريق الذي جاءت منه تقول برجاء وتوسل :
” هناك بجانب ذلك المبنى الصغير تركت ثياب العمل العلوية، هلّا تكرمت واحضرتها لي كيف اخفي القطع في ثيابي ”
” ولِم من المفترض أن أفعل هذا ؟!”
” هذا لأنك فارس شهم وذو مروءة وضميرك لن يسمح لك بترك فتاة شابة مثلي تسير بثياب ممزقة داخل جدران مليئة بالرجال ”
نظر لها تميم ثواني وهو يضيق عيونه، ثم تحرك بخيله في بساطة شديدة يحرك كتفه :
” بلى سأفعل ”
وبالفعل ابتعد عنها تاركًا إياها تنظر في أثره بأعين متسعة وقد شعرت بالصدمة من تصرفاته، يا الله من أين ينحدر امثال ذلك الحقير القذر عديم المروءة والرجولة؟؟ لِم يوقعها حظها طوال الوقت مع امثال ذلك الرجل ؟؟
_ لا سامحك الله أيها الاحمق الفاشل، ويسمونك صانع أسلحة، بل انت صانعٌ للخيبة والـ …”
وقبل أن تكمل كلمتها وجدت فجأة ثياب العمل تسقط فوق رأسها بقوة وصوت من بعيد يهتف بنبرة عالية وقد قذف لها الثياب من مكانه:
” لنعتبر هذا تعويض صغير عما نالك من قنبلتي يا قردة، واحرصي ألا اقابلك مجددًا ”
ختم تميم كلماته ببسمة يتحرك بفرسه تاركًا إياها تزفر بصوت مرتفع تضم الثياب لصدرها وقد شعرت بشعلة غضب كبيرة تتلبسها :
” أيا ليت تتقاطع طرقنا، فاقطعك بأسناني يا فاشل ”
_________________________
حسنًا هي لا تبتأس، حقًا لا تفعل، فلأول مرة منذ لمحت وجه ذلك الاصهب العملاق يعجبها شيئًا فعله، أن ترى أم أنور ترتجف رعبًا بعدما وبخها لفعلتها، بل وتمسك يد ابنها وتهرول صوب منزلها وكأن الشياطين تركض في أثرها، لهو مشهد مستعدة لمشاهدته يوميًا دون كلل أو ملل.
ورؤية نساء الحارة اللواتي تحدثن في الأمس عنها بالسوء يرتجفن خيفة رفع عيونهن في وجهها، لهي متعة خالصة تستطيع تذوقها دون شبع .
شريرة ؟؟ نعم بل في غاية الشر حينما يتعلق الأمر بأهالي حارتها..
شاهدت المنقطة التي عاشت بها سنوات طويلة وهي تلوح لها من بعيد، وداخلها مشاعر عدة، لا تدري سعادة أنها تخلصت من منطقة كانت تسبب لها خنقة وتعب نفسي، أم حزنًا لترك ما خزنته من ذكريات في منزلها الدافئ الصغير، أم هو خوف من مستقبل مجهول غريب مع أشخاص في غاية الغرابة، أم ندم أنها لم تصرخ وتخبر الجميع أنها خُطفت ؟؟
حسنًا ربما تفكر في إجابة لكل هذا حينما تستيقظ من تلك الغفوة التي تُلح على عقلها برفع رايات الاستسلام لها، ومن هي لتعاند أو تقاوم، ولِم تقاوم من الاساس وهي تود الهرب من كل ذلك بالنوم ؟
تنفست بصوت مرتفع تشعر بالسيارة تتهادى فوق الارض الغير متساوية، ولا تدري من أين احضروها حتى أو كيف تدبروا أموال لاجلها، هي فقط تستمتع بهذه الغفوة قبل أن تستيقظ لتواجه العالم، والآن نامي تبارك وغدًا تواجهين العالم بكل قوتك .
كان سالار يراقبها بأعين غامضة تعلوها سحابة من السواد يخفي خلفها كل ما يفكر فيه وما يريده، يشعر نحوها بالتشتت، فهو يومًا لم يكن بالهين اللين، ولو كانت امرأة أخرى كان أخرج سلاحه وانتهى منها ومن كل ما تفعله من كوارث، لكنها وللاسف الشديد ملكة لمملكته .
تنهد يريح ظهره للخلف يراقب ذلك الرجل الذي أرسله حليفهم في هذا الجانب كي يتحركوا للعودة، العودة التي لن تكون سهلة أبدًا خاصة بوجود امرأة ضعيفة كالملكة .
نظر صمود صوب صامد يهمس له بصوت مكتوم وعيونه ما تزال تحلق حول سالار وتبارك :
” إذن هل تعتقد أن تلك الفتاة ستصبح حقًا ملكة علينا ؟؟ أنها ضعيفة و…غبية ؟؟”
ابتسم صامد بسخرية لاذعة ثم نظر هو الآخر صوب تبارك يقول بحنق :
” يا عزيزي حينما تنضج ستكتشف أن الاغبياء فقط هم من يتقلدون مناصب داخل مملكتنا، أما الاذكياء أمثالنا مهدور حقهم ”
” نعم أنت محق صامد، أشعر بالظلم، لطالما تجاهلونا ولم يفكروا بنا إلا حينما يودون القيام بمثل تلك الرحلات المملة، لو أن هناك ذرة عدل في هذه المملكة لأصبحت اليوم قائد الجيوش ”
تحدث سالار بصوت منخفض وهو ما يزال يستند برأسه على المسند خلفه ونبرته خرجت هادئة مرعبة تحمل وعيدًا بالهلاك لهما بعدما استنزفا كامل فرصهم معه :
” نعم يا صمود، أنت محق، نحن مملكة قامت على الغباء والظلم، لأنه لو كان هناك ذرة عدل واحدة لكنتما الآن تتحاسبان في قبركما، لكن ماذا نقول وقد تفشى الظلم بيننا لدرجة أننا نترك بعض الاغبياء مثلكم احياء يرزقون”
ابتسم له صمود بسمة غبية يعتدل في جلسته :
” لا لا يا سيدي العفو، أنا فقط كنت افكر بصوت عالٍ”
ابتسم له سالار ببرود شديد وملامح جامدة تبث قشعريرة داخل صدورهم :
” حسنًا، احرص إذن على إخفاء اصوات افكارك الحمقاء تلك، وإلا حرصت أنا على إخماد صوتك من هذه الحياة كليًا ”
وبهذه الكلمات صمت الجميع ولم يعلو سوى صوت الأنفاس في السيارة التي يقودها أحد رجال معاونهم، وسالار ما يزال يجلس يحدق بالطريق في الخارج يتعجب مقدرة هؤلاء البشر على تعريض بيئتهم لمثل ذلك التلوث مستخدمين تلك القطعة الصفيح في التنقل، وهو من تسائل عن ثقل الهواء منذ وطأ تلك الأرض، لا ينسى صدمته حين ابتلعته تلك العلبة الصفيح الضخمة وتحركت به، الأمر أشبه يحصان لكن امتطاء الحصان افضل بكثير …
تنهد بصوت يمسح وجهه مفكرًا في القادم، بالله ما الذي أوقع نفسه به ؟؟ أما كان بقادرٍ على قول لا فقط وتجنب كل تلك المشقة ؟؟
نظر بطرف عيونه صوب تبارك يقول بحنق :
” وأنتِ تنامين براحة وكأننا في رحلة، ومنذ دقائق كدتي تقسمين رأسي من صراخك وبكائك ..”
وقبل أن يضيف كلمة لجملته السابقة، شعر بتوقف قلبه للحظات، لحظات قليلة اختبر جسده ولأول مرة كيف يكون شعور أن تمسه امرأة ولو كانت لمسة عابرة غير محسوسة، ابتلع ريقه مبعدًا عيونه عن الطريق، ثم استدار ببطء شديد صوب رأس تبارك التي استقرت أعلى كتفه، بلل شفتيه يفكر في طريقه لابعادها دون أن تستيقظ كي لا تصرع رأسه بالصراخ والعويل والنحيب بعدما واخيرًا توقفت عن كل ذلك.
واخيرًا هداه عقله أن يخرج خنجرًا من ثيابها، ويضعه بالجزء الخلفي على رأسها دافعًا إياها به ببطء شديد، لكن تبارك وكأنها استشعرت أن أحدهم يحاول تخريب راحتها فضربت يده بقوة دون شعور تعود مجددًا لذلك المكان المريح الذي تنام به .
وسالار ضم كفه الذي ضربته منذ ثواني له يرمش بقوة وصدمة شديدة، ابتلع ريقه وقد زاد إصراره على إبعاد تلك الرأس عنه وكأنها جرثومة أو ميكروب يخشى أن يتسربوا لمسامه ويتسببوا بكارثة في جهازه المناعي .
مجددًا وضع الخنجر على رأسها يدفع رأسها ببطء شديد وحذر، لكن فجأة فتحت تبارك عيونها بقوة لتبصر أول شيء أمامها هو خنجر موجه لرأسها، نظرت لسالار وهو نظر لها بصدمة وقد علم أنها الآن ستستغل ذلك وتصرخ مجددًا ..
ابتلع ريقه ولم يكد يتحدث بكلمة يبرر بها ذلك الوضع قبل أن تفكر هي في أنه يود التخلص منها وتقطيعها لبيعها أعضاء كما تردد، وهذا ما يجعله يفكر من يا ترى سيشترى أعضاء انسان ؟! وماذا سيفعل بها ؟؟ هل يتناولون لحوم البشر هنا ؟؟
نظرت تبارك للخنجر ثواني إضافية قبل أن تقول بصوت ناعس غير واعي لما يحدث :
” وصلنا ؟!”
نفى برأسه في هدوء شديد لتتنهد هي براحة وتعود للنوم، دافنة رأسها في ذراعه، ضاممة إياها لصدرها في براحة شديدة وهو عيونه اتسعت أكثر وشعر بقرب انفجاره مما يمارسه على نفسه من ضغط كي لا يبعدها للخلف بحدة، ويضرب رأسها في علبة الصفيح المتحركة، لكن وحينما بدأت تضم ذراعه أكثر، أطلق سالار صرخة معترضة جاذبًا ذراعه لصدره هادرًا بصوت مستنكر حانق :
” ما بكِ يا امرأة ستبتلعين ذراعي ”
استفاقت تبارك بصعوبة وهي تنظر له بعدم فهم، وهو انكمش في ركن السيارة بعيدًا عنها يحدجها بنظرات نارية :
” أنتِ ألا تخجلين من نفسك ؟! اعتدلي في جلستك وتأدبي، وتعلمي أن تتعاملي كملكة لا كفتاة حمقاء ”
نظرت تبارك حولها بأعين منغلقة، ومن ثم نظرت له وقالت وهي تحاول أن تفهم ما يريد :
” هو احنا عدينا على استراحة ؟! عايزة ادخل الحمام ”
_____________________
” نعم، أنت تعلم ما عليك فعله دانيار، نسق مع جيش مملكة سنز، ومن ثم انتظر عودة سالار لنبدأ الغارة نحو مملكة مشكى ”
ختم إيفان حديثه وهو يسير في طرقات القصر وجواره يسير دانيار يهز رأسه بتفهم شديد عالمًا كل ما سيفعل، وحينما انتهى من الحديث لمح دخول تميم من باب القصر ليستأذن من الملك ويرحل …
وايفان اكمل طريقه بكل هدوء يتنفس بصوت مرتفع محاولًا أن يفكر في القادم، الأمور تسوء، والمنبوذون يزدادون بطشًا، والخوف كل الخوف أن يتمكنوا من مملكة اخرى، حينها لن يكون الأمر في صالحهم أبدًا .
توقف مستندًا على سور القصر وعيونه شردت بعيدًا لا يرى أي شيء ولا يعطي انتباهه لشيء سوى افكاره الداخلية، لكن فجأة لفت انتباهه حركة غريبة في الجزء الخلفي من القصر، بعيدًا بعض الشيء حيث مزارع القلعة رأى جسدًا يتسحب ببطء بعيدًا عن العمال ..
ثم جلس على أحد الصخور بهدوء شديد ليس وكأنه يمتلك عملًا، ابتسم إيفان بسخرية :
” يبدو أن هناك من تهرب من عمله ”
وعند ذلك الجسد كانت كهرمان تنظر كل ثانية والأخرى خلفها بخوف أن تراها إحدى العاملات وتشي بها لدى الرئيسة وتجبرها على ذلك العمل المقزز .
نفضت ثياب العمل تتذمر بصوت مرتفع وبلهجتها دون حذر :
” لا سامحهم الله، لقد كادوا يلوثونني لاضطر بعدها للبحث عن مرحاض نظيف بعيدًا عن تلك المراحيض الضيقة ”
تنفست بصوت عالٍ وهي تستند على شيء خشبي خلفها تردد بينها وبين نفسها :
” سأبقى هنا لحين يتم الانتهاء من العمل في الحظيرة ومن بعدها اعود لمخدعي لاحصل على طعامي ”
ابتسمت لتلك الفكرة، تحاول تخيل ما تفعله زمرد في تلك اللحظة، تلك الفتاة لا تهدأ، كالشعلة طوال الوقت تبحث عن كومة قش لتُحدث حريقًا كبيرًا ..
وعلى بُعد صغير كان يقف إيفان الذي هبط ليبدأ مبارزته مع أحد الجنود، خلع كل ما يحمل من دروع على صدره وذراعه، ثم حرك رقبته بهدوء يتحرك ليمسك سيفه وعيونه ما تزال مع تلك الفتاة التي كانت ما تزال تجلس على الصخرة بشكل غريب، ما بالها تلك المرأة ؟؟ هل هي مريضة أو ما شابه ؟؟
نادى لأحد الجنود المحيطين به كي يرسله لها ليرى إن كانت مصابة أو شيء من هذا القبيل، لكن ما كاد يفعل حتى أبصر جسد الفتاة يسقط للخلف فجأة وقد تسبب جسدها في فتح باب الحظيرة حيث يحتفظون بقطيعٍ من الثيران .
” أوه لا ليس مجددًا”
وفي ثواني صرخ إيفان بصوت جهوري للجنود المحيطين به خوفًا أن يخرج الثيران ويتسببون بأذىة أحد داخل جدران القلعة :
” أذهبوا واغلقوا باب الحظيرة قبل خروج الثيران ”
وعند كهرمان كانت تجلس بهدوء شديد تدندن بعض النغمات الحزينة التي تذكرها بوالدتها، تتكأ بكل قوتها للخلف دون معرفة أنها تستند على باب وليس جدار خشبي كما تظن، وفجأة شعرت بجسدها يهوى بقوة على الأرضية .
تأوهت بصوت مرتفع وقد ارتفعت قدمها في الهواء وزُرعت رأسها في الأرض كنبات البصل، تأففت وهي تحاول الاعتدال وقد سقط غطاء وجهها، ولم تكد تجلس حتى سمعت صراخ بصوت جهوري .
اعتدلت بعدم فهم لتبصر بصدمة واعين متسعة مجموعة من العمال والجنود يركضون صوبها بسرعة مخيفة وكأنهم يهرولون صوب عدو في حرب ما.
نهضت كهرمان بعدم فهم تحاول ترتيب ثيابها وهي تتراجع للخلف بريبة :
” ماذا ؟؟ أنا فقط كنت التقط بعض الأنفاس وسأعود للعمل مجددًا، اقسم لكم ”
لكن استمرار ركض الجنود صوبها تسبب في تراجعها للخلف صوب الجدار الخشبي تصرخ بفزع وخوف، لكن ما لم تحسب له حساب أن ما خلفها لم يكن جدار خشبي أبدًا ..
شعرت بهواء قوي يضرب ظهرها، استدارت بتعجب لتُصدم بمنظر جعلها ترتعب أكثر من مشهد ركض الجنود والعمال صوبها، تراجعت بظهرها بسرعة كبيرة للخلف وهي ترى تحفز بعض الثيران للركض صوبها، ابتلعت ريقها ودون أن تمنح عقلها فرصة التفكير كانت تركض بسرعة كبيرة خارج الحظيرة وصرخاتها تكاد توقظ الموتى من القبور .
وعلى بعد صغير يقف إيفان بكامل هيبته يراقب الجنود يحاصرون الثيران بكل شجاعة معيدين إياهم للحظيرة واغلقوها، وتلك الحمقاء تركض في المكان صارخة بشكل جنون جعله يزداد اشتعالًا متوعدًا لها بعقاب رادع، فهو سبق وحذر أي امرأة من تخطى حدود تلك الحظيرة .
بكت كهرمان وهي تركض وتنظر خلفها، دون أن تعي أنها تجاوزت منطقة الرجال ودخلت لساحة القتال، وفجأة شعرت بجسدها يصطدم في جسد آخر بقوة لتسقط معه ارضًا لشدة اندفاعها.
وايفان قد اتسعت عيونه بصاعقة لا يصدق أن هناك امرأة تقبع الآن بين أحضانه .
هي نفسها تلك التي كانت في مرحاضه .
تمسكت به كهرمان تتوسله برعب :
” ارجوك ساعدني ”
مدّ إيفان يده يقول بصوت خافت جعل جسدها يرتجف برعب أكبر من ذلك الذي شعرت به حينما أبصرت الثيران :
” إن لم تنهضي من فوقي في هذه اللحظة، صدقيني لا يمكن لأحد أن يساعدك مما سأفعل بكِ ”
وسريعًا انتفض جسد كهرمان للخلف تسقط على ظهرها مصطدمة في جدار جانبي يتم تعليق الثياب تراقب الجسد الساقط أمامها والذي لصدمتها كان الملك.
همسات برعب وهي تحاول ابتلاع ريقها مما ألقت به نفسها :
” أوه لا، ليس هذا يا الله …”
_________________________
خرجت من المرحاض لتصطدم بوجود سالار يقف أمامها دون أن يضع في اعتباره أنه يقطع الطريق على أي امرأة تفكر في اللجوء للمرحاض، هكذا بجسده العملاق يمنعها حتى من التنفس بعيدًا عن عينيه، قلبت تبارك عيونها وهي تشير له أنها تود المرور، وبالفعل سمح لها يشير صوب السيارة الخاصة بهما التي تقف أمام تلك الاستراحة، لكنها فجأة توقفت تقول باعتراض :
” لحظة أنا …أنا جعانة وعايزة اشتري حاجة اكلها، خليك هنا وانا هشتري وأخرج على طول ماشي ؟؟”
ختمت حديثها تركض بسرعة كبيرة صوب المحل الذي يتوسط الاستراحة، تمني نفسها بطريقة عبقرية للهروب منهم، لكن صوت فتح الباب خلفها وذلك الضل الذي يشرف عليها من أعلى اخبراها جيدًا أنها لم تخمن..
زفرت تتقدم للمحل تلتقط بعض الأطعمة التي قد تعينها على الطريق، وخلفها سالار الذي كان يحدق في كل ما تحمل بأعين متعجبة يحاول استكشاف كل ما تشتريه :
” ما هذه الأكياس الملونة ؟؟”
” دي ؟؟ دي اكل عادي وتسالي وكده يعني ”
” وهل تضعون الطعام هنا في اكياس ملونة؟! بالله عليكم أي اهتمام ورعاية صحية هذه ؟؟ ”
نظرت له بعدم فهم ثم حدقت مجددًا في الطعام وقالت ببساطة :
” عادي ده بلاستيك صحي على فكرة ”
” ومن أخبرك بهذا ؟؟ ”
نظرت له ببلاهة لثواني وحينما عجزت عن الرد قررت أن تتحرك صوب الرجل لتحاسب على ما اشترته، لكن مجددًا تلك الشوكة التي تقف في حلقها لحقت بها وتوقف جوارها يقول :
” لا يجوز أن تدفعي من أموالك الخاصة، هذا مرفوض، أنا سأفعل ”
وبمجرد انتهاء حديثه أخرج من جيب بنطاله كيس قماشي كالسرة يضع به العديد من العملات الذهبية، ومن ثم أشار صوب الاشياء التي ابتاعتها تبارك يقول بجدية :
” بكم قطعة ذهبية تقدر تلك المفاسد يا رجل ؟!”
نظر له البائع ببلاهة وفم مفتوح، وقد شعر لثواني أنه سُحب لأحد افلام صدر الاسلام، نظر صوب تبارك يقول متسائلًا :
” هو عايز ايه لا مؤاخذة ؟؟”
جذب سالار رأسه له يقول بحدة :
” حدثني كرجل ولا تمدن عينيك للنساء، أخبرتك كم تريد مقابل تلك الأشياء الفاسدة ؟؟”
” الله الله الله، مالك كده يا استاذ استهدي بالله، فاسدة ايه لا مؤاخذة بص على الصلاحية بتاعتها، هتلاقيها لسه باقي أيام، ايه يا ابلة ما تشوفي الاستاذ اللي بيكلمني بقرف ده ”
نظرت تبارك صوب سالار بلوم، لكن الأخير لم يلتفت لها، بل فقط اطال التحديق بعيون ذلك الرجل وقال بصوت بارد كالصقيع ومرعب ومجمد للاوصال وهو يخرج عملة ذهبية من السرة بيده ضاربًا بها فوق المكتب أمامه:
” خذ أموالك وتوقف عن الحديث والثرثرة كي لا يطولك مني ما لا يسرك ”
ابتلع الرجل ريقه وهو يأخذ ما قدمه وجسده يرتجف، لكن بمجرد أن وقعت عيونه على القطعة المعدنية قال دون شعور :
” ايه ده يا روح امك ؟! جايب حتة حديد وبتدفع بيها ”
شهقت تبارك بصوت مرتفع ونظرت لسالار الذي لم يبدي أي ردة فعل وهو يقول بجدية :
” هذه عملية ذهبية ”
حدقت به تبارك دون فهم :
” أنت بتكلمه بهدوء كده ليه وهو هانك ”
” ماذا ؟! سبني للتو ؟؟ متى فعل ذلك ؟!”
” قالك يا روح امك ”
تغضنت ملامح سالار بتفكير وعدم فهم، ثم نظر صوب البائع الذي انعزل عنهما، يستكشف تلك القطعة الذهبية كي يتأكد من صدق حديثه، ليتجاهله سالار ويعود بنظره صوب تبارك يقول ببساطة :
” وماذا في ذلك ؟؟ أنا أحب امي وقد كنت روحها بالفعل، كانت دائمًا تخبرني أنني روحها وكل حياتها، لذلك ما الضير أن يخبرني أنني روح والدتي ؟؟ ”
اتسعت أعين تبارك بعدم فهم، ثم ابتسمت وهي لا تصدق ذلك الرجل، هل هو حقًا من عالم منعزل لهذا الحد ؟!
” روح امك دي هنا شتيمة ”
” حقًا ؟! ولِم تتخذونها سبة ؟؟”
قالت بعصبية كبيرة وهي لا تريده أن يكون بهذا الهدوء، هي غاضبة لأجله وهو بهذا البرود :
” عشان …عشان …معرفش ليه، بس هو نيته كان يشتمك ويهينك ”
نظر سالار صوب الرجل الذي كان ما يزال مشغولًا فيما يحمل :
” لا اعتقد ذلك، أنا لا افترض سوء النية بأحد، لذلك دعينا نرحل لنكمل رحلتنا ”
ختم حديثه يشير لها بالرحيل، وتحركوا تحت أعين الرجل التي كانت تلتمع بجشع كبير وقد وقعت عيونه على السرة التي تصدر رنينًا بسبب كثرة العملات داخلها ..
ابتسم بسمة مخيفة وهو يمني نفسه بثراء سريع …
خرجا الأثنان صوب السيارة وأشار سالار للسائق أن يتحرك، لكن وقبل أن يفعل سمع الجميع صوت البائع يصرخ بهم :
” لحظة يا استاذ نسيت حاجة”
توقف السائق عما كان يفعل ولم يتحرك بالسيارة قيد انملة، ينظر للبائع الذي ركض صوبهم يميل على السيارة الخاصة بهم، تحديدًا جهة سالار يقول ببسمة :
” نسيتوا حاجة جوا ..”
نظر له سالار بأعين ضبابية هادئة:
” لا، يبدو أنك مخطئ يا سيد نحن لم ننس شيئًا ”
وقبل أن يشير للسائق بالتحرك أصر عليه البائع بالحديث وهو يمد جسده أكثر داخل السيارة مستغلًا أن الطريق فارغ في ذلك الوقت ولأنه طريق سفر لا تعبر له العديد من السيارات سوى في أوقات معينة :
” لا صدقني نسيت ”
وفجأة أخرج سكين يصوبه على رقبة سالار ببسمة مقيتة والجشع يقطر من عيونه حتى انكمشت ملامح سالار باشمئزاز وهو يسمعه يردد :
” نسيت دي….”
__________________
اقتربت ببطء شديد من مخازن الأسلحة وكل ثانية تنظر خلفها بتوتر شديد مخافة أن يمسك بها أحدهم تحاول سرقة سلاح، وقتها تعلم يقينًا أنهم لن يكفيهم إعدامها بتهمة الخيانة بعد أن تثبت .
كان جسدها يرتجف بقوة وهي تحاول أن تتماسك بعض الشيء تذكر نفسها، أنها ما تفعل ذلك سوى لأنها تحتاج لشيء تحمي به نفسها وكهرمان بدل ذلك الخنجر الصدأ، الأمر مجرد وقت حتى يحدق بهما الخطر بهما من كل جانب، وبمجرد أن كادت تصل للغرفة التي يحتفظ بها الجنود بالأسلحة توقفت فجأة بفزع وهي ترى أحد الجنود هناك، كيف ذلك هي تأكدت أنهم جميعًا في استراحة الطعام، بللت شفتيها وهي تنظر له تلعن حظها في نفسها وقد فشلت الخطة، الآن عليها الرحيل ومحاولة الأمر لاحقًا ..
استدارت كي تغادر المكان، لكن ما كادت تفعل إلا وشعرت بيد تكمم فمها بقوة وشخصٍ ما يسحبها بعيدًا عن الحارس وهي تتحرك بعنف كبير بين يديه وقد بدأ وجيب قلبها يعلو والادرينالين يزداد ضخه داخل اوردتها، بحثت بين طبقات ثيابها عن خنجرها لكن فجأة خمدت حركة جسدها وهي تسمع صوتًا يردد :
” لا تصدري أي صوت، إن كنتِ ترغبين في الحياة ”
صمتت زمرد وهدأت حركة جسدها تسير خلف ذلك الرجل الذي سحبها للخارج من باب غريب، وثواني قليلة حتى وجدت جسدها يُدفع بقوة كبيرة صوب أحد الجدران وقبل أن تستوعب شعرت بنصل حاد يستقر على رقبتها وصوت يهمس :
” والآن ستخبرينني كل شيء، غنائك ذلك اليوم في الحديقة وبتلك اللهجة، حملك لخنجر بين طرقات القصر، واقتحامك محزن أسلحة القصر لسرقة ما به ”
رفعت زمرد وجهها صوب دانيار الذي كان ينظر له بأعينه في شر كبير ووجهه يلتمع بنية خبيثة، لكنها ببساطة ابتسمت تتأكد أن لثامها لم يتحرك تهمس له بصوت خطير وهي تخفض السيف الخاص به، ثم أخذت تقترب منه قائلة بصوت خفيض :
” هل تحاول اخباري أنك تهتم لأمن مملكتك ؟؟ إن كنت تفعل ما كنت لاظل حية حتى هذه اللحظة يا سيد ”
ابتسم دانيار بسمة مظلمة يعض شفتيه، ثم دس خنجره داخل غمده يهز رأسه وهناك نظرات سوداوية داخل عيونه :
” يمكنك القول أن مطاردة الفأر واللعب معه، افضل من وضع مصيدة له والتخلص منه بكل بساطة ”
” وهل تعتقد أن ذلك الفأر احمق ليدخل مصيدتك ؟؟”
” إن أردت أنا سيفعل ”
أمسكت زمرد سيفه وهي تقول :
” أخبرني الحقيقة، ما الذي ترنو إليه من وراء مراقبتك لي، فلا تقنعني أن رؤيتك لي هنا هي محض صدفة لا أكثر”
اطال دانيار النظر لعيونها ثم همس ببساطة :
” ومن أنتِ يا امرأة لاختلق صدفًا كي أراكِ ؟؟”
صدمة أصابت أوصال زمرد لرده القاسي، الذي جعلها تصمت ثواني لكنها تداركت الأمر سريعًا، تهز رأسها بهدوء تقول :
” إذن ما الذي يجعلك تدور خلفي ؟؟”
” ما تحملينه من اسرار، لا تعتقدي أنني احمي حياتك لاجل عيونك السوداء تلك، بربك أنا حتى لا اعلم من أنتِ، لكنني فقط احتفظ بكِ لأن جثتك مقطوعة الرأس لن تجيب اسألتي، صحيح ؟!”
ماهر وفذ ومتحدث جيد، هذا كل ما استطاعت زمرد معرفته خلال مقابلاتها القصيرة مع ذلك الرجل، هذا كله وهي تتحدث مع جندي عادي، بالله كيف سيكون الوقوف أمام الملك أو القائد الذين سمعت عن بطشهم وجبروتهم، و لن تدرك أنها الآن في حضرة دانيار …قائد الرماة أجمعين.
ابتلعت ريقها تقول بجدية :
” أنا فقد اود ما احمي به نفسي، أنا لا اهاجم بل ادافع فقط ”
” ممن ؟؟ تحمين نفسك ممن ؟؟”
نظرت له ثواني ثم قالت :
” من المنبوذين …لقد كنت أعيش في مدينة الشمال التي احتلها المنبوذين قبل تحرير القائد سالار لها، وقد قتلوا جميع أفراد أسرتي وأنا قتلت واحدًا منهم وهربت مع شقيقتي وجئت كي احتمي بقصر الملك ”
تنهدت بصوت مرتفع بعدما انتهت من قص ما تريده وهو نظر لها ثواني، ثم هز رأسه ببساطة يقول :
” لا اعتقد أنكِ بحاجة لحماية نفسك أسفل اسوار القصر، فأنتِ هنا في حماية الملك والجنود، كما جميع المملكة بالضبط، ما كان الملك سيسمح لأحد أن يتعدى على حكمه، وأنا آسف لفقدك، لكن لا انصحك بمحاولة اقتحام المكان وابتعدي عن تلك التصرفات المريبة كي لا تقعي تحت يد من لا يرحم ؟؟”
قالت دون تفكير :
” سالار تقصد ؟؟”
” القائد سالار، حينما تذكرينه احترميه، ونعم هو أو الملك لن يرحموكِ إن علموا ما كنتِ تفكرين في فعله، فالملك لا يسامح المخطأ تمامًا كما سيفعل مع شقيقتك، أوليستِ هي نفسها تلك كهرمان ؟؟”
وحينما ذكر دانيار كهرمان التي علم عنها من خلال مراقبتها، ركضت صوبه زمرد بوجه شاحب وجسد مرتجف تهتف بعدم فهم وصدمة :
” ماذا ؟؟ ما بها كهرمان، ماذا فعلت ؟؟”
___________________
كانت تقف أمامه وهي تشعر بنظراته تكاد تخترقها، لكنها لم تسمح لنفسها أن تنظر ارضًا أو تنحني لأحد، تتبع نصائح زمرد واخيرًا، لكن للاسف في الوقت الخطأ .
تقدمت داخل القاعة حيث يجلس إيفان يحدق بها وجواره يجلس بعض المستشارين :
” أنا فقط اريد معرفة ما هو جرمي ؟! بالله عليكم لا تخبروني أن كل تلك المحاكمة فقط لأنني سقطت على الملك ”
اتسعت عين إيفان ينظر لها بشر وتحذير جعلها تبتلع باقي كلماتها، وقد تحركت الأنظار صوب إيفان الذي تجاهلهم وهو ينظر لها بحنق، يتحدث بصوت هادئ مخيف :
” بالطبع نحن لا نعقد محاكمة لأجل أسبابك التي ترينها تافهة، لكن أنتِ متهمة بالتخريب، بل كدتي تتسبب في أذية الكثيرين لاهمالك الشديد وتحرير الثيران من الحظيرة ”
اتسعت عين كهرمان وقد عادت للخلف بعدما استوعبت ما يقصد، نظرت حولها لتجد جميع الأنظار موجهه لها وهي تقف بينهم لا تعلم ما تفعل، فكرت بالبكاء والنحيب الآن، لكنها فجأة تذكرت أنها ليست بالمنزل وهذا ليس شقيقها ليسارع ويراضيها .
” حسنًا أنا آسفة، اقسم أنني لن اهرب من العمل مرة أخرى واذهب للجلوس عند حظيرة الثيران ”
فتح إيفان عيونه لا يصدق تلك الغبية التي تبحث عن تهم تلقيها على عاتقها، أحضرها لأجل معاقبتها على الاهمال، لتعترف أنها اسقطته، وأنها تهربت من العمل وكل هذا دون أن يحدثها أحد بكلمة واحدة، أمثال هذه الفتاة هم نعمة إن كانوا من الأعداء .
هو في العادة لا يقسو في عقاب النساء إن كان الجُرم بسيطًا، لكن من أمامه تشعره برغبة عارمة في الحكم عليها بالقتل لغبائها .
تنفس إيفان بصوت مرتفع ثم قال بهدوء شديد وملامح جامدة لا تفارقه عادة :
” حسنًا يا آنسة، عقابًا على اهمالك وتهربك من عملك، فأنتِ مكلفة ولمدة عشر أيام بحصد الثمار مع النساء ومن ثم التحرك صوب الحظيرة لجمع البيض وتنظيفها ”
اتسعت أعين كهرمان بصدمة :
” ماذا ؟؟ لكن أنا، أنا فقط اعمل داخل القصر و…”
قاطعها صوت مرتفع جهوري غاضب :
” هل تتجرئين وتعترضين على أوامر الملك ؟!”
ارتعش جسد كهرمان تنفي برأسها في سرعة كبيرة ثم اخفضت رأسها بعض الشيء تبتلع مرارة الذل ببطء شديد دون كلمة :
” العفو مولاي، أوامرك ”
نظر لها إيفان ثواني وهو يرى انكسارها واضحًا، رغم أنه لم يبالغ في عقابها كما يفعل في مثل تلك الأمور الصغيرة، لكنه لم يهتم، بل قال بهدوء وبرود شديد :
” يمكنك الرحيل ومن الغد تنفذين ما أُمرتِ به ”
هزت رأسها ببطء، ثم تحركت للخارج بخطوات هادئة راقية، وبمجرد أن خطت خارج القاعة حتى ركضت بسرعة باكية، في الوقت الذي لمحت ركض زمرد من الطريق المعاكس، وما كادت زمرد تتوقف للاستفسار عما حدث حتى ارتطم جسدها في أحد أعمدة الرخام البيضاء التي تحد الممر بفعل دفعة كهرمان .
اتسعت عيونها تراقب ركض كهرمان بعيدًا باكية وهي تنظر حولها بعدم فهم :
” ما الذي يحدث هنا ؟؟؟”
_________________
” نسيت دي ..”
وعقب تلك الجملة التي توقع الرجل أن يحدث بها هلعًا أو على الأقل توترًا داخل السيارة، لم يسمع أحدهم صوتًا سوى صرخات فقط، صرخات صدرت من ذلك البائع .
إذ نظر له سالار ثواني معدودة قبل أن يمسك يده التي كان يمدها داخل السيارة ودون تفكير كان يجذب جسده بقوة مخيفة للداخل متسببًا في انتفاضة جسد تبارك جواره وهي ترى رأس البائع قد أصبحت متدلية جوار قدمها .
ودون أن يتحدث أحدهم بكلمة كانت يد سالار تعرف طريقها صوب السكين تنزعه بكل احترافية، ثم جذب رأس البائع صوبه ومازال جسده معلقً على النافذة وقد اصبحت السكين مصوبه لصدره وهو يتحدث بهسيس :
” أخبرتك أنا لم أنس شيئًا، فهمت ؟؟”
كان الرجل في حالة ذهول يشعر أنه سقط كالبهيمة في الفخ، فهو حتى لم يستوعب كيف ومتى أصبح نصف جسده داخل السيارة والسكين موجه له هو، ابتلع ريقه يحاول أن يتحرر، لكن سالار ضغط على رأسه وهو يقربه منه أكثر وقد أوشكت رأس البائع على الانفجار من شدة الضغط :
” ألا تستطيع الرضا بما في يديك يا هذا ؟؟ محاولتك لأخذ ما ليس لك لن تعود على حياتك بالنفع ولو أضحيت ثريًا، فهمت ؟؟”
هز الرجل رأسه سريعًا وهو يحاول الإفلات منه :
” فهمت، فهمت يا باشا ”
ابتسم له سالار بسمة لم تكن بالسعيدة أو الفخورة، لكنها كانت مخيفة مسببة لارتعاش جسد البائع، وشيئًا فشيء حرر جسده ملقيًا إياه للخارج ومن ثم ألقى سكينه عليه وقال بصوت هادئ :
” هيا تحركوا ”
وتحركت السيارة بالفعل تحت نظرات الصدمة من تبارك، لا تكاد تصدق ما حدث منذ ثواني، الأمر تم بسرعة كبيرة حتى أنه لم يعطيها فرصة الصراخ أو الفزع، فجأة استدار رأس سالار لها لتطلق صرخة كتمتها بكفها وهي تبعد عيونها عنه .
تهمس لنفسها :
” طلع مجرم محترف، ههرب منه ازاي ده ؟؟”
سمعت صوته الذي خرج هادئًا :
” لا تقلقي، فلن يطولك سوءًا مني، هذا لأنكِ لن تنجحي في الهرب على أية حال، لذلك ما رأيك أن ترضخي للأمر الواقع وتسلمي لحقيقة أنكِ ملكة مملكة سفيد، وأنني لن افلتكِ حتى يتسلمك مني الملك ”
ابتلعت ريقها تبعد عيونها عنه، كي لا يرى نظرات عدم التصديق تلوح في نظراتها، هي ما تزال غير مصدقة لروايته رغم كل الأدلة التي تشير لعكس ذلك .
وبعد ساعة تقريبًا وحينما بدأ جسد تبارك يسترخى ويتحرر من خوفه الذي نمى بسبب ذلك الموقف، بدأت هي تخرج الطعام الذي احضرته وتتناوله بتلذذ وجوع كبير، وجوارها سالار ينظر أمامه بهدوء شديد دون أي حركة منه، لكن فجأة شعر بشيء يوضع على قدمه…
أنزل عيونه ليجد عبوة بلاستيكية ملونة وصوت تبارك تقول ببساطة من بين مضغاتها :
” كله هيعجبك طعمه اوي ”
نظر لها بأعين جامدة هادئة، ثم أمسك تلك العبوة يحركها بين يديه وهو يقول دون أن ينظر لها وبكل صرامة :
” لا يجوز لكِ التحدث أثناء الأكل، هذا يخالف آداب الطعام ”
نظرت له بصدمة لا تصدق أنه كان من الوقاحة التي تجعله يتجاهل بادرتها اللطيفة وتضحيتها العظيمة حينما أعطته بعض طعامها الذي اشترته بأمواله هو، ويعلق على طريقتها في الأكل.
وقبل أن يكمل سالار تفحص تلك العبوة الغريبة بين أنامله ومعرفة مما تتكون أو كيف تستخدم، وجدها تُنتزع من بين أنامله بقوة وصوت تبارك يصدر حانقًا متهكمًا :
” هات ده، أنا استاهل الضرب اني عبرتك ”
نظرت أمامها صوب صامد وصمود وهي تقول :
” خدوا كلوا أنتم ”
نظر لها الاثنان بلهفة كبيرة وكادوا ينقضون على ما تقدم، لولا رؤيتهم لنظرات سالار التي تسبب في سحب لهفتهم واعتلاء نظرات الجمود ملامحهم وهما يقولان بصوتٍ واحد :
” العفو مولاي، يلا يجوز لنا مشاركتك الطعام ”
نظرت تبارك بسرعة كبيرة صوب سالار الذي تجاهل نظراتها ونظر من النافذة وقال بنبرة مسترخية وصوت جليدي :
” تناولي طعامك بهدوء وتوقفي عن الحديث الكثير، وتعلمي كيف تتصرفين كملكة لدولة بحجم سفيد ”
تمتمت تبارك وهي تملئ فمها بالكثير من الطعام دون حساب :
” أبوك لابو سفيد، جاتكم القرف شعب ثقيل ”
فجأة انتفض جسدها حينما سمعت تعليق سالار :
” وايضًا حاولي التحكم في تمتماتك ودعي افكار الداخلية تظل مجرد أفكار دون ترجمة ”
” اتنفس عادي ”
” نعم لا بأس، لكن تعلمي أن تتنفسي كملكة ”
تشنج وجه تبارك من كلماته التي لم تعبر حدود أذنها، بل تجاهلتها كليًا تنتبه للطريق وهي ما تزال تتمتم بغضب شديد، لا تريد أن تتجادل معه مجددًا وقد ملت حقًا كيف يتحكم بها ويعد عليها أنفاسها، متى تنتهي تلك الرحلة وتتخلص منه، حتى لو ألقى بها في فوهة بركان فلن تبتأس طالما أنه ليس معها .
دقائق قليلة وتوقفت السيارة في ميناء متطرف غريب وهبط الجميع واولهم سالار الذي نظر حوله يتأكد من أمان المكان، حتى وقعت عيونه على السفينة التي ستأخذهم لوجهتهم والتي احضرتهم منذ البداية، ضيق عيونه مفكرًا في القادم ومصير المملكة من بعد وصول الملكة .
وقف أمامه صمود يعبر عن القلق الذي لا يود هو الاعتراف به :
” مولاي هل أنت متأكد من تلك الخطوة ؟!”
لم يبعد سالار عيونه عن البحر امامه :
” أي خطوة تلك صمود ؟! هذا أمر وليس خطوة يمكن تخطيها ”
تدخل صامد بجدية في الحوار وهو ينظر لتبارك التي كانت تجلس داخل السيارة تخرج رأسها منها بشكل مثير للريبة :
” لكن سيدي اعتقد أن الملك لو علم ما هو على وشك إسقاط نفسه به، لمنعك إتمام المهمة ”
نظر له سالار يجيب بهدوء شديد :
” وهو لم يمنعني بعد، لذلك المهمة ستتم كما خُطط لها، ثم أنتم تتحدثون وكأننا احضرنا كارثة للمملكة، الأمر ليس بهذه الخطورة، هي فقط تحتاج لتعلم بعض الاشياء و…”
وقبل أن يكمل جملته سمع الجميع صوت شيء يصطدم بقوة في الأرض والذي لم يكن سوى تبارك التي تعرقلت أثناء هبوطها في فستانها، لكنها نهضت بسرعة كبيرة تقول ببسمة هادئة ترفع ابهامها لهم :
” أنا كويسة متقلقوش ”
ولم تكد تخطو خطوة أخرى غير منتبهة لفستانها حتى عادت وسقطت وهذه المرة بشكل أقوى لدرجة أن تأوهاتها قد علت في المكان وقد غُرز وجهها في الأرض أسفلها تهمس بتعب :
” اعتقد أن الرمل هنا بيزحلق ”
أبعد سالار عيونه عنها يقول وهو يفكر في تلك الورطة التي ألقى الملك نفسه بها :
” نعم، الأمر ليس بهذه الخطورة، بل أكثر خطورة من هذا، رحمتك يا الله ”
نهضت تبارك من الأرض تنفض ثيابها تحاول تلاشي الاحراج الذي تعرضت له للتو، وقد تمنت لو تنشق الأرض وتبتلعها، الأمر كان مخجلًا بشكل يفوق قدرتها على التحمل، مرحى تبارك ها أنتِ اثبتي لهم كم أنتِ حمقاء .
تود لو تبكي خجلًا، والله هي ليست بذلك الحمق، فقط الطبيعة والقوانين جميعها يعاندونها ليس إلا.
تنهدت بصوت مرتفع تمسك أطراف فستانها باصباعها وهي تتحرك بحذر شديد كي لا تزيد الوقعتين ثالثة، تتحرك صوب الجميع قبل أن تتوقف وتقول بصوت جاد :
” دلوقتي المفروض ناخدها عوم ولا ايه ؟!”
رفع حاجبه وهي أكملت بعفوية شديدة :
” أنا مش بعرف اعوم، ولا بعرف اعمل أي حاجة في الحياة دي غير اني بمشي وباكل وبنام، فأرجو لغاية ما نخلص من كل ده محدش يطالبني بحاجة خارج القايمة دي، لأني مش هعمل حاجة زيادة، مبقاش جاية على حباب عيني وعاصرة على نفسي لمونة وتتعبوني، مش شغل عصابات ده ”
ختمت حديثها ترفع رأسها بكل إباء، ثم تحركت بعيدًا عنهم جميعًا تعلن انتهاء الحوار بالنسبة لها، وسالار ابتسم يقول ساخرًا مما يحدث له بعد كل تلك السنوات التي قضاها في قذف الرعب داخل قلوب اعدائه لتأتي فتاة لم تتجاوز حدود كتفه وترفع رأسها في وجهه دون خوف وتأمره بما تريد :
” أوامرك مولاتي، أوامرك …”
بينما تبارك وحينما ابتعدت عنه تنفست بتوتر، بالله هي ترتعب من نظراته التي لا تظهر ما يريد أو يحمل، تشعر بالرعب مما يخفي خلف ملامحه الجامدة، ذلك الرجل لغز كبير وهي ليست بالفضولية أو العبقرية لتحله، ولا تريد من الأساس حله، بل فقط تريد التخلص منه ..
هي فتاة عاشت لتتجنب المشاكل، وتتجنب أي شيء قد يؤذيها .
تنفست تنظر للبحر أمامها غافلة عن عيون سالار التي تكاد تحرق ظهرها، وهو يردد لنفسه :
” لدينا رحلة طويلة في تحويل تلك الفتاة لملكة تستحق الجلوس على عرش البلاد، رحلة ستنتهي إما بقتلي أو قتلها، والحمدلله أنني بعيد عن القصر كي لا يكون الخيار الثاني ”
__________________
” أقسم أن نهايتنا على يديكِ كهرمان، ما بال عقلك يا امرأة ألا تفكرين في عواقب فعلتك ؟؟”
انكمشت كهرمان على نفسها بقوة تحاول أن تهدأ ارتعاشة جسدها، لكن صراخ زمرد لم يساعد أبدًا على ذلك، بل ارتفع أكثر محضرًا لها ذكريات هجوم قريب، هجوم انتهى ببركة من دماء كامل أفراد اسرتها، دفنت وجهها بين قدميها تبكي بصوت مرتفع :
” لم اقصد، لم اقصد، اقسم أنني لم اقصد التسبب في مشاكل، بل هي تلاحقني من طريق لآخر، أنا آسفة زمرد”
كانت تتحدث من بين شهقاتها لتشفق عليها زمرد وهي تتحرك صوبها ببطء وجلست جوارها على الفراش تضم جسدها المنكمش داخل أحضانها :
” لا بأس، لا بأس عزيزتي، أنا فقط شعرت بالخوف لذلك صرخت بكِ ”
نظرت لها كهرمان وهمست بتعب ووجع شديد :
” أنا لا أستطيع العيش بهذه الطريقة زمرد، اقسم أنني أشعر بالعجز كلما رأيت ما يجب التعامل معه طوال اليوم بعدما كنت مدللة أخي ووالدتي، الأمر صعب علي ”
أغمضت زمرد عيونها تدرك أنها تعني كل كلمة مما نطقت به، هي ليست مدللة، بل هي فقط فتاة عاشت في رغد أخيها قبل أن تأتيها الطامة الكبرى وتسحبها من دفء أخيها لبرودة الوحدة، من كنف منزلها، لغياهب القصر ..
” لا بأس أنا سوف اساعدك، لا بأس سنتخطى كل هذا، ويومًا ما، يومًا ما يا كهرمان سنعود، سنعوم كما كنا ”
____________________
يجلس أعلى السفينة وهو يتنفس بصوت مرتفع يحاول الهدوء والتفكير في الخطوة القادمة، فبعد وصولهم لوجهتهم سيتعين عليهم خوض مغامرة حتى يصلوا لمملكتهم، هو في الحقيقة ليس مستاءً لذلك، هو معتاد على خوض ما هو اصعب من تلك العوائق .
لكن هي ليست كأي عائق قابله ….
حرّك عيونه صوب جسد تبارك التي كانت تقف على بداية السفينة وتفتح ذراعيها للهواء وتتحرك بشكل غريب عليه، وكأنها تراقص الرياح .
وعند تبارك كانت بالفعل تتراقص مع الرياح وهي تتمتم بكلمات منخفضة دون وعي وقد انسجمت مع تلك الحالة حولها وبكل شاعرية اختارت النسخة المصرية من تلك الأغنية المعروفة، لجهلها بكلمات الاجنبية، لكن لا يهم هي فقط تحقق حلمًا سخيفًا كان يراودها قديمًا :
” لا خلاص مش منظر …مستنظر يا سلوى، قلبي صدى وجنزر يا هووو”
ومن بين انسجامها سمعت صوتًا جوارها يهتف بهدوء :
” من هذه سلوى ؟؟ والدتك ؟!”
انتفضت تبارك من مكانها حتى كادت تسقط في البحر أسفلها لولا أنها تمسكت بالحديد تحت يدها برعب شديد، وقد ارتفع صوت تنفسها لتشعر برغبة في الصراخ، رفعت رأسها له تقول من بين أسنانها :
” لا امك ”
استند سالار على الحديد أسفل يده يشرد في المكان أمامه متنهدًا بحنين شديد وبكل صدق وجدية قال :
” لا والدتي لا تُسمى سلوى، بل كانت تُسمى عائشة ”
كان يتحدث غافلًا عن تشنج ملامحها، إذ كانت جديته في تلك اللحظة تمثل لها صدمة، هل تحدث بكل بساطة للتو بعدما تواقحت عليه، بل وأخذ يناقشها بهدوء دون نظراته المخيفة تلك !؟
بالله هي لم ولن تفهم ذلك الرجل يومًا .
” إذن أنتِ لم تعلمي يومًا عن حياتنا أو عالمنا أو مصيرك ؟! ولم تصدقي قبلًا بمثل تلك الأشياء ؟؟”
نظرت له ثواني قبل أن تقول ببساطة شديدة :
” ولسه مش مصدقة ومقتنعة أنك شوية مجانين وخاطفني أو اني بحلم حلم من الاحلام المريبة اللي كنت بشوفها وشوية وهصحى ”
” أي احلام تلك، السيدة في منزلك أيضًا تحدثت عن احلام برجال ؟؟”
نظرت له بطرف عيونها وقالت دون تفكير :
” احلام بوليوودية ”
” ماذا ؟!”
زفرت بحنق ولا تدري سبب حديثها عن تلك الأشياء الخاصة بها مع شخص لا تعلم عنه شيئًا، بل ويخيفها كذلك :
” احلام عن شخص غريب بيكلمني بلغة غريبة وبيقول حاجات مريبة كده و ….”
وقبل أن تكمل جملتها شعرت تبارك بحركة قوية في السفينة جعلتها تهتز بشكل مخيف، وقبل حتى أن يعطي عقلها إشارة لها لتصرخ وتعبر عما اعتراها من رعب جراء تلك الاضطرابات القوية في السفينة، لكن اهتزاز السفينة منع ذلك، إذ انقلبت شيئًا فشيء حتى وجدت تبارك جسدها ينجرف صوب الحافة والتي كان سالار يمسك بها وهو ينظر لها محاولًا أن يساعدها للتشبث بأي شيء حتى يمر ذلك الاضطراب المؤقت .
لكن ما حدث هو أن جسد تبارك وبسبب ارتفاع جانب السفينة انزلقت للجانب الآخر واصطدمت في جسد سالار الذي اتسعت عيونه وقبل أن يعترض سمع صرخة تبارك في أذنه :
” حسبي الله ونعم الو….”
وباقي الكلمة اكملتها في طريقها للبحر وهي تسقط، لكن لم تكن وحدها، بل كان معها سالار الذي جذبها له بسرعة هائلة، وفي غمضة عين كانت بين يديه، حينما سقطا سويًا……
__________________
جميع المشاكل تعشق الدفئ، لذلك حينما تفكر في الاستكانة والمبيت، لن تجد أفضل من أحضانك للاستقرار بها ……
وفي النهاية كل ذلك ما هو إلا حرب، إما أن تنتصر أو تنتصر، لا خيار ثالث أمامك.



 
google-playkhamsatmostaqltradent