رواية مملكة سفيد الفصل الثالث 3 - بقلم رحمة نبيل

الصفحة الرئيسية

  

 رواية مملكة سفيد الفصل الثالث 3  -   بقلم رحمة نبيل




#الثالث
#لكِ_الله_ياسفيد
‏رُوَيْدًا فَوَعْدُ اللَّهِ بِالصِّدْقِ وَارِدٌ
بِتَجْرِيعِ أَهْلِ الْكُفْرِ طَعْمَ الْعَلَاقِمِ.
– ابن حزم الأندلسي.
اللهم أَرنا في بني صـهيون آياتٍ أَشد وأَعظَم مِما نزل فِي آبائهم الاولِين….
صلوا على نبي الرحمة .
_____________________________
خطى المشفى بخطواته القوية المعتادة منه، يسير بأعين جامدة وملامح لا روح بها تقريبًا، يتجاهل الجميع حوله، وخلفه يسير صامد ومعه صمود يتبلعان ريقهما برعب، يدعوان من اعماق قلبيهما أن تخيب مهمة سالار إن كانت رقابهما هي النتيجة لنجاحها .
وسالار يسير أمامهما لا يشعر بشيء حوله فقط يحدق بالكرة بين أصابعه يسير خلفها، يشعر بقرب اقترابه، ليس لأن الكرة تشير لذلك، بل لأن شيئًا داخل صدره يخبره بهذا، لطالما كان لديه هذا الحدس القوي في معاركه، يدرك الانتصار قبل حدوثه، يتوقع الهزيمة قبل وقوعها، في حالة إن هُزم من الأساس….
تحدث صامد وهو يحاول مجاراة خطوات سالار :
” إذن يا قائد هل ماتزال خطة حصاد أرواحنا قائمة ؟؟ ماذا إن غفرت لنا ذلتنا ؟؟”
رفع سالار عيونه ببطء عن الكرة يمنحه بسمة زادت رعبه وصوته خرج يقول ببساطة :
” ومتى غفرت لأحدهم صامد ؟؟”
” أنت رجلُ عدلٍ سيدي ”
صحح له سالار بهدوء :
” بل رجل حرب يا عزيزي ”
ختم كلماته يتحرك تاركًا إياه يرثي نفسه هو وصمود، بينما سالار ابتسم بسخرية عليهم، تعجبه تلك اللعبة، هذان الغبيان يعتقد أنه قد يخسر دنياه وآخرته لأجلهما، ويحمل وزر قتل نفس بريئة بغير ذنب لأجل التخلص من غبائهما ؟
كان يسمع اصواتًا عديدة في المكان بأكمله، يرى وجوه كثيرة لكن من بين كل تلك الأصوات لم ينتبه سوى لصوتٍ واحد، ومن بين كل الوجوه لم يرى سوى وجهها هي .


فتاة بملامح هادئة تبعث في القلب راحة، ملامح رقيقة، تسير بين ممرات المكان تحمل بين يديها بعض الأوراق ويبدو على وجهها الانشغال، لا تنتبه لأحد أو تهتم لأحد.
وعند تبارك كانت ترغو وتزبد وهي تشعر بشعور سييء داخل صدرها، تود الانعزال عن الجميع، فقط لترثي نفسها، لكن وجوده في الجوار لم يساعد على ذلك .
توقفت تلمح نظرات عليّ لها، إذ أطال النظر في وجهها ثواني قبل أن يتجاهلها ببساطة ويرحل وكأنه لم يرها.
يشعر بوجع كبير داخل صدره وقهر لا حصر له، كان يود المجئ والاعتذار لها، يخبرها أنه لا يهتم حقًا بما قالت، لكن كل ذلك كان قبل أن تعلم والدته بنيته في خطبة فتاة ” مجهولة النسب والهوية ” كما قالت ..
أُعجب بها عليّ وبصدق ولم يكن ليمنح أمر حقيقتها أي أهمية، فماذا يعني أنها ولدت بملجأ، الأمر ليس عجيبًا أليس كذلك ؟؟ لكن والدته كانت تحمل رأيًا منافيًا لكل هذا الهراء _ من وجهة نظرها _ ليس بعد هذا العمر يتزوج ابنها الذي عانت لأجله كي يصبح طبيبًا، من ممرضة لا أصل لها ولا عائلة معروفة، والله وحده يعلم ما تخفي خلف ماضيها الضبابي .


تنهد علي بتعب شديد، هو ما كان ليستمع لوالدته أو يرضخ لشيء لا يريده، لكن هي …هددته بنبذه والغضب عليه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهذه والدته، وضعف أمامها وأمام رجائها .
راقبت تبارك رحيله بملامح عادية هادئة، الأمر ليس محزنًا لها بقدر ما هو مؤلم لنفسها، مسحت دمعة صغيرة هبطت على وجنتيها تركض بسرعة لممر جانبي دون أن يراها أحد.
لكن سالار والذي كان يراقب كل ذلك بملامح جامدة وعيون ضيقة، تحرك خلفها دون أن يشعر متجاهلًا صوت صامد له :
” مهلًا سيدي أين تذهب، علينا إيجاد الملكة ”
جذبه صمود يكمم فمه بقوة :
” اششش اصمت يا أبله، هل تشتاق لنهايتك بهذه السرعة ؟؟ دعه ينسى ما جاء لأجله ”
نظر له صامد بعدم فهم، لكن صمود استمر ينظر لسالار الذي سار خلف تلك الفتاة بشكل مريب، فلأول مرة ينجذب قائد الجيوش والمتجبر المعروف بين الجميع لامرأة، لكن لا يهم إن كانت تلك المرأة ستؤخر عثوره على الملكة وموتهما فلا يهم …
و سالار لم يتوقف يسير بأقدام سريعة خلف تبارك التي دخلت لممر صغير تحشر جسدها في زاوية الممر تنفجر في بكاء عنيف، وهو يقف عند بداية الممر يراقبها بأعين مفكرة .
وهي تبكي ما حدث لها، فما لا يعلمه عليّ أن والدته العزيزة جاءتها قبل اسبوع وبعد عرضه الزواج بيومين تخبرها أن تبتعد عن ولدها، وتتوقف عن رمي حبالها عليه، فلا ينقصها أن ينشأ احفادها من امرأة لا نسب لها، ولا تعلم إن كانت قد جاءت للعالم بشكل شرعي أو لا..
تحمد ربها أن السيدة كانت من الرقي والمراعاة التي جعلتها تواجهها بتلك الكلمات السامة وحدهما .


هي لا تهتم لعلي ولا غيره، فهي ليست عاشقة له لتبكي فقدانه، هي تبكي حياتها وكأنها اليوم أُنبأت بحقيقة أن لا عائلة لها .
كان سالار يتابع كل ذلك يفرك لحيته لا يعلم سبب وقوفه هنا او تحديقه بها، ولا يدري أي شيء سوى أنه يرغب الآن في التحرك وصفعها، ثم يسحبها من ثيابها يهزها بقوة، ويصرخ في وجهها بصوت جهوري وقوة أن تنهض وتواجه أحزانها دون بكاء أن تكون رجلًا قويًا و لا تبكي كالنساء ….
مهلًا، هي امرأة بالفعل، أفق سالار هذه ليست أحد جنودك لتعنفها بهذا الشكل، ولا هي تهمك من الأساس، لذا ابتعد واذهب ابحث عن ملكتك وعد لبلادك وقرّع جنودك كما تشاء بعيدًا عن هذه الباكية التي لا تجد طريقة لمواجهة صعابها سوى بالبكاء.
عند تلك النقطة تجاهلها سالار يخرج من الممر بأكمله، لا ينتبه للكرة التي تنير بقوة، يعود حيث صامد وصمود لإيجاد ملـ
توقف في الممر يدور بانظاره في المكان بحثًا عن هذين الغبيين، لكن لا شيء، تبخرا دون أثر..
تحسس سالار خنجره الذي يخفيه، يضيق عيونه في نظرات مرعبة هامسًا بفحيح :
” سأتخلص منهما ، سأعود بالملكة ورأسيهما ”
ختم حديثه يتحرك في المكان بحثًا عنهما، بدلًا من أن يبحث عن الملكة، وهكذا أضاع صامد وصمود المزيد من الوقت ..
وعند تبارك وحينما توقفت وفرغت من البكاء تتحرك صوب المرحاض تغسل وجهها، تخفي أي آثار حزن، ومن ثم ابتسمت بسمة صغيرة تتنقل في الممرات حتى تعود لمرضاها الاعزاء، لكن فجأة توقفت على نداء صديقة لها والتي كانت تعمل في الاستقبال .
تحركت لها تبارك بتعجب وهي ترى شحوب وجهها :
” مالك يا زينة؟؟ وشك مصفر كده ليه ؟؟”
” بالله عليكِ يا تبارك لتيجي مكاني شوية، كلموني في البيت قالولي إن ابويا وقع من طوله وودوه على المستشفى اللي في شارعنا، وانا هموت من الخوف ومحدش بيرد ”
أكملت بدموع متوسلة :
” شوية بس اقفي مكاني وأنا والله هطمن وارجع، أنا عارفة أنها استراحتك بس …”
قاطعتها تبارك تلتف حول مكتب الاستقبال كي تأخذ مكانها :


” لا أنتِ روحي اطمني على والدك يا حبيبتي ولو عايزة خليكِ معاه، أنا هقول لحد يشييل باقي شغلي، كده كده مبقاش فيه شغل كتير ”
ابتسمت لها زينة بامتنان تعانقها بقوة وهي تهمس لها بحب :
” شكرا يا تبارك والله كنت عارفة أنك الوحيدة اللي مش هترفضي، ربنا يسعدك يارب ويرزقك باللي يسعدك ويريح بالك يارب ويستاهل طيبة قلبك وحنانك ده ”
شعرت تبارك بالسعادة عند سماعها لتلك الدعوات، دعوات كانت تتردد على مسامعها لسنوات طويلة خلال عملها مع الاطفال والعجائز وغيرهم، دعوات تنتظر أن يرزقها الله بتحقيقهم، هل يعقل أن يأتي ذلك اليوم ويأتي معه من يسعدها ويريحها بالفعل ؟؟
______________________
يسير بين ممرات القصر تحت نظرات البعض المعجبة بقوة القائد، والبعض كانت مرتابة خائفة، وتلك النظرات الخائفة لم تكن منحصرة فقط على تميم، والذي كان يمثل أحد أضلاع مثلث الرعب _ كما يصفه الجميع_ والذي يترأسه سالار، ويشاركهم به دانيار، فكما يقال سالار القوة والشراسة، ودانيار المهارة والدقة، بينما تميم الخبرة والمعرفة .
ابتسم تميم يلتقي في طريقه بدانيار والذي كانت خصلاته مبتلة، يخرج من جناحه يتحرك صوب غرفة الاجتماعات حيث طلب الملك جمعهم، ليمازحه بصوت منخفض كي لا يسمعه الجميع حوله :
” أوه انظروا لهذا الوسيم الذي يسير بين طرقات القصر بخصلات مبتلة بغرض بث الفتن بين قلوب العذارى ”
توقف تميم عن الحديث ببسمة جادة، ثم اقترب يهمس في أذن دانيار بجدية كبيرة :
” انتبه لنفسك يا فتى، فأنت لا تريد أن يتم اعدامك للتسبب في جذب نساء المملكة للخطيئة ”
حدق به دانيار ثواني قبل أن يبتسم له غامزًا :
” إذن ما رأيك أن يتم اعدامي للتسبب في قتل صانع الأسلحة هنا ؟؟”
نظر له تميم بجدية :
” لا، لا يعجبني الأمر ”
أطلق دانيار ضحكات خافتة يسير بين الممرات، حتى وصل مع تميم لباب قاعة الاجتماعات التي يعقد بها الملك اجتماعاته مع مستشاريه ورجال المملكة والجيش ..
فتح الحراس الباب لهما، ليدخلا في اللحظة التي كانت أوجه الجميع شاحبة، فرك تميم رقبته هامسًا :
” يبدو أن الملك ألقى قنبلته قبل وصولنا ”
نظر دانيار بدقة صوب الأوجه يحاول استشفاف ما يحدث :
” نعم ويبدو أن قنابل الملك مفعولها قوي، على عكس خاصتك ”
ختم حديثه يتحرك صوب مقعده لتنعقد ملامح تميم بقوة :
” هذا كان في غاية القسوة لو تعلم ”
تحرك هو الآخر صوب المقعد يستقر عليه بكل قوة وجدية، يلغي الجزء الهادئ والممازح جانبًا يستمع للأحاديث التي لا يفهم منها شيئًا، فقط خرج صوت العريف الذي كان يتحسس ريش بومته العزيزة :
” ما حدث يا مولاي لا يمكن أن يكون سببه المنبوذين فقط، فهؤلاء بعض المرتزقة لا يمتلكون ما يؤهلهم للهجوم على مملكة بحجم مملكة مشكى، بل ويتسببون في قتل جميع أفراد الأسرة الحاكمة واحتلال المملكة، أمر شبه مستحيل خاصة أننا جميعًا ندرك أن الملك ارسلان لم يكن بالملك الضعيف ”


نظر له إيفان بجدية كبيرة، فهذا هو بالتحديد ما يفكر به منذ وصله خبر سقوط مملكة مشكى بأيدي المنبوذين، تلك كارثة بجميع المقاييس، أن تسقط مملكة بحجم مشكى يعني أن المنبوذين سيزدادون تجبرًا وقد يوصلهم بطشهم للاقتراب من باقي الممالك الأربعة ومنهم مملكته .
اسودت عيونه بشراسة وهو يفكر في اليد التي قد تكون ساعدت هؤلاء الملاعين الكفار للهجوم على مملكة بحجم مشكى.
المنبوذون والذين كانوا ممن استولى الشيطان على أرواحهم ونبذتهم جميع الممالك، أو هربوا من عقوبات حاسمة، ليكونوا فيما بعض جماعات لا غرض لها في الحياة سوى تأسيس دولة لهم ومزاحمة باقي الممالك والتحكم بهم، وهم مجرد مرتزقة لا اصل لهم ولا هوية ..
تنهد دانيار وقد وعى ما يحدث، يعود بظهره للخلف يفكر في الأمر، بالطبع هو وصل له أمر سقوط مشكى، وقتل الأسرة الحاكمة، وهذا الأمر يعني حرب وشيكة ..
” مولاي اقترح أن نرسل جنود لتأمين حدودنا مع مشكى، فقط للتأكد أنهم لن يتجرأوا على التفكير بالدخول للبلاد”
نظر له إيفان ثواني، ثم هز رأسه باستحسان لهذه الفكرة :
” نعم هذا ما سيحدث دانيار، أبلغ الجنود بإرسال كتيبة كاملة وترابط على حدودنا مع مشكى حتى نعلم ما يجب فعله ”
صمت ثم نظر لهم يقول بجدية :
” ولا اريد لا أحد خارج هذا المكان أن يعلم بأن سالار خارج البلاد، فربما يشجعهم غياب قائد الجيوش على التجرأ علينا”
نظر مجددًا لدانيار :
” دانيار أنت المسؤول عن الجيش الآن، افعل ما تراه صحيحًا، وإذا رأيت أي شرذمة منهم تخلص منه دون تفكير”
أدار رأسه صوب تميم :
” وأنت تميم، أذهب لمصانع الأسلحة وتفقد الأمر اريد زيادة الإنتاج وتزويد الجيش بأكمله بالمزيد من الأسلحة، وتلك القنبلة التي كنت تعمل عليها، ماذا حدث لها ؟!”
وضع دانيار قبضته أعلى فمه يكبت ضحكته، ثم نظر بطرف عيونه صوب تميم الذي تململ في جلسته بهدوء يضم يديه على الطاولة أمامه بكل هدوء وجدية :


” ما تزال في مرحلة التجربة مولاي، قريبًا ستصلك اخبار تسرك ”
هز إيفان رأسه يقول بجدية ينظر للجميع :
” حسنًا، هذا حتى الآن، لنرى أين ستصل بنا هذه الأمور ”
بدأ الجميع يندفع صوب الخارج ومن ضمنهم تميم الذي سار بين ممرات المكان بملامح واجمة غاضبة وخلفه دانيار الذي نظر له ببسمة مستفزة، ثم سار بمحاذاته يقول بجدية :
” على رسلك يا رجل، لا تغضب بهذا الشكل، قريبًا ستنجح في تلك القنبلة ”
نظر له تميم بغضب وحنق شديد :
” هناك عنصر مفقود، شيء ينقص تجربتي للنجاح، لا ادري ما هو ”
زفر بغضب شديد، وأثناء ذلك انتبه لحركات إحدى العاملات في القصر اللي مرت تحمل بين أصابعها إناء من الخوص به العديد من الازهار، تسير في الممر وتحرك رأسها صعودًا وهبوطًا عليه كأنها تقيمه، ثم نفضت رأسها بازدراء وحقد ظهر واضحًا في حركات جسدها، بينما جميع ملامحها مختبئة خلف غطاء الوجه الذي تضعه جميع العاملات في القصر .
تشنج وجه تميم و لم يتعرف على الفتاة والتي كانت هي نفسها من كاد يفجر جسدها، ولكن لاخفاء جميع ملامحها، ولتأثير الدخان على الظاهر منها، لم يتعرف عليها .
ظلت الفتاة ترمقه بحنق ليتوقف في سيره يقول بحنق :
” ما بالها تلك الحمقاء وكأنني قتلت لها عزيزًا، أو هدمت معبدها فوق رأسها ”
نظر دانيار خلفه ليرى الفتاة قد استدارت بالفعل واكملت طريقها، ابتسم بسمة جانبية :
” يبدو أنك مكروه من النساء هنا، ربما تكون إحدى ضحاياك من الانفجارات المتتالية تميم ”
” لا أنا لم ا…”
توقف عن الحديث فجأة يفتح عيونه بانتباه :
” ربما تكون هي نفسها من ألقيت عليها القنبلة ؟!”
هز دانيار كتفه بعدم معرفة، ولم يكد يتحدث حتى تركه تميم وركض بسرعة صوب الممر الذي انحرفت له الفتاة تاركًا دانيار يراقب أثره، قبل أن يسير صوب مقر الجيوش ليبلغهم القرارات الجديدة ..
وتميم يركض خلف الفتاة يبحث عنها على أمل أن يعلم منها أي معلومة فينا يخص انفجاره الاخير، هل شعرت بوجع أو غيره، لربما يساعده ذلك في القادم، وأيضًا ليعتذر منها .
لكن بمجرد أن خطى الممر اندهش لرؤيته فارغًا، نظر حوله بتعجب شديد :
” ماذا، هل تلاشت الفتاة ؟؟ ”
وقبل أن يستدير لينظر حوله شعر بشيء عنيف يهبط فوق رأسه والعديد من الفواكه تتناثر حوله، وهو فقط لم يبدي أي ردة فعله، فقط اتسعت عيونه بصدمة وقد تحركت يده بسرعة صوب سيفه المستقر في ثيابه، لكن لم يكد يحركه من غمده حتى أبصر نفس الجسد الأنثوي يركض بسرعة في الممر وهو يراقبها بملامح مصدومة متسع الأعين، هل ضربته للتو بسلة الفواكه ؟
وقبل أن تختفي الفتاة من الممر استدارت له للمرة الأخيرة أثناء ركضها تنظر له بأعين مرتعبة، لكن وعن غير قصد ارتفع غطاء وجهها وظهرت ملامحها له، ومن ثم …اختفت .
____________________
كان الاثنان يحدقان بظهر سالار المشتد كالوتد برعب شديد، فبعدما ركضا بعيدًا عنه، بغية تعطيل العثور على الملكة لوقت اضافي، لأنهما في اعتقادهم أن سالار سينتهي منهما بالفعل بمجرد إيجادها، فمنذ متى لا ينفذ سالار كلمته، أو يفي بوعوده ؟!
هكذا كان تفكير الإخوة صامد وصمود، إثنان من أكثر الأشخاص بلاهة في هذا العالم والعوالم أجمع، الجميع يدرك حمقهما، لكنها رغم ذلك أكثر من يفقه في المملكة بأمور هذا الجانب من العالم .
كان سالار يسير بين الممرات بوجه صخري لا يوجد به شيء يدل أنه إنسان حي يشعر كالجميع، فقط ملامح جامد هادئة بشكل مثير للاستفزاز، وبين يديه تقبع الكرة يسير خلفها دون كلمة واحدة يوجهها لهما، هو فقط اكتفى بنظرات مرعبة ومن بعدها وصلت رسالته واضحة لهما .
فجأة توقف حينما رأى إضاءة الكرة تتضاعف أكثر وأكثر، تشير الخارطة أمامه، رفع عيونه ببطء ليجد طاولة طولية الشكل تقف عليها امرأة تخفض نصف جسدها للاسفل وكأنها تبحث عن شيء .
نظر لها سالار أكثر يقترب وعيونه تتحرك بينها وبين الكرة يتأكد أنها هي، ونور الكرة القوي أوضح جيدًا أنه …نجح، نجح ووجد الملكة بعد رحلة اسبوعين كالجحيم على قلبه .
ابتلع ريقه يطيل النظر بها لا يرى وجهها، لكنه فقط تمنى في أعماق أعماقه أن تكون سيدة قوية شجاعة وحكيمة تستطيع أن تشارك ملكهم الحكم بيد من نار و….
فجأة توقفت افكاره حينما أبصر وجهها، لتتسع أعينه، هي نفسها الفتاة التي كانت تبكي على الدرج منذ دقائق، نظر لها سالار ثواني بتهكم وملامح رافضة يحرك الكرة بين يديه غاضبًا :
” لابد أنكِ تمزحين معي، أي ملكة تلك ؟؟ هل ستحكم مملكتنا ملكة باكية ضعيفة ؟؟ ”
كان يحرك الكرة بشكل جنوني وهو يشعر أن هناك خطأ، استدار بسرعة يعطي ظهره للمكان الذي تقف به تبارك علها اخطأت الاتجاهات، لكن القلادة عادت وأشارت للخلف حيث تقف هي .
تأوه سالار يرفض الأمر :
” بالله عليكِ ما الذي تفعلينه، هل تعيين ما تشيرين إليه، لقد كانت تبكي منذ قليل كالطفلة الصغيرة، كيف ستحكم مملكة بحجم مملكتنا أيتها الكرة الغبية ”
كان يصرخ في وجه الكرة وكأنها تفهم ما يريد وستخشاه كالجميع وتغير فورًا قرارها، وقد كان كل ذلك على مرأى ومسمع من صامد وصمود اللذين امسكا بعضها البعض مبتعدان عنه قدر الإمكان بخوف من ملامحه المخيفة الغاضبة .
أخذت الكرة تضيء أكثر وهي تشير صوب تبارك وكأنها تخبره أن يستدير ويحضرها، وقد ازداد ضوءها جنونًا كأنها تصرخ به ( إنها خلفك هناك ) وهو تلقى الرسالة يصرخ بحنق وتهكم :
” نعم نعم، علمت أنها خلفي، علمت..لعنة الله على الكافرين”
استدار يتنفس بصوت مرتفع، ثم تحرك صوبها بخطوات رزينة قوية وخلفه يسير كلاً من صامد وصمود ..
بينما هي كانت تتوسط المقعد في الاستقبال، تتنظر أن تعود الموظفة المسؤولة عن الحجز وغيرهم، حتى تنصرف هي للاستراحة التي فقدت نصفها تقريبًا .
تنهدت بصوت مرتفع وقد ملت أفكارها التي تدور في رأسها منذ الصباح، هي حقًا تحتاج لشيء يشغلها عن الأمر، فكرت بالذهاب والحصول على مشروب أو طعام كي تستمر في العمل، بعد ليلة طويلة قضتها مع أحد الأطباء في غرفة العمليات، لكن وقبل أن تفعل توقفت بسبب شعورها بشيء يمنع عنها ضوء المصباح بالممر، وكأن هناك جبل قد نُقل أمامها.
رفعت عيونها ببطء شديد لترسو على جسد رجولي تبصر تقاسيمه لأول مرة، ما رأت يومًا رجلًا بجسدٍ منحوت كهذا الجسد أمامها، ولا تفاصيل كتفاصيل وجهه الذي يظهر بوضوح أنه لا ينتمي لدولتها، ربما روسي أو تركي، يراقبها من علياه بنظرات هادئة غاضبة و….محترمة ؟؟
مهلًا هل ينظر لها الآن بتقدير واحترام، أم أن حاجتها لذلك الأمر أضحت ملحة لدرجة أن تبصرها في عيون الآخرين ؟؟
تنحنحت وقد شعرت لثواني أنها أصبحت متحرشة حمقاء، وقد بدأت أعين ذلك الرجل تضيق بتحفز غريب كأنه يبحث بين وجهها عن خطأ أو ماشابه، اعتدلت في جلستها مبتسمة بهدوء :
” مساء الخير يا فندم اقدر اساعدك ازاي ؟؟”
وهو لأجل مكانتها وبغض النظر عن كامل اعتراضاته عليها، ابتلع ريقه يميل بنصفه العلوي قليلًا فقط، واضعًا كفه الأيمن أعلى منطقة صدره مرددًا باحترام كبير :
” جلالة الملكة، بحثنا عنكِ في كل مكان حتى كدنا نفقد الأمل في العثور عليكِ، والآن وحينما علمنا من الكرة أنكِ بهذا العالم، جئنا على وجه السرعة لأخذك لملكنا ”
رمقته تبارك ثواني، ثم نظرت حولها وكأنها تبحث عن تلك الملكة التي يوجه لها الحديث بالعربية دون العامية، لكن لم تبصر في الممر بأكمله أحد غيرها وهذا الرجل الوسيم، وهذين الرجلين…الغريبين اللذين يرافقانه ويرمقونها بنظرات الزائر لحيوان نادر داخل قفصه، نظرات تشعرك أنهما سيخرجان بعض السوداني ويلقونه لها ويصدرون اصواتًا لطيفة لها تدعوها لأكل ما القوه .
عادت بنظرها للرجل الذي حدثها منذ ثواني، تحاول أن تتمالك نفسها أمام ملامحه ونظراته، تغض البصر عنه، وتردد بعدم فهم، وقد شعرت أن قلة النوم، والأحلام المريبة قد تسببت لها في مشاكل عقلية، لتردف بنبرة خجلة :
” نعم ؟؟ معلش شكلي بسبب قلة النوم بقيت اسمع حاجات غريبة، حضرتك كشف ولا استشارة وجاي لعيادة ايه ؟؟”
أعتدل سالار في وقفته وقد ابتسم بسمة مجبرة يقول بهدوء واحترام كبير يحتمه عليه مكانتها وقسمه وولائه:
” لا، اشكرك أنا لا احتاج استشارة فلدى بالفعل من يمكنني استشارتهم وسوف اتخلص منهما بعدما ننتهي ”
كان يتحدث موجهًا إصبعه صوب الرجلين الغريبين معه، ومن ثم أكمل بهدوء وجدية كبيرة ظنًا أنها تدرك هويتها وما يتحدث عنه، نبرة جعلت تبارك تكاد تركض خوفًا مما يقول :
” أنا فقط جئت لأخذك حيث الملك ”
صمتت ثواني، قبل أن تبتسم باستيعاب:
” آه مش تقول كده، عيادة الأمراض النفسية آخر الممر على الشمال ”
نظر لها سالار يحاول تحليل كلماتها والتي لم تأخذ ثواني داخل عقله حتى يعلم ما تقصده، ابتسم بسمة مصدومة مما قالته.
فالبنسبة لرجل كسالار، قائد جيوش مملكة سفيد وأقوى قائد في الممالك الأربعة الذي خاض مائة وتسعة عشر حربٍ لم يخسر بهما واحدة حتى، أن تأتي فتاة تتهمه بالجنون لأنه يخبرها أن تأتي معه لتتسلم عرشها، كارثة لن يمررها لها .
ولم ينتبه سالار الذي يعميه غضبه أن ما يتحدث بشأنه هو أشبه بحكايات طفولية لفتاة كتبارك، أي ملكة تلك التي جاء يطالبها بها؟؟ ألا تكفيها أحلامها التي تشعرها أنها عادت عصورًا للخلف كلما سمعت ” ملك وملكة وغيرهم”؟؟
هو يظنها تعلم هويتها وتنتظره، وهي تعتقده مجنونًا أو مختلًا .
فجأة انتفضت تبارك للخلف برعب تطلق صرخة فزعة حينما وجدت ذلك الرجل يميل على منطقة الاستقبال وهو يتحدث ضاغطًا على أسنانه وبفصحى سلسة واضحة :
” اسمعي يا امرأة، إن كنتِ الملكة فأنا قائد الجيوش، فلا تظني أن رتبتك تلك ستمنحك حق اتهامي بالجنون، يمكنني نزع رأسك بكل بساطة دون أن يرف لي جفن، ولولا خوفي من أن أُلقى في جهنم لأجل حمقاء مثلك لكنت فعلتها ولو كلفني الأمر أن أُجرد من رتبتي وأُصنف خائنًا داخل مملكتي ”
صمت ثم أكمل يقول :
” أنا يومًا لم أفشل في مهمة وُكّلت لي، ولن أفعل الآن، أخبروني أن أحضر الملكة، وسأفعل حتى لو أحضرتها محملة على الأكتاف، أو قطع صغيرة سمعتي ؟؟”
كان هذا في قمة اللطف والرقي سالار، أحسنت، استمر على هذا المنوال وستتسبب لها في أزمة قلبية تودي لحتفها، وتعود بها جثة هامدة للملك .
صمت ثواني يشعر أنه تجاوز الحديث معها، حينما سمع صوت صمود خلفه يهمس له :
” سيدي هذه الملكة بعد كل شيء ويجب أن نظهر لها احترامًا ”
تنفس بعنف لا يصدق ما قاله هو يومًا لم يتحدث مع امرأة بهذا الشكل، حسنًا هو لم يتحدث مع امرأة يومًا على أية حال بعد والدته .
لا يحب عليه أن يتعامل معها هكذا، هي الملكة وهو عليه أن يحترمها ويطيعها .
تنفس بصوت مرتفع يحاول تحسين ما قال حينما أبصر خوفها منه يوبخ نفسه بصمت، ليبتسم بسمة حاول جعلها راقية هادئة :
” رجاءً مولاتي تعالي معي وأنا سأوضح لكِ كامل الأمور بهدوء شديد، فقط دعينا نتحدث بعيدًا عن هذا المكان ”
ابتلعت تبارك ريقها، تشعر بقلبها يخفق بقوة وكلماته قد أخذت تتردد داخل عقلها بقوة وجسدها يرتجف لا تدري رعبًا من ملامحه وأعينه المتوحشة أو من كلماته المخيفة، ودون تفكير ضغطت على زر استدعاء الأمن ……
____________________
استغلت انشغال كامل العاملات في تنظيف جناح الملك بكل دقة وحرص شديد، وهي تحركت ببطء شديد صوب هدفها المنشود منذ تطوعت لطاقم عمل جناح الملك .
ابتسمت تدلف المرحاض الخاص به تنظر حولها للمكان الذي كان فخمًا بشكل خاطف للانفاس، تنفست بسعادة تعض شفتيها، تمني نفسها باستحمام لطيف هنا وفي هذا المكان الواسع الذي يمتاز بالالوان البيضاء المبهجة، بعيدًا عن مرحاض العاملين الذي لا تستطيع حتى أن تستخدمه لثواني إلا ويسبب لها انقباضة صدر .
اتسعت بسمة كهرمان حينما سمعت صوت غلق باب الجناح الذي يعلن بوضوح رحيل العاملات، نظرت حولها تتنفس براحة شديدة قبل أن تزيل غطاء وجهها الذي يخفي وجه ابيض مع ملامح رقيقة واعين ضيقة بعض الشيء باللون البني، بدأت تخلع ثيابها ببطء وتتحرك صوب حوض الاستحمام تتلمس نعومته بسعادة .
نظرت صوب الزيوت العطرية المستخلصة من الأزهار خصيصًا لأجل الملك واتسعت بسمتها أكثر وأكثر..
وخارج المرحاض وبعد رحيل العاملات بدقائق طويلة، دخل هو جناحه بسرعة كبيرة يخلع عنه عباءته وكامل أسلحته ليظل فقط بثياب مكونة من بنطال وسترة قماشية بها بعض الأزرار المصنوعة من أخشاب نادر يظهر منه مقدمة صدره العضلي .
تحرك إيفان في المكان يود التجهز لاجتماع الممالك لمناقشة ما حدث مع مملكة مشكى، زفر وهو يجلس على الفراش يتحدث مع نفسه بصوت منخفض :
” سقط ارسلان رغم كل تجبره وقوته، سقطت مشكى رغم كل تحصنها، الأمر ليس هينًا، هناك خيانة داخل مشكى وخارجها”
أزاح خصلاته السوداء للخلف يتنفس بصوت مرتفع ينتزع عنه سترته ملقيًا إياها في سلة من القش موضوعة داخل حجرة صغيرة في جناحه .
خطى بهدوء شديد صوب المرحاض ولم يكد يفتح بابه، حتى تناهى لمسامعه اصواتًا قادمة من الداخل، ودون تفكير عاد بسرعة كبيرة صوب سيفه يحمله متحفزًا وقد رسم له عقله مشهدًا لمقتحم يود مغافلته واغتياله داخل حجرته الخاصة .
ابتسم بسمة قاسية أعلى فمه يتوعده بالويل، توقف أمام المرحاض يستعد لفتحه ونحر رأسه دون تفكير .
وفي الداخل كانت كهرمان قد انتهت من الاستحمام وقامت بارتداء ثيابها، وطبقات الفستان السفلى ولم يتبقى سوى الطبقة الخارجية وغطاء الوجه وحجابها، تتمتم بعض الكلمات المنخفضة وهي تحرك خصرها بهدوء شديد رغم ملامحها الهادئة الحزينة، استدرات لتحمل الطبقة الأخيرة من الثوب، لكن فجأة ودون سابق إنذار وجدت يد تسحبها بعنف شديد ويد توضع على رقبتها جاذبة إياها صوب جسد صلب وصوت يهتف بفحيح :
” مجرمة نظيفة ها ؟؟”
اتسعت أعين كهرمان تشعر بجسدها يرتجف بقوة، هذه هي النهاية، هربت من موت لتسقط في جحيم، تنفست بصوت مرتفع وهي تحاول الحديث، لكن ذراعه تلك لا تساعد .
وايفان لم يستوعب بعد أنهم أرسلوا فتاة لقتله، فتاة تقف في مرحاضه دون حجاب وباذرع عارية، و….تحمل رائحته الخاصة ؟!
ضيق عيونه يحاول الخروج من تلك الأفكار، يزيد من ضغط السيف على رقبتها حتى بدأ يجرحها، يحرك ذراعه القوية ويشددها على رقبتها أكثر :
” من ارسلك ؟؟ ”
وهي نست كيف تتحدث، وكأنها يومًا لم تنطق بكلمة، ابتلعت ريقها مرات ومرات تحاول أن ترطب حلقها الجاف وصوتها خرج مرتعبًا به غصة بكاء وانهيار وشيك :
” أنا… أنا لست …”
ضغط إيفان على أسنانه بقوة يهمس بشراسة :
” لستِ ماذا ؟”
” لست…لم يرسلني أحد اقسم لك، أنا فقط … أنا فقط أردت الاستحمام، اقسم أنني لم انوي اذيتك ”
أطلق إيفان ضحكات صاخبة مستهزئة :
” وكأنكِ تستطيعين فعلها إن نويتي الأمر ”
نفت كهرمان بسرعة كبيرة تردد من بين أنفاسها الفزعة وقد كادت تسقط ارضًا لشدة حاجتها إلى الهواء :
” فقط …مراحيض العاملين سيئة جدًا، لذلك ارتأيت أن استعير منك مرحاضك لدقائق، سأ…سأنظفه مجددًا اقسم لك، أنا لم انتوي سوءًا مولاي صدقتي، ولا احمل أسلحة حتى لتظن بي ذلك ”
نظر لها إيفان بشك يبعدها عنه فورًا وهي شعرت بجسدها يكاد يسقط في حوض الاستحمام، لكنها تمسكت من فورها بالجدار تسند جسدها، وقد سقط شعرها يخفي وجهها عن إيفان الذي نظر لها بجدية كبيرة، وقبل أن ينطق بكلمة رفعت كهرمان وجهها بسرعة كبيرة ليصمت هو حينما أبصر ملامحها ونسي لثواني ما يحدث وأنه الآن يقف في مرحاض حجرته مع امرأة دون حجاب أو لثام أو ثوب يستر ذراعها العاري .
ابتلعت كهرمان ريقها وهي تتراجع للخلف ببطء :
” أرجوك أنا لم أقصد، أنا فقط …”
مسحت قطرات المياه التي تتساقط على وجهها، أو كانت عرق لا تدري، تنفست بقوة تنظر حولها :
” سوف أعيد ترتيب كل شيء كما كان”
فجأة أبعد إيفان عيونه عنها يشير لها بسيفه غاضبًا من كل ما يحدث هنا :
” ارتدي ثيابك وللخارج ”
” أنا سأ…”
قاطعتها صرخة إيفان المرعبة :
” فقط استري جسدك واخرجي من هنا يا أمرأة ”
أنهى كلماته يتركها في مرحاضه ويخرج منه بسرعة كبيرة يتنفس بصوت مرتفع، وهي ظلت واقفة لا تستوعب ما قال، قبل أن تطلق فجأة صرخة عالية تدرك أنها كل ذلك الوقت كانت تقف أمامه بهذه الهيئة دون حجاب وغطاء الوجه وباذرع عارية، بدأت تسرع وترتدي كامل ثيابها، ثم خرجت بسرعة دون كلمة تحاول أن تخفي احمرار وجهها خلف غطاءه…
وبمجرد أن خرجت من المرحاض قالت وهي مخفضة الرأس:
” أنا آسفة و…”
قاطعتها كلمة إيفان الحادة الصارخة :
” للخارج .”
وهي انتفضت واختض جسدها من صرخته تركض صوب الباب تطرق عليه ببطء ليفتح لها الحراس متعجبين وجوده عاملة أثناء وجود الملك وقد رحل الجميع بالفعل منذ دقائق، وهي لم ترفع رأسها واسرعت الخطى في الممرات تشعر أنها ستسقط ارضًا بسبب توترها، وحينما تخطت ممر جناح الملك ركضت بسرعة كبيرة تبحث عن زمرد، تشعر بضربات قلبها تكاد تتوقف والرعب بلغ منها مبلغه تردد بخوف شديد :
” لقد رأى وجهي، رأى وجهي، ستقتلني زمرد لأجل هذا”
______________________
تسير صوب منزلها بعد يوم عمل شاق …مريب .
مسحت وجهها لا تصدق ما مرت به اليوم، أحد المجانين الوسيمين هجم على المشفى يطالبها بالذهاب معه حيث الملك مدعيًا أنها ملكة، بالله ما الذي يحدث في حياتها ؟؟ ألا تكفيها أحلامها الغريبة، لتتسرب الغرابة نحو يقظتها ؟
تنفست بصوت مرتفع تتذكر ما حدث حين جاء الأمن وهجموا على المشفى وهو ما يزال واقفًا يحدق في عيونها بنظرات غريبة جعلت جسدها يرتجف .
امسك رجل الأمن ذراع سالار يتحدث بلهجة حادة مهددًا :
” لو سمحت اتفضل معايا من غير مشاكل كتير ”
لكن سالار لم ينزع عيونه عنها، بل فقط ابتسم بسمة جانبية جعلتها تخشاه أكثر، ابتلعت ريقها تشير لرجل الأمن بيد مرتجفة :
” لو سمحت وصله لبرة و…”
وقبل أن يقترب منه الحارس أوقفه سالار بإشارة من يده، ثم تحركت عيونه حتى استقرت على وجه تبارك يقول بهدوء مرعب :
” اسمعي يا فتاة أنا جئت هنا لهدف ولن أغادر دونه، ولا وقت لدي لاتوسلك أو اتذلل لكِ، لذا أما أن تأتي معي أو اضطر لاستخدام القوة ”
كان الحارس في ذلك الوقت يجذبه للخارج محاولًا تحريكه، لكن أين هو بجسده الهزيل الذي لا يؤهله حتى لحماية نفسه من الانيميا فما بالك بمشفى، بسالار الذي تربى وترعرع بين السيوف وأرض المعارك وأصبح من اقوى رجال مملكته والممالك المجاور ويقود جيوشًا من مئات الآلاف بيدٍ من حديد .
لذلك لم يؤثر سحب الرجل له ولم يتحرك هو مقدار شعرة عن مكانه، بل فقط جذب ذراعه بقوة تسببت في إسقاط الحارس ارضًا، وبعدها استدار صوب تبارك يقول مقتربًا من مكانها :
” إذن متى نرحل مولاتي ؟؟”
وإن كان يهدف بتلك الكلمات لزيادة رعب تبارك فقد نجح وبدرجة عالية، إذ أطلقت تبارك صرخة عالية تجمع على إثرها من بالمشفى وهي تصرخ بهم أنه هددها للتو بالخطف، تصيح بين الجميع بجنون :
” عايز يخطفني ويهربني برة البلد، هيجندني لصالح روسيا”
اغلق سالار عيونه بقوة يشعر بأذنه ستنفجر تحت ضغط صرخاتها :
” أقسم أن طبول الحرب أكثر رقة من صرخاتك، هدئي من روعك رجاءً ولا تهلعي، ثم أي روسيا تلك التي سأجندك لصالحها؟؟ بالله عليكِ أنا لا اقبل بكِ عاملة لتنظيف سيوف في جيشي، فكيف بجندي ؟؟”
صمت ثم قال بجدية ساخرة :
” الموقف الوحيد الذي سأقبل فيه بتجنيدك هو أن أجندك لصالح العدو، فهذا سيزيد من فرص فوزنا ”
نظرت له برعب تقول مرتعبة تنظر حولها لبعض الممرضين الذين كانوا لا يستطيعون استيعاب ما يحدث ومن هذا ولِم يتحدث بهذه الطريقة وما الجنون الذي يهزي به :
” أنتم واقفين تتفرجوا ؟؟ مش سامعين المجنون ده بيقول ايه ؟؟ حد يخرجه برة ويبعده، ده …ده بيبصلي ازاي، بصوا بيبص ليا ازاي ؟؟”
كانت تشير له بخوف شديد، خوف تبارك من المجهول والغرابة، فهي فتاة في غاية المنطقية تعيش حياتها فقط لتحمي نفسها من الاذية، وتخشى كل مجهول يقترب منها، وهذا الرجل يجعلها ترتجف من حديثه وكلماته.
اقترب في تلك اللحظة علي، يندفع صوبها يمسك ذراعها يحاول تهدئتها وهي تشعر فقط بأنها في خطر، تتحرك بين يديه دون وعي .
” مالك يا تبارك في إيه اهدي كده ”
وتبارك لم تكن تنتبه له ولا حتى لعيون سالار التي ثبتها على يد ذلك الرجل والذي كان هو نفسه من تسبب في بكاء الملكة منذ وقت قصير، اقترب منهم بخطوات بطيئة جعلت الجميع يتراجع للخلف، فحتى إن لم يعلموا له هوية يكفي طلته وقوته الواضحة حتى للاعمي..
وفجأة شعر علي بضربة على ذراعه شلت جسده بأكمله ليتراجع للخلف ممسكًا بذراعه يعض شفتيه كاتمًا تأوهًا قويًا كاد يفلت منه، لكن الوجع تغلب عليه وأطلق صرخة رنت صداها في المكان بأكمله .
وسالار الذي لم يفعل شيء سوى أنه ضرب ذراعه ليبعدها عن يد تبارك، قال بكل هدوء :
” لا يمكنك لمس امرأة لا تحل لك، وبالتأكيد لا يمكنك أن تفعل ذلك مع ملكتنا، التزم حدودك وضع بينكما امتارًا ”
نظر له عليّ وهو يتلوى ارضًا صارخًا والجميع كان يراقب ما يحدث بأعين متسعة، وتبارك في تلك اللحظة شعرت برغبة عارمة في البكاء خوفًا، ودون تفكير أمسكت مزهرية تستقر على طاولة الاستقبال وضربته بها فوق رأسه بقوة شديد جعلت شهقات صامد وصمود تخرج بعنف كبير ..
اغمض سالار عيونه بقوة حينما شعر بالمزهرية تصطدم برأسه متهشمة لشظايا كثيرة، نفض خصلات شعره الحمراء ببرود شديد يتجاهل ذلك الوجع الطفيف الذي أصاب رأسه، ثم استدار لها يبتسم بسمة صغيرة مرعبة :
” حقًا هذا كل ما تملكين ؟؟ أنتِ حتمًا أكثر ملكة ضعيفة رأيتها في حياتي ”
في تلك اللحظة انتفض جسد سالار للخلف مرتعبًا من صرخات تبارك العالية التي شعرت بالخطر المحدق يحوم حولها، ولشده رعبها لم تشعر سوى بالظلام يحيط بها وتسقط ارضًا.
وبعد ساعات استيقظت لتدرك أنها في المشفى آمنة وكل ذلك كان حلمًا قبل أن تنفيه رفيقه لها، وتخبرها أن ما حدث حقيقي، لكن ذلك المجنون غادر بلا رجعة .
والآن ها هي تعود لمنزلها المريح بعد يوم شاق مرهق مع ذلك المجنون الذي …
وقبل أن تكمل أفكارها شعرت فجأة بشخص يجذب جسدها بقوة كبيرة صوب أحد الأماكن التي ميزتها سريعًا، لكنها حتى لم تتمكن من الصراخ إذ شعرت بجسدها يُلقى على مقعد داخل ذلك المكان والذي لم يكن سوى مكتبة متولي الذي كان يجلس على مكتبه يراقب ما يحدث بهدوء مخيف .
وامامها يقبع ذلك العملاق ذو الشعر الأحمر ومعه هذين الغريبين، يحدقون فيها بنظرات جعلتها تبتلع ريقها مرتعبة تقول بخوف وهي تحرك رأسها بسرعة كبيرة بأول ما جاء لرأسها كي تنقذ نفسها :
” أنا… أنا موافقة اتجند لجيش العدو ياباشا ”
نظر لها متولي مليًا وهو يرى ذلك العملاق يخيم عليها، نهض عن مكتبه ينضم لهما وهو ينظر لتبارك التي أخذت تهمس وتشير له أن يحررها منهما تقول بصوت خافت :
” الحقني يا عم متولي، ابوس ايدك خرجني من هنا ”
لكن متولي لم يهتم وهو ينظر لسالار يقول بجدية كبيرة ليس وكأنه لم ير سالار سوى منذ ساعة تقريبًا :
” ها يا قائد هتاخدها امتى وترجع للمملكة ؟؟”
اتسعت أعين تبارك بقوة تحدق فيه بشكل جنوني وقد اتسع فمها بشكل مضحك وكأنها تسأله جديته، هل جُنّ الرجل لكثرة جلوسه وحيدًا؟؟
ابتسم سالار وهو يجيب بكل هدوء وبنبرة هادئة :
” اليوم إن وافقت الملكة أيها العريف ”
ابتسم متولي بسمة واسعة كادت تقسم وجهه نصفين، فرح بذلك اللقب الذي تلقاه من ذلك الشاب والذي حقًا لا يعلم له هوية، هو فقط كان يدور في المكان بحثًا عن منزل تبارك وحينما سأله وعرف منه ما يريده منها، صدق حكايته دون أن يحصل منه على دليل واحد حتى، وقرر أن يساعده في اختطافها..
همس صمود في أذن سالار بتعجب واستنكار :
” ما بك قائد تنادي ذلك الرجل بالعريف ؟؟ أنت حتى لم تعلم إن كان يمتلك نفس علم ومعرفة العريف ام لا لتمنحه مثل ذلك اللقب الكبير ”
ابتسم سالار بسخرية :
” نعم، لكنه مزعج مثله ”
أفاق من حديثه الخافت مع صمود، ثم نظر لتبارك التي كانت ترمقهما بنظرات متسعة واعين مرتعبة تحاول فهم ما يحدث في ذلك المكان ..
مال سالار برأسه يواجهها ثم أطال النظر داخل عيونها بشكل جعلها تغرق في عيونه ذات اللون الغريبة، لكنها استفاقت على صوته يقول :
” سأخبرك كل شيء وستسمعين ما أود قوله وحينها سيكون الخيار لكِ، أما أن توافقي على المجئ معنا، أو نختطفك حسنًا ؟؟”
نظرت تبارك برعب لمتولي الذي كان يحدق بها مثلهم، وابتلعت ريقها كي تقنعهم أنها موافقة على ذلك الهراء ومن ثم حين تحين فرصتها تهرب من هذا المكان الملئ بالمجانين ..
وبخوف تام قالت :
” حاضر اللي تشوفوه ..”
ابتسم سالار بنصر، فخبرته في المعارك علمته جيدًا
( إن لم يرضخ عدوك للسلام، فلا مانع أن تريه ما سينتظره إن اختار الحرب وسيلة )
__________________
” لا رحمة ولا خنوع ولا لحظة تفكير واحدة، كل من ترونه من هؤلاء الجرذان تخلصوا منه، الحالة الوحيد المسموح لكم بالتفكير بها، هي حين تفكر في قتله بالسيف أم افراغ احشائه بيديك العارية، فهمتم ؟؟”
صاح الجنود عقب كلمات دانيار في صوت موحد جهوري قوي :
” نعم سيدي ”
ابتسم دانيار برضى وقد رفع رأسه عاليًا يشير للكتيبة التي جهزها لحماية حدود المملكة وتكثيف الرقابة عليها، أن تتحرك .
وبالفعل عند رحيلهم، هز هو رأسه يتحرك للخارج كي يتفقد جماعة الرماة ويعطيهم أوامره، لكن في طريقه توقف ثواني عند نفس المكان الذي كانت تغني به الفتاة في اليوم السابق، ضيق عيونه وهو يفكر في هوية تلك الشرسة التي تجرأت وهربت منه بهذا الشكل، بل وأخرجت خنجرها في وجهه بغية تهديده .
وأثناء تحركه في الممرات انتبه للعاملات اللواتي يسرن برؤوس منحنية ارضًا وبهدوء شديد بغطاء الوجه المعروف في المملكة، فكر في محاولة البحث عنها بينهن، لكن عن ماذا سيبحث ؟؟ هو لم ير منها سوى أعين سوداء مبهرة ساحرة فقط .
ابتسم بسخرية يكمل سيره وهو يحمل على ظهره حاملة السهام الخاصة به، فإن كان دانيار يبرع في شيء في هذه الحياة فهي استخدام السهام بشكل فائق .
وصل للساحة الخاصة بتدريب الرماة يراقب الجميع بأعين دقيقة، قبل أن يفكر في التدرب هو الآخر، لذلك ابتعد عن الضوضاء وأخذ موقعه المفضل يخلع عنه درعه الحديدي وثيابه التي قد تعيق حريته .
ومن ثم أمسك السهام ونظر للهدف الذي يتوسط أحد الأشجار بعيون ضيقة، وفي ثواني كان سيل من السهام يصيب الهدف بشكل متتالي دون ثواني تفصل بين السهم والآخر، فقد كانت يده تلقي السهم، ثم تتحرك بسرعة مخيفة تحضر الآخر وتلقي به .
وعلى بعد صغير منه كانت تقف هي تحمل ادوات التنظيف بعد عودتها من المبنى الخلفي وانتهاء التنظيف تحدق فيما يفعل بأعين مصدومة، هل آلة القتال تلك هي ما كانت على وشك طعنه بخنجرها المسكين البارحة !؟
ابتلعت زمرد ريقها لا تدري له هوية، لكن تلك المهارة العالية في رمي السهام تخبرها جيدًا أنه أحد أفراد رماة المملكة .
رمشت وهي تحاول التراجع بسرعة وقد شكرت ربها أن نجاها بمعجزة من بين يديه، فما تراه الآن يخبرها أي مصير كانت ستلقى إن اثبت أنها ليست من هذه المملكة وقد يقع عليها تهمة التحايل والخيانة .
لكن لم تكد تتحرك خطوة من موقعها حتى وجدت سهم يقطع طريقها غارزًا في الشجرة المجاورة لها أمام عيونها مباشرة، ابتلعت ريقها وهي تستدير صوبه ببطء، لكن فجأة أطلقت صرخة حينما وجدت جسده قريب منها للغاية ينتزع سهمه قائلًا ببسمة جانبية :
” مرحبًا أيتها الخائنة ..”
ابتلعت زمرد ريقها تبتعد للخلف مبعدة عيونها عنه :
” عفواً سيدي، أنا لا افهم ما تقصد، هلّا افسحت لي طريقًا للمرور رجاءً”
أطلق دانيار ضحكة مجلجلة وقد تعرف عليها من ثيابها وطولها وتلك القلادة التي ترتديها :
” حقًا؟؟ ماذا عن فاكهتي التي سرقتيها في الامس؟؟ ”
ارتفع وجه زمرد بسرعة كبيرة تقول :
“أنا لم اسرقها اقسم لك، أنا فقط حينما ركضت ا…”
فجأة ابتلعت باقي جملتها تشعر أنه اوقعها في فخه، ذلك المحتال جعلها تعترف بما انكرت منذ ثواني .
رفعت رأسها بقوة تحاول أن تظل ثابتة أمام عيونه :
” أنا لست خائنة، وتلك الثمرة التي تبكي وتنتحب عليها سأحضر لك ثمرتين بدلًا منها وهكذا نكون متعادلين ”
ختمت جملتها تتحرك بعيدًا عنه بسرعة لكنه مد يده التي تحمل السهم مانعًا إياها من العبور يتحدث بجدية :
” لا لسنا كذلك، من أنتِ وما الذي تفعلينه في القصر هنا؟! لهجتك تلك لا تمت للهجة مملكتنا بصلة حتى ”
نظرت زمرد للسهم الذي يحمل ومن ثم رفعت عيونها له تقول :
” أنا رحّالة جئت لكسب قوت يومي من العمل هنا، والذي بالمناسبة أنت تعطلني عن فعله ”
ولم تكد تتحرك حتى قال دانيار بخبث وهدوء شديد :
” حقًا أنتِ مسكينة فقيرة إذن، مسكينة فقيرة ترتدي سلسال ذهبي يستطيع أن يؤمن لها منزلًا فاخرًا داخل المملكة، لكنها كانت من الكفاح الذي يجعلها تأتي للعمل داخل قصر الملك تحديدًا”
اتسعت أعين زمرد ونظرت بسرعة كبيرة صوب تلك القلادة التي تتوسط جسدها، ولا تدري كيف ظهرت من الحجاب أو خرجت من الفستان الخاص بها، سارعت لاخفائها أسفل ثيابها، بينما دانيار قال بهدوء وتهديد :
” أنتِ لا تريدين أن أضرب ظهرك بالشجرة خلفك مرة أخرى متسببًا في كسور صعبة الشفاء لعمودك الفقري صحيح ؟؟”
اومأت له زمرة دون أن تشعر، لكن فجأة انتبهت لما يحدث و نظرت لدانيار بغضب شديد ظهر على حركات جسدها جعله يرفع يده قائلًا ببسمة ساخرة :
” لا تنظري لي بهذا الشكل، لست أنا الاحمق الذي نسي اخفاء كل الأدلة عن أنني سليلة أغنياء جئت للعمل خادمة في قصر الملك بشكل مثير للشك ”
زفرت زمرد تقول بحنق وغضب :
” هذا إرث عائلي من جدتي، لذلك لا يمكنني التصرف به، والآن أسمح لي يا سيد فلدي من الأعمال ما يجعلني انشغل بهم بعيدًا عن ثرثرتك الفارغة ”
ولم تكد تتحرك خطوة حتى وجدت سهم دانيار يصيب سطل الادوات بيدها لتطلق صرخة متراجعة للخلف، ثم رفعت عيونها لدانيار الذي ابتسم يقول بكل بساطة :
” اعلمي أيتها الخائنة أنني اضع عيوني عليكِ في كل خطوة هنا ”
نظرت زمرد للسطل الساقط ارضًا قبل أن تطلق سبة مرتفعة جعلت أعين دانيار تتسع بصدمة وهو يراها تجمع الادوات ثم منحته نظرة حادة، وأخذت نفس عميق كي تهدأ ومن ثم فتحت عيونها تنظر له تراه يراقب ما تفعل باهتمام، لكن وعلى حين غرة منه مالت زمرد تلتقط صخرة تلقيها عليه صارخة في وجهه :
” للجحيم أيها الفاسد، اقسم إن رأيتك أمامي تنظر لي، نزعت عينيك من محاجريهما ”
ختمت جملتها تركض بسرعة كبيرة صوب القصر وهي تشعر بالرعب لما فعلت، لكنها لم تملك سوى تلك الطريقة لإنقاذ كبريائها الذي يصرخ بها أن تثأر لاجله .
وهو فقط اغمض عيونه بقوة وقد اشتعل جسده غضبًا يراقبها تركض بعيدًا عنه :
” سنرى …”
____________________
تحركت نظرات تبارك على الجميع تعض شفتيها، واعينها متسعة بعدم فهم، هل ما سمعته صحيح، مملكة وهي الملكة والملك في انتظارها وذلك المتجبر أمامها قائد الجيوش الذي أرسله لأخذها إلى مملكة تقبع خلف حافة الموت وبين قمم جبال مرعبة ؟؟
ابتسمت لهم بسمة مقتنعة، صدقتهم، نعم صدقت كل ما قاله بل وجعلها تتأكد أن ما ستفعله الآن هو عين العقل، عادت بظهرها على المقعد توهمهم أنها تستريح وتفكر فيما قيل، فركت وجهها قليلًا :
” اه، أنا برضو قولت كده اول ما شوفتكم على فكرة، باين عليكم ”
نظر لها سالار بفضول شديد يتساءل بعيونه عن مقصدها، لكنها تجاهلته ونظرت صوب متولي الذي كان ينظر لها منتظرًا إشارة منها على الموافقة حتى يساعدها للمغادرة ويؤدي دوره كعريف هذا العالم _ كما أخبره سالار ساخرًا _.
ابتلعت ريقها وأخذت نفس عميق وكأنها على وشك الغطس في محيط سحيق وسط الشتاء القارس، وفي غمضة عين كانت تنتفض عن مقعدها منتصف المكتبة تركض خارج المكان باكمله تصرخ برعب وقلبها يكاد يتوقف مما يحدث .
” الحقوني …الحقوني مجانين عايزين يخطفوني وعم متولي بيساعدهم ”
اتسعت عين سالار من المفاجأة وصرخ بصوت جهوري :
” ماذا تشاهدون أيها الحمقى أمسكوا بالملكة ”
وفي ثواني ركض صامد وصمود خلفها ومعهم متولي يمسكون بها، وهي تتحرك بخطوات مهرولة صوب الباب الخاص بالمكتبة، خطت العتبات الداخلية ولم تكد تطأ الخطوة الأخيرة حتى وجدت جسدها يصطدم بالأرض أسفلها بقوة كبيرة، ووجها يُطبع على عتبات المكتبة، بعدما جذبها صمود بعنف شديد من قدمها .
صرخت تبارك باكية بخوف حقيقي تتمسك بباب المكتبة وجسدها يُسحب على درجات المكان، تصرخ في الجميع :
” الحقوني يا ناس، حد يلحقني، ابوس ايديكم الحقوني من المجانين دول، لا لا سيبني مش عايزة اروح في حتة ”
فتح سالار عيونه بصدمة مما يفعل صمود، يتحرك صوبه صارخًا وهو يخرج أحد خناجره يضعه على رقبته بشر :
” ما الذي فعلته للتو؟؟ هل تجرأت ولمست الملكة ؟؟”
نظر له صمود برعب، بينما تبارك والتي اعتدلت في جلستها بوجه باكي تحدق فيهم بأعين متسعة من الرعب تتراجع للخلف بسرعة كبيرة، تردد بصوت خافت :
” يعني مزعلك أنه لمسني، مش أنه مسح بوشي بلاط العتبة ؟؟ ”
نظر لها سالار بحدة جعلها تصمت، ثم أشار لها بالخنجر محذرًا :
” تحركي واجلسي على ذلك المقعد هناك ولا تخرجي صوتًا”
” أنت ملكش الحق تأمرني على فكرة أنا ممكن اااا….”
لكن انتفض جسدها بعنف أشد وطأة حين سماع صرخة جهورية مرعبة منه :
” الآن”
ركضت تبارك بسرعة كبيرة على المقعد الذي كانت تتوسطه منذ لحظات، تجلس عليه بكل هدوء تضم يديها لقدمها وتنظر أمامها كتلميذة هادئة مطيعة ..
وسالار نظر لصمود يهمس له :
” إن تجرأت ولمست الملكة، فستفتقد يدك الباقي من حياتك ”
أنهى حديثه يدس الخنجر داخل ثيابه متحركًا صوب تبارك التي بمجرد أن رأت تقدمه لها حتى اخذت تدفع جسدها بالمقعد للخلف والخلف والخلف، وهو يتقدم منها بكل هدوء وصبر لا يمتلكه بالفعل، وهي تتراجع أكثر وأكثر، حتى اصطدمت فجأة بأحد المكاتب التي تحوي ارفف كتب كثيرة، ابتسم سالار وهو يرى أنها لم تعد قادرة على الابتعاد .
توقف أمام المقعد الخاص بها ثم نظر لعيونها بشر جعل جسدها يرتعش وهي تسمع همسه :
” إلى أي حد قد تعتقدين قد يصل صبري ؟؟ ”
أغمضت تبارك عيونها بقوة كبيرة تشعر بجسدها يرتعش وقد ضربتها فكرة إصابتها في مقتل جعلتها ترفع عيونها له بسرعة كبيرة وتبادله النظرات بأخرى مصدومة وهو ابتسم ويكمل حديثه :
” رجل حرب عاش حياته بين الرجال لايملك صديق سوى سيفه، ولا خليله سوى فرسه، ولا عائلة سوى سهامه، لكم من الوقت تعتقدين أنه سيتحلى بالصبر على تصرفات امرأة مثلك ”
ابتلعت تبارك ريقها، تحاول التنفس بشكل جيد وهي تهبط بجسدها على المقعد شيئًا فشيء، لا تدري أينتظر منها إجابة، أم كان ذلك مجرد سؤال استنكاري لا يرنو من خلفه لشيء ؟؟
وحينما طال صمته أدركت أنه بالفعل ينتظر اجابه لذلك قالت بصوت خرج بصعوبة :
” أنا عايزة …عايزة اروح الحمام ”
نظر لها سالار بعدم فهم لثواني، وهي قالت تلعن في نفسها تلك العادة السيئة التي تصيبها كلما شعرت بالخوف :
” أنا عايزة اروح الحمام ”
ابتعد عنها سالار مستقيمًا في وقفته يقول باستنكار :
” حقًا يا امرأة؟؟”
” حقًا والله ”
مسح وجهه بتعب، الأمر ليس سهلًا، تمامًا كما توقع .
قال صامد مقترحًا :
” سيدي ما رأيك بالعودة وتركها هنا، لا أظن أنها تلائم بأي شكل من الأشكال مملكتنا ”
هزت تبارك رأسها بسرعة ولهفة كبيرة تعتدل في جلستها داخل المقعد، تشير صوب صامد :
” أيوة أيوة صح الراجل الصغير ده عنده حق، أنا فعلا مش هنفع والله يا باشا أنا …أنا والله مش عارفة احكم نفسي اني ابطل اكل حلويات، هحكم مملكة؟؟ أنت لو كنت بتجري على خرابها مش هتصر الاصرار ده عليا، والله حضرتك أنا أحقر من كده بكتير”
صمتت ترى نظراته الغامضة تحلق حولها، لينتعش امل صغير داخل صدرها، تقول رغم عدم اقتناعها بكل تلك القصة الخيالية عن مملكة وهمية هي ملكتها :
” طب …طب ده انا وانا في المدرسة كنت رائد الفصل و في الفترة اللي مسكت فيها الفصل اخدنا اكتر فصل سييء في المدرسة، والله ما بكدب، كنا فعلا اسوء فضل وأكثر فضل مشاغب وبيغيب براحته لاني مش باخد الغياب، وكمان مزيناش الفصل عشان مكنتش بقدر أخد منهم فلوس عشان بيضربوني ”
شعر سالار في هذه اللحظة بهول ما سقطت به مملكتهم، بالله كيف تكون تلك الفتاة الهشة الباكية التي لا تفقه حتى أقل أساليب الحياة الملكية أن تصبح ملكتهم وتشارك الملك في الحكم، هي حتى لا تمتلك أقل ما يجب أن تمتلكه الملكة وهي معرفة اصول المبارزة وأساليب التعامل مع العامة، وكيفية الحديث بشكل لائق هادئ حكيم ..
كل هذا هي تمتلك عكسه بالضبط .
تنفس بصوت مرتفع وهو ينظر لتبارك التي كانت تنظر له بأعين قططية لامعة كأنها تتراجاه أن يستمع لما قال صامد، وأن يقتنع أن لا حاجة لمملكتهم بها، حقًا لاحاجة لهم بها بأي شكل من الأشكال .
لكن كل ما صدر من سالار هو زفرة عنيفة يقول دون نقاش أو جدال :
” أحضروا الملكة، سوف نشد الرحال للمملكة …”
اتسعت أعين تبارك تلقي بجسدها على المقعد خلفها بصدمة كبيرة تحاول أن تتلقي تلك الصدمة وتفكر فيمن يستطيع إنقاذها من هؤلاء المجانين .
ابتلعت ريقها ترى اقتراب سالار لها، لتنحفض في مقعدها شيئًا فشيء حتى تبتعد أكبر قدر ممكن عنه، لكن من سوء حظها أن حركتها تسببت في اختلال المقعد لتسقط به ارضًا صارخة بصوت مرتفع ..
وسالار راقبها من الاعلى يفرك عيونه بتعب شديد :
” لكِ الله يا سفيد …”
______________________
” ماذا فعلتِ ؟؟ضربتي صانع الأسلحة؟ ”
انطلقت تلك الصرخة من إحدى النساء العاملات في المطبخ لتتسع عيون الفتاة جوارها وهي تنظر حولها بفزع كبير ترى الجميع ينظر لهما .
ابتلعت ريقها توبه رفيقتها :
” أنتِ أيتها الغبية ما بكِ، هيا ارفعي صوتك أكثر عسى أن يصل لذلك الاحمق ويأتي لجز عنقي ”
عضت صديقتها شفاهها باعتذار صامت، ثم همست بصوت منخفض وهي تنظر حولها بحرص لمعرفة إن كانت هناك أعين متلصصة بهم أم لا :
” لكن برلنت، أنتِ قد تُعاقبي على مثل تلك الأفعال، أنتِ لم تتجرأي على أحد الجنود العاديين، بل هذا صانع الأسلحة وأحد القادة الثلاثة الذين تشيب لهم الرؤوس رعبًا ”
لوحت برلنت بيديها في الهواء غير مهتمة بما تقول :
” أنا لم افعل سوى أنني فقط رددت له ما فعل معي، وإن لم يكن كافيًا، بالله عليكِ لقد ألقى فوق رأسي قنبلة، ماذا لو أنه صانع أسلحة بارع ونجحت تلك القنبلة وتناثرت اشلائي في المكان ؟!”
” هيييه هو بالفعل صانع أسلحة بارع، هو من طور جميع أسلحة المملكة وحده ”
نفخت برلنت بسخرية لاذعة، ثم أكملت العمل وهي تحمل بعض الأواني تقول بصوت خافت ونبرة حانقة بعض الشيء :
” هو فقط يستمر في إزعاج جميع من بالقصر بأصوات تلك الانفجارات، أعان الله القريبين منه، سوف اذهب لجمع باقي الثمار لأجل الغداء ”
خرجت برلنت من المكان، وعبرت من الممر صوب الخارج في الوقت الذي كانت فيه فتاتين تقفان في أحد الأركان وواحدة تصرخ في الأخرى بشكل جنوني، جعلها تقترب بغية مساعدة الأخرى لكنها توقفت حينما سمعت لهجة الفتاة التي تصرخ تقول :
” أنتِ ذات عقلٍ صلب، بالله عليكِ كهرمان كيف تجرأتي على مثل تلك الفعلة ؟؟ جناح الملك ؟؟ هل جننتي ؟؟ أخبرتك مئات المرات ألا تجذبي لكِ الإنتباه هنا، لتأتي وتستحمي داخل مرحاض الملك ؟؟”
صمتت ثم صرخت بعدم تصديق :
” مرحاض الملك كهرمان ؟؟”
شهقت برلنت بصوت مرتفع وهي تسمع لتلك الكلمات بصدمة كبيرة، وقد انتبهت لها زمرد التي استدارت لها بسرعة متسعة الأعين، فتحت فمها بصدمة تشعر بأنها سقطت في ورطة ..
عادت برلنت للخلف تحاول الهروب من نظرات زمرد المرعبة وهي تقول :
” أنا… أنا لم أقصد أن أسمع ما قلته و…”
وقبل أن تتكلم كلمة واحدة اندفع جسد برلنت للجدار بقوة مخيفة وهناك خنجر وضع على رقبتها، وعيون زمرد أمامها تطالعها بشر وهي تفكر أن الأمر سهل، وقد نفذت ما تريد دون جهد، ما بالها لم تحسن ذلك مع تلك الصخرة التي قابلتها ؟
تنفست بصوت مرتفع تهمس لبرلنت :
” إن تحدثتي بكلمة مما سمعتي للتو سوف انحر رأسك تلك ؟؟”
اتسعت عيون برلنت وهي تنظر الخنجر تبتلع ريقها قبل أن تقول بكل بساطة :
” حسنًا كان يمكنك طلب ذلك دون أن تفعلي كل هذا، فإن كان أمر استحمام صديقتك داخل مرحاض الملك مريب، فأن تحمل عاملة خنجرًا وتسير به بين ممرات القصر تهدد الجميع لهو أمر مريب أكثر ”
اقتربت كهرمان تحاول دفع زمرد للخلف :
” هيييه زمرد دعي الفتاة لا تخيفيها ”
ابتسمت برلنت تبعد الخنجر عن رقبتها تقول بجدية :
” نعم زمرد اسمعي حديث رفيقتك، فأنا لست من ذلك النوع الذي يرتجف عند رؤية خنجر ”
أبعدت زمرد الخنجر عن رقبتها ببطء وهي تتساءل، ما بال الجميع في هذا القصر لا يهابون خنجرها، تقسم أنها كانت تتسبب في ارتجاف الرجال من قبيلتها قديمًا .
نظرت لهما برلنت بفضول وبسمة واسعة فضولية :
” إذن مما تهربان أنتما ؟؟”
___________________
فتحت تبارك باب المنزل وهي تشعر يجسد سالار يمنع ضوء المصابيح خلفه من الوصول لها، كان من الكرم الذي جعله يسمح بالمجئ وإحضار ما تريد، وها هي تقف في غرفتها وهم يجلسون جميعهم في بهو المنزل .
جلست على الفراش تفكر هل حقًا ستفعل هذا الجنون ؟؟ ستذهب مع رجال غرباء خطيرين إلى مكان غير موجود سوى في خيالهم الخصب فقط ؟؟ يالله هذا انتحار .
مسحت وجهها، تشعر بعجز وحدتها، ماذا لو كانت تمتلك عائلة الآن؟! اشخاص يحبونها ولن يسمحوا برحيلها، ابتلعت ريقها تحدق في الغرفة حولها ولم تملك سوى أن تجاربهم وتتظاهر أنها ستذهب معهم وحينما تحين لها الفرصة تهرب منهم، ستأخذ كل ما تحتاجه لبدء حياة جديدة بعيدًا عن المكان، فقد علموا بالفعل أين تسكن بفضل العم متولي .
نعم هذا العجوز الخرف، ليت الإنجليز تخلصوا منه فقط وأحرقوا مكتبته، سامح الله ذلك العجوز الخرف .
بدأت تجمع جميع أوراقها الشخصية، وجميع الأموال التي جمعتها خلال حياتها والتي لم تكن بالكثيرة حقًا، لكنها قد تكفيها للأكل والمبيت بأحد الاماكن المتواضعة ليومين أو ثلاثة ..
وضعت بعض الثياب الجديدة وتركت تلك المهترئة، حملت مصحفها الخاص وبعض الكتب العزيزة على قلبها، ثم تحركت خارج الغرفة تراهم يجلسون بتحفز، عدا سالار الذي كان يقف مكتفًا ذراعيه يحدق في المكان حوله يشرود وحينما انتبه لها تحرك ينتزع الحقيبة منها يشير لها أن تتحرك أمامه، هي من جنت على نفسها، يقسم أنه جاء هنا وتعهد أن يعود بها راضية، لكن إن كانت تريد أن تسير الأمور بالطريقة الصعبة، إذًا لها ما تريد …
تنفست تبارك بارتجاف ترى الحقيبة بين يده، قالت بصوت منخفض وهي تحاول انتزاعها من بين أصابعه :
” لا معلش أنا .. أنا هشيلها ”
رفض سالار بصرامة يقول بهدوء مشيرًا للباب :
” من بعدك مولاتي ”
رمشت تبارك تشعر بالعجز، تسير للخارج أمامه، تسمع صوت غلقه للباب، ومن ثم صوت خطواتهم يسيرون خلفها على الدرج، ولم تكد تخطو درجة إضافية حتى سمعت صوت خلفها يقول :
” رايحة فين يا تبارك ومين دول يا منيلة ؟؟”
استدارت تبارك بسرعة تلمح وجه جارتها التي كانت دائمًا تمثل لها شوكة في خاصرتها، لكنها الآن في أشد الحاجة لها، ابتلعت ريقها تركض صوب الاعلى تدفع سالار جانبًا صارخة بصوت مرتعب :
” بلغي البوليس يا خالة الله يكرمك، دول …دول عايزين يخطفوني، بلغي البوليس بسرعة ….”
_______________________
ربما تأتيك فرص الحياة على هيئة مصائب، كي تنبذها بكل ثقة وتنفرها، فتبتسم الحياة بخبث وتخبرك ببراءة مزيفة ( ها أنظر، منحتك فرصة ذهبية وأنت رفضتها بملء إرادتك، فلا تأتي وتتذمر من الحياة، أنت هو الملام الوحيد )..
لكن ماذا لو كنتَ من الغباء ما يجعلك تقبل بتلك الفرصة التي تتخفى في ثوب كارثة ؟؟
وفي النهاية تذكر ( هي حرب إما أن تنتصر أو تنتصر، لا خيار ثالث أمامك)


 
google-playkhamsatmostaqltradent