Ads by Google X

رواية مملكة سفيد الفصل العشرون 20 - بقلم رحمة نبيل

الصفحة الرئيسية

   

 رواية مملكة سفيد الفصل العشرون 20  -   بقلم رحمة نبيل



#العشرون
#بداية_ادراك_ودعوة_حرب
قبل القراءة متنسوش لايك للفصل ..
صلوا على نبي الرحمة .
______________
يحرك كل شيء بعنف يكاد يحطم ما أمامه، ورغبة عنيفة بالقتل تسري داخله، لا يرى أمامه ولا يشعر بما يدور حوله، فقط حنق وغضب يجتاح ثناياه، ألقى قطعة الحديد التي يحملها ارضًا بغضب وهو يطلق صرخة عالية ضاربًا الطاولة بقدمه، أصبح مزاجه في الآونة الأخيرة سوداوي، أو لنكن دقيقين، أصبح مزاجه منذ مواجهته ببرلنت سوداويًا …
” إذن هربت منك الفتاة ؟؟”
استدار كالقذيفة بأعين مخيفة صوب مُحدثه، ومن غيره الذي قد يقتحم معمله في مثل حالته تلك .
ابتسم دانيار يحاول أن يخفف عنه وطأة الأمر :
” حسنًا أهدأ فقط لنفكر، ما الذي حدث منك لتهرب الفتاة وتفر خارج جدران القصر بهذا الشكل ؟؟ ربما تعاملت معاه بطريقة حيوانية؟؟ ”
نظر له تميم بغضب شديد لا يدري أكان موجهًا له، أم لتلك الفتاة الغبية التي اختفت صبيحة يوم علم هويتها، اختفت دون أن تقول كلمة واحدة، بحث عنها في أرجاء القصر بأكمله ولم يجد لها أثرًا الأمر الذي جعله يزداد غضبًا، ويتوعد لها بالويل حين عودتها، إن كانت تطمح لتركه، فوالله لن يتركها وشأنها، ليس بعدما وجدها .
تحرك دانيار عن مقعده يربت على كتفه بهدوء :
” ما بك تميم، أهدأ يا رجل، لعل غيابها خيرًا ”
هز تميم رأسه بهدوء هو أبعد ما يكون عنه، يحدق أمامه بنظرات سوداء وهو يكمل عمله بينما دانيار أشفق عليه ليقول بهدوء :
” هل ..هل تحدثت مع أي رفيقة لها ؟؟ ”
تنهد تميم يقول بصوت مرتفع بعض الشيء والخوف هو من بدأ يمتلك زمام أموره ملقيًا قطعة الحديد للمرة الثانية :
” لا يعرفن لها طريقًا، اقسم أنني فقط إن رأيتها لتلك الجبانة الصغيرة في هذه اللحظة سأ….”
” السلام عليكم .”
تصنم جسد تميم بقوة وشعر وكأن أعصابه جميعها ترتجف وقد أصبح تنفسه خافتًا بعض الشيء، ابتلع ريقه يغمض عيونه يحاول أن يقنع نفسه أنها اصوات تسكن داخله، صوتها الشجي الحبيب الذي كان يمثل له منذ أيام قليلة ازعاجًا، الفتاة التي كاد يتخلص منها مرات عديدة هي نفسها حبيبته التي كادت روحه تغادره كمدًا عليها .
عند هذه الفكرة شهق بصوت مرتفع يميل على الطاولة يحاول التماسك متناسيًا تلك الأفكار التي تؤرق مضجعه منذ ايام، كيف كانت تعيش ؟؟ هل كانت تتناول طعامها جيدًا؟؟ هل بكت يومًا حتى انقطعت أنفاسها دون أن يكون جوارها ويضمها مهدهدًا ؟؟ افكار كلها كانت تدفعه صوب مناطق خطرة في رأسه.


وكل ما حدث له بعد كلمات برلنت كان تحت أعين دانيار الذي أدرك أن هذه التي تقف على باب المعمل في هذه اللحظة هي نفسها برلنت، زوجة تميم .
تنحنح بصوت منخفض يقول ببسمة صغيرة وهو يبعد عيونه صوب صديقه :
” عليكم السلام، جيد أنكِ بخير برلنت فأحدهم هنا كاد يفقد عقله منذ ايام ”
برلنت !؟ هل قال برلنت ؟؟ هل هي ؟؟ هي هنا ؟؟ هو لا يتخيل صوتها ؟؟
استدار بسرعة ليراها تقف على باب معمله وهي تنظر ارضًا تفرك كفيها وتحرك رأسها بشكل رتيب .
استأذن منهما دانيار يتحرك صوب الخارج مبتسمًا بلطف يتمنى أن تنتهي مشاكل صديقه اليوم حتى يعود لهم كما كان .


وبرلنت بمجرد خروجه نظرت لتميم الذي كان ما يزال واقفًا لا يتحرك، فقط ينظر لها بصدمة ممزوجة بغضب وخيبة أمل.
رفعت الغطاء عن وجهها وهي تتحرك له بخطوات مترددة تخفض وجهها ارضًا ودموع كثيرة تجري على وجنتيها، وحينما أصبحت على بعد خطوات قصيرة، اندفعت بسرعة كبيرة صوب تميم تضم خصره مستندة على صدره برأسها تنفجر في بكاء عنيف وكأنها أجلت بكاء اعوامها لهذه اللحظة .
وتميم الذي تراجع بصدمة للخلف يستند على طاولة أدواته اتسعت عيونه بعدم فهم، يشعر بدموعها تبلل ثيابه وصوت شهقاتها بدأ يخرج منها بشكل جعله يرفع يده دون وعي يقربها منه مرتبًا على رأسها بحنان :
” لا تبكي عزيزتي، كل شيء سيكون بخير ”
أي شيء ذاك ؟؟ لا يدري هو فقط لا يريد رؤيتها تبكي، الأمر الذي يمثل له نقطة ضعف منذ كان صغيرًا، هو ما يزال غاضبًا، لكن ما اعتاد يومًا ترك غضبه يؤثر على حنانه لها .
” ما الذي حدث برلنت، لِمَ البكاء وأنا لم أمسّك بسوء حتى الآن؟ أنا حتى هذه اللحظة لم آخذ بثأري منكِ ”
بكت برلنت تقول بصوت مرتفع وشهقات ملئت المكان حولها :
” لقد …لقد …لم اقصد، لم اقصد الاختفاء ”
نظر لها تميم بعدم فهم يبعدها عنه وهو يقول بجدية :
” ما الذي تتحدثين بشأنه برلنت؟؟ أين كنتِ ؟؟ أنا لم اسامحك بالكامل برلنت، لم اسامحك لتستنفذي صبري بهذا الشكل ”
كان يتحدث بغضب وهي ابتعدت للخلف تحدق به في خوف وريبة :
” تميم أنا ….”
وتميم الذي انتهى من دور المسؤول الحنون عن بيرلي، وجد أخيرًا فرصته في إخراج كل الغضب والخوف الذين ملئوا نفسه منذ استيقظ ذلك اليوم وذهب للبحث عنها وأخبروه أنها ليست موجودة .
” تميم ماذا برلنت ؟؟ هل تحاولين خداعي ؟؟ هل تتلاعبين بمشاعري ؟؟ أنتِ أنتِ حتى لم تفكري بترك رسالة واحدة تخبر ذلك الاحمق الذي يكاد الخوف يقتله أنكِ بخير طوال هذا الاسبوع، اسبوع برلنت، سبعة أيام وأنا اتلظى بنيران الخوف، تتخبطني الأفكار البشعة عما يمكن أن يكون حدث، هل تركتني مجددًا ؟؟ هل هربت مني ؟؟ هل ما تزال خائفة مني لذلك رحلت ؟؟”


كان يتحدث بقهر وصوت يظهر مقدار التصدع داخله والذي يبدو أن ترميمه لن يكون بهذه السهولة التي تخيلتها .
وهو ختم حديثه يضرب الطاولة بقوة يسقط بعض الأدوات عليها لتعود برلنت للخلف صارخة تخفي وجهها بين يديها :
” لا لا، لم اقصد، تميم لم اقصد اقسم لك، أنا آسفة، أما آسفة، لقد …”
كانت تبكي بخوف وهو ينظر لها بغضب، غضب جعله يدهس شفقته وهو يهمس مشيرًا لنفسه بقوة وكأن يوم علم بهويتها لم يكن يعي ما يحدث ليواجهها بما يشعر :
” آسفة ؟؟ آسفة على ماذا برلنت ؟! على ليالٍ قضيتها أبحث عنكِ كالاحمق ؟؟ لقد …لقد كنت أتوسل كل من اشك فقط أنه قد يعلم مكانك، أتلفت في جميع الطرقات لربما لمحت طيفك؟؟ اجلس أمام منزلي القديم انتظر فقط رؤيتك تركضين صوبي مبتسمة كالماضي، أنام على فراشي ووحوش أفكاري تهاجمني بضراوة وهي ترسم لي صورًا لكِ باكية وحيدة، لقد تعذبت لأربعة عشر عامًا، عوقبت على تسرعي وغبائي بشكل لا يتحمله بشري ”
توقف يتنفس بصوت مرتفع وقد شعر أنه كان يركض في سباق وبرلنت تنظر له بأعين موجوعة كالمذبوح، تحاول أن تتنفس بشكل صحيح قبل أن تقول بصوت خافت :
” لقد …لقد ذهبت لمنزلي فقط كي أخبرهم أنني وجدتك، وأنني سأبقى جوار زوجي و و…”


ابتلعت ريقها وقد شعرت أن كلماتها لا تطاوعها للخروج وهو يحدق فيها وما يزال صوت تنفسه عاليًا، يشعر بالتعب يتمكن منه والانهيار وشيك، لكن كل ذلك تلاشى ببساطة حين سمع كلماتها :
” عندما علم أبي بعودتك، سجنني في المنزل ورفض خروجي حتى هربت منه ….”
_____________________
يتلاعب به؟!
جيد إيفان، استمر وستجد خصمًا يجيب لك الكلمة بأخرى، فسالار ليس مبارزًا للسيوف فقط، بل هو يحترف مبارزة الألسنة رغم قلة حديثه .
” نعم هذا صحيح مولاي ”
ابتسم له إيفان بسمة واسعة :
” و؟؟”
” و…ماذا مولاي ؟؟”
رفع إيفان حاجبه بسخرية لاذعة :
” ليس وكأنك حسن المعشر، عذب اللسان، لين الطباع، سالار أنت تمثل كابوسًا لنساء هذا القصر بسبب تعاملك الخشن معهن، فلا تقنعني الآن أنك فجأة تغيرت وتنازلت عن عرشك لتتحدث مع عاملة هنا ”
” أوه حسنًا من أخبرك أنني أتحدث معها ؟؟ كانت مرة واحدة تحتاج للمساعدة وفعلت فأنا لستُ متحجرًا كما تعلم ”
وهذه كانت حقيقة نوعًا ما، هو كان يساعدها، وايفان يدرك من ملامح وجه سالار أنه لم يكذب، لكنه أيضًا لم يتشدق بكامل الحقيقة، مايزال هنا شيئًا يخفيه .
” وطبيعتك المسالمة مع النساء لن تعمل سوى مع هذه الفتاة ؟! بالله عليك سالار أنت تعلم أنني لن اقتنع بكل هذا، هناك أمر يُحاك من خلف ظهري هنا، ما اعتدت يومًا إخفاء شيئًا عني سالار، ما الذي حدث الان ؟؟”
تنهد سالار بصوت مرتفع ثم قال دون مواراة :
” مولاي، أنت تعلم أنني لن أخوض احاديث بلا فائدة مع نساء لا اعرفهن، ولا احب هذا الأمر، لكن هذه الفتاة طلبت مساعدتي وما استطعت ردها، وفيما يخص ما طلبت مني فهو سر لن اكشفه طالما هي لم تسمح بهذا ”
ابتسم له إيفان بقدر ذلك ثم هز رأسه يقول :
” حسنًا سالار، لك ما تريد ”
اعتدل سالار في جلسته يقول بجدية :
” والآن اسمح لي مولاي أن أذهب لاتفقد أمور الجيش وحينما تصلني اخبار أكيدة من مشكى، سأخبرك إياها ”
خرج من المكان تحت أعين إيفان الذي كان يحدق فيه بخبث شديد، قبل أن ترتسم على فمه بسمة صغيرة ….


” نعم، صدقتك سالار، لكن لا بأس بعلاقة طيبة معها، فنحن لا نطمح لتجديد عداوات مع مشكى ”
___________________
” سيدي العريف، بالله عليك فقط أخبرني ما يجب عليّ فعله قبل أن تتلبسك حالة الانعزال التام وتطردني من هنا شر طردة ”
تنهد العريف بصوت مرتفع وهو يلقي كتابه على الطاولة أمامه يقول بحنين شديد :
” آه، لكم هي جميلة تلك الكلمة، الانعزال ..يالله اكتبها لي يا الله، أشعر أن الحياة خارج جدران هذا القصر ستعجبني، أشعر أنني أود الهرب، أتعلمين يا فتاة ما الذي يجعلني اتحملكم ؟؟”
نظرت له تبارك بفضول تهز رأسها نفيًا، ليقول هو ببسمة غاضبة :
” لا شيء، وهذا ما يثير غضبي، أنني لا امتلك شيئًا يجبرني على البقاء هنا، ورغم ذلك افعل، فقط لأنني أخذت عهدًا غبيًا متوارثًا، أن احافظ على شعلة الثقافة في المملكة وتوعية الشعب وبلا بلا بلا ..”
كانت تبارك تراقبه وهي ترمش بسرعة تحاول معرفة ما يريد :
” أيوة يعني انت عايزة تعزل من هنا ؟؟ هتنقل فين طيب ؟؟ ”
نظر لها العريف بتشنج لتبتسم وهي تقول دون مقدمات تتفحص الكتب التي ألقاها منذ ثواني في وجهها تقول بجدية كبيرة :
” حسنًا لا الومك الحقيقة، فهذا المكان خانق بعض الشيء و…”


توقفت عن الحديث فجأة بفزع حين رأت العريف يجلس على المقعد أمامها يحدق فيها ببسمة غريبة، بسمة ما كان لينظر بها إليها بأي شكل من الأشكال .
” إذن توافقيني الرأي أن هذا المكان لا يُطاق ؟؟”
نظرت تبارك حولها بريبة أن يسمعه أحدهم، ثم نظرت له تقول بصوت خافت خجل :
” لا، لا سيدي لم اقصد هذا، أنا فقط لا أشعر بأنني انتمي لهنا، أشعر أنني جئت بالخطأ ”
ابتسم العريف غريبة يرى الحيرة تعلو نظراتها، تتظاهر بالنظر في الكتاب أمامها وشعور قابض يمتلك صدرها وهي تتحدث بصوت خافت :
” أشعر أن كل ذلك ما هو إلا أحد الاحلام الغريبة التي كانت وما تزال تراودني، حلم لا أجد له ترجمة على أرض الواقع، فقط مجرد احداث مريبة لا تفسير لها، وشخص لا اعلم له هوية ”
رفعت عيونها تقول بصوت خافت وكأنها تبحث عن تأكيد من أحدهم، أن كل ذلك له نهاية :
” هل تعتقد أنهم ربما اخطأوا ؟؟ أنا جئت هنا بالخطأ، ربما …ربما كان المقصد فتاة أخرى، مجيئي هنا مجرد صدفة لا أكثر ولا أقل”
ابتسم لها العريف بسمة صغيرة يقول بصوت خافت :
” لا يوجد شيء يُسمى صدف يا ابنتي، كل شيء مكتوب ومقدر، الله عز وجل حاشاه أن يلقي بكِ في بحار لا تعلمين كيف تتجاوزينها، وجودك هنا ليس خطأ، بل الخطأ هو عدم وجودك من البداية، لا أحد يعلم ما كتب الله له، لكنني متأكد أن مستقبلك باهرًا مشرقًا، وأنكِ ستغيرين خارطة هذه البلاد ”
” لا افهمك، أنا لا افقه في شيء، ولا أحسن فعل شيء، كيف اكون سببًا في تغيير خارطة البلاد ”
ابتسم لها بسمة لا تدري أكانت جواب له على اسئلتها، ام مجرد بسمة يخبرها بها أنه لا يمتلك لها جوابًا .
صمت ثم قال بغموض :
” ما هي تلك الأحلام التي تحدثتي عنها ؟؟”
نظرت له تبارك بريبة وهي تفكر هل تتجرأ وتخبره ؟! ولم تكد تتحدث بكلمة حتى سمعت صوتًا يهتف بقوة :
” سيدي العريف الملك ينتظر سيادتك في جناحه لأجل أمر هام ”
نفخ العريف بغيظ شديد يحاول أن يهدأ:
” يالله اكتب لي الصبر على هذا المكان وهذا العمل ”
ختم حديثه يتحرك للخارج تاركًا تبارك ترمق أثره بهدوء تفكر في كلماته التي نطقها منذ ثواني، هي بالفعل هنا لسببٍ ما، سبب تحاول تجاهله كي لا تضطر للتعامل معه .
تنهدت بصوت مرتفع اليوم استيقظت على حلم آخر، في الحقيقة أحلامها لم تتوقف منذ جاءت بل ازدادت شراسة وغرابة، هي فقط من كانت تحاول تمرير يومها والعيش دون التفكير به على اعتبار أنهم مجرد احلام فقط ..
تنهدت وهي تنهض عن مكانها تتحرك في الممرات ببطء شديد وهدوء تفكر في الذهاب لدرسها التالي .
___________________
” كهرمان عزيزتي فقط تجنبي الحديث معي هذه الأيام، فأنا أشعر بقرب مزاج سوداوي يحيط بي، لذا رجاءً دعيني وشأني ”
ختمت زمرد حديثها تبتعد عن كهرمان بخطوات سريعة تحاول أن تتنفس بشكل طبيعي بعيدًا عن كل هؤلاء البشر، ابتلعت ريقها تسمع صوت كهرمان القلق خلفها وهي تتمسك بذراعها :
” زمرد لا تجعليني اقلق عليكِ، رجاءً أخبريني ما يحدث معكِ اليوم ؟!”
” فقط … أود أن أشعر بالحرية، أن اتنفس بعيدًا عن كل هؤلاء البشر ومن بينهم أنتِ كهرمان، هل هذا كثير عليّ ؟؟”
شعرت كهرمان بالصدمة وهي تفلت يدها شيئًا فشيء ببطء تبتسم لها بلطف، ثم ربتت أعلى كتفها بحنان رغم حزنها الكبير عليها :
” لا بأس عزيزتي خذي كل الوقت الذي تجتاجينه، وحينما تنتهي سأكون هنا لاجلك ”
ودت زمرد لو تبتسم، لكن حتى الابتسامة في هذه اللحظة كان صعبة للغاية، تحركت ببساطة بعيدًا عنها، خطوات ميتة تشق بها طريقها خارج القصر، تفكر في مكان تجلس به بعيدًا عن الجميع، وحين وجدته ارتكنت للجدار ببطء شديد تتنهد بصوت مرتفع قبل أن تضع رأسها على قدمها .
ترثي ذاتها ووالدتها، تنعي روحها التي غادرت في مثل هذا اليوم مع روح والدتها .
تتساءل أنها كانت طعنة واحدة فقط، كيف استطاعت قتل اثنين ؟؟
ارتجف جسدها وصوت صراخ والدتها يعلو بقوة حين اقتحمت عليها غرفتها مع والدها باكية مرتعشة، لترى الاخير منقضًا فوق والدتها يحمل سيفها الخاص وهو يطعنها به صارخًا :
” تحاولين قتلي أنا ؟؟ الويل لكِ ولذريتك أجمعين يا حقيرة ”
مشهد تشفق على أعدائها منه فما بالكم بتمنيه لهم ؟! أن ترى والدها يقبع فوق والدها يطعنها طعنات متتابعة دون أن تأخذه بها شفقة، لهو الجحيم بعينه.
في ثواني فقط مر شريط حياتها مع والدتها داخل عقلها، الوحيد النقية في هذا المكان، خطفوها من مملكتها لتكون سبية وزوجة لزعيمهم، تزوجها بالاجبار بعدما قتل أمام عيونها عائلتها بأكملها وانجبها هي منها، بذرة كانت لتعطي والدتها عذرًا لكرهها، لكن بدلًا من ذلك احبتها، بل لم تبخل عليها يومًا بذَرة حب واحدة مخبرة إياها أنها الوحيدة المتبقية لها في هذا العالم .
سقطت دموع زمرد واعينها متسعة تشعر بالغضب يتمكن منها وهي تتحرك صوب جسد والدها الذي اعماه غضبه عن محيطه، وأخرجت خنجرًا غرزته في منتصف ظهره سالبة منه صرخة وشهقة مرتفعة لتميل عليه هامسة :
” ألحق بها، ليقتص الله لها منك يا سليل الشياطين، لا سامحك الله يا … أبي، لعنة الله عليم وعلى جميع أبناء شعبك ”
ختمت حديثها بنبرة صارخة باكية، تنتزع خنجرها وما كادت تطعنه الطعنة الثانية، حتى سمعت اصواتًا تقترب منهم، فكرت بسرعة أن تهرب من النافذة، لكن لم تنس أن تأخذ سيف والدتها وتركض تقفز من الشرفة بالتزامن مع سماعها لصوت يصرخ بهدير قوي :
” قتلته، تلك الـ ***** قتلته للزعيم ”
ومنذ تلك اللحظة، بدأ جحيمٌ من نوع آخر..
عُرفت هي في القبيلة بابنة القاتلة التي تخلصت من زعيمهم، وتقبلت هي اللقب بملامح باردة حزينة مصطنع، تقبلت أن تكون ابنة القاتلة، ولم تصحح لهم اعتقادهم، فهي لن تسلب والدتها شرف التخلص من هذا القذر، علّ يُخلد اسمها في التاريخ يومًا ما بسبب ذلك .
” هل أنتِ بخير ؟؟”
انتفض جسد زمرد بقوة حين سمعت صوتًا جوارها، رفعت عيونها تحاول تبين صاحب الجسد الذي كانت دموعها تخفي ملامحه، لكن صاحب أو صاحبة هذا الجسد اقتربت ببطء تجلس جانبها وهي تقول بصوت منخفض :
” لم أقصد التطفل عليكِ، لكن رؤيتك تبكين بهذا الشكل وحدك، جعلتني أشفق عليكِ ”
تشنجت ملامح زمرد رافضة لتلك الشفقة، حتى وإن كانت من الملكة نفسها .
” بالمناسبة أنا تبارك ..”
نظرت لها زمرد، ثم نظرت أمامها تتجاهل وجود تبارك تمامًا، وتبارك كانت ما تزال تمسك بالكتاب الخاص بها وهي تقول بصوت منخفض تنظر له بهدوء شديد دون أن تعيد نظراتها لزمرد :
” لقد رأيتك منذ أيام تقفين في الباحة الخلفية معكِ سيف أحد الجنود وتتدربين به، كنتِ رائعة بالمناسبة ”
اتسعت أعين زمرد بقوة وهي تستدير صوب تبارك التي كانت ما تزال تقلب صفحات الكتاب بهدوء شديد وهي تقول جمل غير مرتبة :
” وحين رأيتك منذ قليل تبكين كالصغيرة عرفتك فورًا ”
شعرت زمرد بأن تلك الفتاة تتلاعب معها، لتقرر تركها والرحيل دون اهتمام حقًا، لكن تبارك اوقفتها تقول :
” أريد مساعدتك ”
توقفت زمرد تنظر لها بحنق، لتنهض تبارك تقترب منها وهي تردد بهدوء شديد :
” أنا … أنا بالفعل اتدرب على يد قائد الجيوش و كنت اريد أن تساعديني في هذا الأمر و…”
” إذن لِمَ تحتاجين مساعدتي ؟! هل تظنين أنني سأعلمك أكثر مما يفعل هو ؟؟”
” لا بالطبع لن تفعلي ”
اتسعت أعين زمرد بحنق وغضب شديدين وهي تقول :
” لهذا يفضل عليكِ الذهاب والالتزام بتدريب قائد الجيوش لكِ، لا ينقصني سوى ملكة مدللة و…”
” أنا فقط اريد ..اريد أن أثبت له أنه يمكنني التفوق عليه والتقدم بشكل ملحوظ، وأنني لستُ مجرد فاشلة ”
ابتسمت زمرد بسمة صغيرة تبتعد عنها وهي تردد بسخرية :
” حظًا موفقًا إذن”
وبهذه البساطة تركتها ورحلت، بينما تبارك تنظر لها بصدمة ولم تكد تتحدث بكلمة حتى وجدت شخصًا ما يقتطع طريق زمرد، نظرت بتعجب لذلك الشخص والذي كان نفسه مدربها للرماية …دانيار .
” هل ..هل يعرفها دانيار ؟؟”
وقبل أن تفكر في إجابة لسؤالها تذكرت كلمات زمرد اللئيمة لها لتبتسم بسمة صغيرة وهي تتحرك بعيدًا عن الاثنين تضم لها كتابها بملامح منقبضة بعض الشيء :
” اعتقد الانطوائية افضل ليا من محاولة التعرف على أشخاص اساسا رافضين معرفتي ”
وكم اوجعتها تلك الجملة، مرت في طريقها بساحة المبارزة لتتوقف دون وعي تراقب سالار الذي كان يشرف على قتال بين بعض رجاله..
وعنده هو وحين شعر بأعين تراقبه رفع رأسه بحدة لتتسع عيونه وهو يراها شاردة في جهته، نظر صوب الرجال بحنق وقرر أن يذهب لها يبعدها عن منطقة الرجال، لكن رغم تحركه لم تحرك هي عيونها، بل ظلت شادرة بشكل جعله يتوقف قليلًا على بعد منها يقول بصوت خافت :
” جلالتك، أنتِ بخير ؟؟ ”
” فقط كنت أتساءل إن كان بإمكاني تكوين صداقات هنا ؟! هل ترى أنني شخص جيد لأكون صديقة أحدهم ؟”
تفاجئ سالار من كلماتها تلك التي خرجت منها دون مقدمات وقد بدا أنها تترجاه ردًا بالإيجاب، وهو لسببٍ اوجعه قلبه وبقوة يقول :
” محظوظ ذلك الذي يصبح صديقًا لكِ مولاتي ..”
نظرت له تبارك بأعين لامعة وهي تهتف :
” يمكنك أن تكون ؟!”
اتسعت أعين سالار بقوة لتلك الكلمات وازداد وجيب قلبه بشكل مبالغ به ينظر حوله بصدمة ولا يصدق أنها نطقت هذا الأمر، هي لا تستوعب أنها الملكة وهو قائد الجنود، هي امرأة وهو رجل ؟؟
وتبارك أكملت جملتها المعلقة :
” إن كان يمكنك فعل ذلك دون قيود أو شروط أو لنفترض أنني شاب وطالبت بصداقتك، هل كنت لتقبل بشخصٌ مثلي ؟!”
سؤالها جعل سالار يغرق في حيرة والإجابة التي برزت في عقله منعها هو وجاهد كي لا ينطقها وهو يفرك خصلات شعره ينظر خلفه صوب الحلبة يقول بصوت هادئ :
” كنت لاحب أن يكون لي صديق ذو عزيمة وصادق مثلك، وكنت سأساعده ليحقق ما يريد، وليصبح أكثر رضى عن نفسك ”
أن تنال ثناءً من القائد سالار، بمثابة نيلك وسام شرف الاعلى درجة، شيء جعلها تنتعش سعادة .
نظرت له تبارك تبتسم واخيرًا بسمة صغيرة :
” أنت تفعل هذا بالفعل، شكرًا لك يا قائد”
وبهذه الكلمات أعلنت هي نهاية هذا الحوار المريب العجيب بينهما ترحل بكل بساطة من أمامه، وهو فقط راقبها متسع الأعين، يجذب خصلات شعره بقوة وغضب شديد لا يدرك سببًا له، لكنه يدرك أن هناك من احزنها هناك من دفعها صوب هذه النقطة لتشعر بهذه المشاعر، وفقط لو يعلم من فعل هذا سيحطم عظامه .
استدار صوب جنوده يقول بصوت هادر غاضب :
” ما هذا ؟! هل نمرح هنا ؟؟ ”
بينما هي ابتسمت دون شعور لتركض بسرعة صوب اسطبل الخيول تنتظر هناك كما اعتادت، حديثها القصير ذلك جعلها ترتاح بعض الشيء، ربما هي لا ترفضها، ربما هي اختارت فقط الوقت الخطأ لتعرض عليها الأمر، دخلت الاسطبل تتنهد براحة مع الوضع في الاعتبار أنها لن تترك زمرد وشأنها حتى تمنحها دروسًا إضافية في المبارزة، فهي عقدت العزم على ابهار سالار وستفعل .
__________________
عند دانيار والذي ظل يبحث عنها في كل مكان حتى كاد ييأس، واخيرًا وجدها تتحرك في الحديقة بهدوء ولا مبالاة ليستوقفها بشر :
” أنتِ يا فتاة لن تتوقفي حتى تُعدمي أو تُقطع يدك، كيف تتجرأين على سرقة أسلحة الجنود ؟!”
نظرت له زمرد بغيظ شديد لا تدري ألم تجد المشاكل سوى هذا اليوم لتقفز لها، تنفست بصوت مرتفع تقول :
” اي أسلحة تلك ؟؟ أنا لم أفعل شيئًا وتوقف عن إلقاء التهم في وجهي، ثم ألا وظيفة لك في هذا المكان سواي؟! جد لك حياة بعيدًا عني سيدي الرامي فلن ينفعك أن تظل تبحث عن حجج لتظهر في وجهي ”
ختمت حديثها تتحرك بعيدًا عنه بأعين ملتمعة بانتصار كبير، واخيرًا شعرت لمرة واحدة بانتشاء، اصمتته وهو أمر لم تقدر عليه سابقًا، تخطته وهو ما يزال واقفًا مبتسمًا بسمة لا تليق أبدًا بخاسر اسمعته من الحديث ألذعه، ما بال هذا الرجل لا ينحني لحديث ولا يرتعب لسيف ؟؟
وقبل أن تتحرك خطوة أخرى بعيدًا عنه سمعت صوت خشخشة غريب، تبعه صوت دانيار الذي قال :
” أوه أنا آسف حقًا يبدو أنني اسئت الفهم، وظننت أنكِ أنتِ تلك اللصة التي تسللت لسكن الجنود وسرقت منهم بعض الأسلحة كالخناجر والسيوف، اعذريني، يبدو أنني بالفعل مهووس لاراكِ في كل فعل سييء ”
شعرت زمرد بالريبة فليس دانيار من يتحدث بهذه الطريقة الخانعة المستسلمة، والأدهى أنه يعتذر لها، ابتسمت بعدم تصديق تستدير لترى ما يقصد من هذا الحديث :
” أنت لا تحاول خداعـ ….”
صمتت واتسعت الأعين تباعًا لصمتها حين أبصرت ما بيده، تحركت يدها بسرعة صوب رقبتها تتحسسها برعب وقد على وجيب قلبها، لتدرك في هذه اللحظة أنها فقدت قلادتها، قلادة والدتها المتوارثة، حزنها على والدتها انساها متعلقاتها التي تحتفظ بها .
ابتسم دانيار وهو يرى كل ذلك ليقول بهدوء :
” إذن سأذهب للبحث عن اللصة صاحبة هذه القلادة والتي اسقطتها داخل سكن الجنود ”
” أنها أنا ..”
قالت كلمتها بلهفة وهي تتقدم من دانيار وهو ابتعد للخلف يرفع حاجبه مبتسمًا :
” أنتِ اللصة ؟!”
” أنا …أنا صاحبة هذه القلادة، اعطني إياها”
” هكذا إذن ؟؟ سأحتفظ بها رفقة السيف والخنجر، عجبًا أنا سأخصص ركنًا في غرفتي لاشيائك الحبيبة ”
ختم حديثه باستفزاز كبير لها لتلتمع شراسة مخيفة في عيون زمرد استعد لمجابهتها، لكن الغريب أن تلك الشراسة خفتت شيئًا فشيء وعلى الرجاء عيونها وهي تتقدم منه تقول بخوف أن يحرمها من القلادة كذلك كما السيف وهو جاد حين يقول أنه سيأخذها .
” لا، ارجوك أنا …أنا آسفة، فقط كنت …كنت احتاج لشيء ادافع به عن نفسي فقط ولم اقصد، سأعيد كل شيء إن أردت، لكن ذلك ..ذلك العقد أنا..أنا ارجوك أنا ارجوك أعده لي ”
صدمته بنظراتها ورجائها، وهي التي لم تنحني يومًا، تأتي الآن تتوسله لأجل عقد، حسنًا هو يبدو ثمينًا، لكنه لم يعتقد يومًا أن شيئًا كهذا قد يكسر هامتها المرفوعة .
وزمرد لم تكن في تلك اللحظة تجيد اختيار انفعالاتها البتة، ذكرى قتل والدتها، ورعبها من فقدان شيء ثمين كهذا يعود لها، يضغط على أعصابها بشكل مدمر، حتى أنها كادت تبكي في هذه اللحظة، لا تدري أتبكي والدتها ام ما يخصها ؟!
ودانيار الذي لم يقصد تهديدها البتة، بل سارع لاخفاء الدليل الذي قد يطيح بها لدى الملك مخالفًا القوانين خوفًا أن تعاقب وجاء ليوبخها، لكن ما يحدث أمامه الآن أكثر مما توقع .
سقطت دموعها دون شعور وهي تقول بصوت مرتجف :
” سأعيد كل شيء أعدك، فقط أعده لي، أنا …أنا ..هذا آخر ذكرى لي من امي، لا أستطيع أن أفقدها كما فقدت أمي”
عند هذه النقطة انفجرت زمرد في بكاء جعل دانيار يرتعب وهو يقول بلهفة وخوف يراها تدفن وجهها بين كفيها تمنح نفسها رفاهية الانهيار، لكن في الوقت الخطأ وأمام الشخص الخطأ.
آخر من أرادت يومًا أن يراها منحنية، وليس باكية بشكل مذري كما يحدث الآن .
” ما بكِ أنا لم أقصد أن آخذه، هيا خذيه، أنا لم أكن لآخذه اقسم لكِ ”
لكن زمرد في تلك اللحظة لم تكن معه، بل كانت بين احضان والدتها وهي تضمها بحب تهمس لها :
” أنتِ آخر من تبقى لي بعدما سلبوني حياتي زمرد، فعوضني الله بكِ حياة جديدة، تذكري أن والدتك تحبك، لا امتلك في هذه الحياة اغلى وأثمن منك، ولن أسمح لهم بتلويثك صغيرتي، حتى ولو فقدت حياتي مقابل هذا، سأخرجك من هذا المستنقع الذي فشلت أنا في الخروج منه، فلا تدعي أحدهم يلوث براءتك صغيرتي ”
ازدادت شهقات زمرد أكثر تنهار ارضًا بشكل جعل دانيار يشعر بالوجع والضعف تجاه ما يراه، عض شفتيه بقوة يحاول التحكم في مشاعره، فجأة انتفض جسده للخلف وهو يدرك تلك الكلمة ..
مشاعر ؟؟ يالله مشاعر ؟؟ ما الذي حدث ؟؟ كيف …كيف تجاوز كل شيء لتلك النقطة، ما الذي سمح بحدوثه؟؟ كيف كيف ترك نفسه للشيطان يقوده صوب افتتان غبي قد ينتج عنه ما لا يرضي الله .
ضغط على قبضته بقوة يميل وهو يضع العقد جوار قدمها حيث سقطت يهمس بصوت منخفض ونبرة غريبة:
” آسف لكِ آنستي، ماكان عليّ فعل ذلك ”
ختم حديثه يتراجع شيئًا فشيء قبل أن يركض بعيدًا عنها وكان الشياطين تتبعه، وزمرد التي استفاقت على كلماته نظرت لاثره بعدم فهم وهي تقبض على العقد، لا تدرك معنى كلماته المبطنة تضم العقد لصدرها باكية ونبضاتها ترتفع تخبرها أن هناك شيء سيحدث ولن يعجبها البتة …
__________________________
تحرك داخل ساحة الرماية يبحث عنه بعيونه حتى عثر عليه في أحد الأركان يكاد يبتلع أحد الجنود، يصرخ بشكل مرعب لا يفهم له سببًا .
حسنًا هو هكذا طوال الوقت أثناء التدريبات، لكن الآن الأمر تجاوز الحد المسموح به من العنف، تقدم مهيار صوب دانيار ببطء يستشعر غرابته منذ فترة طويلة، وقد أزدادت تلك الغرابة الآن وهو يراه يمسك تلابيب أحد الجنود يصرخ في وجهه :
” أنت هل ترانا نلعب هنا ؟؟ هل نمزح ؟؟ نحن هنا ندافع عن بلاد وشعب، إما أن تكون على قدر المسؤولية، أو ترحل وتترك مكانك لمن يستحقه ”
وقبل أن يتبع جملته بجملة أخرى شعر بمن يجذبه من الخلف، اشتدت أعين دانيار شراسة وهو يصرخ بجنون يستدير صارخًا :
” الويل لـ ”
وقبل أن يكمل حديثه سحبه مهيار بعيدًا عن الجميع وهو يحاول تجنب قبضته، ودانيار كان يشعر بعروقه تكاد تنفجر من شدة الضغط الذي يمارسه على نفسه وكأنه يعاقبها على ما فعل، ترك الشيطان يراوده ويحبب له فتنة كان بإمكانه تجنبها بسهولة لو أنه منذ المرة الأولى تجاهلها وتركها تغني كما تشاء ورحل .
أو اعطاها السيف وانتهى الأمر
وقف به مهيار جانبًا يضمه مكبلًا ذراعيه :
” ما بك دانيار ؟؟ بالله عليك ما الذي حدث ليشتعل جنونك بهذا الشكل !!”
” لا علاقة لك مهيار، ابتعد عني قبل أن يطولك جنونك ”
زفر مهيار يتركه وهو يتراجع للخلف فقط يتفادى غضبه ثم قال :
” حسنًا لتحترق أنا لا اهتم، أنا فقط جئت هنا كي اطلب منك مساعدتي في أمرٍ ما ”
تنفس دانيار بغضب يلوح بيده في الهواء :
” لستُ متفرغًا لشيء الأن، نحن على مشارف الحرب مهيار، فالافضل لك أن تبدأ التجهز، والآن سأذهب لأرى هؤلاء الكسالى و لنأمل أن تمر الحرب على خير و…”
قاطعه مهيار ببسمة واسعة ضاربًا بكل حديث شقيقه عرض الحائط، كأنه لم يتحدث بكلمة واحدة، يختار وقتًا مناسبًا لعرض ما يريد :
” في الحقيقة أنا أريد الزواج، وجئتك كي تأتي معي لطلب يد الفتاة التي ارغبها ”
حدق به دانيار بصدمة كبيرة، ما الذي يتحدث عنه الآن، يخبره أن البلاد في حالة حرب والجميع في حالة استنفار، وهو ذاته داخله حرب ضارية، ليأتي هو ويقول له أنه يود الزواج ؟؟
لكن مهيار لم يهتم لكل ذلك الذي يظهر على وجه دانيار وهو يقول بجدية مبتسمًا :
” حسنًا أنت تعرفها، هي شقيقة مرجان، ليلا، أنت اخي الاكبر فأردت أن تأتي معي، ما رأيك ؟!”
” هل أنت ابله مهيار ؟؟”
كانت كلمات دانيار متشنجة مصدومة، لكن مهيار لم يهتم ينفي تلك الكلمات ببسمة صغيرة :
” لا لست كذلك، هل ستأتي معي ؟!”
مسح دانيار وجهه يقول بتعب شديد :
” أغرب عن وجهي مهيار قبل أن أفقد أعصابي عليك أنت”
” لا بأس إذن سأتحدث مع والدها وأحدد موعدًا قبل انطلاق الحرب، لا أود خوض حرب أخرى وأنا اعزب، والآن استأذنك عزيزي، واتركك تكمل قتل رجالك ..”
تحرك بعيدًا عنه تاركًا دانيار ينظر لاثره بصدمة كبيرة، بينما هو لا يهتم بكل ذلك يفكر أن تلك المفاجأة ربما تخفف من وطأة ما حدث آخر لقاء له مع الصغيرة ليلا ..
ربما هي ما تزال غاضبة منه على تصرفاته وقتها ولذلك لم تعد تذهب لمحل والدها تحرمه رؤيتها، لكن إن كانت تتجنبه، فهو سيذهب لعقر دارها يطالب بها حقًا مكتسبًا له، وهكذا سيمنع أي شخص تسوّل له نفسه الاقتراب منها كما حدث مع هذا الرامي ذلك اليوم …..
توقف الشاب عن الحديث حين أبصر جسد مهيار يقبع خلف ليلا، وهو من ظن أنه يستطيع أن يتحدث معها قليلًا بعيدًا عن أعينه .
ابتلع ريقه يرى تقدم مهيار منهم وهو يقول ببسمة :
” هل هناك شيء ؟؟”
” ماذا ؟؟ لا لا سيدي أنا فقط كنت أود الحديث مع الآنسة ليلا حول …حول بعض الأعشاب التي تهم صحة والدتي ”
نظرت له ليلا باهتمام شديد ولم تلتقط توتره وكذبه الذي يختفي خلف حروفه .
” نعم، يمكنك الذهاب لأبي في محله وسؤاله عما تريد، لا اعتقد أن وقفتنا هذه صحيحة، والآن عذرًا منكما ”
وما كادت تتحرك حتى انفلتت عقدة لسان الفتى يتحلى بشجاعة وهمية وهو يردد :
” لقد تغيبت عن موعدي دون إرادتي و…”
قاطعه مهيار وهو يتدخل في الحديث زاجرًا إياه بنظرات مخيفة :
” أخبرتك أن وقفتها معك بهذا الشكل ليست جيدة، إذن اصمت ودعها ترحل ”
نظر لليلا يقول دون وعي :
” وأنتِ يا صغيرة اذهبي الآن ولا تهتمي ”
وكانت ليلا لتنفذ ما قاله لولا اقتران كلماته تلك بكلمة ” صغيرة” التي اشعرتها للحظات أنه بالفعل لا يراها سوى فتاة صغيرة يملي عليها ما تفعل، ويخشى عليها أن تخطأ ببلاهة .
” عفوًا منك سيدي الطبيب، أنا لا أتلقى أوامر من أحد ”
” أي أوامر تلك ليلا ؟! أنتِ بالفعل كنتِ على وشك الرحيل”
” نعم وهذا كان بإرادتي الحرة وليس لانك قلت هذا ”
اشتعل الغضب في أعين مهيار من مجادلتها الغريبة تلك :
” وما الفرق بينهما، في النهاية أنتِ سترحلين ”
جابهته لاول مرة تصرخ في وجهه كارهة شعور أن ينظر لها كصغيرة :
” سأرحل لأنني أريد وليس لأن أحدهم يريد لعب دور ابي أمرني بذلك ”
ازداد الغضب بينهما وزادت حدة الكلمات المتراشقة، حتى خاف الشاب أن تطوله إحدى تلك الكلمات، ليهرول بعيدًا عنهما تاركًا الحرب خلفه تشتعل مع كل كلمة تخرج من أحد الأطراف ..
أفاق مهيار من كل ذلك وهو يتحرك صوب العيادة الخاصة به :
” لا بأس، موعدنا قريب يا صغيرة …”
______________________
ابتعد عنها بريبة يحاول أن يفهم كلماتها التي جاهد عقله لانكارها، والدها عقبته القديمة تعود مجددًا، كلماتها لم تزده سوى اشتعالًا، زاد غضبه أضعاف مضاعفة، لم تساهم في تهدئته بل زادت كرهه وحقده لذلك الرجل الذي مكر بوالده قديمًا، واضاع منه صغيرته .
” تميم اقسم لك أنني لم أقصد الابتعاد عنك لا الآن ولا قديمًا، هو …هو فقط …لقد أجبرني على الرحيل، لقد ”
صمتت ثم ابتعد عنه وكأنها تخشى أن ينفلت وحشه في وجهها إن واجهته بتلك الكلمات أمامه مباشرة .
” حين واجهتك قديمًا أنني السبب فيما حدث لوالدك، وانفجرت في وجهي ونبذتني ورحلت …”
تنفست بصوت مرتفع تأبى استعادة تلك الذكرى التي ما تزال تدور داخل عقلها، سقطت دموعها لا تصدق كي تجرأت وقتها لتقف في وجه تميم الباكي المدمر والذي جاء يخبرها بكامل الحزن أنهم أمسكوا والده.
جاء يبكي في أحضانها أنه خسر والده، لتنهار هي وتشعر بالذنب يأكلها، كانت بريئة للحد الذي جعلها ترفض لجوئه لها وهي السبب في تعاسته، شعرت بالحقارة وهي تنفجر باكية أمامه منهارة تطلب منه الغفران والسماح، كلمات رددتها وما لبثت أن لقت صداها في صدر تميم الذي انتفض بعيدًا عنها يحدق من بين دموعها في وجهها والصدمة جمدته :
” بيرلي أنتِ لم تفعليها، صحيح ؟؟ أنتِ لم تقتليني بهذه الطريقة صغيرتي أليس كذلك ؟؟”
انهارت وقتها برلنت ارضًا تتمسك بيده متوسلة الغفران باكية بصوت مرتفع من بين شهقاتها كلمات لم يستوعبها هو وما تزال الصدمة واضحة على وجهه :
” سامحني لقد اجبرني، لقد أجبرني على فعل ذلك، اقسم أنني لم أعني أذية عمي، لقد هددني تميم، هددني ”
عادت برلنت من تلك الذكرة المريعة على يد تميم تمسح دموعها وهو يمسك وجهها بحنان قائلًا :
” هييه بيرلي لِمَ البكاء صغيرتي ؟؟ لم أعني أي كلمة قلتها وقتها، أنا فقط كنت غاضبًا، وحين أدركت ما قلت ركضت صوب منزلك لاخبرك أنني لم أعني ذلك وأنني رددتك، ركضت لاسألك عن سبب ما فعلتي لكنني لم أجدك، أو اجد ايًا منكم ”
استندت برأسها على يده تهمس بصوت منخفض موجوع :
” لقد هرب بنا والدي، منعني رؤيتك للمرة الأخيرة، توسلته وبكيت له، ليهتف في وجهي أنك لن تحب رؤية قاتلة والدك”
صمتت لتنهار في البكاء وهي تنفي برأسها:
” لم أقصد اقسم لك، لم اقصد قتله، لقد هددني بك، هددني أنني إن لم أخبره مكانه سيقتلك أو يبلغ عنك الجنود ويأسرونك أنت بدلًا منه ”
” اهدأي بيرلي، لا يوجد شيء هكذا، لا يمكن للجنود أسري بدلًا من أبي ”
” هذا ما أدركته لاحقًا بعدما نجح في خداعي، واخذني وهرب بي بعيدًا وأنا ابكي أنني أريد البقاء جوارك، حتى لو نبذتني ”
سقطت دموعها تحاول التنفس بشكل جيد وهو ينظر لها بحب وحنان يمسح لها دموعها :
” عدت بعد سنوات حينما هربت من منزلي بحجة العمل، وعدت أسأل عنك لأعلم أنك أضحيت صانع الأسلحة الأشهر في البلاد، فقررت المجئ هنا والبقاء جوارك وإن لم تشعر بي ”
نظرت لعيونه التي كانت تحكي معاناة خاصة بعيدًا عن معاناتها ويده ترتجف بغضب :
” وحينما أخبرتني منذ ايام أنني ما أزال زوجتك وسأبقى جوارك، قررت الذهاب لمنزلي واخبار امي أنني لن استطيع العودة وسأبقى جوار زوجي، لكنه سمعني و…”
صمتت فجأة حين رأته ينتفض بعيدًا عنها وجسده قد أضحى مشدودًا بشكل ملحوظ فأكملت بصوت خافت :
” وقد حاول منعي العودة لك ”
استدار لها تميم غاضبًا من كل ذلك :
” ذلك الحقير القذر ..”
انتفض جسد برلنت للخلف تخفي عيونها الموجوعة عنه، فمهما فعل ذلك الرجل، هو للأسف والدها، لكن يبدو أن تميم لم يكن بمثل تلك الملائكية ليتجاوز عن أفعاله وغضبه يصرخ بكره واشمئزاز أصابها في مقتل :
” ذلك الرجل مجرد جلب اسمه في حديث تجلب شياطيني، لا أود سماع اسمه او لقبه، أنا أشعر بالاختناق كلما تذكرت ما عانيت بسببه وبسبب جشعه ”
ويبدو أن لعنة والدها وما فعل ستظل تطاردها حتى النهاية، رؤية ملامح الاشمئزاز والغضب تعلو وجه تميم في هذه اللحظة إصابتها في مقتل، هو يكرهه، يكره والدها واسمه ولقبه، يكرهه وهي تقدر ذلك، فمن حرمك من والدك وحياتك الهانئة أقل ما تقدمه له هو الكره .
ارتجفت وهي تسمع همسه بصوت يقطر حقدًا :
” سماع لقبه يتبع اسمك يثير غضبي، أكرهه واكره كل ما يتعلق به ”
هبطت دموع برلنت وهي تقول بصوت منخفض :
” يمكنني التخلي عن لقبي لاجلك تميم”
استدار لها لتنظر هي له بوجع تهمس بصوت خافت تخفي عيونها والخزي بها عنه :
” إن كان ذكر اسمي يعيد لك ذكريات سيئة، فأنا على استعداد للتخلي عنه، يمكنني العيش دون اسمي وهويتي ما تبقى من حياتي، لكنني لا استطيع العيش دونك لحظة واحدة، سأغير لقبي لأجلك واتخلى عن هويتي لأجلك كذلك، فلا تنبذني تميم …”
تأوه تميم يقترب منها بحب شديد يجذب رأسها لصدره بحب كبير :
” برلنت أنتِ الشيء الوحيد الذي ينتمي له واتقبله، الجزء الوحيد به الذي لم انبذه، فلا يرضيني التخلي عن لقبك أو اسمك بيرلي، اتقبلك بكل ما بكِ، لكن …رفقًا بي ولا تأتي على ذكره أمامي أرجوكِ ”
هزت رأسها قبل أن تنفجر في بكاء عنيف، تلقي نفسها بين احضانه، وهو يربت أعلى ظهرها بحب شديد يحاول أن يهدئها وهو من يشتعل، يجبر قلبها، وهو المحطم ..
وفجأة قبل أن يتحدث بكلمة يطيب بها قلبها، سمع الإثنان صوتًا يأتي من أمام باب المعمل يقول :
” تميم اذهب لمصانع الأسلحة واو…..”
توقف سالار فجأة عن الحديث بأعين متسعة مما رأى، وتحركت يد تميم تخفض غطاء وجه برلنت فورًا وهو يقول بصوت خافت هادئ :
” سيدي …”
نظر له سالار ثواني دون أن يحيد بعيونه صوب برلنت التي تحركت تختبأ خلف ظهره وكأن سالار سيتناولها حية :
” أذهب لمصانع الأسلحة واوصيهم بالدفعة الجديدة في أسرع وقت، ولا تنس أن تحضر لي تقريرًا بكل شيء حينما تفرغ مما تفعل ”
ختم حديثه يتحرك بكل هدوء خارج المكان تاركًا تميم ينظر لاثره متسع الأعين وبرلنت تحدق بظهر تميم لا ترى ما يحدث، وحين استشعرت الهدوء في المكان قالت بصوت منخفض :
” هل رحل ؟! أم أنه فقط صامت ؟ ”
استدار لها تميم وعيونه ما تزال معقله بباب المعمل :
” لا ادري حقًا، هل كان القائد هنا ام أنني كنت اتخيل فقط ؟؟”
خرجت برلنت من خلف ظهره تنظر في المكان بعدم فهم ثم استدارت له تقول بجدية :
” إذن تميم، بما أنك تتعامل مع هذا القائد في معارك كثيرة، هل حقًا كما تقول الاساطير أنه يتحول لكائن مرعب ؟؟”
نظر لها تميم بتشنج قبل أن يقول بهدوء :
” حسنًا هو لا يحتاج للتحول، فهو بهذا الشكل مرعب …”
_________________________
توقف عن سيره بعيدًا أمام ساحة الرماية يراقبها بأعين دقيقة وكأنه يطمئن أن ابنته تسير خطواتها الأولى بكل ثبات، دون أن تزل قدمها أو تتعرقل في شيء .
ابتسم يرى نظرات دانيار الغاضبة لها وهو يكاد يصرخ في وجهها، لولا أن لمح فجأة وجهه ونظراته يحذره أن يتحدث بكلمة تحزنها، ليكظم دانيار غيظه وهو يقول :
” مولاتي، أنتِ بالفعل رامية بارعة، لكن رجاءً تعلمي كيف يوضع السهم داخل القوس ”
نظرت له تبارك تأخذ منه القوس وبه السهم، ثم رفعت ذراعها تعدل من وضعيه نظارتها التي تنبذها طوال الوقت، إلا في الحالات الضرورية كتلك، تتساءل إن لم تضعها في حقيبتها وهي قادمة ما الذي كان سيكون عليه مصير الرماية :
” نعم، لا بأس قريبًا اتعلم إن شاء الله، والآن تحرك من أمام الهدف كي لا يصيبك سهمي ”
اصطنع دانيار الارتجاف :
” أوه يا ويلتي، ها أنا ابتعد عن مرماكِ مولاتي، هيا تفضلي واريني ما الذي ستفعلينه ”
ابتسمت له تبارك وهي تسمع تمتمته العالية يحدق فيها بحنق وغيظ، ليس منها بل من الحياة وأفكاره التي تصارعه منذ الصباح .
رفعت تبارك عيونها صوب الهدف تغمض عين وتفتح الأخرى، تطيل التحديق به وهذا المراقب من بعيد كان متحفزّا يعتدل في وقفته ينتظر نتيجة تلك الدقة التي يدرك أنها تصطنعها، ابتسم بعدما استمرت تبارك دقيقة كاملة تحدق، ودانيار الشارد لا ينتبه لها .
وفي ثواني ترك السهم ليطير في الجو بسرعة مخيفة قبل أن يستقر في منتصف الهدف تحديدًا وبشكل غير متوقع، حتى أن تبارك تركت القوس، ثم انتزعت نظارتها تمسحها جيدًا وبعدها ارتدها مجددًا تطيل النظر بالسهم، نظرت بعدها لدانيار تنتظر أن يؤكد لها أنها نجحت، لكن دانيار كان شاردًا بشكل غريب جعلها تهتف :
” هل أصبته ؟؟”
نظر لها دانيار دون وعي يقول وهو يأخذ منها القوس :
” لا بأس لنعيد الكرة، ومع الوقت ستصبين الهدف و…”
“لقد اصبته ”
نظر لها دانيار بعدم فهم لتشير هي صوب الهدف، استدار دانيار بعدم فهم قبل أن يتراجع فجأة من صدمته للخلف يحدق في الهدف بأعين متسعة، ثم نظر لتبارك يهمس بذهول :
” فعلتيها ؟؟”
” فعلتها”
ابتسم لها دانيار بسعادة كبيرة يصرخ بعدم تصديق :
” لقد فعلتيها، مولاتي اصبتي الهدف قبل أن تشيب خصلاتي ”
ضحكت تبارك دون وعي وهي تشير صوب الهدف تقول بلهفة كبيرة :
” أصبت الهدف، اصبته ببراعة، اصبته ”
ضحك دانيار لا يصدق أنه نجح واخيرًا في تعليمها، لقد نجح بعد اسبوع طويل من التدريبات، نجح واخيرًا .
كان كل ذلك يحدث أسفل أعين سالار الذي كان يضحك بصوت خافت عليهم، يراقب فرحتها المبالغ بها وهي تتحرك في الساحة بحماس شديد تهتف أنها فعلتها، لتتوقف فجأة حين أبصرته تقول بسعادة كبيرة :
” يا قائد أنت هنا ؟؟ هل رأيت ؟؟ هذا سهمي هناك في الهدف، أنا من قذفته للتو، هذا سهمي الخاص، يمكنك سؤال دانيار حتى، أليس كذلك دانيار ؟؟”
ضحك سالار ضحكة صغيرة يهز رأسه بهدوء :
” نعم رأيت مولاتي، احسنتي، ربما حان الوقت لتغيير دانيار وتعيينك قائدًا لجيش الرماة، ما رأيك ؟!”
التوى ثغر دانيار بحنق شديد لتضحك تبارك ضحكة منخفضة وهي تحرك يديها في الهواء :
” لا، لا داعي لذلك حقًا، هذا لا شيء مقارنة بمهاراتي في الفروسية، يمكنك أن تجعلني قائدة على جيش الفرسان ”
ابتسم سالار بسخرية يقول :
” لا يوجد شيء يُسمى جيش الفرسان، نحن لن نحاربهم بالاحصنة ”
ابتسمت تبارك بسمة صغيرة قبل أن تهز كتفها بهدوء :
” لا بأس إذن، ربما أبرع يومًا ما في المبارزة وأصبح قائدة لجيشك أنت ”
رفع سالار حاجبه ساخرًا من تلك الفكرة قبل أن يتحرك بعيدًا عن الساحة :
” لا بأس، الاحلام مكفولة للجميع تحت سماء سفيد، من أنا لأمنع احلامك مولاتي ”
” هيييه أنت لا تسخر مني صحيح ؟؟ اسمع إذن يومًا ما ستعترف بتفوقي عليك سيدي القائد ”
نظر لها دانيار بحنق :
” يا فتاة ما هذه الثقة، حتى الملك خسر منه مرتين في المبارزة، وصدقيني حين أخبرك أن الملك ليس مبارزًا هينًا”
نظرت له تبارك بعناد تقول :
” كده ؟؟ طب ههزم الملك هو التاني، سامع هزمكم كلكم نفر نفر يا قائد، البنت اللي جبتوها عشان تبقى مرمطون ليكم هتخليكك تندموا كلكم ”
أطلق سالار ضحكات صاخبة في المكان وهي نظرت له ثواني، ثم قالت بهدوء :
” أنا اتقدم بسرعة كبيرة، حتى أن القائد اليوم صباحًا مدح اصراري وعزيمتي ”
صمتت تنظر لسالار الذي كان يراقب ما يحدث بملامح جامدة عدا بسمة صغيرة :
” صحيح يا قائد ؟؟”
نظر دانيار صوب سالار بتعجب أن يمتدح أحدهم، خاصة شخص مبتدأ، لكن لصدمته هز سالار رأسه يقول مشجعًا إياها، لأنه يرى بالفعل ما تبذله كي ترضي الجميع وتنسى كل ما يحدث حولها وما تعانيه جراء ذلك، كما أنه للحق لا يفهم سبب ذلك الشحوب الذي يعلو ملامحها منذ الصباح :
” نعم هذا صحيح، الملكة ستصبح مقاتلة بارعة إن لزم الأمر”
ارتفع رأس تبارك بسعادة كبيرة تنظر صوب دانيار :
” تلميذ الامس سيصبح معلم الغد يا فتى ”
أطلق سالار ضحكات صاخبة وقد اكتفى حقًا بهذه المشاهد للآن :
” ليس لهذه الدرجة، فالغرور يقتل النجاح …مولاتي”
” يحق لي الغرور يا قائد فها أنا أكاد أنافسكم في مجالاتكم وأنا لم أكن أفقه بها شيئًا ”
” نعم، تنافسينا صحيح ”
” فقط أنتظر وسترى ”
كان واضح أنه يتحدث بسخرية وهو ينظر لها تقف في منتصف الساحة تنظر له بتحفز، وهو فقط تجاهل كل ذلك يتحرك بعيدًا عنهم دون حتى أن يستدير ليجيبها وهي صرخت في أثره :
” ويلٌ لسفيد من شرٍ قد اقترب ”
زفر دانيار بحنق يلتقط أحد السهام يضعها في القوس، ثم رماهم لها يقول بسخرية شديدة :
” فقط تعلمي وضع السهم في القوس، ثم نتحدث حول هزيمتك لجيوش المملكة أيها الشر ”
نظرت له تبارك بحنق تمسك بالسهم وهي تقول بسخرية واستهانة شديدة :
” هذه الكلمات لن تزيد انتقامي إلا شراسة ”
نظرت صوب الهدف تقول :
” رجال هذه المملكة لا يجب التهاون معهم حقًا، الآن أصبحت رامية سهام بارعة، غدًا مبارزة رائعة ”
ختمت حديثها تترك السهم ليطير في الهواء بسرعة كبيرة، لكن الحظ لم يحالفها هذه المرة لتصيب الهدف للمرة الثانية، بل أصابت جذع الشجرة ليبتسم لها دانيار بسخرية وهي تنحنحت بصوت منخفض :
” يبدو أن عينًا سيئة اصابتني، هيا اعطني سهمًا آخر وسترى ”
ضحك عليها دانيار بصوت منخفض ينتزع منها القوس :
” شاهدوا لاول مرة رامية تتعلم الرماية دون وضعية السهم في القوس، مثير للاهتمام ”
نظرت له تبارك بغيظ شديد تستشعر سخريته منها، لكنها لم تعلق وهي تنتزع النظارة تمسحها، ثم وضعتها مجددًا تردد :
” لا بأس لكل جواد كبوة …”
______________________
ها هو يعاقب نفسه في هذه اللحظات على انجراف عقله للمرة الأولى خلف قلبه الذي جذبه فضوله لتلك الملثمة، أصبح في عيون نفسه آثمًا وود لو يذهب لتبارك يعتذر لها، يخبرها أنه آسف لأنه انشغل عنها بعض الأوقات يفكر في غيرها، حتى وإن لم تعلم سبب اعتذاره، أو حتى وإن كان تفكيره ذلك لم ينحرف لمنحنى خطر .
حسنًا لا بأس ها هو الآن يعاقب نفسه أشد عقاب قد يتلقاه داخل جدران هذا القصر .
يستدعي سالار ويخبره أن يبارزه كعدو وليس كملك، وتلك البسمة التي ارتسمت على فم سالار أخبرته أنه يفهمه، وأنه سيريه كيف يعامل أعدائه.
مال إيفان بسرعة كبيرة قبل أن ينتزع سيف سالار رأسه عن جسده، يالله هو يتعامل مع حديثه على محمل الجد، يكاد يجزم أنه يراه الآن بافل .
ابتسم سالار بسمة مخيفة وهو يرفع سيفه يحركه بكل مهارة في الهواء ثم قال :
” إن لم ترد فقدان رأسك المرة القادمة عليك أن تكون اسرع من هذا، وتتوقف عن الشرود ”
ختم حديثه بنبرة خبيثة، ليرفع له إيفان وجهه، يزيح خصلات شعره عن عيونه وهو يتحدث بهدوء :
” تتمنى فقط أن يمسني سيفك ”
” ماذا فعلت الآن، أنا فقط اساعدك في جلد ذاتك ”
تنفس إيفان بصوت مرتفع أكثر وقد مس سالار نفس النقطة التي كان يحاول الهرب منها، ازداد غضبه وهو يبادله الضربات بعنف شديد، ليسمح له سالار بذلك رغبة منه في مساعدته لتنفيث ذلك الغضب المنتشر على وجهه .
” هل الأمر كبير لهذه الدرجة مولاي، حتى تكاد تقتل نفسك بتركي اعاملك كعدو ؟!”
” بل هو إثم سالار ”
رفع سالار حاجبه يتعجب تلك التسمية وهو يتوقف عن القتال لحظات قليلة :
” إثم ؟؟ هل أنت من تحالف مع بافل أم ماذا ؟؟”
رمقه إيفان بغضب ليبتسم له سالار بسمة صغيرة يرفع سلاحه مجددًا، يستعد للهجوم عليه :
” ربما تبالغ في وصفك لفعلتك مولاي، لكن لا بأس طالما أن الأمر يصب في مصلحتي ”
ابتسم إيفان بسمة صغيرة يرفع سيفه في المقابل قبل أن يشتبك الاثنين في قتال شرس وايفان يدور حول سالار يبحث له عن نقطة ضعف، والاخير ينتظر اللحظة المناسبة ليرديه ارضًا :
” قتلي يصب في مصلحتك ؟؟ هل تطمع في عرشي سالار”
ابتسم سالار ساخرًا :
” مالي والعروش مولاي، أنا لن افني حياتي بالجلوس فوق مقعد وإدارة أمور المملكة، قبضتي تشتاق للسيف حين تركه، وعيوني تشتاق لمرأى الجيش كذلك ”
ابتسم إيفان يهجم عليه وهو يغافله في الحديث، ضربة صدها سالار يرسم بسمة واسعة مخيفة :
” أنت مخادع ”
” كل شيء متاح في الحرب يا عزيزي ”
ضحك سالار وهو يهجم على إيفان بسرعة كبير ليشتعل القتال بينهما كالعادة دون معرفة الرابح، مرات قليلة هي ما يُحسم بها القتال بينهما .
وفي الحقيقة نتيجة القتال لم تكن مهمة لها بقدر اهتمامها برؤيته من بعيد، ولا تدرك حقًا سبب وقوفها هنا في هذه اللحظة تراقبه بشغف، هي تخطأ، تخطأ وبشدة، هذا الملك، الشخص الذي نشب شجار عنيف بينه وبين شقيقه تناقلته الألسنة في الممالك الاربعة، وهو نفسه الذي سيتزوج بعد أيام لا تعلم عددها، شخص لا يصلح بأي شكل من الاشكال لأن تحبه، لا يمكنها فعل ذلك حقًا …
مهلًا تحبه ؟؟ لا بل تعجب به، وبعدله وحكمته فقط، هي لم تتخطى تلك النقطة، لم تتجاوز هذه المنطقة، ربما لو كان أرسلان حي في هذه اللحظة لكان نظر لها بغضب موبخًا إياها على تجاوز حدودها مع رجل غريب، ومن ثم يختتم حديثه بجملته المعتادة :
” كهرماني الحبيبة، أنتِ أميرة مشكى، من يريدك يسعى لكِ ويقطع بحارًا لأجلك، وليس أنتِ من تسعين لهم ”
سقطت دموعها تردد بصوت خافت :
” لو أن أرسلان ما يزال حيًا ما كنت وطئت سفيد أو رأيته، أو ورطت نفسي في مبارزات سخيفة لم اجني منها سوى الوجع، يكفي انتهينا كل هذا ”
رفعت غطاء وجهها تمسح دموعها، ثم أنزلته مجددًا، ترفع نظراتها صوب الحلبة التي كانت تبعد عنها مسافة لا بأس بها، لتُصدم حين رأت الملك يتوسط الحلبة وحده ويطيل النظر صوبها، شهقت بصوت مرتفع تتراجع بسرعة، تتمنى في قرارة نفسها أنه لم يبصر ملامحها بشكل واضع ابعد المسافة .
ركضت بعيدًا عنه تتلاشى النظر له، تعد نفسها أنها اكتفت من تلك القتالات المستمرة، هنا وتضع نهاية هذه القصة مع الملك، القصة التي لعبت بها دور المجهولة .
بينما إيفان راقب هروبها بملامح جامدة، يضغط على سيفه بقوة، كلما حاول أن يتلاشى التفكير بها تظهر أمامه، ألقى سيفه بعنف يتحرك بعيدًا عن الساحة بخطوات قوية وهو يفكر أنه فقط سيتجاهل كل ذلك، سيرى أين وصلت تدريبات الملكة كي تنتهي هذه القصة …
فجأة توقفت أقدامه يشعر بشعور سييء، سييء للغاية، هل سيظلم تبارك ؟؟ هل ما يفعله صحيحًا ؟؟ لكن الرؤية ؟؟ لحظة ما الذي يفكر به، هو لا يمتلك مشاعر لأحد، فقط يتمنى أن تنمو مشاعره تجاه الملكة بعد أن تكلل علاقتهما بالشرعية وتصبح زوجته .
الأقدار مكتوبة ولله في إخفاء الغيب حكمة، لكن اسوء شعور قد يراود إيفان هو أن يشعر بنفسه ظالمًا، قد يدهس مستقبله وقلبه أسفل أقدامه فقط لأجل ألا يظلم شخصًا للحظة واحدة، ايًا كان ذلك الشخص، وفي هذه المعادلة كان ظلم نفسه اهون الظلمات على قلبه .
والخوف كل الخوف أن ظلم نفسه قد يقترن بظلمه لشخصٍ آخر…
__________________
يلقي بمعطفه الملكي على مقعده، يشمر اكمام سترته القماشية وهو يعيد خصلات شعره للخلف، يتحرك يمينًا يسارًا وهو يتحدث الجميع بجدية كبيرة .
” نحن من نحدد أين تكون المعركة، لن نسمح لهؤلاء الحثالة أن يجبرونا على مكان لها، فما ادرانا أنهم لا يضمرون لنا شرًا، وهم لا عهد لهم ولا ذمة ”
ختم إيفان حديثه ينظر للجميع وقد ترأس هو الجلسة هذه المرة حتى ينتهي من تعليماته، والجميع أمامه، قادة جيوشه، طبيبه الملكي، العريف ومساعده، اثنين من مستشاريه ..
استند على الطاولة بكفيه يهمس لهم بجدية :
” توقعوا أي شيء خلال الحرب، توقعوا أي غدر، توقعوا أي قذارة قد يصل عقلكم لها، بل وتخطوها، بافل ليس كوالده، بل هو صورة أقذر منه، لعنة الله عليهم أجمعين ”
حرك نظراته صوب العريف ليقول :
” أنت أيها العجوز إن كنت تعلم شيئًا فافضي به الآن ”
نظر له العريف بهدوء شديد وهو يحاول أن يتجاهل كل ذلك يقول :
” لا يعلم الغيب إلا الله مولاي، وما أعلمه ما هي إلا رؤى من الله فقط، وإن كنت تتساءل فلا أنا لا ادري شيء، ليتغمدكم الله برحمته في هذه الحرب ”
زفر إيفان بصوت مرتفع، ثم تحركت عيونه صوب مهيار يقول بجدية :
” مهيار أنت ستجهز فريق كامل من المساعدين وتخيمون بالقرب من منطقة الحرب وسنترك معك كتيبة حماية لنقل المصابين وحمايتهم، خذ ما استطعت من رجال ”
حرّك عيونه صوب تميم الذي كان يراقب كل شيء بهدوء يدرك أن لحظة اعلان زواجه لم تحن بعد، هو في هذه اللحظة يواجه حربًا تمنع أي خطوة قد يخطوها في حياته الشخصية :
” تميم أريد التأكد من وجود زخائر وأسلحة تكفي كافة أفراد الجيش ”
واخيرًا نظر لدانيار وسالار :
” سالار أنت ستقود الجناح الأيمن، ودانيار سيؤمن ظهورنا، الجميع يعلم دوره، لا اريد خطأ، خطأ واحد لا اريد، لن اكرر حديثي، لا اريد أن يتحرك أحدكم خطوة واحدة دون إشارة مني أو من سالار ”
هز سالار رأسه بهدوء واحترام، بينما إيفان تنفس بصوت مرتفع ثم قال :
” ستبقى الكتيبة الرابعة هنا لتأمين الحدود والخامسة لتأمين النساء والقصر ”
أومأ الجميع بطاعة، ثم تحرك إيفان وجلس على مقعده بهدوء شديد يشير صوب سالار أن يتحرك ويكمل هو من حيث توقف، هو وضع الخطوط العريضة والآن كيفية الهجوم وكل ذلك سيتركه لسالار، هو لا يحب أبدًا أن يلعب دور المتسلط، أو ينفرد بالتفكير وحده، هو يترك كل شأن لصاحبه ( اسألوا اهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) ومن أفضل من سالار ليدرك أمور الحرب .
ابتسم سالار بسمة صغيرة يقول بهدوء :
” السلام عليكم جميعًا ”
ردد الجميع السلام، ليقول دون مقدمات وهو يخرج من حزام سيوفه مخطوطة كبيرة يفردها على الطاولة أمامه بسرعة كبيرة، ثم أخرج حنجره يصوبه بمهارة على نقطة معينة في تلك المخطوطة يهمس بصوت مخيف :
” هنا سنستدرج بافل وجيشه، سندفعهم صوب تلك النقطة، وحينها لا اريد سماع همسة إلا صرخاتهم، اروهم الجحيم .”
نظر صوب دانيار يقول :
” دانيار أنت والكتيبة الخاصة بك ستنتظرون إشارة الملك للتدخل، وهذه الإشارة ستصدر من جهة تميم تحديدًا ”
هز دانيار رأسه يستمع مع الجميع لخطة سالار الذي انغمس يشرحها لهم بكل جدية، والجميع مهتم بكل كلمة تخرج منه، وايفان يضع قبضته أمام فمه وهو يستمع لسالار مبتسمًا لتلك الخطة التي قالها .
ختم سالار حديثه يقول :
” الجيش الاول سيكون بقيادة الملك، وكما قال الملك الجناح الأيمن للجيش سيكون تحت قيادتي، أي أسئلة ؟؟”
نفى الجميع برؤوسهم ليبتسم :
” إذن توكلنا على الله أجمعين، اعقدوا النية وانطقوا الشهادة قبل تحركنا، والغد موعدنا يا رجال …”
_______________________
يجلس على عرشه في منتصف القاعة وهو يتكأ بكل كسل على ظهر المقعد، يسمع صوت أحد الرجال يحمل رسالة له من مملكة سفيد، مرسول جاءه يوصله رسالة ملكه .
فتح الرجل بملامح وجه جامدة الرسالة وهو يقول بصوت مرتفع جهوري قوي نابع من كونه صاحب حق :
” رسالة إلى المدعو بافل…
لا سلام عليكم ولا سلام لكم، ولا أراكم الله السلام يومًا.
أما بعد :
اردتها حربًا وسعيت لها، ونحن رجال كرم لا نرد طلب سائلٍ ولو كان بافل، طلبتها حربًا، ولك ما أردته، ما استعصى علينا الحرب مع امثالكم يومًا ونحن أصحاب الحق، ولو كان للقبور ألسنه يتحدثون بها لسمعت صرخات وصيحات والدك الذي اشبعناه خسارة وخزيًا لا يليق سوى بكم، فإن أردت تجربة ما مر به والدك مئات المرات، فالغد موعدنا، نلقاكم في الصحراء الشرقية بين مشكى وسفيد جوار بحيرة الحياة، ولتشهد كل حبة رمل وقطرة ماء على خزيكم الذي ستتجرعونه على يد رجال لا يخشون إلا الله، رجال يحبون الموت ويسعون له شهداء، وإن تخلفت عن الحرب فسنعتبرها دعوة منك للمجئ ومحاربتك في عقر دارك، أو عفوًا في عقر دار الملك أرسلان رحمة الله عليه، سنكمل حربه ونعيد بلاده وشعبه، وفي النهاية تحياتي حتى ألقاك غدًا.
ملك سفيد، الملك إيفان ”
ختم الرسول كلمات الرسالة والتي خطها إيفان بنفسه، وهو ينظر لبافل ينتظر منه ردًا، لكن كل ما صدر من بافل هو بسمة جانبية وهو يقول :
” ألا ترى أن ملكك في غاية الوقاحة يا رجل ؟؟”
اجابه الرسول بصوت ثلجي وملامح جامدة :
” بل في غاية الشجاعة، وهذه صفة لا يعلمها امثالك بافل”
ابتسم بافل بسخرية شديد :
” أوه أين رأيت هذه الوقاحة والجرأة في الحديث ؟؟ صحيح في سالار ”
نظر له الرسول يقول بتصحيح :
” القائد سالار، ولي الشرف أن تراني مثله ”
” ألا تخشى أن تتدحرج رأسك في الثانية القادمة يا رجل ؟؟ أنت الآن في بلادي وتحت رحمتي ”
علت نظرة ساخرة نظرات الرجل وهو يقول بهدوء :
” اولًا هذه ليست بلادك، ثانيًا أنا لست بحاجة لرحمة امثالك، أنا في عناية ورحمة الله، والآن بما أن رسالتي وصلتك سأرحل، وإن أردت قتلي فلتفعل قبل خروجي ”
ختم حديثه يستدير بهدوء شديد، وهو يحرك قبضته صوب السيف الخاص به في استعداد تام لأي حركة غدر تصدر من ذلك الرجل، لكن ما حدث له شيئًا حتى صعد لحصانه خارج القصر وتحرك بعيدًا، تحت أعين بافل الذي ابتسم بسمة جانبية وهو يضيق عيونه بشكل مخيف …
________________
خرجت من حجرتها بعدما انتهت من أخذ حمام بارد بعد تمارينها، تشعر بالوهن الشديد يتملك منها، تبحث عمن يساعدها بأعين ضبابية .
لا تدرك أين تسير ولا تعلم مع من تتحدث، كل ما تشعر به بذرات وعيها الأخير أنها لا تعرف ايًا من الوجوه التي تحيط بها، لا تألف احدهم ليساعدها .
ابتلعت ريقها تبحث عنه، طوق النجاة الذي كان يظهر في وجهها كلما واجهت مشكلة، العجب أنه ليس هنا في هذه اللحظات، بللت شفتيها تستند على الجدار وقد قررت أن تتحرك صوب المشفى، هناك ستجد من يساعدها، ولم تعلم كعادتها سوى مشفى الجنود حيث الطبيب مهيار .
وصلت ولا تعلم كيف فعلت، دخلت المشفى بأقدام مرتجفة تشعر بقرب انهيار الجدران أعلى رأسها، تبحث عن الطبيب بين الأروقة .
” هو فين …عايزة …أنا تعبانة ”
وحين لم تبصره تحركت صوب مكتبه تقرر البحث بنفسها بين زجاجات الاعشاب خاصته، تأمل أن تجد ما يساعدها .
لكن حين حاولت فتح الباب وجدته مغلق لتشعر باليأس .
ثواني، هي ثواني فقط وستفقد كل طاقتها، لم يكن عليها إهمال ادويتها ومرضها طوال الأيام السابقة، هذا كله خطأها هي المخطئة الاولى .
فجأة ومن بين وعيها المتبقي سمعت صوتًا يهتف بتعجب واندهاش بلقبها :
” مولاتي ؟! هل أنتِ بخير ؟؟”
فتحت تبارك عيونها تبصر جسد مهيار الذي انتهى من الاجتماع وعاد للمشفى، لكنه لم يكن وحده بل كان معه دانيار وتميم و…سالار .
تحركت تبارك صوبه ببطء شديد تحاول أن تتحكم في نفسها :
” مرحبًا سيدي الطبيب اعتذر لازعاجك لكنني احتاج بعض المساعدة منك ”
تفاجئ مهيار من علامات الإجهاد الواضحة على وجهها، يقترب منها بسرعة وهو يهتف :
” مولاتي هل أنتِ بخير ؟؟”
نظرت له تبارك تقول بصوت منخفض :
” نعم أنا فقط أشعر بالارهاق الشديد، ادويتي لقد نفذت ”
تدخل سالار في هذه اللحظة بعدما شعر أن الصمت لن يجيب اسئلته التي تنخر عقله، يتقدم منها وهو يردد بصوت متحفز :
” ادويتك ؟؟ ”
نظرت له تدرك وجوده في هذه اللحظة وقبل التحدث بكلمة واحدة، انهار تماسكها لتسقط ارضًا بعنف، تحت صرخة سالار برعب وهو يتحرك نحوها :
” مولاتي …مولاتي ”
وحين أبصر تمدد جسدها ارضًا بملامح تحاكي الموتى صرخ بهلع شديد :
” يا ويلي، تبارك ……”
_____________________
لهفتك يا بني ليست هي من تفضح مشاعرك، بل هي عيونك، أكبر خائن يئويه جسدك، بوابة مشاعرك التي تخبر الجميع بما تحاول إخفائه ….
وتذكر أن كل ما يحدث ما هو إلا حرب، إما أن تنتصر أو تنتصر لا خيار ثالث أمامك….



 
google-playkhamsatmostaqltradent