رواية مملكة سفيد الفصل الثاني و العشرون 22 - بقلم رحمة نبيل

الصفحة الرئيسية

   

 رواية مملكة سفيد الفصل الثاني و العشرون 22  -   بقلم رحمة نبيل




كان صوت انفاس زمرد المرتفع ينافس ارتفاع الصوت المقابل لانفاس كهرمان، والتي لم تجد أنسب من هذا المكان المظلم الخانق الضيق وهذا الوقت وهم هاربون من رامي السهام الذي يدور في الخارج بحثًا عن جسدٍ يصبح مرمى لسهامه، لتعرض عرضها .
” ماذا ؟؟ هل جننتي أنتِ ؟؟”
ابتعدت عنها كهرمان خطوات صغيرة تهمس لها بانفعال وغضب أعماها وانتقام يحفزها للعودة والأخذ بالثأر :
” لا ليس بعد، لكنني سأجن إن أضعت فرصتي في الانتقام منهم، لقد اتخذت قراري، سأذهب مع الجيش متخفية وانتقم منهم، سأحارب في صفوفهم ، سأذهب حتى إن انتهى بي الأمر قتيلة أو أسيرة”


ابتسمت لها زمرد تهز رأسها بنعم توافقها الحديث في هذه اللحظة لتتنفس كهرمان الصعداء أن وافقت هي، لكن فجأة رأت تحرك زمرد صوب بداية الممر تنظر يمينًا يسارًا، ثم عادت لها حينما تأكدت أن المكان خالي، تجذب ذراع كهرمان خلفها بأعين سوداء حتى وصلت لغرفتهم، اقتحمتها تدفع بجسد كهرمان للداخل في قوة جعلت برلنت الشاردة تنتفض عن الفراش وهي تقول بخوف :
” ماذا ؟؟ ما الذي حدث ؟؟”
لكن زمرد في تلك اللحظة لم تكن تشعر بشيء وهي تقترب من كهرمان المصدومة من أفعالها لا تفهم شيئًا مما يحدث .
” تريدين الذهاب حتى لو انتهى بكِ الأمر قتيلة أو أسيرة ها ؟؟”
نزعت زمرد لثامها تقول بشراسة وتوحش :
” عزيزتي القتل سيكون أهون شيء تلقينه على يد هؤلاء القذرين، بل ستكون أمنية غالية بعيدة المنال، انظري إليّ عشت سنوات عمري جميعها اتمنى الموت، أطمح له، ألقي بنفسي في جميع المخاطر عسى أن ينتزعوني منها جثة هامدة، لكن هل حدث ذلك ؟؟ لا، بل عشت اسوء من هذا”
امتلئ صوتها بالقهر وهي تصرخ :
” أوتعلمين عدد المرات التي حاولت أمي الهرب فيها وفشلت فشلًا ذريعًا انتهى في أحد المرات بإصابتها بضربة في قدمها أدت لاعاقتها ”
صمتت ثم دارت تصرخ في المكان بصوت تحكمت به؛ كي لا تثير ضوضاء في المكان تحت أعين كهرمان المصدومة من حديثها :


” دعكِ من هذا التسرع والغباء كهرمان، هذا التسرع سيقودك صوب حتفك، أي حرب تلك التي تدعونني لخوضها ؟؟ هربت منهم لأعود لهم بقدمي ؟؟ ”
صمتت تستمع لصوت كهرمان التي قالت بصوت كسير وحسرة كبيرة :
” لا استطيع الانتظار حتى احصل على القصاص لأخي، لقد ….لقد إتخذت عهدًا على نفسي أن انتقم له بنفسي من ذلك الحقير ”
أمسكت زمرد مرفقيها بقوة تضغط عليهما تهمس من بين انفاس خرجت كالجحيم :
” ماذا عني ؟؟ ماذا عني ها ؟؟ هل تعتقدين أنني سعيدة ؟! هل تظنين أنني سأعيش المتبقي من حياتي هاربة ؟؟ إن أردتي قتل بافل مرة، فأنا أود قتله في الثانية الواحدة ملايين المرات، أود أن اريه نفس الجحيم الذي أراني إياه، أريد أن أراه يتوسل مني رحمة لن ينالها، كهرمان إن كان لكِ انتقام واحد عند بافل، فأنا لي حياة كاملة ضاعت على يديّ ذلك الحقير ”
تركتها تتنفس بعنف وهي تهمس من بين دموعها التي هبطت غضبًا وكرهًا واشمئزازًا :
” ذلك الحقير لن يموت سوى بين قبضتي أنا، لن ….لن أسمح لكِ، أو لأيًا كان أن يسلبني ذلك الشيء ”
نظرت لها كهرمان بوجع تقول وهي تشعر بكل ما تمر به زمرد، زمرد التي كانت سببًا في نجاتها من يد بافل سابقًا :
” ما أدراكِ أنه لن يموت في الغد خلال الحرب؟؟”
ابتسمت زمرد بسخرية لاذعة تردد :
” يالله كهرمان، عزيزتي هل تظنين أن امثال بافل رجال حروب وقتال مباشر ؟؟”
استدارت تقول بأعين ملتمعة بالكره والخبث وهناك بسمة سوداء ترتسم على فمها :
” أمثال بافل وجماعته، ليسوا بهذه الشجاعة التي تدفعهم لخوض حرب مباشرة، هم يباغتونك، يغدرون بكِ، ينتظرون لحظة أمنك وسلامك ليهبطوا فوق رأسك بالضربات”


قالت بخبرة كبيرة وهي تنظر لهم غافلة عن أعين برلنت الواسعة والتي تحاول أن تفهم ما يحدث حولها :
” يعشقون الظهر فهو لا يمتلك أعين، يطعنون به فهو لن يرد لهم ضربته، وغدًا لن يذهب بافل للحرب وسترين، هذا أخي اعرفة كمعرفتي لراحة يدي ”
انطلقت شهقة من جهة برلنت وقد اتسعت عيونها بقوة وهي تشعر بجسدها يرتجف متراجعة للخلف تقول والصدمة ملئت وجهها بشكل واضح تحت نظرات زمرد الباردة :
” أنتِ …أنتِ منهم ؟؟”
ابتسمت لها زمرد بسمة باردة تقول :
” مفاجأة ”
ابتلعت برلنت ريقها تشعر أنها لا تستطيع التنفس، طوال هذه الفترة كانت تصادق أحد المنبوذين ؟؟ بل ..بل تصادق شقيقة زعيمهم ؟؟
” أنا… أنا… أنا ”
” تكلمي بيرلي فلن اقتلك لا تخافي ”
ابتلعت برلنت ريقها تمسح وجهها بيدها تحاول تخفيف ما يحدث فهي تعرف زمرد والتي رغم طباعها المستفزة أو القاسية، فهي طيبة القلب وحنونة وتساعد الجميع دون تردد :
” لا، لا لم اقصد ذلك الطبع زمرد، لكن أنتِ…أنتِ لستِ مثلهم، أنتِ شخص صالح أليس كذلك؟؟”
هزت زمرد كتفها بهدوء تقول :
” ربما، هذا يعتمد على الموقف، احيانًا أكون لطيفة، وأحيان أخرى اكون أقذر المبوذين ”
وهذا الحديث لم يساعد في تخفيف صدمة وخوف برلنت التي نظرت بتعجب لكهرمان والتي يبدو أنها تعرف كل ذلك :


” أنتِ …أنتِ أميرة مشكى صحيح ؟؟ وهي شقيقة زعيمهم الذي قتل شقيقك و…”
صمتت هي لا تستطيع تجميع حديثها، لا تدرك ما يحدث حولها :
” لا اقصد إساءة اقسم، لكن عقلي لا يستطيع تجميع شيء، فقط لا افهم ما يحدث ”
نظرت كهرمان لزمرد التي ابتسمت لها، لتتحرك كهرمان صوب برلنت تجذبها لفراشها تجلسها عليه وجلست زمرد على الفراش المقابل لهم تسمع حديث كهرمان الرقيق :
” إذن تعدينني أن ايًا كان ما سأخبرك به لن يخرج لأحد ؟؟”
نظرت لها برلنت بجدية :
” أقسم أن كلمة لن تخرج من فمي، إن لم تردي الحديث فلا بأس، أنا فقط …فقط لا افهم ما يحدث، لكن اقسم أنني لن أتحدث بكلمة واحدة ”
صمتت تبتلع علقمًا ما يزال أثره في فمها، مرارة لا تظن أنها ستنمحي يومًا، وارتجافة بسيطة مرت بجسدها تهمس بصوت ميت مجروح :
” سبق وخنت عهدي وأخرجت حديث لا يعنيني، وعانيت من توابع كل ذلك لأربعة عشر عامًا، شيء لا أود تجربته ولو كان الثمن حياتي ”
ابتسمت لها كهرمان بحنان تربت على قدمها، معرفتهم لبرلنت ليست قصيرة فهي معهم منذ أشهر ولم تخن يومًا عهدًا بينهم، واحتفظت بأمر حقيقتها طي الكتمان وهي تدرك أنها لن تخون يومًا، فأمثال برلنت لن يكرر خطأ تجرع مرارة ارتكابه كاساتٍ .
نظرت لزمرد تتذكر لقائهم الاول :
” زمرد هي من انقذتني يوم غارة المنبوذين على بلادي ”
كانت تركض برعب وهي تحمل سيفًا تسمع صوتًا عاليًا في المكان وصرخات جعلتها ترتجف وهي تبكي بصوت مرتفع، لكن لم يسمع أحدهم صوت شهقاتها، فهو كان صوتًا من بين مئات الاصوات الصارخة والباكية والمستغيثة والمكبرة .
صرخت بصوت مرتفع وهي تبحث عن أحد الجنود :
” أخي، اخي يقاتل وحده في مسجد القصر، ساعدوه، ليساعده أحدكم، ساعدوا أخي أتوسل إليكم”
بكت وهي تبحث عن أحدهم ليساعده لتبصر الجميع حولها كلٌ يبكي على ليلاه، لا أحد يستمع لها، وهي ترتجف لتقرر للمرة الاولى أن تخالف قرار أخيها بالاختباء في مخبأ النساء واتباع قائد الجيوش، وعادت بسرعة كبيرة صوب المسجد وهي تمسح دموعها، ستذهب له، ستقاتل معه ..
وقبل أن تصل للمسجد سمعت صوت صرخات جهورية جعلتها تتجمد في مكانها صوت أرسلان الغاضب والمرعب يرنّ صداه في المكان بأكمله :


” أنحني لك ؟؟ بالله لو قطعت جسدي أربًا لعشرات، بل الآلاف القطع، ما انحنت لك قطعة واحدة منه يا سليل القذرين، لا أنحني سوى لله وحده، الانحناء والخضوع والذل لا يليق إلا بكم، خُلقتم للذل وخُلق الذل منكم، لعنة الله عليكم أجمعين ”
ومن بعد تلك الكلمات لم تسمع سوى صرخة غاضبة صدرت من شخص آخر خمنت أنه هو نفسه من يتحدث له شقيقها، وتلاشى صوت شقيقها شيئًا فشيء .
شهقت بصوت مرتفع حين شعرت بيد تقبض على ذراعها، استدارت برعب ترى أحد رجال المنبوذين بوشم معروف أعلى رقبته يرمقها ببسمة مخيفة :
” مرحبًا بالاميرة، يا لي من محظوظ ”
ارتجف جسد كهرمان بقوة وهي تنظر له بوجه شاحب ووجه جامد، لا تراه أمامها، فقط ترى أخاها تسمع صوته هو الذي ما يزال يتردد في أذنه، هبطت دموعها دون شعور وهي تسير معه دون وعي وقد علقت روحها جوار باب المسجد حيث جسد أرسلان.
فجأة وحين سمعت أصوات تهليل رجولية ارتجف جسدها واعطى عقلها إشارات لجميع حواسها لتدرك أي المصائر وقعت به، سبية…أضحت أسيرة وسبية للمنبوذين، ستصبح واحدة من بين مئات النساء المغصبات على يد هؤلاء الخنازير .
عند هذه اللحظة انتفضت تتراجع تستل سيفها بقوة ودون تفكير كانت تقطع ذراع الرجل التي سحبتها هذا الطريق تصرخ بجنون :
” يدك عني ..”
اندلعت صرخات الرجل يبتعد عنها يلقي جسده ارضًا يتمرغ بالارضية وهو يبكي وجعه ويصرخ وحوله اصدقاؤه ينظرون لها بصدمة قبل أن يصرخ أحدهم :
” أحضروا هذه الحقيرة هنا، اقسم أنني سأريها الويل ”
وقفت كهرمان بملامح شرسة تتخذ وضع الهجوم وهي ترفع سيفها الممتلئ بدماء ذلك القذر ارضًا، تنظر لهم بأعين سوداوية تشبه خاصة اخيها، نفس اللون ونفس النظرات .
وقبل أن يقترب أحدهم منها، كانت هي تقف أمامها بقوة وهي ترفع يديها في وجوههم تقول بمزاح لا يناسب الموقف :


” مهلًا مهلًا يا رجال مالكم تكأكأتم عليها كالكلاب على عظمة ؟؟ أدري هي جميلة رقيقة، لكن لنكن صرحين مع أنفسنا للحظات، ألا ترون أن ايديكم القذرة ستلوث هذه الزهرة الرقيقة في الخلف ؟؟”
صرخ أحد الرجال :
” ابتعدي عنها زمرد كي لا يطولك غضب القائد، هذه الرقيقة لنا نحن ”
اشتعلت أعين كهرمان تتراجع عن تلك الفتاة الغريبة بتحفز وملامح الشراسة تعلو وجهها صارخة :
” هذه الرقيقة ستريكِ الجحيم أنتِ وهؤلاء القذرين ”
نظرت لها زمرد من خلف لثامها بسخرية :
” لا تتحدثي بكلمات لا تعنيها يا رقيقة ”
صمتت ثم استدارت صوب قومها تقول :
” عشيرتي الاقذر، ويا قمامة الممالك الأربعة، هذه الفتاة في الخلف لا تعنيني بشيء، إن أردتم اخذها فهي لكم، لكن ألا تعتقدون أن صيدًا ثمينًا كهذه الجميلة سيغضب أخي حين تئول لقذرٍ منكم ؟؟”
صمت الجميع يرمقونها بغضب، وهي ابتسمت تمسك يد كهرمان التي عاندتها تحاول نزع يدها منها غاضبة :
” دعيني ايتها الحقيرة، لعنة الله عليكِ وعلى قومك وأخيكِ، ليلعنكم الله من كبيركم لصغيركم ”
نظرت لها زمرد بشر تهمس :
” سيري معي ولا تزيدي حرفًا يا غبية ”
” على جثتي ”
” سيكون بالفعل على جثتك، فأنتِ الآن تلمعين في أعينهم كقطعة لحم دسمة لجماعة ضباع قذرة بعد سنواتٍ عجاف، دعيني اخرجك من هنا ”
نظرت لها كهرمان بسخرية لا تثق بها مقدار ذرة، هي منهم في النهاية، لذلك انتزعت يدها منها وقبل أن تتحدث بكلمة سمعت زمرد صوتًا لشقيقها الاحمق الأصغر يقول :
” إلى أين زمرد ؟؟”
” للجحيم يا صغيري، كنت أود دعوتك، لكنه للكبار فقط، حين تنضج سأخذك معي ”
وقبل أن تتحرك خطوة واحدة مع كهرمان وجدت سيف الصغير يوضع على رقبتها، حركت عيونها صوبه تقول بسخرية :
” حقًا ؟؟ هل تود أن يبكيك بافل المتبقي من عمره يا مدلل ؟؟ ”
” اتركي الفتاة هنا، أنا سآخذها ”
شهقت زمرد ساخرة:
” تأخذ من يا بني، هذه في عمر والدتك يا عزيزي، هيا اترك هذا السيف السيئ وليعطيه أحدكم حلوى يتناولها ”
ختمت حديثها تدفع سيفه وهي تجذب خلفها كهرمان التي اضطرت لمسايرتها حتى تخرج من هنا، لكن فجأة سمعوا صرخة الصغير صاحب الأعوام التسعة عشر يصرخ في الرجال :
” امنعوا هذه الفتاة والأميرة من الرحيل ”
ابتسمت زمرد بسمة واسعة وهي تستدير تقول :
” أنتم لن تجعلوا الأمر سهل صحيح ؟؟”
وفي ثواني انفتحت ابواب الجحيم على زمرد وكهرمان التي وجدت نفسها تلقائيًا ودون شعور منها تحارب في ظهر زمرد التي كانت تقاتل قومها وتقطع رؤوسهم لأجلها .
وزمرد كانت تفعل هذا كي لا تصبح كهرمان نسخة ثانية من والدتها التي أخذوها من حياتها لجحيمهم، ولأنها كانت تتمنى يومًا أن تقتل رجال عشيرتها أجمعين …
كانت برلنت تستمع لقصة كهرمان متسعة الأعين مصدومة مما يحدث :
” يالله هذا …هذا لا يبدو سهلًا ”
ابتسمت كهرمان تقول بمزاح :
” يا فتاة لا شيء صعب على شخص بمثل حقارة زمرد ”
أطلقت زمرد ضحكات صاخبة دون شعور تقول بمزاح مقابل لا يليق بهذه الأجواء التي جلبت لهم ذكريات غير محمودة :
” نعم أنا بالفعل حقيرة ”
نظرت لها برلنت ثم نهضت تضمها بحب شديد :
” لا تقولي على نفسك هكذا زمرد، أنتِ أكثر شخص رائع في هذه الحياة جميلتي ”
ابتسمت زمرد دون شعور تبادلها العناق وهي تردد :
” وأنتم كل من تبقى لي في هذه الحياة برلنت ”
نهضت كهرمان تتحرك لهما تشاركهما العناق وهي تقول بصوت حنون :
” كذلك أنتم لي، آخر من تبقى لي، لا حرمني الله منكن يا فتيات……. ”
________________________
” عقيدتهم زجاجٌ، وعقيدتكم جبال، فأنى للزجاج بفرار منكم، وأنى لهم بخدشكم ؟؟ الحق معكم وبأيديكم، والباطل حلق فوق رؤوسهم، فأسقطوا الروؤس والباطل، ولا تأخذكم بهم رحمةٌ ”
ختم حديثه يتقدم الجيوش في الصباح ينظر لهم بعيون جامدة بعض الشيء، عيونه لا تبصر نهاية الجيوش .
ابتسم بسمة جانبية وقد شعر بأنه سيعود بجيوشه إلا القليل فقط، وكم تمنى أن هذا القليل لا يكون، شعوره أن الحرب لم تحن بعد قوي، وهو كان ومازال يثق بأحاسيسه فيما يخص الحروب، ليس لثقته في النصر، بل لثقته في جبن الخصم، لا ينسى يوم اجتمعت الممالك قديمًا لقتال والد بافل، وتخلف الاخير عن الحرب .
سمع سالار صوتًا خلفه يقول :
” لقد تأكدت من جاهزية وحدات الرماية يا قائد ”
” جيد، أين تميم ؟؟”
” لا أدري ربما ذهب يتفقد وحدته سيدي ”
هز سالار رأسه وهو يتراجع للخلف يتحرك صوب حجرته ليتجهز بعدما اطمئن على جيشه، وبالفعل غاب بها دقائق، ثم خرج منها يرتدي دروعه وسيوفه، يمسك خوذته، يتحرك بسرعة صوب الخارج .
لكن فجأة توقف حين ابصرها تتحرك داخل القصر بهدوء شديد وهي تلقي بسمات على الجميع، وحين رأته ابتسمت له بسمة صغيرة تقول بسعادة كبيرة :
” ذاهب للحرب ؟؟”
تعجب سالار بسمتها الواسعة تلك ليقول بعدم فهم :
” اعتقد هذا، هل يسعدك أن أذهب للحرب ؟؟”
هزت رأسها بسعادة كبيرة وفي قلبها يقبع أمل، أمل أن يعودوا منتصرين محررين إياهم، تترقب النصر، ورغم أن النصر ليس أكيد، لكنها تثق بهم، أو تثق به هو، مرات قليلة هي تلك التي رأته بها يتعامل مع جيشه، لكنها فطنت جيدًا أي نوع من القادة هو، يكفي فخر الملك الدائم بأمتلاكه لقائد كسالار .
” أنا في غاية السعادة يا قائد ”
ابتسم سالار بعدم تصديق :
” هل تترقبين خبر استشهادي أم ماذا ؟؟ إن مت سأوصي بكِ لأكثر رجال جيشي تجبرًا لينتقم لروحي منك على كل العذاب الذي عانته بسببك في حياتي ”
ولم تدرك تبارك من حديثه سوى الجملة الأولى لتسارع بالقول :
” بل أترقب خبر انتصارك يا قائد، أثق بك .”
نظر لها سالار ثواني يرى أنها لم تنس وضع لثامها حين الخروج من المشفى، ليحني لها رأسه ببطء شديد واضعًا يده على صدره يقول بكامل الصدق والاحترام داخله :
” إن شاء الله نعود منتصرين مولاتي، فلا تغفلي عن الدعاء لنا ”
” ادعي لكم في كل لحظة وثانية ”
صمتت ثم نظرت له قليلة قبل أن تقول :
” تصحبكم السلامة يا قائد، سأنتظر عودتك لأجل دروسي، ستعود لتجدني منافسة شرسة لك ”
ابتسم لها بسمة من تلك البسمات القلائل التي تخرج دون أن يتبعها سخرية أو رعب :
” إن عدت سالمًا بمشيئة الله، لكِ مني كلمة بالصبر على أفعالك الجنونية ..”
صمت ثم شعر بخطورة وعده لها فسارع يقول بلهفة ماحيًا بسمتها التي ارتسمت بعد كلماته :
” ليوم كامل، سأتحمل ايًا كان ما تفعلينه ليوم كامل فقط ”
التوى ثغر تبارك تقول بغيظ شديد :
” أنت لو كملت جملة واحدة عدلة هيحصلك حاجة ؟! مش فاهمة فيها ايه لو مكنتش قولت آخر جملة دي وخدعتني يعني ؟؟”
” لا يمكنني قطع وعد دون أن أستطيع أن أفي به ”
ابتسمت له بحنق شديد وسخرية :
” يبدو أن التعامل معي اصعب مما ظننت ”
” نعم هذا صحيح، جيد أنكِ أصبحتي تدركين الأمر ”
رمته بنظرات مغتاظة غاضبة منه، ثم قررت أن تغير إتجاه سيرها وتتحرك صوب الخارج لترى الجيش قبل رحيله تقول بصوت مرتفع :
” الله خير حافظ يا قائد، أذهب قبل أن يملئ الغضب صدري تجاهك وتتبدل دعوتي لك ”
ابتسم سالار بسخرية لاذعة يتساءل :
” إلى أين مولاتي ؟!”
” هتفرج على الجيش وهو ماشي ”
وقبل أن يجيب كلماتها تلك رآها بالفعل تضعها حيز التنفيذ وهي تخرج من القصر ليبتسم دون تصديق :
” حقًا ؟؟ ”
تحرك بسرعة خلفها، لا ليلحق بها، بل ليقود جيشه ويلقي عليهم كلماته قبل التحرك وقبل مجئ الملك ليقول هو الآخر كلمته لهم .
ولم ينتبه الاثنان لتلك الأعين التي رأت والاذان التي سمعت ما حدث بينهما دون شعور منهما، فهي كانت على وشك الخروج لتوديع الجيش باعتبارها الملكة الأم في المملكة قبل أن تسمع وترى ذلك، ورغم أن الحوار بينهما لم يكن بالودود أو اللين، إلا أنها ابتسمت تقول بصوت ساخر :
” منذ متى يطيل قائد الجيوش حديثه مع امرأة عن كلمتين ؟؟؟”
وعند قائد الجيوش والمرأة، خرجت هي بسرعة كبيرة تهرول صوب المنطقة التي يتجمع بها الجيش، ليوقفها صوت صارخ خلفها جعل جسدها يتيبس :
” جلالة الملكة ..”
توقفت تبارك تنظر خلفها ببطء وريبة هامسة تتعجب عودة شخصيته اللئيمة التي تكرّهها في حياتها كلها :
” نعم ؟؟”
” إلى أين ؟؟”
” قولتلك هتفرج على الجيش ”
تنفس بصوت مرتفع يحاول أن يصبر ثم قال بهدوء شديد وكأنه جمع ما تبقى من خلايا عقله المتيقظة يقنعهم بالهدوء وتمرير ما يحدث باكثر الطرق سلمية :
” لا يمكنك الاقتراب بهذا الشكل الكبير من الجيش وكل هؤلاء الرجال، هذا ممنوع، يمكنك أن تقفي في الشرفة التي تطل على منطقة التجمع حيث ستكون الملكة الأم وغيرها، هذه هي القوانين رجاءً التزمي بها ”
نظرت له ثواني تقول بغيظ شديد من تسببه بالضيق لها :
” أنت شخص لئيم على فكرة ”
قال بنبرة عادية وهو ينظر أمامه كرجل آلي لا يرميها حتى بنظرة واحدة :
” أدري هذا جلالتك فأنتِ أخبرتني هذا مئات المرات ”
” وبرضو مش بتغير من نفسك ”
” ولمَ عليّ فعل هذا ولأجل من ؟؟”
” لأجل صحتك يا اخي، أنت بتتعب قلبك على الفاضي والله، فيها إيه لو عشت زي البني ادمين تبتسم وتضحك وتهزر، هيحصلك ايه ؟؟ الملك اهو عندك ماشاء الله عليه رجل بشوش وشه سمح وكويس ومحترم ”
نظر لها سالار يقول بأعين جامدة ونظرات لا معنى لها وصوت خرج منه ساخر حانق :
” هذا الملك وهذه شخصيته، وهذا أنا وهذه شخصيتي، ليس واجبًا عليّ أن أكون نسخة منه، إن كان التعامل مع الملك يريحك، فهذا أمر جيد فهو سيكون زوجك بالنهاية، أما عني فلا أعتقد أن شخصيتي تسوئك في شيء فما هي إلا ساعات قليلة في التدريب ومصائب معدودة هي التي نلتقي بها، والآن للشرفة رجاءً …مولاتي ”
نظرت له تبارك بغيظ شديد وقد شعرت فجأة بالصدمة وصوته يرن داخل رأسها بشكل جعلها تهز رأسها بقوة وهي تخفض رأسها ارضًا تقول بهدوء :
” هذا من حسن حظي، والآن اعذرني ”
ختمت حديثها ترفع طرف فستانها، ليرفع هو درعه بسرعة، يتحرك من أمامها بشكل جعلها تنظر له بعدم فهم، بينما سالار والذي كان له تجارب سيئة مع فستانها، لم يكن مستعدًا ليستقبل قماشه الحريري في عيونه الآن، خاصة قبيل المعركة .
لم تهتم به تبارك تنفض طرف فستانها، تتحرك بعيدًا عنه شامخة برأسها مبتسمة الفاه وهو راقبها بغيظ يتمتم وهو يتحرك صوب جيشه :
” كارثة نبتت لها ساقان …”
____________________
تقف في إحدى الشرفات بعيدًا عن الجميع كي تحسن النظر دون قيود، تحدق به في حرية كبيرة تخشى أن تُسلب منها إن كانت تحت مراقبة أعين العاملات .
بحثت عنه بين الجميع، لكن ما رأت له من أثر، تنهدت بصوت مرتفع تخشى أن يرحل قبيل توديعها، مشاعر تحياها كل حرب، رعب أن يصيبه شيء، تتذكر حينما كانت تعلم أن الجيش خرج في غارة وهو معهم، يالله تسهر ليلتها تدعو له وتبكي بخوف شديد ولا تغمض عيونها إلا حينما تسمع صوت الترحيب بعودة الجنود وتطمئن أنه بخير .
خرجت من بوابة القصر وقد قررت أن تذهب حيث الجيش علها تبصره ولو صدفة، لكن بمجرد أن فعلت ذلك حتى ابصرته يقترب منها بخطوات رشيقة مرتديًا ثوبه الخاص بالحروب يحمل خوذته في قبضته مبتسمًا لها بلطف .
وحين وصل لها همس بكل لطف :
” السلام عليكم بيرلي، كيف حالك ؟؟”
” وعليكم السلام، أنا بخير الحمدلله دامك بخير
تميم ”
ابتسم لها بحب يجذب يدها برفق صوب أحد الأماكن البعيدة عن الأعين يقول بلطف شديد :
” اسمعيني بيرلي أنا الآن سأذهب في حربٍ لا أدري إن كتب الله لي منها عودة أم لا ..”
ارتجفت يد برلنت بين أصابعه ليضغط عليها مبتسمًا بلطف وكأنه يمنحها بعض الدعم على مصاب قد يصيبه هو، نظر في عيونها مبتسمًا، لم تنمحي بسمته منذ بدأ يتحدث وكأنه يتقبل كل ذلك يصدر رحب، يتقبله ولا يبتأس :
” لكن إن لم أعد فقد تركت وصيتي لدانيار و القائد والملك والجميع ”
ألقى الخوذة جانبًا ليحرر يديه منها ومد كفيه يحيط وجهها بحب شديد يهمس لها وقلبه ما يزال يستنكر حقيقة أنها الآن بين يديه، يشعر أنه لشدة جنونه أضحى يتخيلها، لكن لا بأس حتى وإن كانت خيالًا سيستمتع به .
همس لها وهو يقترب برأسه من خاصتها :
” أنتِ هي وصيتي الوحيد بيرلي، اوصيت الجميع بكِ، أخبرتهم أن يعتنوا بكِ، أن يدللوكِ كأميرة، اوصيتهم أن يكرموني فيكِ بيرلي، لذا حبيبتي لا تقلقي ”
سقطت دموع بيرلي على يديه وهي تستمع لحديثه، وقلبها ينتفض رافضًا كلماته كلها تقول بصوت خرج بصعوبة منها :
” إن لم يكن الدلال منك، فلا أريده تميم، أن أعيش حياة قاسية معك لهو أهون على قلبي من عيش حياة أميرة دونك، لذا لا تظن أن وصيتك تلك ستعوضني لحظة غياب لك تميم، أقسم إن لم تعد فما لي من عيشٍ سواك”
بكت بصوت مرتفع تقول بقهر :
” للتو فقط عدت لي، ما لي بحياة لست فيها تميم، أثق أن الله لن يختبرني بك، لا تتركني مجددًا أرجوك، ليس مجددًا تميم ”
ضمها تميم لصدره بحب وهو يربت عليها وهي تبكي برعب كبير، بكت كل مرة ذهب لحرب وجلست هي تبكي بصمت في غرفتها تدعو الله عودة سالمة له، بكت كل لحظة بُعد عانتها، وهو فقط ضمها يربت على ظهرها بهدوء، لا يتحدث، فقط يترك لها حرية البكاء كما تريد، وحين استشعر منها سكينة همس مقبلًا رأسها :
” سأعود لأجلك صغيرتي، سأعود لاصنع لكِ زفافًا يتحاكى به شعب سفيد والممالك أجمعين، سأصنع لكِ زفافك الاسطوري الذي طالما حلمتي به ”
نظرت له من بين دموعها وهي تتذكر كلماتها له حين كانت تحلم بحياة بسيطة تجمعهما .
” أحلم بزفافٍ اسطوري، أنت تتقدم مني على حصانك وأنا انتظرك أعلى الدرج، تأتي وتحملني برفق على حصانك وتهرب بي من الجميع ”
أطلق تميم ضحكات صاخبة وهو يجلس جوارها في حديقتهم المفضلة :
” وأين الزفاف في هذا بيرلي ؟؟ لقد انهيتي الزفاف الاسطوري قبل بدايته ”
نظرت له برلنت تقول بجدية :
” الزفاف سيكون معك حينما تأخذني فوق حصانك تطوف بي المروج وتحضر لي زهورًا ”
أفاقت برلنت تنظر له تقول بصوت خافت وقلب وجل :
” وعد ؟؟”
ابتسم لها بلطف يجفف دموعها بحب شديد :
” اعذريني صغيرتي، لا قِبل لي بقطع وعود لا أملك منها شيئًا، فهذه أعمار والأعمار بيد الله بيرلي، فقط ادعي لي جميلتي ”
ختم حديثه يقترب منها يضع قبلة أعلى جبينها، ثم استند برأسه موضع قبلته يردد بلطف :
” بإذن الله ننتصر ونعود، زوجك ليس بالهين كذلك حبيبتي”
” أثق أن الله لن يختبرني بك تميم، ليحفظك الله أنت ومن معك من كل سوء ”
ابتسم لها يعيد غطاء الوجه على رأسها يهمس بلطف شديد :
” أخبرت المشرفة أنكِ زوجتي ومنعتها من توكيل الأعمال لكِ؛ لذا وحتى اعود أنتِ حرة بيرلي، اذهبي حيث تريدين لكن داخل حدود القصر، يمكنك الذهاب وإزعاج العريف بحكايات فارسك ”
ابتسمت له تتذكر ذلك اليوم الذي تشاجرا في المكتبة وكأنه كان بالأمس :
” لا بأس سأنتظر عودة الفارس ليشاركني كتابة فصول حكايتي ”
ضرب رأسه بخاصتها في مزاح لطيف :
” الأن فارس وبالأمس أحدهم ومجهول ”
” لم تكن يومًا أحدهم تميم، كنت دائمًا ( أحدي أنا ) عزيزي”
ابتسم يشعر أنه إن توقف ثانية إضافية في هذا المكان سيتخلف عن الحرب، لذا تنهد يميل ليرتدي خوذته يغلقها ثم مال يقول بلطف :
” استودعك الله بيرلي ”
” الله خير حافظ تميم ”
تحرك تميم بعدما ودعها ببسمة لطيفة يضع يده على قلبه ثم مال نصف ميلة يؤدي لها تحية احترام و…حب .
” السلام عليكم غاليتي ”
وبهذه الكلمات استدار بسرعة يرحل بعيدًا عنها وهي راقبته بأعين ملتمعة تردد سلامه والذي خرج من اعماق قلبها :
” وعليكم السلام تميم …”
____________________
دخل حيث والدته والملكة ليودع والدته بقبلة على يدها وأخرى على رأسها وكلمات لطيفة :
” دعواتك امي..”
” ليحفظك الله بني وينصركم عليهم جميعًا، عد سالمًا لنا”
منحها بسمة صغيرة، ثم نظر بعيونه صوب تبارك التي صعدت هنا بعد شجار قصير مع سالار، اقترب منها بخطوات صغيرة يحدق في وجهها بلطف :
” أتمنى أنكِ بخير الآن ؟؟”
” أنا بخير، شكرًا لك مولاي ”
” إذن ملكة تبارك أريد أن أطلب منكِ طلب صغير ”
نظرت له بفضول لينظر هو بطرف عيونه صوب والدته التي كانت تراقبهم باهتمام شديد، وعاد بنظراته لتبارك يقول بصوت هادئ وقور :
” أنتِ جئتِ هنا لتكوني ملكة سفيد، وحتى إن لم يحدث هذا حتى الآن، فهو فقط مسألة وقت، احترامك هنا من احترامي، لا أود أن تشعري للحظة واحدة بأنك أقل من أي أحد هنا، أنتِ الملكة، فلا يسوئك ما يظنه الآخرين مولاتي”
صمت ثم اخفض صوته يقول :
” أتمنى ألا تنزعجي من والدتي بشيء، أدرك ستستمر في ازعاجك، مهارتك هنا تكمن في معرفة التصرف الصحيح في كل موقف، حكّمي عقلك ”
ابتعد عنها يمنحها بسمة لتبتسم هي له بسمة صغيرة تهز رأسها هزة صغيرة تهتف بكلمات مقتضبة تحت أعين والدته المتربصة :
” في رعاية الله يا مولاي ”
وضع يده أعلى صدره ينحني لها بلطف واحترام كبير :
” أراكِ قريبًا جلالتك ..”
خرج من المكان يتحرك صوب الجيش والذي سيكون في هذه الحرب بقيادته هو ومن ثم قيادة سالار .
لكن وقبل أن يخطو خارج القصر صوب ساحة تجمع الجنود توقف حين أبصرها، كانت تقف هناك في أحد الأركان وكأنها تنتظر أحدهم، تنتظره ربما ؟!
بعد ايام طوال على اختفائها، وتعهدها لنفسها ألا تعود لمثل تلك الأفعال وأن تدفن تلك الشخصية في أعمق نقطة، لم تستطع سوى أن تودعه، لتحضر تنتظره في هذا المكان حين رأته يتجه لشرفة النساء حيث والدته و…زوجته المستقبلية .
ارتدت ثياب الجندي وجاءت له وهذه المرة ليست للقتال، بل لتشجيعه .
أبصر إيفان اقتراب جسدها منه ليرفع حاجبه :
” مر وقت طويل ..”
” انتظر عودتك منتصرًا، لأجل شعب مشكى قبل كل شيء مولاي ”
ابتسم إيفان بسمة جانبية يردد بهدوء :
” أنا لا أفعل ما افعل سوى لأجل شعب مشكى الذين لم يتبقى لهم إلا الله ”
” شكرًا لك ”
” على ؟؟”
نظرت في عيونه تقول :
” على كل شيء، كنت خير معلم لي تلك الايام، أكملت دروسي بعدما توقف أخي ”
نظر لها نظرات غامضة يقول بصوت أبح وكأنه جاء من بئر سحيق :
” رحمة الله عليه ”
انتفضت فجأة لتلك الكلمات ونبرته التي خرجت بها، ابتلعت ريقها، ثم نظرت ارضًا ثواني قبل أن ترفع عيونها له تقول بصوت منخفض :
” إن سألتك المجئ معكم، هل ستقبل ؟؟”
نظر لها إيفان بتفاجئ قبل أن يعتدل في وقفته يقول بجدية :
” هل سبق ورأيتي امرأة تحارب بين الرجال في أي معركة ؟؟”
نظرت له كهرمان تدرك مقصده، لكنها كانت محاولة واهية لها، فهي منذ استيقظت ارتدت ثياب الجندي واحضرت سيفها كمحاولة أخيرة لها، سمعت صوت إيفان يقول بجدية ونبرة جعلت جسدها يرتجف ..رعبًا :
” أقسم إن لمحت طيفك بالقرب من قافلة الجيش، أو رأيت ظلك في أرض المعركة لأكون أنا أول خصم لكِ في ساحة القتال وانتزع رأسك عن جسدك، هذه حرب ليست كذلك اليوم في الهجوم على القصر، سمعتي ؟؟”
صُدمت كهرمان تتراجع للخلف بصدمة من كلماته تقول بأعين مغتاظة :
” أنت كيف تتحدث معي بهذا الشكل ؟؟ ”
” أتحدث بالشكل الذي أراه صحيحًا، لا أريد رؤية تلك الأفعال المتهورة والمتسرعة مجددًا، حسنًا ؟؟”
نظرت له بعناد ليقول من أسفل أسنانه :
” حسنًا ؟؟”
” حسنًا ”
تنفس بصوت مرتفع يتأكد من ثيابه :
” جيد، يبدو أن شقيقك أحسن تربيتك في النهاية، والآن اعذريني عليّ الرحيل ”
تحرك بعيدًا عنها تحت نظرات تسائل منها عن مقصد جملته الاخيرة، لكنه لم يريحها، بل كل ما فعل هو أنه توقف فجأة في سيره يستدير لها نصف استدار لها يخلع لها خوذته التي كان قدر ارتداها ينحني بها نصف انحناءة صغيرة، ثم اعتدل مانحًا لها بسمة صغيرة يقول بصوت منخفض :
” لا تنسيني من دعواتك، رغم معرفتي أنكِ تبغضيني ”
خرج من القصر بعد كلماته تلك ولم ينتظر ردًا منها، وهي فقط نزلت اللثام تقول بصوت منخفض واعين ذابلة وخوف كبير ملئ صدرها أن يعيد التاريخ نفسه :
” لكنني لا أفعل مولاي …”
______________________
يقف مع جيش الرماة بعدما انتهى من تفقده، ينتظر حضور الملك للرحيل، رغم عدم رغبته الحالية بالرحيل إلا بعدما يراها، تنفس بصوت مرتفع يبتغي وداعًا يخبرها فيه بما ضمره ايامًا طوال، قرار سهر ليلته يفكر به حتى استقر عليه .
لكن أنّى له من لقاء وقد سلبته آخر رابط قد يجمعهما صدفة، مسح دانيار وجهه حين سماعه صوت مهيار يقترب منه قائلًا بهدوء شديد :
” أنت بخير دانيار ؟؟ هل تشعر بالتوعك أخي ؟!”
ابتسم له دانيار بلطف يربت عليه :
” بخير مهيار، فقط أشعر بالـ.. حقًا لا أدري بما أشعر ”
نظر له مهيار بدقة وكأنه يبحث في ملامحه عن أي بادرة تعب، ليبتسم له دانيار يدرك قلقه الشديد فهو منذ جاء ذلك اليوم للساحة ورأى عنفه وضيقه وهو يتبعه في كل مكان يسأله إن كان بخير .
” إذن إن شعرت بشيء أخبرني ”
نظر له دانيار ثم ضمه له بلطف وحب شديد :
” مهيار الحبيب ادامك الله لي يا أخي، أنا بخير لا تقلق ”
ربت عليه مهيار يشعر بمقدار القلق والحيرة التي تسكن عيونه، في تلك اللحظة اقترب منهم تميم يقول بهدوء :
” ماذا يحدث هنا ؟؟ دانيار يعانق مهيار ؟؟ أهي نهاية العالم أم تأثير الحرب ؟!”
أبتعد مهيار عن دانيار الذي ضمه له بلطف يقول :
” نعم هذا تأثير الحرب، تود التجربة ؟؟”
ابتعد تميم للخلف ممازحًا :
” لا أرجوك اعفني من كل هذا ”
ضحك عليه دانيار بصوت مرتفع ولم يكد يكمل ضحكته حتى لمح طيفها يتحرك في المكان على بُعد صغير منه، اتسعت عيونه وتحفزت جميع أعصابه، ونظر صوب سالار الذي كان يتحدث مع أحد كبار الجيش في انتظار الملك .
ابتلع ريقه يقول بسرعة وهو يتحرك بعيدًا عنهم :
” مهيار سأعود بسرعة، غطوا غيابي إن تأخرت ”
وقبل أن يتحدث أحدهم بكلمة واحدة كان يركض بعيدًا عنهم صوبها، يتجاهل أي اصوات حوله وهو يتابعها بنظره تتحرك بعيدًا عن الأعين بعض الشيء بعدما منحته نظرة صغيرة .
ركض حتى وصل لها ليمنعها التحرك خطوة إضافية يقول بصوت مرتفع وللمرة الأولى :
” زمـــرد ”
توقفت قدم زمرد عن التحرك بعدما شعرت بتجمدها لثواني معدودة، استدارت ببطء تواجهه لتراه يقترب منها بلهفة شديدة :
” مرحبًا ..”
تعجبت ؟! بل صُدمت نبرته ونظراته لها، تراجعت بريبة تشعر أنه يضمر لها شيء لا تدركه، شيء تعلم أنه ليس سيئًا وهذا اسوء من أن يضمر لها السوء .
” مر…حبًا ”
ابتسم لها بسمة صغيرة يقترب خطوة إضافية :
” مبارك عليكِ عودة سيفك البارحة ”
ابتسمت له بسمة جانبية :
” وهذا ليس بفضلك كما تعلم ”
” لا لم يكن كذلك، لكن لا بأس طالما أن النتيجة واحدة، فأنا كنت بالفعل انتوي إعادته لكِ البارحة ”
رفعت حاجبها لا تصدق ما يقول ليبتسم هو بسمة أوسع :
” صدقي أو لا تصدقي، أردت منحك السيف قبل رحيلي للحرب، علها تكون ذكرى أخيرة جيدة مني ”
انتفض جسد زمرد انتفاضة صغيرة غير محسوسة لكنها كانت مرئية له تقول بصوت خافت :
أنت… أنت ذاهب للحرب صحيح ؟! ”
” نعم ”
كان سؤالًا غبيًا تعلم، لكن هذا هو ما جاء في عقلها حين سمعت كلماته، على الأقل لن تكون تلك الكلمات أكثر غرابة من سؤال يلح عليها أن تنطقه، وكيف تفعل وتخبره أن ينتبه لنفسه، وهل سيكون بخير ؟؟ هل سيعود مجددًا ؟؟
هو الآن ذاهب في رحلة إبادة لشعبها وعشيرتها ومن اعماق قلبها تتمنى له التوفيق حقًا، تنفست بصوت مرتفع، ثم رفعت عيونها له تقول :
” أتمنى لك الـ …”
” تزوجيني .”
توقفت عن الحديث، بل توقفت عن التنفس وتوقف العالم حولها، ما هذا ؟؟ ما الذي نطق به للتو ؟؟ بلا مقدمات نطق هذه الكلمة التي أصابت منتصف قلبها، البارحة كان يبحث عنها لقتلها واليوم يخبرها أنه يود الزواج منها ؟! هل جُنّ ؟!
تجاهلت ضربات قلبها التي تعالت تضامنًا مع كلماته، تؤيده وبقوة، بينما عقلها رفع رايات الاعتراض وحشد جيوش التمرد، يرفض هذا القرار بعنف .
تراجعت للخلف بوجه شاحب وهي ترى نظرات دانيار لها، يراقب ردات فعلها التي تتابعت على ملامحها، وهناك بسمة كبتها يقول بهدوء :
” لا أريد ردًا الآن، إن كتب الله لي عودة سآخذه منك ”
صمت ثم نظر لها ثواني يراقب ملامحها التي كانت تصرخ بالرفض، لكنه انتوى داخله وانتهى الأمر هو لن يقبل بالرفض جوابًا .
” سأقبل جوابك ايًا كان، لا تنسني من دعائك ”
ابتسم يرحل بسرعة كبيرة راكضًا صوب الجيش مجددًا يتنفس بصوت مرتفع لا يدرك حقًا كيف تحدث بكل هذا، لا يدرك كيف قال كل ذلك، لكنه سعيد .
وهي ما تزال مكانها تحاول أن تتنفس بشكل طبيعي تهتف من بين صدمتها :
” ما الذي حدث للتو ؟؟؟”
____________________
رحل الجيش وبقي البعض منه في القصر لحماية النساء، لكنه ليس بالكثير كمن رحل، ساروا في طريقهم لخوض حرب غير معلومة النتيجة، فلا هم يضمنون الانتصار، ولا يتوقعون الخسارة، هم فقط استعانوا بالله وانطلقوا .
وفي القصر وبمجرد إغلاق البوابات بعد رحيل الجيش، استدارت شهرزاد صوب تبارك بسرعة كبيرة تنظر لها نظرات الكلب الذي تركه صاحبه واخيرًا ينفرد بقطه، لكن تلك القطة والتي اعتادت الهرب طوال الوقت ابتسمت بسمة واسعة تنحني لها انحناءة بسيطة برأسها:
” اعذريني مولاتي، لدي بعض الدروس للانتهاء منها ”
وبالفعل ها هي تخرج من الشرفة بسرعة كبيرة مبتسمة بسمة واسعة تتذكر النظرة الأخيرة للملكة قبل خروجها، بدت كما لو أن فعلة تبارك تلك تسببت لها في انحصار كلمات كانت على وشك الفيضان في وجهها .
الملك أخبرها أن تُحكم عقلها وهي حكمته وأمرها بتجاهلها، وها هي تسير في القصر تفكر فيما يجب أن تفعله، الأمر ممل بعض الشيء، حتى الطبيب رحل معهم، فلم تعد تستطيع الذهاب للمشفى .
لكن مهلًا هل هذا شيء مسلي يتحرك أمامها الآن ؟؟ جندي بأعين كحيلة ووجه نسائي جميل يتحرك في المكان ؟؟ هي ليست فضولية وليست مزعجة، لكن للضرورة أحكام..
تحركت تبارك بسرعة خلف تلك الجندية بخفة شديدة تعلمتها وتمرست عليها حين كانت تتسحب خارج بنايتها هربًا من أعين النساء، شيء تشكرهم لأجله.
انتبهت أن الفتاة تتحرك بخطوات ثابتة صوب إحدى الحدائق وهناك توقفت ثواني تنظر حولها لتختبئ هي بسرعة كبيرة، ثم أخرجت رأسها ترى أنها دخلت أحد المباني وغابت بها دقائق قبل أن تخرج فتاة رقيقة بثياب جميلة تنافي كليًا ما رأته هي .
أمسكت كهرمان الحقيبة الخاص بالثياب، تتحرك صوب مكان تجمعها المعتاد مع برلنت وزمرد، وبمجرد أن وصلت وجدت برلنت تجلس جانبًا كتلميذة تخشى غضب معلمها، بينما زمرد تتحرك في المكان كأسد سحبوا منه شبله الصغير وألقوه في قفص .
نظرت صوب برلنت تسألها بعيونها عما حدت لتحرك برلنت كتفها بجهل شديد :
” ما الذي حدث زمرد، ما بالك مشتعلة منذ الصباح !؟”
استدارت لها زمرد بشراسة غير معهودة منها معهم لتتراجع هي للخلف بسرعة وتنقلب برلنت على ظهرها بخوف حيت حاولت النهوض بسرعة لتركض .
” ماذا ؟! أنا بخير، ما الذي يحدث لي ؟؟”
” لا شيء حبيبتي أنتِ بخير، أهدأي ”
تنفست زمرد بصوت مرتفع تشعر بأنها تتهاوى، صراع عنيف داخلها، قلبها يحارب اعزلًا في معركة غير عادلة ضد خلايا جسدها بأكملها، الجميع يحاربه ويلومه بموافقته الغبية تلك على قرار لن يساهم إلا في تسريع هلاكهم .
مسحت زمرد وجهها تقول بصوت منخفض :
” الأمر معقد للغاية لقد …”
فجأة توقفت حين أبصرتها تقف على بُعد صغير منهم تراقبهم بأعين فضولية حذرة تحاول معرفة ما يحدث، لترفع زمرد حاجبها تقول بصوت غاضب مسموع لكهرمان وقد كانت في هذه اللحظة لا تفرق بين أحد .
هذه الفتاة لا تحسن حقًا اختيار اوقات الظهور أمام عيونها :
” تلك الفتاة نهايتها على يدي، سأقتلها ”
تعجبت كهرمان حديثها وهي تستدير معتقدة أنها تقصد برلنت :
” ماذا فعلت بر….ماذا ؟؟ ما الذي تفعله هنا ؟؟”
ابتسمت تبارك لهن بسمة صغيرة وهي تقترب منهن ترفع كفها في الهواء تقول ببسمة صغيرة لا تدري ما التصرف الصحيح في هذا الموقف فهي يومًا لم تصادق أحد عدا زملاء العمل وهم في الحقيقة فرضوا أنفسهم عليها :
” مرحبًا ”
زفرت زمرد بصوت مرتفع تقول بغيظ شديد والغضب داخلها غير موجهة لتبارك تحديدًا :
” هذا ما ينقصني الآن ”
نظرت لها تبارك بأعين متسعة خجلة، تدري أنها اقتحمت جلستهم بكل وقاحة ودون أي حق بذلك، ابتلعت ريقها تعود للخلف معتذرة :
” أنا آسفة لم أقصد ازعاجكم، فقط أردت معرفة إذا ما كنتِ ….”
توقفت عن الحديث وشعرت أن ما من فائدة لكل ذلك، لذا قررت التحرك بعيدًا وهي تعتذر بخفوت تود الرحيل، لولا برلنت التي امسكتها بسرعة تقول :
” مهلًا مولاتي هي لا تقصد شيئًا اقسم لكِ، فقط تلك الغبية زمرد لا تتحكم بلسانها، ثم هي منزعجة بعض الشيء، لذا تتحدث دون وعي، أليس كذلك زمرد ؟!”
كانت تتحدث بسرعة رعبًا أن تغضب الملكة وتتعاقب زمرد بسبب لسانها السليط، ابتلعت برلنت ريقها تنظر لزمرد برجاء أن تؤكد حديثها، وزمرد فقط نظرت بغضب صوب تبارك وكأنها هي من اختارت أن تكون زمرد من المنبوذين، وهي من جعلتها تميل لشخصٍ لن تناله إلا في احلامها .
داخل زمرد في تلك اللحظة كان هناك فيضان كبير، رفضت أن تؤكد كلمات برلنت تبعد عيونها عنها وتبارك شعرت بالفشل في المرة الوحيدة التي قررت الخروج من قوقعتها، بل الثانية، حسنًا الانطوائية أفضل لها، فلن تكون مضطرة على عيش مثل تلك المواقف المخجلة .
هزت رأسها تقول بسرعة :
” لا، لا بأس، أنا فقط أردت الحديث قليلًا مع رفيقتكم حول اتفاق بيننا، لكن يبدو أنني جئت بوقت غير ملائم، اعذروني آنساتي ”
حملت أطراف فستانها وهي تستدير ببطء لترحل تشعر بضيق شديد ورغبة كبيرة في الانعزال عن جميع البشر الآن، لكن فجأة توقفت على صوت يقول :
” لحظة ”
توقفت تبارك بتردد تنظر صوب صاحبة الصوت والتي كانت هي نفسها الفتاة الجندية لتجدها تجذب الأخرى بقوة وهي تقول ببسمة صغيرة :
” نعتذر لكِ مولاتي حقًا زمرد لا تقصد أن تكون وقحة ”
تمتمت زمرد بحنق شديد :
” نعم أنا لا اقصد ذلك، فأنا هكذا بالفعل ”
زجرتها كهرمان بقوة، ثم نظرت لتبارك تبتسم لها بلطف بعدما اوجعتها نظرتها وهي ترحل خائبة الامل، قالت بلطف :
” نحن بالطبع نرحب بكِ معنا، بل شرف كبير لنا أن نجلس مع الملكة ”
تتحدث وهي تشعر باحتراق صدرها من الداخل، تلك الحقيقة تقتلها، لكن رغم ذلك ابتسمت حينما أبصرت توقف تبارك أمامهم وهي تنظر لزمرد بترقب وكأنها تنتظر منها ترحيبًا بها .
ليلتوي ثغر زمرد بقوة تتنفس بصوت مرتفع :
” نعم لنا الشرف مولاتي ”
ورغم أنها لم تكن الكلمة التي تنتظرها تبارك إلا أنها ابتسمت تقول بصوت خافت :
” اشكركم، بل الشرف لي، و… رجاءً نادوني تبارك، فأنا لم أصبح الملكة بعد ”
هزت كهرمان رأسها ببطء، ثم نظرت للاسفل تقول في نفسها وكأنها تجيب كلمات تبارك :
” لكنها مسألة وقت لتصبحي كذلك جلالتك، مسألة وقت وتصبحين زوجته ”
ارتجف قلبها ترفع عيونها لتبارك التي اقتربت من زمرد تقول بصوت متردد خافت :
” إذن نحن على اتفاقنا ؟؟”
تحدثت زمرد في وجهها بحنق شديد :
” نحن لم نتفق على شيء يا فتاة ؟؟ بل أنتِ من فرضتي نفسك عليّ وهددتني ”
اتسعت أعين تبارك تقول بجدية :
” لم أفعل، أنا فقط كنت أخبرك أنني اعلم حقيقتك، لكنني لم اهددك، فقط طلبت منكِ وباحترام شديد أن تعلميني المبارزة ”
صمت زمرد يديها لصدرها ترفض كل ذلك :
” لا أريد ذلك، أنا لست مؤهلة لتعليم أحدهم شيئًا، لا امتلك الصبر لذلك ”
هزت تبارك رأسها تنظر لكهرمان تقول بجدية :
” إذن علميني أنتِ أولستِ جندية في الجيش؟؟ إذن لا بد أنكِ تعلمين كيفية المبارزة ”
اتسعت أعين كهرمان بقوة وهي تنظر لها بصدمة تفكر كيف عرفت الملكة بـ ..وفجأة تذكرت يوم رأت ملامحها يوم هجوم بافل على سفيد، ابتلعت ريقها تنظر لزمرد التي همست بصوت جاد :
” أخبرتك أن نقتلها لتلك الفتاة، هي تعرف الكثير، لا ينقصها سوى برلنت الغبية ويصبح معها بطاقة حمراء لثلاثتنا ”
تنحنحت كهرمان تحاول الحديث ببسمة متوترة صغيرة :
” يبدو أن الأمر اختلط عليك مولاتي، أنا لست جندية ونحن في الممالك لا نجند النساء ”
رفعت تبارك حاجبها تقول ببسمة صغيرة وقد بدأت تدرك الأمور تضم يديها لصدرها تشعر بالانتصار اللحظي عليهم :
” إذن لماذا كنتِ ترتدين ثياب الجنود منذ ثواني قبل أن تأتي هنا مباشرة ”
صاحت زمرد بحنق شديد :
” اخبرتكم لنقتلها ”
اتسعت أعين تبارك بصدمة وهي تتراجع للخلف تدرك الآن أن تلك الفتاة خطرة، خطرة وبشدة، لكن كهرمان دفعت زمرد للخلف تقول بحنق :
” توقفي عن مزاحك زمرد اخفتيها ”
نظرت لتبارك تقول بجدية :
“اسمعي، هذه الأمور لا نحب أن نشاركها مع أحد؛ لذا هي اسرار لا أحبذ أن تخبريها لأحد، أخبريني ماذا تريدين مقابل الحفاظ على تلك الأسرار ؟! ”
نظرت لهم تبارك بريبة لتجد أن برلنت تبتسم لها بسمة صغيرة لطيفة وكهرمان تنظر لها بترقب، وزمرد بشر وكأنها تنتظر إشارة لقتلها فعليًا .
” أريد أن أصبح مبارزة بارعة و….”
ترددت لتقول ذلك، لكن وحدتها وكل معاناتها هنا دفعتها لتقول ولأول مرة في حياتها بخجل شديد تفرك كفيها :
” يمكننا أن نصبح أصدقاء ؟؟”
صاحت برلنت بسرعة وهي ترفع يدها في الهواء بحماس شديد تقول مقتربة من تبارك :
” أنا موافقة ..”
نظرت لها زمرد بحنق شديد وتحذير :
” أيتها الحمقاء بهذه السرعة ؟؟ هذا لأنها لا تهددك بشيء ”
” يا فتاة هذه الملكة تطالب بصداقتنا، هل تمزحين معي ؟؟ بالطبع اقبل ”
قالت تبارك بصوت خافت :
” أنا لا اهددكم بشيء، حتى إن رفضتم الأمر فلست واشية لاخبر أحد، وإلا لكنت فعلت ذلك منذ أيام..”
تجاهلت برلنت كل ذلك تقول ببسمة :
” دعك منهم تبارك، أنا برلنت أعمل هنا و…حسنًا أنا زوجته لصانع الأسلحة ”
قالت تبارك بعفوية شديد وصدمة :
” تميم ؟؟”
اتسعت بسمة برلنت بقوة تقول :
” نعم هو، من كان يعلمك الفروسية، هو بارع صحيح؟؟ ”
ابتسمت لها تبارك بسمة واسعة ترى حبها الواضح، ورغم جهلها أن تميم متزوج إلا أنها هزت رأسها بهدوء تبارك لها الزواج، تدرك الآن أنها بالفعل لا تعلم شيء عن أي أحد داخل هذا القصر، فقط الملك تعلم عنه بعض الأشياء بسبب أحاديثهم القليلة العميقة .
اقتربت منها كهرمان تقول بصوت خافت :
” أنا كهرمان عاملة هنا ”
نظرت لها تبارك تقول بعفوية :
” أنتِ جميلة ”
” اشكرك، بل الجمال كله لكِ عزيزتي ”
رفعت تبارك عيونها لزمرد تنتظر منها بادرة ترحيب أو قبول لها بينهم، لكن كل ما فعلته هي أن نظرت لها بغضب وحنق شديد تضم يديها لصدرها قبل أن تتلقى ضربة من برلنت تهمس لها :
” توقفي عن كونك لئيمة ”
زفرت زمرد بصوت مرتفع تقول وهي تبعد عيونها صوب تبارك تلين لها بعض الشيء :
” أنا زمرد ”
ابتسمت لها تبارك بسمة صغيرة :
” تشرفت بمعرفتك زمرد ”
هزت لها زمرد رأسها ولم تكد تتحدث بكلمة حتى سمع الجميع فجأة صوت جعل أجسادهم تنتفض بقوة والأعين تتسع بصدمة، وصوت أبواق الانذار تنطلق بشكل مخيف، يتبعه صوت جهوري لأحد جنود برج المراقبة يدعو المتبقي من الجيش للانتفاض :
” هجوم من المنبوذين، لقد صنعوا لنا مكيدة ”
اشتعلت أعين زمرد وهي تهمس بشر :
” يا ويلي من هؤلاء الخنازير …..”
______________________
عدد مهيب يتوقف في منتصف منطقة خالية إلا من بحيرة صغيرة عسكر عندها مهيار ومن معه من رجال الإغاثة الفورية للرجال .
وعلى مسافة منه كان هناك أعداد غفيرة من الجنود يترأسه بالطبع إيفان بكل قوة يرفع رأسه عاليًا وكأنه يأبى أن يحني رأسه للريح .
صمت طويل هو كل ما يمكن سماعه في المكان، صمت لا يتناسب مع اعداد البشر الكثيرين في المكان، هم فقط يحدقون أمامهم بجمود شديد ينتظرون وصول جيش بافل، ووصوله هو شخصيًا يترأسهم .
مدً إيفان بصره يحاول رؤية أي شيء، لكن يبدو أنهم جبنوا لدرجة أن تخلفوا عن الحرب، عارٌ عليهم وعلى ذريتهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومنذ متى لم يصاحبهم العار، أو يرافقهم الذل ؟؟
طال الانتظار ولا إشارة واحدة تدل على نية الطرف الآخر في القدوم .
تحرك تميم بسرعة بخيله يقترب من إيفان يقول بجدية :
” الأن ماذا مولاي ؟؟”
صمت إيفان ينظر جواره صوب أحدهم، ثم نظر أمامه يقول بصوت جامد :
” لا أدري حقيقة تميم، فأنا يومًا لم اقابل خصمًا بمثل هذه الوضاعة والجبن عدا والده، اعتقد أن تقهقر الجيوش الآن أمر غير مقبول، ربما ينتظرون منا استدارة ليضربوا ظهورنا، فهم بارعون في الأمر ”
هز تميم رأسه يعود بسرعة صوب مركزه بعدما نظر للجبل الذي يبعد عنهم مقدار صغير والذي استقر فوقه دانيار وجيش الرماة خاصته، ومن ثم نظر صوب الكتيبة الأخيرة جوار الملك يتنهد بصوت مرتفع، ولم يكد يعود لمكانه حتى شعر الجميع باهتزاز الأرض اسفلهم بشكل جعل الأجساد بأكملها تتحفز بشكل مخيف .
تجهز المشاة والفرسان ..
واعلى الجبل كان دانيار يمسك منظارًا يراقب الأجواء منه، يبصر ضبابًا كثيرًا يزحف صوب جيوش الملك وحينما تلاشى الضباب اتسعت أعينه حين أبصر اعداد غفيرة تتحرك صوبهم .
اتسعت بسمته بشراسة وهو يهدر بصوت رن صداه في المكان بأكمله :
” مـــن الشمــــال، والشـــرق ”
تبع صرخة دانيار صرخة أشد قوة من إيفان في جنوده :
” تجهــــزوا ”
وفي ثواني كان الجميع يرفع أسلحته في الهواء ينتظرون لحظة اقترابهم، وما هي إلا دقيقة معدودة كانت بها أعين إيفان مركزة على القادمين، عيونه مثبتة على الجيش الذي يزحف نحوهم بشراسة كبيرة .
ثواني هي حتى التحم الجيشين .
وعلت الصيحات من الجهتين صرخات شرسة من جهة المنبوذين تقابلها ” الله أكبر” من جيوش إيفان الذي شعر بالادرينالي يندفع في أوردته وهو يهجم بقوة على من يقابله .
ودانيار أعلى الجبل ينتظر اللحظة المناسبة للتدخل فقط يراقب بحرفية عالية، الصمت السابق تحول لطوفان من الضوضاء، الهدوء سرعان ما جلب عاصفته .
كان تميم يقود وحدته الخاصة وهو يدور حول جيش بافل يجبره على التوغل للداخل، يدفعه للمنتصف حتى يطوقونه .
نظر تميم حوله ثواني قبل قبل أن يرفع سيفه وهو يصرخ في صفوفه :
” تقدموا… الآن”
تحرك الجميع بسرعة خلف تميم يتحركون لجانب جيش بافل يلتفون حوله بمهارة، يقاتلون رجاله مجبرين إياهم على الدخول في المنتصف ليحاصرونهم .
واعين إيفان من بين كل ذلك القتال تراقب المكان، يبحث عن وجه بافل بينهم، لترتسم بسمة مخيفة أعلى وجهه يقول بجدية :
” أوه إذن الفأر خشي ترك جحره والمجئ لساحة الحرب ؟؟”
نظر حوله يرى أن أعداد جيش بافل ليست بالكبيرة، أعداد قليلة وكأنهم فقط أرسلوا لهم فتات الجيش بينما الجزء الأكبر منهم بقى في مقرهم، أو ربما لا …
ابتسم بسمة جانبية وهو ينظر لأحد رجال بافل يحرك حاجبه له ليهز له ذلك الرجل حاجبه ويقترب منه بسرعة كبيرة رافعًا سيفه في الهواء كي يهجم على إيفان، وحينما وصل له رفع الإثنان سيوفهم في الهواء يتنطاحون .
اقترب ذلك الرجل من إيفان بملامح شرسة، وحين أصبح على مقربة منه همس بصوت خافت :
” زحف الجزء الأكبر من جيوشهم صوب سفيد ”
اتسعت بسمة إيفان أكثر ينظر في عيون ذلك الرجل وهو يهمس له بصوت مرعب :
” مرحبًا بهم، تركت لهم من يرحب بهم هناك …”
___________________
لم تعي شيئًا، فقط شعرت بمن يجذب ذراعها بقوة مخيفة مبعدًا إياها عن الحديقة، يركض بها صوب القصر ليأمنها، ولم يكن ذلك الشخص سوى كهرمان التي كادت تحملها فوق كتفها وتهرب به برعب شديد، فمجيئهم هنا يعيد لها ذكريات سيئة، جاءوا ليخربوا الديار ويشردون أهله، ويأسرون النساء وعلى رأسهم بالطبع الملكة .
كانت تبارك تتنفس بصوت مرتفع وهي تركض بصعوبة بسبب الفستان الخاص بها تلعن في نفسها كل من ساهم في تصميم هذا الثوب الذي صنعوه فقط لأسر النساء وتعذبيهن به .
فجأة توقفت على صرخة زمرد التي انحنت ارضًا تمسك أطراف الفستان وهي تقول ما كانت تفكر به تبارك :
” تبًا لهذه الثياب اللعينة ”
وفي ثواني كانت تخرج خنجرًا قطعت به جميع أطراف الفستان، ثم نهضت تقول بصوت مرتفع :
” اركضي، اركضن بسرعة واحتموا بأي مكان ”
كانت تتحدث وهي تدفع برلنت وتبارك وكهرمان أمامها، وعيونها تلتمع بتصميم مخيف جعل كهرمان تمسك يدها وهي تصرخ بجدية :
” إلى أين ؟! أنا لن اتركك تتحركين خطوة بعيدًا عنا…دوني”
تنفست زمرد بصوت مرتفع تقول :
” أنتِ ستحمين الملكة وبرلنت، وأنا..فقط سأذهب لارى ما يحدث، لن أشارك بالقتال لا تقلقي، ليس الأن، مواجهتي معهم لم تحن بعد ”
نظرت لها كهرمان تتنفس بصوت مرتفع، لكن فجأة دفعتها كهرمان بقوة وهي تقول :
” أمني الملكة وبرلنت كهرمان أنتِ تستطيعين القتال وحمايتهم ”
نظرت لهم تبارك ثواني وهي تراهم يتصارعون على حمايتها، ولم تتحدث بكلمة أو تخبرهم أنها بالفعل تستطيع القتال بشكل جيد، على الأقل بالنسبة لها، فهي لا تدري نوع الأشخاص الذين ستتعامل معهم، لربما كان سالار يتهاون معها في التدريبات، رغم شكها في هذا .
ركضت كهرمان والجميع صوب غرفتهن بسرعة والتي اقتحمتها زمرد تنتزع منها سيفها، ثم ركضت بسرعة للخارج، بينما تحركت برلنت صوب النافذة بسرعة تراقب بوابة القصر بأعين متسعة :
” يا ويلي على هذه الأعداد المرعبة، إن كان هؤلاء جميعهم هنا، فمن إذن ذهب لملاقاة الجيش ؟؟”
اقتربت تبارك لتنظر معها ترافقها كهرمان واستقر الثلاثة بالنافذة يراقبون ركض الجنود المتبقيين صوب البوابة لتتحدث كهرمان بصوت مرتجف ونبرة مرتعبة :
” أرى من الآن مئات الجرحى والقتلى يفترشون الأرض ”
ابتلعت تبارك ريقها برعب وهي تدعو الله في قلبها ترتجف بخوف :
” يا الله يا مغيث… ”
ولم تكد تتحدث بكلمة حتى اتسعت عيونها تستوعب الآن جملة كهرمان التي نطقت بها، مئات الجرحى، مئات الجرحى والطبيب ومن معه بالحرب، مئات الجرحى دون طبيب ..
عند هذه الفكرة انتفض جسدها تبتعد عن النافذة تقول بصوت مرتفع ولهفة كبيرة وضربات قلبها ارتفعت :
” عليّ الخروج بسرعة صوب المشفى قبل محاصرة القصر، عليّ الذهاب هناك لمساعدة الجرحى، لا طبيب هناك ..”
نظرت لها كهرمان بعدم فهم، وهي لم تنتظر ليستوعب أحد ما قالت تركض بسرعة كبيرة خارج غرفة الفتيات تحت انظر كهرمان وبرلنت المصدومين مما قالت .
انتفض صدر كهرمان تنظر صوب برلنت ثواني قبل أن تركض الفتاتان خلف تبارك بسرعة كبيرة .
وتبارك لا ترى أمامها سوى باب القصر، تشكر في هذه اللحظة زمرد التي قطعت لها الثوب لتركض بهذه السرعة، وهذا يذكرها، إن نجت عليها أن تلقي بجميع فساتينها لها كي تقطعهم بنفس الشكل .
خرجت من القصر بسرعة كبيرة تركض في الحديقة صوب المشفى، تحاول تنظيم أنفاسها وهي تشعر بضربات قلبها ترتعش من الخوف، اصوات الصرخات وضربات السيوف تصل لها الآن هنا .
” يالله يا مغيث …يا الله يا مغيث، رحمتك يارب ..رحمتك يارب ”
كانت ترتجف وهي تسمع الاصوات تزداد حدة تخشى الموت، تخشى الدمار، تستوعب الآن أن الجيش بجميع قادته في الحرب وهم هنا لديهم القليل فقط من الحماية والتي سرعان ما ستنهار أمام طوفان هجماتهم .
وعلى بعد منها كانت تقف هي فوق في أحد أجزاء القصر تحمل سيف والدتها تحدق بأعين متسعة بما يحدث ترى الجيش يكاد يُهز وقد اقتحم رجال بافل القصر بإعداد غفيرة مرعبة، رفعت وبسرعة لثامها :
” مرحبًا بأهلي وعشيرتي ..”
تحركت زمرد بسرعة كبيرة صوب البوابة الخاصة بالقصر وعيونها تطلق نيرانًا، منعت كهرمان التدخل، واخبرتها أن لحظة قصاصها لم تحن بعد، لكن رؤيتهم يعيثون فسادًا أجبرتها على التحرك وهي تنظر لهم بشر تطلق صرخة مرتفعة …
في الوقت التي تصنمت اقدام تبارك ارضًا تبصر بوابة القصر تسقط وصوت الجنود ازداد حدة، تراجعت للخلف بريبة ترى جنود القصر بدأوا يسقطون واحدًا تلو الآخر متراجعين للخلف، وهي لم تكن أفضل منهم إذ تراجعت بريبة ترى جميعًا غفيرًا من المنبوذين يتدفقون بشكل مخيف للقصر .
شهقت بصوت مرتفع تشعر أنها النهاية، هي تقترب منها، الآن تحققت اسوء كوابيسها، ستموت ميتة شنيعة، أو اسوء، تصبح أسيرة حرب .
نبض قلبها بقوة تتراجع أكثر تسمع أصوات صراخات، وأصوات تكبير، وتدافع قوي وغشت عيونها مشاهد لم تتوقع يومًا أن تراها بهذا الوضوح وهذا القرب .
ومن بين كل تلك الأصوات وكل هذه المشاهد، انبثق صوتًا تعلمه تمام العلم، صوت يصرخ بصوت مرتفع في الجميع، صوت تدركه وتألفه، بل يألفه قلبها….
رفعت عيونها تبحث عن وجهه بين الجميع وهي تشعر بالرعب، كادت تبكي حينما أبصرت وجهه وهو يقود جيشًا طوّق وفي ثواني قليلة جيوش المنبوذين، لم تهتم بكل ذلك بقدر اهتمامها بذلك السلام الذي تخلخل لصدرها حينما ابصرته، لتهمس دون شعور :
” ســــالار ……..”
__________________
وحين تظلم حياتك ويحين الليل، فقط ضوء وحيد هو ما يرشدك للنجاة، وهو في هذه اللحظة كان ضوءها الخاص ….

 

 
google-playkhamsatmostaqltradent