رواية مملكة سفيد الفصل الثاني عشر 12 - بقلم رحمة نبيل

الصفحة الرئيسية

   

 رواية مملكة سفيد الفصل الثاني عشر 12  -   بقلم رحمة نبيل



#الثاني_عشر
#الملثمة_الحقيقية
قبل القراءة متنساش تعمل لايك للفصل كتشجيع للكاتب ..
صلوا على نبي الرحمة.
_______________
مستقر أعلى عرشه بكل كبرياء يرفض حتى أن يخفض نظراته صوب الجميع وبسمة جانبية ترتسم على فمه بعد كلمات الملك آزار الذي يقف مع جنوده في منتصف قاعة عرشه، وجواره يقف الملك بارق ( ملك سبز) وهو يطيل النظر به ينتظر منه إجابة على اتهام آزار له .
” إذن ملك إيفان، لا رد لك على ما قيل في حقك منذ دقائق؟!”
نظر إيفان بهدوء شديد صوب بارق يجيب بمنتهى البساطة وبملامح عادية :
” وما الذي قيل في حقي منذ دقائق ملك بارق ؟!”
” تلك الرسالة التي وصلت لمملكة الملك آزار من بافل تفيد أنك الشخص الذي عاونه لدخول مشكى منذ البداية ”
هبط إيفان عن عرشه يتجرد من تاجه، ومن ثم نزع ثوب الملك الذي يتطاير خلفه ليظل فقط بثيابه العادية ويقف أمامهم بهدوء يقول :
” أوه نعم، بخصوص هذا ..لا أنا لا أملك رد على مثل هذه التُرّاهات ”
ضحك آزار بشراسة صارخًا في وجه إيفان وقد اشتعلت اوداجه بالغضب مما يقال :
” وما الذي سيقوله ملك بارق ؟! سيخبرك أنه تعاون مع هؤلاء الشياطين لإسقاط مملكة مشكى ؟؟ هل سيعترف على نفسه ؟؟ سيحبرك أن حقده وكرهه للملك ارسلان تحكما به لدرجة أن يتناسى صداقتهما التي استمرت عقود ويبيعه للشيطان بافل ؟!”
تحركت أعين إيفان ببطء شديد صوب آزار يجيب ببرود لم يتخلى عنه منذ بداية الحوار فإن فعل لن يضمن أن تظل جدران القاعة مكانها :
” جيد أنك تعلم أن الخائن لن يأتي ويعترف على نفسه، ومن افضل منك ليعلم ملك آزار ؟؟”
بُهت وجه آزار وشعر بالصدمة من تلميحات إيفان له، في الوقت الذي دخل به سالار بقوة يتحرك صوب الجميع وقبضته تحسست سيفه يتجهز لأي هجوم، لكن نظرة من إيفان أوقفت كامل تحفزه .
هدأ جسد سالار قليلًا، لكنه لم يُسقط كامل دفاعاته في انتظار إشارة صغيرة منه، و عيونه تدور على آزار الذي همس بدفاع عن نفسه :
” ما الذي ترنو إليه ملك إيفان، تلك الرسالة التي وصلت لقصري تخبرني بوضوح أنك أنت من ….”
قاطع إيفان كلماته وهو ينظر له نظرات قوية مخيفة :
” يبدو أن هناك علاقة طيبة بينك وبين بافل لتتبادلا الرسائل ملك آزار، علاقة طيبة لدرجة أن يصل مرسولة حتى قصرك، حسنًا أخبرني لِم ارسل لك أنت بالتحديد رسالة يدينني بها ؟؟”
صمت ثم أضاف بسخرية لاذعة وهو يميل له برأسه : هل أنت الوصي عليّ؟؟ أم هل يظنك ستوقفني عند حدي إن كنتُ بالفعل خائنًا، والسؤال الأهم هو، هل بافل من الغباء الذي يدفعه لكشف حليفة بهذه البساطة ؟؟ لا تخبرني أنه اكتفى بمشكى وقرر أن يكشف مساعده لكم لتتخلصوا منه ”
صمت ثم دار بعيونه بين الجميع يقول بهدوء شديد يضم يديه خلف ظهره وصدره العريض بارز أسفل ثيابه البيضاء :
” حينما تأتي بإجابة لهذه الأسئلة ملك آزار يمكنك وقتها أن تأتي وتحقق معي في مملكتي وقتها ربما أسمح لك بفعل ذلك، ربما … ”
ابتلع آزار ريقه ولا يفهم حقًا ما يحدث حوله، بينما بارق والذي يثق في إيفان ثقة عمياء ولم يصدق ما قيل له، تقدم يقول بهدوء :
” اعتقد أن بافل بدأ يحاول اللعب على تفرقة الممالك الثلاثة المتبقية ليسهل له كسرنا إيفان، يتلاعب بنا ويحاول إسقاطنا واحد تلو الآخر، وربما أراد البدء بمملكتك لذلك ارسل تلك الرسالة لمملكة آبى ”
رفع سالار حاجبه وهو ينظر للجميع بهدوء وعقله يدرس كل ما يدور حوله من أمور، المشاكل تتفاقم والخيوط تتشابك والقطع تسقط واحدة تلو الأخرى .
هنا وقرر سالار التدخل بهدوء كبير وبكلمات مقتضبة كعادته :
” شخص كبافل لن يكتفي بمشكى ولن يتوقف عند حدود سفيد، وشيئًا فشيء ستتفاقم طموحاته وتصل لآبى وسبز، وصدقني أنت لا تود أن ترى ما فعل بمشكى ”
نظر له بارق باهتمام شديد يثق بعقلية سالار الحربية والذي كان يدرك جيدًا ما يقول، فلا تخرج منه كلمة دون تفكير طويل :
” ما الذي تراه إذن سالار ؟؟”
وكلمة واحدة أصدرها سالار بعدما نظر لايفان يستأذن منه الحديث وايفان منحه بسمة خبيثة وكأنه يعلم جيدًا ما سيقول سالار، وقد كانت كلمة واحدة هي التي أخرجها وهي أكثر الكلمات التي يألف لسانه حروفها :
” الحرب ”
ابتسم إيفان يضم ذراعيه لصدره يوافق سالار بقوة :
” نعم يبدو هذا خيارًا ملائمًا لي ولمملكتي ”
اعترض آزار بقوة على تلك الفكرة في هذا الوقت تحديدًا :
” لكن ملك إيفان الأمر ليس بهذه البساطة التي تتحدث بها أنت وقائد جيوشك، نحن نتحدث عن حرب مع المنبوذين والذين أصبحت أعدادهم منذ آخر مواجهة معهم مرعبة، نتحدث عن مجموعة تغلبت على الملك ارسلان وجيشه وهزمته شر هزيمة ”
ولأول مرة لا يطلب إذن إيفان للحديث، بل دفعه الغضب للدفاع عن صديقه واسمه بعد وفاته، صديقه الذي كان جندي جسور شريف إذ قال بقوة لم يكتبها إيفان الذي ترك له حرية الدفاع عن رفيقهم :
” ملك آزار، الملك أرسلان لم يُهزم شر هزيمة، بل غُدر به، لقد هجموا عليهم وقت صلاة الفجر، قتلوا الجنود وهم ساجدون لربهم، واستغلوا عنصر المفاجأة وقتلوهم، وارسلان أنا متأكد حتى وإن لم أكن معه، أنه مات محاربًا شامخًا ولم ينحني لهم ولو قطعوه اربًا، أنت تتحدث عن ملك مشكى الذي استلم بلاده خرابًا بعد وفاة والده ونهض بها لتصبح من أقوى الممالك ”
ابتسم إيفان يؤيد كل كلمة نطق بها سالار في حق أرسلان والذي رغم عداوته الأخيرة معه، إلا أنه لا ينسى رفيقه ومدى قوته وتجبره وتكبره :
“الجميع هنا يعلم مدى تعنت وعناد وتكبر أرسلان، وأنه يومًا لم يكن ليقبل بأقل من ميتة تليق ببطل مثله، وأنه ما رفّ له جفن واحد لحظة قتله، أرسلان لم يُهزم بل أُجلت حربه ليوم تجتمع به الخصوم”


شعر آزار بالغضب الشديد يشعل صدره وهو يسمع تلك الكلمات من سالار ليسارع ويدافع عن مكانة مملكته :
” ها اقوى الممالك ؟؟ يبدو أن الأمر كان في عقلك فقط يا قائد، فعندما أراد بافل أخذ مملكة لم يجد اضغف منها ليفعل، فالجميع يبدأ بالاسهل ”
أجابه سالار دون أن يرف له جفن وبكلمات قاطعة :
” بل بالاقوى، إن أردت إنهاء لعبة ما فأنت لن تبدأ بالجنود، بل ستستهدف الملك…مولاي ”
كانت كلمات سالار هادئة سلسلة بسيطة وكأنه يخبرهم بحالة الطقس، فقد كانت ملامحه عادية ساكنة لا يظهر أي شيء جديد .
وللحق الملك بارق لم يبتأس أو يعترض فهو يومًا لم يُصنف مملكته مملكة قتالية أو قوية، بل مملكته كانت مملكة مسالمة من الدرجة الأولى تبتعد عن كافة المشاكل، ورغم ذلك لديه جيش لا يُستهان به، لكنه لم يسبق وأن خاض معارك سوى تلك التي خاضتها جميع الممالك سابقًا على والد بافل .
لكن آزار لم يكن بمثل تفهم وتعقل بارق، فاشتعل صدرة غضبًا وامتلئ كرهًا، وضمر في نفسه ضغينة لن ينساها، متوعدًا بأن يثبت للجميع وليس سالار فقط من تكون مملكته وما هو موقعها بين الممالك الأربعة .
” حسنًا إذن، إن كنتم تريدون الحرب، فاستعدوا أنتم لها، وجميع تباعيات الحرب أنتم من سيتحملها ملك إيفان .”
ابتسم له إيفان بسمة جانبية وهو يرى النيران تكاد تخرج على الجميع من أعين آزار، ولولا ثقته في قوى آزار الحربية التي تنافس خاصة سالار لكان أنهى الحوار معه منذ سنوات واعلنها قطيعة بينهما، لكن هو ليس بذلك الغر الذي يتخذ قرارات في لحظات غضب عاطفية كأرسلان الذي أضاع حياته بسبب تجبره وتكبره وغضبه الجحيمي الذي يقوده، هو فقط ابتسم وهز رأسه هزة بسيطة يقول بكامل الهدوء والدبلوماسية:
” لك ذلك ملك آزار ..”
_________________
يسير بين طرقات المملكة وهو يلقي التحية على هذا وذاك وهناك بسمة واسعة لطيفة ترتسم على فمه، والجميع يرحب به ترحاب كبير، فمن لا يعرفه وهو الزائر الدائم لهم جميعًا..
تحرك داخل بعض الأزقة ينحرف يمينًا ويسارًا حتى توقف في النهاية أمام محل يبدو عليه القدم فهو من أوائل الأماكن التي وضعت بالمملكة .
دفع الباب الخاص بالمكان بخفة شديدة يميل بعض الشيء متفاديًا تلك النباتات التي تزين مدخل المحل، وفي الحقيقة لم تكن تلك النباتات هي الوحيدة في المكان فها هو يقف في أكثر محلات النباتات شعبية داخل أرجاء مملكته، ابتسم يحرك عيونه في الإرجاء، حتى وقعت عليها تقف هناك خلف الحاجز الخشبي الذي يفصل بين الزبائن والبائع تخط بعض الكلمات في ورق أمامها .
” أسعد الله صباحك آنستي ”
رفعت الفتاة عيونها ببسمة مشرقة ترحب بالزائر :
” صباح الخير سيدي كيف اسـ…. سيد مهيار ؟!”
ابتسم مهيار لها بسمة واسعة أبرزت غمازتيه يرحب بها برأسه ترحيبًا بسيطًا :
” مرحبًا بكِ آنسة ليلا، كيف هو حالك ؟!”
تنفست ليلا بصعوبة وهي تنظر له، لقد جاء لم يخب رجاؤها أن تراه اليوم في فترة توليها لمحل والدها، شعرت بالتوتر لتدور بعيونها في المكان تتفقد النباتات وكأنها ستطير من المكان :
” أنا… أنا بخير سيدي اشكرك، إذن كيف اساعدك ”
اقترب مهيار قليلًا من الحاجز يقول بهدوء وبسمة راقية لطيفة جعلت ضربات قلب ليلا تزداد حتى كادت تركض خارج المحل هاربة من عيونه التي تحدق بها في نظرات بريئة لا تمت لمشاعرها بصلة :
” نعم رجاءً، احتاج لمساعدتك في إيجاد بعض النباتات الطبية، لقد اوصيت بها والدك منذ اسبوع وهو أخبرني أن آتي اليوم لأجلها ”
نعم فعل، ولهذا هي هنا الآن..
” أه نعم صحيح، لقد أخبرني أنك ستأتي لأجل نبات المخدر لحظة واحدة أحضره لك من المخزن في الداخل ”
هز مهيار رأسه بلطف :
” خذي وقتك ”
ابتسمت له بسمة صغيرة، ثم تحركت بسرعة بعيدًا عنه تحاول أن تتنفس بشكل طبيعي، يالله متى يُكتب لحبها أن يرى النور، إلى متى ستكتمه في صدرها، مهيار العزيز والذي كان دعوتها في كل صلاة .
بينما في الخارج كان مهيار ينظر صوب الباب الذي دخلت منه يبتسم بسمة صغيرة، ثم دار بعيونه في المكان بأكمله ينتظر عودتها .
وما هي إلا دقائق حتى عادت له ليلا تحمل العديد من العبوات الزجاجية والتي تحوي نباتات عديدة، تسير صوبه بهدوء وعلى استحياء، وما كادت تعبر صوب مكانها حتى اهتزت عبوة وكادت تسقط ليركض لها مهيار يمسكها بسرعة، يرفع عيونه لها يقول بلهفة :
” انتبهي لخطواتك آنستي ”
ابتلعت ريقها تهز رأسها بهدوء شديد، ثم وضعت العبوات أعلى طاولة تقول بصوت مكتوم لشدة مشاعرها :
” اشكرك سيد مهيار، هذه هي جميع العبوات التي تركها ابي لأجلك سيدي ”
ابتسم لها مهيار، ثم اقترب ليتفحصها لتنتفض هي بعيدًا وكأنها للتو أمسكت بقطعة جمر، وهو حدق بها في تعجب شديد لتطيل النظر داخل عيونه البنية تتنفس بصوت مرتفع تحاول أن تجد مبرر لحركتها الملحوظة الغبية، فهو حتى لم يقترب منها بشكل ملحوظ .
ابتلعت ريقها تقول بصوت منخفض :
” لقد …شعرت بـ …هو ”
قاطع حديثهم صوت صراخ خارج المحل لامرأة تستغيث بالجميع، وصوت بكاء يصاحب صراخ المرأة تلك .
ترك مهيار العبوات يتحرك خارج المحل وهي لحقت به بسرعة لتجد أن هناك سيدة كبيرة في العمر ملقية ارضًا وهناك فتاة تجلس جوارها تبكي بخوف، نظرت لها ليلا بشفقة تقترب للمساعدة، لكن كان مهيار قد سبقها يجلس القرفصاء جوار السيدة يتفحص نبضها وابنتها ما تزال تبكي بخوف .
اقتربت منها ليلا بغية تهدأتها، لكن الفتاة في تلك اللحظة لم تكن واعية سوى بالنظر صوب مهيار بحب وقد شردت فيه بشكل جعل جسد ليلا يتصنم بملامح شاحبة .
وفي الحقيقة الفتاة حتى لم تنظر بنظرة سيئة واحدة لمهيار، بل فقط كانت تنظر له برجاء أن يطمئنها على والدتها، لكن ليلا العاشقة التي ذابت في حب مهيار الصامت طوال سنوات طويلة، كانت من اليأس الذي يجعلها تتحسس لأي نظرة انثى بريئة ولا تراها سوى نظرات اعجاب .


شعرت ليلا بالوجع والغيرة تشتغل بها، تنتظر أن ينتهي مهيار من فحص تلك المرأة، وبعد دقائق استطاع مهيار إنقاذ السيدة، ثم ساعدها مع ابنتها لتنهض .
ربتت السيدة أعلى كتفه تقول بشكر وامتنان :
” بارك الله بك يا ولدي، لا أراك الله مكروهًا في حبيب يا عزيزي ”
قبل مهيار يدها بحب، ثم شكرها يودعها، وبالطبع لم تتوقف الفتاة الشابة عن شكره تحت أعين ليلا التي كانت تراقب بصمت ما يحدث.
فجأة استدار لها مهيار لتتوتر بسرعة وتنظر بعيدًا عنه تخفي نظرات التحسر والوجع عنه، وهو ابتسم لها يقول :
” دعينا نعود لأخذ اشيائي ”
وبالفعل دخلت ليلا المحل تتحرك صوب مكانها حيث كان تقف تدون ما اخذ مهيار، وهو بدأ يتأكد من اشيائه، ثم نظر لها يقول بجدية :
” ليلا ..”
توقفت دقات ليلا لثواني قليلة فقط شعرت أنها لا تستطيع التنفس، رفعت عيونها له بتردد ليقول ببسمة بعدما وضع كل العبوات في حقيبته الجلدية :
” بلغي والدك تحياتي واخبريه أنني سآتي بعد يومين لأخذ الباقي، أراكِ لاحقًا يا صغيرة ”


ختم حديثه يخرج من المحل بهدوء شديد آخذًا معه ما نجى من ضربات قلبها بعد نطقه اسمها مجردًا، وهي كانت تقف مكانها تحاول أن تتنفس بشكل طبيعي :
” أراك لاحقًا … مهيار ”
_________________________
استغلت كهرمان استراحة الطعام تتحرك صوب برلنت التي كانت تعمل كعادتها بحرية وانطلاق، لكن وللمرة الأولى تبصر نظرة حزن دفينة داخل عيونها .
اقتربت منها تجذبها معها دون كلمة خارج المكان بأكمله صوب الحديقة الخلفية، وبرلنت تنظر لها بعدم فهم، بينما زمرد لحقت بهم دون كلمة فهي لا تضمن أن تتصرف واحدة منهن بشكل قد يتسبب في كارثة .
” والآن أخبريني جيدًا ما يحدث معكِ برلنت ؟! ما هذه النظرات التي تعلو عيونك طوال الوقت و…”
توقف كهرمان عن الحديث حينما وجدت أعين برلنت تجحظ بقوة تبصر فتاة تقترب منها بسرعة تنتوي لها شرًا، ولم تستوعب ما يحدث إلا وهي ساقطة ارضًا بفعل ضربة تلك الفتاة التي لم تكتفي بصفعة واحدة بل هبطت فوق وجه برلنت بالضربات تحت أعين كهرمان المصدومة.
وفي ثواني كان أول ما استوعب ما يحدث هي زمرد التي ركضت تسحب الفتاة من حجابها بقوة مرعبة للخلف، بينما برلنت ظلت ملقية ارضًا تحاول التنفس تنظر لعيون الفتاة التي كانت تهجم عليها والتي كانت نفسها تلك التي حاولت التقرب من تميم .
تحركت الفتاة بين يدي زمرد بحدة تصرخ بجنون :
” سأُريك الجحيم أيتها الحقيرة، أنتِ من وشيتي بي لدى المشرفة، أعلم أنكِ فعلتي هذا عمدًا لأجل ما حدث ”
كانت تحاول التحرك بين يديّ زمرد والتي شددت قبضتها تنظر لها بعدم فهم ولا تعلم ما تقصد لكنها هزتها بغضب :
” توقفي عن الحركة قبل أن افصل عظام رقبتك عن جسدك يا ابنتي ”
نظرت لها الفتاة بسخرية شديدة ولم تهتم بكل ذلك تقول بتعمد مستفزة كل ذرات هدوء برلنت التي كانت كهرمان تساعدها في النهوض :
” اعلم أنكِ فعلتي هذا لأجل تقربي من صانع الأسلحة، ماذا هل أنتِ مغرمة به لهذه الدرجة ؟؟ هو لن ينظر لكِ حتى ولو نظرة عابرة، وفي النهاية سيكون لـ ”
وقبل أن تكمل كلماتها اندفعت برلنت بشكل مرعب لدرجة أن كهرمان والتي كانت تساعدها سقطت ارضًا على ظهرها، تراقب برلنت قد اندفعت تجذب الفتاة من يد زمرد تخنق رقبتها بشكل مرعب وهي تهمس لها بصوت مخيف :
” إن فكرتي فقط مجرد تفكير أن تقتربي منه، سأتخلص منك ولن اهتم، لن اهتم لا بكِ ولا بأحد، سمعتي ؟! ابتعدي عنه ”
حدقت الفتاة في أعين برلنت برعب مما تقول تحاول الحديث :
” أنتِ مجنونة ”
” نعم ونصيحة مجانية مني، تجنبي تلك المجنونة ”
ختمت حديثها تترك الفتاة والتي أخذت تسعل بقوة، ثم ابتعدت عنها وهي بهيئة مدمرة سواء كان بسبب امساك زمرد لها، أو بسبب ما فعلته برلنت، تراجعت للخلف ترمق الثلاثة برعب، ثم هرولت بعيدًا عنهم تصرخ برعب :
” أنتن مختلات ”
ابتسم كهرمان التي كانت ما تزال مسطحة ارضًا :
” مرحى اصبحنا مسجلات خطر ”
رفعت زمرد حاجبها مبتسمة باستمتاع لما يحدث :
” هل ستخبرينا سبب ما حدث منذ ثواني أم لا ؟”
نظرت لهن برلنت قبل أن تنهار ارضًا تدفن رأسها بين يديها تهمس بصوت مختنق :
” لقد تعبت من كل هذا، تعبت واوشكت على الاستسلام”
اقتربت منها كهرمان بتعجب تحاول رفع رأسها لتعرف ما يحدث، لكن برلنت لم تسمح لها بذلك وجسدها ينتفض بشكل بسيط، اتسعت عيون زمرد بتعجب تدرك أنها تبكي .
جلست ارضًا جوار الاثنتين على الأرض العشبية :
” هييه برلنت ما بكِ يا فتاة، كل هذا لأجل صانع الأسلحة أم ماذا ؟! أوليس هذا من كنتِ تسبينه مرتين قبل النوم ومترين بعد الاستيقاظ وتخصصين له دعوات في صلاتك، هل اسقطك في عشقه بهذه السهولة؟!”
انفجرت برلنت في البكاء أكثر تهتف من بين شهقاتها :
” بل تخطيت هذه المرحلة زمرد، تخطيت العشق منذ سنوات، أنا أهيم بتميم ”
اتسعت أعين كهرمان بقوة لما سمعت تستنكر أن تنمو كل تلك المشاعر داخل صدرها في اسابيع فقط، الحب لا يُبنى في أيام، ولا يتأسس في ساعات، بل يحتاج سنوات كي يتأسس ويُبنى ويشيد بشكل صحيح فيصبح صعب الهدم .
اقتربت منها زمرد تقول بجدية :
” ما الذي تهزين به برلنت، لقد كنتِ تسبين الرجل منذ أيام قليلة، متى أحببته لهذه الدرجة ؟؟”
نظرت لهما برلنت تقول من بين دموعها :
” منذ سنوات طويلة، أنا… أنا أعرف تميم منذ سنوات طويلة ”
نظر الإثنان لها بجهل لتقول برلنت بصوت منخفض وكأنها عادت سنوات طويلة للخلف :
” تميم اعرفه منذ كان طفلًا، كان …كان جاري وصديق طفولتي وكل ما املك في هذه الحياة، اعرفه قبل أن يصبح صانع أسلحة أو يأتي لقصر الملك، كنت اعرفه منذ كان مجرد صانع فخار مع والده ”
اتسعت عيون كهرمان بصدمة مما سمعت ويبدو أن برلنت كانت تخفي الكثير خلف تلال مرحها المعهودة :
” كيف ذلك ؟؟ هل يعلم أنكِ هي نفسها تلك صديقته ويتعامل معكِ بهذا الشكل ؟؟”
اختض جسد برلنت برعب شديد تقول :
” لا لا، لا يعلم ولا أريده أن يفعل رجاءً، لا اريد أن يعلم أنني أنا نفسها برلنت تلك، هو …هو تركني منذ كنت في الثالثة عشر ولم يتعرف عليّ الان، ولا أريده أن يفعل ”
” لماذا ؟؟”
كانت كلمة واحدة من زمرد أعادت سيل الذكريات الذي بنت برلنت امامه اسوارًا منذ سنوات طويلة، ذكريات سوداء عادت لرأسها وصرخات وبكاء، لكن من بين كل هذا تسرب صوت خافت لتميم وهو يهمس بكلمات خافتة حنونة ..
” لا تنبذيني يومًا وأنت المَسكن بيرلي”
قالت برلنت بصوت موجوع وهي تنظر أمامها بشرود :
” لقد ..لقد حطمته لاشلاء دون أن أدرك حتى، اذيته في أكثر شيء احبه في حياته، دمرته دون أن أعي، وهو كان من الكرم ليرحمني ويتركني حية، أو هكذا اعتقد هو، أياليته احرقني يومها واحرق معي عذابي هذا …..”
______________________
كانت القاعة ما تزال مشتعلة بالنظرات رغم أن الكلمات توقفت، هدأ الجميع وجلسوا على مقاعدهم، لكن الملك آزار ما يزال يوجه اتهامات صامتة صوب إيفان والذي كان يقابلها ببسمة مستفزة باردة لا يهتم بكل ذلك .
بسمة كانت قادرة على إشعال غضب آزار مجددًا، لينتفض عن مقعده يصرخ بجنون لم يخمد بعد :
” ملك إيفان…”
نظر له إيفان بهدوء ونظرات احترام :
” نعم ملك آزار ؟!”
تنفس آزار بقوة يهتف بهسيس مخيف :
” إن كنت تود أن تنتهي هذه الحرب بين طرفين فقط فتحكم بنظراتك، فحتى إن لم تنطقها أو تتحدث بكلمة فنظراتك تقول الكثير ”
ابتسم له إيفان يقول باحترام أكبر يعلم جيدًا أن آزار لا يمرر أي همسة تسيء له أو تقلل منه ومن مملكته، فهو لطالما كان مريضًا بداء العظمة، لا يرى من هو أفضل منه، يتجاهل الجميع حوله بدعوى أنهم حتى لا يستحقون اهتمامه .
” اعتذاري لك مولاي، يبدو أن نظراتي تسبب لك ازعاجًا شديدًا، اعذرني مولاي ”
ابتسم بارق يحدق في الاثنين وهو يدرك جيدًا أن هذه الجلسة لن تنتهي بسلام كعادتهم حين يجتمعون، فإما أن تنتهي بانسحاب آزار غاضبًا، أو بانتفاضة إيفان وخروجه عن هدوء .
ومن بين كل تلك النظرات الغاضبة والحرب الباردة، اقتحمت هي المكان بكل هدوء وبسمة واسعة ترتسم على فمها، تتحرك صوب الملك دون أن تنتبه لما يحدث حولها .
والحميع يحدق فيها باستنكار شديد، فقد كانت أشبه بفراشة ملونه ربيعية تتطاير داخل أرض بور محترقة عقب حربٍ طاحنة، كانت لا تلائم المشهد بأي شكلٍ من الأشكال .
على التشنج ملامح سالار يراقب تبارك تخطو للقاعة بكل بساطة وبالطبع لم يوقفها الحرس لمعرفتهم بهويتها، ابتسم بعدم تصديق يراها تنظر صوبه مبتسمة وكأنها ترسل تحيتها لرفيقها في الروضة ..
وضع سالار قبضته على فمه يكتم ضحكته على ملامح إيفان المسكين والذي تلقى لتوه طعنة أخرى في منتصف صدره حين رأى ما تفعل ملكته، ورغم غضبه الشديد لاقتحامها الاجتماع الخاص بهم، إلا أنه لا ينكر تشفيه في إيفان الذي تنحنح يتململ في مقعده وقد أفسدت تبارك كامل الثبات الذي لم يستطع آزار بكل بطشه أن يهزه بمقدار شعرة .
” ملكة تبارك ”
نظرت له تبارك مبتسمة بهدوء بعدما كانت تنظر لبارق بابتسامة وكأنها ترحب به :
” نعم ؟؟”
أشار لها إيفان على المقعد جواره كي تتحرك لتجلس معه، رافضًا التقليل من شأنها أمام الجميع ومطالبتها بالرحيل، لكن سالار لم يكن بمثل ذلك الرقي ليفعل فقال بهدوء وجدية كبيرة هامسًا في أذن إيفان:
” مولاي هي لا يمكنها حضور هذا الاجتماع ”
نظر له إيفان بحنق، وكأنه لا يعرف، لكن هو فقط لا يريد أن يخجلها ويجبرها على الرحيل وهو في الأساس من أرسل لها لتأتي لكنها تأخرت كثيرًا لتصل :
” أعلم، لكن لا يمكنني طردها من القاعة والتقليل منها سالار، وأمام الجميع ”
قال سالار ببساطة شديدة يرفع عن ملكه هذا الحرج أمام الملكة، هو من الأساس لا تجمعه علاقة طيبة بها، فما الضير من تشويه صورته أكثر بعض الشيء :
” يمكنني فعل ذلك إن أردت”
اتسعت أعين إيفان بصدمة من بساطة حديثه، لكن سالار لم يهتم سوى بتبارك التي جلست على المقعد بتوتر شديد هي فقط جاءت له بناءً على طلبه، فقد أرسل لها منذ ساعتين تقريبًا يخبرها بحاجته للتحدث معها، وبعد أن تاهت وتناولت طعامها جاءته، لكن يبدو أنها اختارت وقتًا غير مناسب .
همست بخفوت وهدوء شديد :
” مولاي، لقد طلبتني وتأخرت، معذرة منك، ربما جئت في وقت غير مناسب، يمكنني الذهاب الآن والعودة لاحقًا”
قال سالار بهدوء شديد يرفع عن الملك حرج الرد عليها :
” خيرًا ما ستفعلين ”
رمقه إيفان بتحذير، لكن سالار في هذا الوضع هو اليد العليا، فهذه حرب وهو رجل الحرب، وهو المسؤول في هذه اللحظة عن كل ما يجدث داخل هذه القاعة، هنا تعلو صلاحياته فوق صلاحيات الملك :
“رجاءً دعي أحد الحراس يرشدك حيث تريدين، كي لا ينتهي بكِ الأمر تتناولين العشاء مع زوجة الملك بارق في سبز ”
رمقته تبارك بغيظ شديد تشعر بصدرها يتآكل غضبًا منه، تحدق في عيونه بغضب شديد، هذا الرجل يستهين بها بشكل مبالغ، وسالار لا يهتم حقًا بنظراتها تلك يمنحها بسمة صغيرة محترمة، فقط لأن الملك جالس، ولأنها الملكة بالطبع ولها منه كامل الاحترام .
تدخل إيفان في المنتصف يحاول أن يتحدث :
” مولاتي، اعتذر عن حديث سالار، هو فقط لا يستطيع انتقاء كلماته طالما لم يكن الأمر متعلق بالقتال، اسمحي لي أن اوصلك بنفسي للخارج حيث تريدين ”
نظرت له تبارك ببسمة واسعة، ولا تصدق أن هناك من يتعامل معها بهذا الرقي، حركت عيونها صوب سالار الذي كان يحدق بها بحاجب مرفوع مستنكرًا ما يحدث .
استأذن إيفان من الجميع :
” دقائق واعود، سالار تولى الأمر ”
تركهم يشير لتبارك أن تسبقه في السير، وهي بالفعل تحركت معه خارج القاعة تقول بصوت منخفض :
” مولاي حقًا لا يجب عليك ذلك، رجاءً عد للاجتماع، استطيع طلب مساعدة أي فتاة هنا او حتى الحراس ”
لكن إيفان كان مصرًا على فعل ذلك، فهو لا يجلس معها كثيرًا وقد كان مقصرًا في حقها وبشدة، لذلك أراد تعويضها ولو بلفتة صغيرة.
لكن أثناء ذلك أبصر من الشرفة جسد نحيف لشخص يرتدي ثياب الجنود يراقبه قبل أن يهرول بعيدًا، جسد جعله يتناسى رغبته في تعويض الملكة عن غيابه ويندفع بسرعة صوب الدرج يركض للساحة تاركًا تبارك تقف مكانها بعدم فهم، وصدمة.
وإيفان لا يدري ما يحدث، هو فقط يريد وبشدة أن يراها ويعلم من هي .
كان يركض بشكل جعل الحراس يتحفزون بشكل مخيف مستعدين لصرخة هجوم، وقد ظن البعض منهم أنهم يتعرضون لهجوم .
في هذه اللحظة خرج سالار من القاعة تاركًا الجميع خلفه لينادي الملك لأمر ضروري، لكنه فجأة وجد جسد إيفان ينتفض راكضًا للاسفل .
اتسعت أعين سالار بعدم فهم ينظر لتبارك بلوم وريبة :
” ما الذي فعلتيه ليهرب منك الملك بهذا الشكل ؟!”
رمقتت تبارك باستنكار :
” ماذا ؟!”
” ماذا ماذا ؟؟ الرجل يركض وكأن موته يلاحقه، هل أدرك الآن أن وجودك جواره بمثابة كارثة له وللبلاد؟! بالله أخبرته أن إحضارك هنا لهو الفساد بعينه ”
كانت تستمتع له بصدمة ولا تصدق ما يقول ولم تجد ردًا عليه سوى كلمة واحدة :
” أنت عبيط ؟!”
اقترب منها سالار بشكل مثير للرعب وهي تراجعت للخلف حيث سور الشرفة :
” هل هذه سبة ؟؟”
ازدرت تبارك ريقها تحاول الحديث بكلمات متوترة من نظراته لها بهذا الشر :
” أنا بدافع …بدافع عن نفسي مش اكتر ”
” تدافعين عن نفسك بلسانك ؟! لو كانت يدك بمهارة لسانك، لكنتِ الآن محاربة عظيمة مولاتي ”
نظرت له تبارك بخوف تحاول الحديث لا ترى النافذة خلفها، لكن نظراته لها جعلتها تعود للخلف مرتعبة :
” أنا الملكة هنا، وحديثك هذا يعد إهانة لـ ..”
توقف قلبها عن الخفقان وتوقفت أنفاسها فجأة، وهي تشعر بيد سالار تقبض على تلابيب ثيابها يجذبها بقوة مخيفة صوبه بسرعة مهولة، وقبل أن تصطدم بصدره ابتعد هو عن مرمى سقوطها كي يتلاشى مصيبة لمسها .
سقطت تبارك ارضًا بقوة تتنفس بصوت مرتفع وكأنها للتو خرجت من أسفل قاع المحيط، رفعت عيونها له ولم تكد تصرخ في وجهه ليقاطعها هو بهدوء وببساطة مشيرًا للنافذة :
” كدتي تسقطين من النافذة ”
تحركت تبارك عيونها بسرعة صوب النافذة لتتسارع ضربات قلبها، بينما سالار انحنى يجلس القرفصاء أمامها هامسًا بصوت منخفض :
” في هذه الحياة عليكِ الإنتباه لشيئين، الأول لسانك ماذا يقول، والثاني قدمك أين تخطو، فلن أكون متواجدًا طوال الوقت لاتدارك الاول، وانتبه للثاني، حسنًا؟؟”
نظرت له تبارك تهز رأسها بنعم فتحرك هو من أمامها بهدوء شديد وينهض بقوة يتجه صوب القاعة تاركًا تبارك تجلس في الركن تحاول أن تتنفس بشكل جيد، تدفن رأسها بين قدميها لا تستطيع أن تستوعب شدة ضربات قلبه حينما ينظر لها بهذه الطريقة المخيفة و…الغريبة .
____________________
عند إيفان وبمجرد أن وصل الطابق الأرضي ركض كالرصاصة ولا يدري تلك الطاقة التي اندفعت داخل صدره حين أبصر ذلك الجسد يراقبه ثم يتحرك أمامه.
وفي تلك اللحظة كانت الثلاث فتيات يتحركن لداخل القصر بكل هدوء مخفضين الرؤوس ارضًا بعدما انتهت برلنت من قص ما حدث معها في الماضي وانتهت فترة الراحة لهن.
لكن فجأة وعلى حين غرة أبصرت كهرمان جسد الملك يندفع لهم بشكل جعلها تطلق صرخة وهي تعود للخلف بقوة مرتعبة أن يكون قد اكتشف ما فعلت، ولم تكد تتحدث بكلمة حتى شعرت باصطدام كتف الملك بها جاعلًا إياها تتراجع للخلف .
شهقت كهرمان بقوة تتمسك بكتفها تراقب الملك يركض في الساحة بشكل مخيف، ولم تفق سوى على صوت زمرد تقول :
” ما به الملك ؟! هل أبصر سارقًا أم ماذا ؟!”
لكن كهرمان لم تكن تستمتع جيدًا لما تقول، بل فقط
اردفت بسرعة وهي تلحق بالملك تتحسس يديها بشكل مصدوم :
” يبدو أنني…نسيت اسورتي في الحديقة، سأذهب لاراها قبل أن أفقدها ”
وقبل أن تتحدث واحدة منهن ركضت كهرمان بسرعة خلف الملك وبفضول كبير تريد معرفة ما يحدث معه، بينما زمرد ترمقها بشك شديد وبرلنت تردد بعدم فهم :
” أي اسورة تلك التي تقصدها ؟؟”
ابتسمت زمرد بخبث :
” اسورة ثمينة …ملكية ”
ركضت كهرمان بسرعة خلف الملك ولا تدري سبب ذلك، لكن نظراته التي رأتها في عيونه وهو ينظر صوب مكان الجنود أثارت ريبتها.
لحقت بخطواته مهرولة والملك يزيد من سرعة أقدامه كي يلحق بها، وبمجرد أن أصبح على مقربة منها نادى بصوت مرتفع :
” توقفي مكانك …”
توقفت كهرمان بسرعة كبيرة وكأنه أمرها هي بالتوقف، شعرت بجسدها قد تصنم تبتلع ريقها بريبة تنظر أمامها لظهر الملك الذي كان يخفي بجسده جسد آخر نحيف أمامه .
وإيفان اقترب من ذلك الجسد الذي توقف فجأة على صرخته وقد ظهرت ارتجافته واضحة، زاد من خطواته الواسعة حتى تحرك وأصبح أمام ذلك الجسد فأعطى لكهرمان حرية الرؤية لتتعجب ذلك الجسد الذي يقف في منتصف الحديقة، جسد نحيف صغير لا يمكن أن يكون لجندي بأي شكل من الأشكال .
اتسعت عيونها تختفي خلف أحد الأشجار تراقب ما يحدث بانتباه شديد لترى الملك ينظر لذلك الجسد بأعين غامضة قبل أن يمد يده وينتزع لثامه .
ولولا المسافة بينهما لسمع إيفان صوت شهقات تبارك العالية والتي صُدمت لرؤيتها وجه امرأة تختفي خلف اللثام تمامًا كما تفعل هي .
ضيقت عيونها تحاول معرفة من هذه الفتاة التي تتبع أسلوبها في التنكر ولماذا تفعل ذلك حتى ؟!
نظر إيفان للوجه أمامه بتعجب، وجه غريب، وجه لا يشعر به مألوفًا، فهو ورغم أنه لم ير يومًا وجه الفتاة يومًا إلا أن عقله ودون إرادة منه رسم باقي تفاصيله بناءً على عيونها .
حتى هذه العيون ورغم تشابهها في اللون بعض الشيء مع ملثمته إلا أن بها لمعة غريبة، ومختلفة تمامًا .
اخفضت الفتاة رأسها بسرعة تقول بصوت خافت مرتجفة :
” مولاي ..”
” ما الذي تفعلينه بثياب جنودي هذه ؟؟ تنتحلين شخصية جندي للفرار من شيء ما ؟؟ أم أن هذا الأمر معتاد لكِ ؟؟”
كانت كلماته ترمي لتلك النزالات التي يخوضها مع الفتاة، لكن من أمامه لم تنفي أو تؤكد، بل فقط اخفضت رأسها أكثر تهمس بتردد :
” ارجوك مولاي، سامحني أنا فقط كنت أود الخروج والعودة سريعًا دون أن يوفقني أحد أو يصل الأمر للمشرفة”
شعرت كهرمان بالحنق مما تسمع ولم تقتنع، ورغم ذلك لم تتكلم كلمة واحدة حتى، وكيف تفعل وبأي وجه تتدخل وتتحدث ؟؟
رفع إيفان حاجبه يقول ببسمة جانبية ساخرة وشعور خانق داخله أنه لم يعثر عن تلك الملثمة اكتنفه :
” إذن أنتِ تعترفين أنكِ تتهربين من عملك وتتنكرين في ثياب رجل ؟؟ هذا لن يمر مرور الكرام ”
رفعت الفتاة عيونها له تقول بصوت منخفض ونظرات غريبة له :
” أنا مستعدة لأي عقاب تفرضه عليّ مولاي ”
تراجع إيفان للخلف يشعر بوجود خطبٍ ما في الأمر وتلك النظرات الغريبة يشعر أنها تحمل شيئًا داخلها، لذا اقترب يهمس بصوت منخفض متسائلًا :
” هذه ليست مرتك الأولى التي تتنكرين فيها صحيح ؟؟”
نظرت الفتاة لعيون إيفان ثواني قبل أن تخفض نظراتها وتقول بصوت منخفض :
” نعم مولاي، سامحني لأجل هذا أنا هي الفتاة نفسها …”
اتسعت أعين إيفان بشكل مثير للشك، ينظر لها جيدًا يحاول اكتشاف ما الذي دفعها لكل ذلك، بينما الفتاة مستمرة في النظر ارضًا .
وعلى بعد كانت كهرمان تقف تحدق بهم بعدم فهم ولا يصل لها أي كلمة مما تقال بينهما بسبب تهامسهما المفاجئ، لكن اتسعت عيونها حين شعرت برأس الملك ترتفع دون مقدمات صوبها ليختض جسدها مستديرة عنه بسرعة كبيرة جعلت أعين إيفان تحتد يقول بصوت مرتفع :
” من أنتِ، و ما الذي تفعلينه هنا ؟!”
وما كاد يتحرك خطوة واحد صوبها حتى شعرت كهرمان بصوت خبيث يتسلل لعقلها يحثها على الهرب، الهرب وباسرع ما تملك.
وهي استمعت لهذا الصوت، صوت نجاتها، تدعي أنها مجرد خادمة فضولية كانت تستمع لما يحدث، ودون تفكير هرولت بشكل مثير للدهشة من أمام إيفان الذي توقف يعقد حاجبيه بعدم فهم لخوفها وركضها بسرعة، والتي من المفترض أن تهرب لم تفعل، ما الذي يحدث في هذا القصر العجيب ؟؟
استدار صوب الفتاة في الخلف ليجدها تقف مكانها وكأنها تنتظره أن يعود لها، حسنًا هذا محير، تنتظر معاقبتها بفارغ الصبر .
ابتسم بسمة مخيفة يهتف بصوت مرتفع وهو يحدق بعيونها المترقبة :
” حراس ..”
اتسعت عيون الفتاة بفزع وقد بدأ قلبها ينبض بشكل مخيف، هي لم تتوقع أن تكون تلك ردة فعله، ارتفع وجيب قلبها وقبل أن تفكر في الهرب المتأخر وجدت لفيف من الحراس يحيطها وصوت الملك يهمس بصوت مرعب :
” خذوها للسجن حتى تُعرض عليّ لاحقًا للبث في أمرها”
شهقت الفتاة تصرخ بصوت فزع :
” ماذا فعلت أنا ؟؟ مولاي أنا لم اقصد اقسم لك، صدقني أنا لستُ….”
توقفت عن الحديث حينما نبذها إيفان وتحرك من أمامها برأس مرتفعة غير مهتم بما تقول أو حتى لصرخاتها المستغيثة، والفتاة تحاول أن توضح له ما فعلته وما حدث في الواقع، لكن من يستمع لها ؟؟
__________________________
دخل مخبأه المفضل ومكانه الأقرب لقلبه بعدما تأكد من وصول القائد سالار للاجتماع، ومن ثم رحل هو ليتولى أمر تفحص مصانع الأسلحة .
تنهد بتعب يلقي جسده على ذلك الفراش الصغير الذي يحتل ركن صغير من معمله، نظر حوله بأعين ناعسة مرهقة، فكان النعاس شعور خارجي، بينما الإرهاق شعور عميق نابع من أبعد نقطة في صدره، إرهاق نفسي وليس جسدي .
ها هو كلما وضع رأسه على الفراش يهتز قلبه معلنًا أنه استفاق من سباته ليحطم راحته الوهمية التي يحاول إقناع جسده بها .
” ربما يمكنني الراحة حين امطي فرسي، أم أشعر براحة حين افجر القصر ؟؟”
خرجت تنهيدة غير إرادية منه وعقله يخبره بكلمات موبخة، أنه يعلم بالتحديد أين يجد راحته، ومع من سيجدها .
” وكأنني امتلك رفاهية إيجادها ولم أفعل، وكأن الحياة تعاتبني على نبذي لها قديمًا لتأتي الأرض وتبتلعها الآن، تخفيها عني مخافة أن أنفذ تهديدي القديم ”
ابتسم بسمة موجوعة وهو ينظر للسقف قبل أن تسقط دموعه فجأة يشعر بالوجع يملء صدره، كيف استطاع تهديدها ذلك التهديد السخيف، وكيف صدقت هي أنه قد يؤذيها، لِم تركته ورحلت، كل تلك السنوات يعيش على أمل أن يجدها، لكن تناثرت ذرات الامل فوق بحيرة فشله، فشل في إيجادها، وفشل في الحياة بشكل طبيعي بعدها.
شعر تميم بيد تمسح دموعه وصوت يهمس له بلطف :
” هل عدت لحزنك مجددًا تميم؟! ظننت أنك تخطيت كل ذلك منذ سنوات ”
تقلب تميم يدفن وجهه في الوسادة رافضًا أن يظهر دموعه أمام أحد، حتى إن كانت أمام دانيار، رفيقه القديم والذي يعلم كل شيء عنه .


” اشتاقها يا أخي، اشتاقها، اخشى أن تكون قد تأذت، لقد كانت مجرد مراهقة صغيرة وأنا نبذتها، كنت اعلم جيدًا أن لا أحد لها غيري ورغم ذلك تركتها وحيدة تواجه عواصف الحياة بكل خِسة، تجاهلت كونها فتاة لم تر الحياة سوى من خلال عيوني، فتركتها عمياء تتخبط بين طرقها ”
ابتسم دانيار يميل عليه يهمس بحنان وهو يربت على ظهره :
” بيرلي ليست ضعيفة تميم، أنسيت أنها ربيبة يدك ؟؟”
وهذا ما يقتله، أنها ربيبته ورغم ذلك صدق حديثهم عنها، صدق أنها قد تخون ثقته وتطعنه بهذا الشكل، سقطت دموعه في صمت يغمض عيونه متخيلًا وجهها المستدير البرئ وملامحها الطفولية الجميلة وهي تهمس له بخجل :
” شكرًا لك تميم على الحلوى، لقد أعجبتني، وأيضًا، اشكرك على مساعدتي جمع حصاد اليوم، أنت الافضل، وانا حقًا أشعر أنني أثقل عليك حياتك، لكن ماذا أفعل وانا لا استطيع الانتهاء من شيء وحدي ؟؟”
تنهد تميم ينتفض عن وسادته مبتعدًا عن دانيار وهو يتنفس بصوت مرتفع، تحرك في المكان يمسح خصلاته بقوة، ثم مرر كفيه على وجهه يقول بهدوء وصوت طبيعي وكأن ما حدث لم يكن :
” إذن ما الذي حدث في الاجتماع ؟؟”
ابتسم دانيار يسايره في الحديث :
” لهذا جئت كي اناديك، لقد أرسلني القائد لاحضارك كي يخبرك بالتعليمات الجديدة ”
رمقه تميم بحنق شديد يتحرك صوب الطاولة يلتقط منها قطعة حديدية صغيرة يضعها داخل جيب سترته :
” ارسلك القائد لاحضاري وجئت لتجلس جواري؟؟ هل تمزح دانيار، أتود أن يقتلع القائد رؤوسنا ؟! ”
ضحك دانيار يتبعه مرددًا بجدية :
” لن يفعل فالقائد يحبنا يا رجل ”
” حقًا ومن أخبرك ذلك ؟؟”
أشار دانيار لصدره في نبرة مؤثرة خافتة :
” قلبي ..”
لوى تميم شفتيه يقول بجدية :
” لا عجب أنه غبي مثلك، هيا تحرك قبل أن ينتزع القائد بيديه العاريتين ذلك الغبي في صدرك ”
أطلق دانيار ضحكات مرتفعة تسببت في رسم بسمة على وجه تميم، الذي عاد لمشاكسته متحركين بين ممرات القصر صوب سالار .
وفي أحد الأركان كانت تقف برلنت تراقب رحيله ببسمة واسعة، سعيدة لسعادته، حتى وإن كانت تلك السعادة في بعدها، فستبتعد لاجله .
انتفض جسدها برعب حين شعرت بقبضة أعلى كتفها :
” ما الذي تفعلينه هنا أيتها العاشقة ؟! أمسكت بكِ تحدقين بصانع الأسلحة، ام كنتِ تحدقين بقائد الرماة ؟؟”
انقبض صدر برلنت لثواني قبل أن ينفرج وهي تنظر في وجه كهرمان بغيظ :
” ما بكِ كهرمان اخفتني، ثم ألم تركضي خلف الملك، ما الذي عاد بكِ الان؟!”
سمعت صوت زمرد يهمس من خلف كهرمان :
” يبدو أن الملك كشر عن أنيابه لها لتعود راكضة بملامح شاحبة ”
زفرت كهرمان بغيظ تتحرك بعيدًا عنهما :
” لا لم يفعل، وتوقفي عن ازعاجك ذاك زمرد، فأنا لم أتحدث عن مقابالاتك الكثيرة والغير مبررة لقائد الرماة ”
اتسعت عيون زمرد بصدمة تركض خلف كهرمان صارخة :
” هيييه أنتِ توقفي هنا، ما الذي ترمين له ها ؟؟ أنا وذلك الرجل لا شيء بيننا هو المزعج من يستمر في القفز امامي”
نظرت لهما برلنت ثواني قبل أن تبتسم وتركض بسرعة كبيرة تردد :
” يبدو أن الليل سيكون مليئًا بالأحاديث الشيقة ”
________________________
وفي المساء ..
يجلس في حديقة القصر وهو يحاول التفكير في طريقة يفتتح بها الحديث معهم، أي مدخل يخبرهم بحقيقة تجمعهم، تنحنح حين طال صمته وطالت نظرات الجميع له .
شعر إيفان أنه بالغ في صمته لذلك اعتدل يقول ضاممًا قبضيته أمامه بجدية كبيرة متنسايًا أن من أمامه رفاقه قبل أن يصبحوا المقربين له في الحكم ..
” لا احد منكم يعلم سبب تجميعي لكم في هذه الساعة من الليل، في الحقيقة فعلت ذلك حتى اتلاشى ساعات عملي كملك واتحدث معكم كرفاق وأصدقاء و ..”
قاطعه العريف بملل من كل ذلك يقول بحنق :
” أنا لستُ صديقك يا صغير ”
رفع إيفان عيونه بشر للعريف وقد اشتعل جسده بالغضب، لكن العريف ابتسم بسمة صغيرة يرفع إصبعه مذكرًا إياه بجملته :
” أنت الآن خارج ساعات عملك كملك، لذا لا تنظر لي بهذا الشكل ”
نظر مرجان صوب الجميع ولايدري حقًا سبب وجوده في هذا المكان، هو أشبه بسمكة صغيرة سقطت في حوض حيتان، انكمش في مقعده الذي كان يتوسط مقعد العريف ودانيار .
تجاهل إيفان كل ما يقول العريف يكمل حديثه بعناد شديد وعدم اهتمام بكل ذلك، فهو سينفذ ما عزم عليه :
” أردت الحديث معكم كأصدقاء ورفاق، لكن بالتفكير فيما يمكن أن ينتج عن هذا القرار المتهور، وما سيحدث إن تركت لكم حق التصرف معي كرفيق بعد اخباركم بما قررت، فأنا الآن أتحدث معكم كملككم لا كصديق أو حتى رفيق وما سأقوله سيتم تنفذه دون نقاش ”
ارتاب الجميع مما يرنو إليه إيفان من خلف ذلك الحديث، ليتحدث تميم بشك فيما يمكن أن يكون سبب تجمعهم :
” ماذا ؟! هل قررت نفينا جميعًا أم ماذا ؟!”
رفع العريف كفه يقول بجدية كبيرة وملامح مسترخية :
” اوافق على هذا الاقتراح ”
رفعت البومة كذلك جناحها تصدر صوتًا خافتًا وكأنها توافق العريف، واضاف العريف مشيرًا صوب مرجان :
” نعم ومرجان كذلك يوافق، اصبحنا ثلاثة، أنا والبومة ومرجان ”
نظر له الجميع بحنق ليتعالى صوت مرجان المستنكر والرافض تمامًا لما يقال :
” مهلًا أنا حتى لم أرفع اصبعًا، أنا ما تزال الحياة طويلة أمامي حتى يتم نفيي الآن، أنا حتى لم أكمل قراءة مليون كتاب بعد ”
رمقه العريف بغيظ شديد إذ شعر أن ذلك المرجان يقف حائلًا أمام خطته في الانعزال عن البشرية، فأمسك يده ورفعها بالقوة يقول :
” بل انت توافق، ثم يا فتى أنت حتى لا تدري ما تتحرك صوبه، كونك عريفًا في هذه المملكة يعني أن تتعامل مع هؤلاء الأربعة المزعجين، ستشكرني لاحقًا على تخليصك منهم …نعم مرجان أيضًا موافق ”
تنفس إيفان يمرر يده على وجهه بملل شديد من أفعال العريف الذي لا يوفر أي فرصة ليؤكد له أنه لا يتحمله لا هو ولا أي إنسان حوله .
كانت نظرات الاستنكار تعلو وجوه الثلاثة ليقول سالار بعد زفرة طويلة :
” أيها العريف، صدقني لا أحد يهتم إن نفيت نفسك بنفسك فلا أحد يزور مكتبتك ويخرج منها سعيد مرتاح البال، بل لطالما خرجوا مسودي الوجوه عامرين بالهموم بعدما تخبرهم مصائب حياتهم القادمة على هيئة الغاز ”
ابتسم العريف ينظر صوب سالار يقول بخبث :
” وهذا يذكرني أنك لم تحصل على رؤيتك الخاصة، لقد حلمت بك منذ أيام وقـ ”
اصمته دانيار جاذبًا سالار له يهمس :
” اسكت هذا العجوز سيدي فهو الآن على وشك قول مصيبة ستحيل حياتك لجحيم ”
نظر سالار صوب العريف الذي كان على وشك إلقاء كارثة في وجهه، وتميم في المنتصف يتمم بغضب :
” نعم ذلك العريف العجوز جالب المصائب .”
كل ذلك يحدث تحت مرأى ومسمع من إيفان الذي ضرب الطاولة بغضب وقد نفذ صبره بما يحدث :
” توقفوا جميعًا ”
توقف الجميع بالفعل بعد صرخة إيفان، ليتنفس الأخير بصوت مرتفع يحاول أن يتجاوز عن كل هذا الهراء، لتقع فجأة عيونه على مهيار والذي نسي وجوده بسبب صمته الطويل :
” وأنت مهيار ما الذي تنتظره للمشاركة في هذا الهراء ؟!”
نظر مهيار للجميع يقول بهدوء شديد وهو ينحني على الطاولة يضم كفيه أمامه:
” لا شيء أنا لم احصل بعد على رؤيتي من العريف حتى اشترك معهم ”
نظر له العريف يقول بعد تفكير وبهدوء وبسمة :
” أنت الوحيد الذي ستكون حياتك مليئة بالرغد والسعادة يا بني، أما هؤلاء الأربعة الحمقى اقسم أنهم سيرون من الويل الوانًا ”
ابتسم له مهيار شاكرًا بينما تدخل دانيار يضرب الطاولة باعتراض :
” مهلًا، لِم هو من بين الجميع ؟؟ أنت أيها العريف هل تخدعنا وتزيف احلامك ؟! حرام عليك ”
ابتسم له العريف بتشفي كبير :
” هذا لأنه الوحيد الذي أحبه من بينكم أنتم الخمسة ”
فتح إيفان فمه بقوة يقول صارخًا :
” وماذا فعلنا بك نحن ؟؟ أنت لم يقترب منك أحدنا”
رفع العريف حاجبه بسخرية ليتراجع إيفان قائلًا بتذكر :
” عدا تحطيم مكتبتك عدة مرات فقط لكن كل هذا فعله سالار وليس نحن ”


هز الجميع رأسه يشيرون صوب سالار وكأنهم يحاولون دفع اقدارهم السيئة كلها صوبه ليحملها هو وحده، بينما سالار نظر لهم نظرات غريبة وكأنه يتساءل ما الذي فعله الآن هو يجلس هادئًا .
ابتسم العريف بمكر :
” لا بأس فهو أكثر من سينال مصائب بينكم اجمعين”
نظر له سالار متسائلًا :
” نصائب من أي نوع ؟! حروب ؟؟”
” بل القلوب يا فتى، مصائب القلوب اقوى واعنف من حروبك التي تخوضها تلك ”
شرد به سالار ليقاطع إيفان كل ذلك بملل :
” حسنًا دعونا من مصائب العريف، ولننظر في مصيبتي أنا”
نظر له الجميع بفضول ولا احد يدري مقصده، حتى نطق إيفان وهو يحاول ايجاد كلماته :
” الملكة …”
____________________
فرغت من صلاتها ترتكن للفراش الخاص بها تتنهد بصوت مرتفع، أخذت تسبح على أصابعها وهي تفكر في القادم من حياتها، جاءت ورأت الحياة هنا، ليست بذلك الرغد الذي يتخيله الجميع حين يسمعون كلمة ملكة، لكنه ليس كذلك بنفس سوء حياتها السابقة، على الأقل هنا تُعامل باحترام من الجميع _ احيانًا _ وهذا ما يجعلها تحمد الله على كل شيء .
نهضت تبارك عن موضعها تتحرك صوب النافذة تراقب السماء الصافية المليئة بالنجوم، لتشعر برغبة عارمة في التحرك والتأمل بها من الاسفل حيث النافورة التي سقطت في عشقها منذ اللحظة الأولى .
تحركت خارج الجناح دون أن يوقفها أحدهم بالفعل، وفي هذه اللحظة استحضرت تبارك كل ذرة تفكير في عقلها لتتذكر طريق الخروج .
ها …ها هي خرجت وحدها دون مرشدها المعتاد، وعلى ذكر المرشد ارتسمت بسمة على فم تبارك حين تذكرها سالار، مساعدته لها طوال الوقت رغم تذمره منها، فجأة تلاشت البسمة حين تذكرت كلماته لها صباح اليوم حين خرجت من قاعة الاجتماعات…
توقفت تراقب النافورة بأعين ملتمعة، لا تعلم السبب لكنها تستشعر راحة كبيرة في هذا المكان تحديدًا من القصر .
جلست تبارك ارضًا، ثم استندت على النافورة تغمض عيونها براحة مستمتعة برذاذ المياه اللطيف الذي يصطدم بوجهها كل ثانية والأخرى بالإضافة للهواء الذي يزور ملامحها من حينٍ لآخر، جلسة أعادت لها لحظات جميلة في طفولتها، لحظات ما عاشت سواها.
تلك الأيام حين تبنتها أسرة لشهور وهي بعمر الخامسة، قبل أن تقرر التخلي عنها بعدما علمت الأم بحملها …
نعم ربما يظهر الأمر للبعض لئيمًا ومحزنًا، لكن تبارك لم تكن حزينة أو ناقمة أو حتى غاضبة على تلك الأسرة، بل كانت للحق شاكرة لهم، ممتنة لمنحهم إياها _ وبكل الكرم _ ايامًا قليلة تجعلها تبتسم لتذكر طفولتها.
منحوها بسخاء ذكرى بيضاء في ظُلمة طفولتها، هي شاكرة لهم، ولو قابلتهم الآن ستقول لهم أنها في غاية الامتنان وأنها…احبتهم، احبتهم حتى أنها كانت تناديهم ( بابا وماما ) لكن، ربما ذلك اللقب منها لم يكن كافيًا ليحتفظوا بها بعدما حصلوا على صغير من صلبهم .
مسحت تبارك عيونها تبتسم وهي تهمس بهدوء شديد :
” الحمدلله على كل حاجة، على الأقل عشت كام شهر أكل كويس والبس كويس، غيري مكانش متاح ليه كل ده ”
تنفست بصوت مرتفع تنظر للسماء براحة تسبح الله مستغلة تلك اللحظات، قبل أن تسمع صوت رجولي صاخب يهدر من إحدى الجهات، تجاهلت الأمر فهي لا تحب التدخل فيما لا يعنيها .
لكن ها هو ما يعنيها يصدح في الأجواء، سمعت من بين كل ذلك الهدير كلمة ( ملكة ) هم يتحدثون عنها إذن.
نهضت من مكانها تنفض ذلك الفستان الطويل، تتمسك باطرافه بين اناملها متحركة صوب مصدر الصوت وقد استقرت خلف أحد الأشجار لتبصر طاولة تجمع عدة رجال لم تميز منهم سوى الملك الذي يعطيها ظهره وعرفته من صوته، وسالار …
وعند الملك كان الجميع في صدمة كبيرة مما سمعوا، فهو أخبرهم للتو أن كل واحدٍ منهم مطالب بتعليم الملكة مهارة معينة لتسريع عملية الإعداد كي يتم تنصيبها في اسرع وقت وخلال الحفل الوطني بعد شهور قليلة .
وإن استنكر الجميع طلبه، إلا أن أحدًا لم يعترض، بل كان كل الاعتراض من نصيب العريف و….سالار .
” مولاي رجاءً يمكن لأي شخص في هذا القصر تعليمها المبارزة، ثم هي لن تحارب معنا، لذا المهارات الأساسية تكفي ”
نظر إيفان لسالار يدرك سبب رفضه، فهو لا يحب التعامل مع النساء وهو بالطبع لا يحب أن تتعامل الملكة مع الرجال، لكن ماذا يفعل وهو لا يمتلك شقيقات في القصر، ووالدته في القصر الجنوبي معتزلة الجميع غاضبة على أمر زواجه من الملكة ؟؟
” سالار أنا أعلم أنك لا تريد ذلك، لكن أنا بالفعل قررت تقسيم كل شيء عليكم، أنت ستدربها على المبارزة، وتميم سيعلمها الفروسة ودانيار سيعلمها الرماية، ومن ثم يمكنها قضاء بعض الوقت مع العريف لمنحها بعض الثقافة الخاصة بشعبنا، وانا سأعلمها أمور إدارة المملكة ”
فتح سالار فمه يأبى الموافقة :
” يمكنك أنت أن تعلمها المبارزة إيفان، أنت لست هاويًا، كما أن تميم وكذلك دانيار يستطيعان فعل الأمر ذاته، لكن أنا لن افعل ولو منحتني ملء الأرض ذهبًا ”
فجأة وخلال حديثه أبصر جسدًا على بُعد صغير منهم يحدق بهم متعجبًا، ثم ثبتت عيونها عليه مستنكرة ما يقول، وهو رفع حاجبه وقد أصر أكثر على أمره ينظر لعيونها بقوة لا يحيد عن خاصتها :
” سامحني مولاي، ستكون المرة الأولى التي ارفض فيها أمرًا لك، لكنني لستُ متفرغًا لتدريب النساء ”
فتحت تبارك فمها بصدمة وهي تنظر له بقوة تجابه قوته، بينما إيفان قال ببساطة شديدة يعرض الأمر أمامهم :
” سالار نحن في هذا الوقت لسنا متفرغين بالكامل، لدينا حرب على وشك النشوب، ولدينا تنصيب للملكة عليه أن يتم قبل الحرب، وكل من على هذه الطاولة لديهم من المسؤوليات ما يرهق كاهلهم، لذا أوكلت لكل واحد منكم مهمة واحدة كي يستطيع تدبر أعماله جوارها، فأنا لن اجعل تميم مثلا يدربها على الفروسية والمبارزة ويهمل شئون مصانع الأسلحة وتطويرها وكذلك دانيار، أما العريف فهو ورغم تفرغه لن يفيدنا سوى فيما يعلم ”
التوى ثغر العريف مستاءً :
” حتى لو كنت أعلم أكثر من هذا فأنا لستُ موافقًا، أنا لا أريد أن احتك بالبشر وخاصة النساء منهم لوقت يتعدى الدقيقة ”
تنفس سالار بقوة وما تزال عيونه معلقة بتبارك التي كانت ترميه بنظرات غاضبة، ليس لأنه يرفض تدريبها، بل لأنه يعترض بقوة وكأنها قد تقتله خلال تلك الفترة .
وعند تلك الفكرة ارتسمت بسمة مخيفة على جانب فم تبارك، جعلت أعين سالار تتسع بقوة متعجبًا أن تبتسم فتاة مثلها بسمة كتلك، كانت بسمة من انتصر على عدوه، ولم يعلم أنه الآن داخل عقل تبارك قد قُتل ودُفن وهي في هذه اللحظة تلقي على مسامع الجميع كلمات الوداع له ليست آسفة على قتله خطئًا خلال تدريباتها .
أفاق سالار يبعد عيونه عنها بسرعة رافضًا أن يطيل النظر لها أكثر، ثم حدق بعيون الملك يقول :
” مولاي يمكنني اختيار جندي ماهر وخبير لتعليمها ”
” لا أحد أفضل منك فيما يخص المبارزة سالار، فإن كان ذلك الجندي سيستغرق الأمر معه اسبوعًا فستنهيه أنت في أيام قليلة، كما أنني لا اريد للملكة أن تحتك برجالٍ لا اعرفهم ولا أثق بهم بمقداركم ”
تنفس سالار بقوة وقد كان إيفان عنيدًا بشكل تسبب له في غضب شديد، رفع عيونه صوب تبارك ليجدها تحدجه بتحدي وقوة، ثم تحركت بعيدًا عنهم قبل أن تسمع حتى رده والذي خرج منه بعد فترة من العناد :
” كما تريد مولاي …”
ابتسم إيفان يتنفس الصعداء بعدما وافق سالار، ثم حاد بأعينه صوب دانيار الذي لم يكن يظهر عليه الرضا التام.
وتميم الذي كان غير مهتمًا بالأمر حتى، فماذا سيفعل هو ؟! يربطها فوق الفرس ثم يطلقه في المروج، هذا سهل .


بينما مهيار يراقب كل هذا بهدوء وسلام نفسي كبير، وهو فقط جاء ليستمتع بالهواء العليل والمشروب الذي يقدمونه لهم ليس إلا.
ابتسم يقول إيفان :
” إذن نحن اتفقنا ؟! ”
لم يجب أحد بكلمة واحدة وكانت جميع الوجوه حانقة غاضبة، لتتسع بسمة إيفان أكثر:
” جيد جدًا، علمت أنه يمكننا الاتفاق بهدوء شديد ودون أي اعتراضات، والآن يا رجال اسمحوا لي بالمغادرة، ليلة سعيدة لكم جميعًا”
تحرك إيفان عن مقعده تاركًا الجميع يرمق ظهره بغضب شديد، لحظة يشكر إيفان فيها رتبته التي تمنع هؤلاء الذئاب خلفه من الانقضاض عليه في أي لحظة ليقطعونه بأسنانهم ..
” انتهت الليلة دون إصابات، جيد ”
_______________________
في الصباح التالي كانت تتحرك مع سرب من العاملات صوب الحقول كي تنتهي من عملها بأسرع وقت، ثم تخرج كعادتها للتسكع في الأسواق دون علم أحد كما اعتادت .
ابتسمت لهذه الفكرة وهي تخفض غطاء وجهها عكس عادتها، فهي اعتادت أن تضع لثامًا يظهر عيونها، لكن هذه المرة غطت وجهها بالكامل .
وأثناء مرورها بالحديقة الأمامية أبصرت العديد من الجنود يتوسطون الساحة وهو هناك يهتف بهم بصوته الصاخب وتعليماته القوية، سالار، ذلك الرجل الذي لطالما سمعت اسمه يتردد مصحوبًا بنبرة مرتجفة أو كارهه أو معظمة، رجل تمنت لو تصبح رجلًا فقط كي تتتلمذ على يده خصيصًا .
ولم تدرك زمرد أنها بوقفتها تلك وتأملها في سالار قد تخلفت عن الفتيات، انتفض جسدها بقوة حين سمعت صرخة صادرة من فم سالار وهو يعنف الرجال أمامه.
” أنتم لا تربحون معارككم لأنكم جيش قوي لا يُقهر، بل تفعلون لتوفيق الله لكم، فلا تغرنكم انفسكم، ولا تراودكم النفس الامارة بالسوء للبطش بمن هم أضعف منكم، الله منحكم قوة لأجل نصرة الضعيف لا للتجبر عليه، أنتم رجال حق لا باطل ”
ختم حديثه ينظر جوراه لسيدة كبيرة في العمر بظهر منحني تمسك فتاة مراهقة بيدها تساندها، وهي تنظر لسالار بانبهار شديد، وسالار كان يتنفس بقوة يقول بصوت جهوري :
” ايًا من كان منكم، تطاول على هذه السيدة البارحة بدعوى أنه من جنود الملك فليتقدم ويكفي نفسه شر غضبي إن أخرجته أنا”
كان يتحدث بقوة شديد وصدره يعلو ويهبط والسيدة جواره تراقب وجوه الجنود بشفقة دفعتها للتدخل مدافعة عن ذلك الشاب الذي أساء لها في سوق المدينة مساء أمس .
” لا بأس يا سيدي، أنا اسامحه فقط ا….”
نظر لها سالار بقوة ورغم أنه لم يقصد اخافتها إلا أنه فعل، إذ تراجعت السيدة تستند على يد حفيدتها ليدرك سالار أنه أمام سيدة طاعنة بالعمر، لتلين ملامحه قائلًا :
” معذرة لكِ امي، رجاءً نحن هنا لا نمرر للمخطأ خطأه، وإلا عم الفساد، فإن آمنت العقاب اسئت الأدب”
استدار صوب الجنود يقول بصوت مرتفع :
” أن تدعوك نفسك لاستغلال قوتك في المفاسد لهو أكبر جرم قد يمسك كجندي في الجيش، إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك، إذا زاد بطشك وتجبرك وظننت أنك أكبر من غيرك، فالله أكبر من الجميع، والآن ليتقدم من فعل كل هذا ..”
ثواني شعرت فيهم زمرد بضربات قلبها تزداد وكأنها هي من قامت بهذه الفعلة، ومن بين تحديقها فيما يحدث ابصرته يأتي من بعيد بثوب جلدي يظهر ذراعيه وبنطال وحذاء طويل، يلف حول جذعه حاملة السهام يقترب من ذلك التجمع بملامح جادة جعلتها تشرد به ثواني قبل أن تنتفض على هدير قادم من جهة سالار يصرخ في الجميع :
” تتجبر على سيدة من عمر والدتك وتدفعها مسقطًا إياها ارضًا ارضًا متفاخرًا برتبتك ومكانتك في الجيش، ولا تمتلك القوة والشجاعة لتعترف بخطأك ؟؟ آخر فرصة سأمنحها للمخطأ كي يتقدم ”
عم صمت كبير بين الجميع، ويبدو أن زمرد لم تكن المتفرج الوحيد، بل كانت تبارك والتي جاءت لتقابل دانيار كي يبدأ معها دروس الرماية، هي أحد المتفرجين ..والمرتعبين من سالار في هذه اللحظة .
فجأة سمع سالار زفرات عدة تنطلق من الافواة المحيطة به حين تقدم رجلٌ الصفوف يخفض رأسه ارضًا بخجل وخزي، يضم قبضتيه أمامه في اعتراف صامت على جرمه الذي كان في نظر سالار كارثة، فإن ترك للجنود حرية السير خلف نفوسهم الإمارة بالسوء لتفرق جيشه وغلبته اهواءه، وعلى هدير المنكرات فوق صوت الحق .
اطال سالار النظر بالرجل ثم قال بهدوء دون أن يرف جفنه أو يبعد عيونه عن الرجل :
” تحركي سيدتي واصفعيه …”
شهقت تبارك بصدمة وهي ترى الجنود جميعهم مخفضي رؤوسهم دون أن يتجرأ على قول كلمة واحدة، وسالار أعاد حديثه مجددًا قائلًا :
” تقدمي واصفعيه ”
نظرت له السيدة برفض، ترفض القيام بذلك، فهذه الصفعة تدرك أنها لن تترك اثرًا على وجهه، كما ستفعل على روحه وكبرياءه بين جميع من يعرف.
” ارجوك يا بني أنا فقط جئت اشكو لك لمعرفتي بعدلك من بعد الملك، ووالله لو علمت أن عقابك سيكون بهذا الشكل ما كنت فعلتها وأتيت، فلا استطيع أن أفعل ذلك بشاب في عمر احفادي وعلى مرأى ومسمع من الجميع”
نظر لها سالار يقول بقوة وتجبر، وقد شعرت تبارك في هذه اللحظة بالخوف منه أكثر وأكثر :
” وهو لم يفكر بكل هذا وهو يطرحك ارضًا، لم يخجل وهو يصرخ في وجه سيدة من عمر جدته ويسقطها ارضًا، اقتربي واصفعيه وإلا فعلت أنا، وحينها صدقيني ستتمنين لو أن الصفعة كانت من كفك ”


ارتجف جسد الرجل لكنه حاول الثبات يتلقى عقابه بكل قوة، يدرك في هذه اللحظة خطأه، وتعهد بينه وبين نفسه أنه يومًا لن يفعلها مجددًا .
ظهر الاعتراض على وجه السيدة وقد اشفقت أن ترفع يدها عليه، ليهز سالار رأسه يتحرك هو بخطوات قوية صوب الجندي يقف أمامه يقول بصوت خافت :
” أنظر لها اشفقت أن تجرحك ولو بكلمة، وأنت ماذا فعلت لها ؟!”
لم يرفع الشاب نظره عن الأرض ولم يتحدث بكلمة، ينتظر عقابه وسيتقبله رغم كل شيء، يلعن شيطانه الذي سول له أن يرفع يده عليها في لحظة غضب، يسب نفسه التي زينت له التجبر .
أبصر الرجل يد سالار تعلو في الهواء ليرفع رأسه ينتظر أن تحط كفه على صدغه بكل شجاعة، لكن ما كادت يد سالار تهوى على وجنته حتى سمع صرخة تعلو في المكان تقول :
” توقف ”
استدار سالار ببطء ينظر خلفه صوب صاحب الصوت والذي لم يكن سوى العجوز التي سبقت صرختها صرخة تبارك والتي كانت على وشك الخروج دون وعي منها .
وضعت تبارك يدها على فمها تحمد الله أن العجوز سبقتها قبل أن تخاطر هي بحياتها وتواجه ذلك الوحش في هذه اللحظة، تنفست بصعوبة لترى أن السيدة تقدمت بتعب شديد تستند على حفيدتها، ثم نظرت للشاب ثواني ترفع يدها وتصفعه صفعة صغيرة لم يشعر بها الشاب على وجهه، بل شعر بها تسقط على روحه، اخفض وجهه ارضًا بخزي يحاول التماسك، بينما السيدة رمقته باعتذار صامت ليعلو صوت سالار يقول له بتحذير :
” هذه الصفعة ستلازمك لوقتٍ طويل، وقت كافي لتدرك أن ما فعلته وصمة عار في حقك كجندي تحمل راية تحمل اسم الله، وليست شيء يمكنك التفاخر به، والآن للساحة جميعًا لدينا تدريب ”
ختم حديثه يتحرك من أمام الجميع بخطوات مهيبة ومظهر قوي، فسالار كان رجل حرب بامتياز صارم قوي لا يرحم ولا يسامح المخطأ، يتحكم بالجيش بيد من نار، لذلك كان هو افضل من يقود جميع الكتائب دون تهاون، وأسفل يده يقود دانيار جيش الرماة، ويتحكم تميم بكتيبة الدفاع الثانية في الجيش .
وأثناء تحرك صوب ساحة القتال أبصر تبارك التي كانت ترمقه بنظرات مصدومة مما فعل، لكن سرعان ما تحولت تلك النظرات لأخرى قوية متحدية وكأنها تخبره أنها لم تنس ما قاله البارحة، ابتسم سالار بسمة جانبية يتوقف جوار تبارك يقول بجدية :
” أرى أنكِ تسيرن بخطى جيدة لتصبحي امرأة يُعتمد عليها في الجلوس على عرش سفيد، كل هذا وأنا فقط وافقت على تدريبك، تخيلي عندما أبدا التدريب الفعلي ؟؟”
ختم حديثه يتحرك بعيدًا عنها وهي تقف مكانها مصدومة، هي نظرت له بقوة ليعلم أنها ليست بحاجة له، ليقلب هو الطاولة عليها في ثواني .
استدارت بسرعة تحدق في ظهره هامسة بغضب شديد :
” مستفز ومغرور …”
” مولاتي ”
استدارت صوب الصوت لتبصر دانيار الذي نظر لها باحترام يشير بيده :
” الحقي بي رجاءً.”
تنفست بصوت مرتفع تسير خلف دانيار وكل ذلك تحت أعين زمرد التي نست عملها وكل شيء وهي تشاهد ذلك العرض الذي اختتمه دانيار بأخذ الملكة والرحيل .
ابتسم بسمة جانبية ساخرة :
” ها، انظروا من يتعامل كالبشر الطبعيين الآن؟؟ أيتعين عليّ أن أصبح ملكة حتى يعاملني بهذا الشكل ولا يتصرف كحقير معي فقط لأنني أطالب بما لي؟؟ حسنًا نفذ صبري أنا سأستعيد منه سيفي وبالقوة إن اضطررت لذلك”
وبهذه الكلمات إتخذت زمرد قرارها تتحرك بقوة بعيدًا عن المكان تلحقها شياطين الأرض اجمعين، وجميعهم ستسلطهم على شخص واحد …دانيار .
_____________________
سار في الممرات المظلمة والتي كانت أكثر آدمية من منطقة السجون الأخرى التي يطلقون عليها جحيم سفيد، هذه السجون التي يتحرك بها هي لمن ارتكب جرمًا هينًا مقارنة بأفعال قذرة تشيب لها الرؤوس ..
توقف إيفان أمام الزنزانة التي تجلس بها ملثمته، أو من ادعت أنها ملثمته، يراقبها جيدًا بأعين ضيقة قبل أن يضرب الحديد متسببًا في انتفاضة جسدها لتنظر الفتاة حيث يقف ..
” سيدي …سيدي رجاءً اسمعني، أنا آسفة صدقني لم تكن نيتي شرًا حين فعلت كل ذلك، بل فقط …”
قاطعها إيفان بيده التي ارتفعت في وجهها :
” هل ارسلك أحدهم لفعل ذلك ؟! هل تعملين لحساب أحدهم ؟!”
اتسعت أعين الفتاة مما وصلت له الأمور، هل لم تفعل كل ذلك سوى لظنها الغبي أنه يبحث عن تلك الفتاة لأنه يريدها له، سقطت دموعها بندم :
” لا لا اقسم لك أنني ما فعلت ذلك لشر، لم يرسلني أحدهم ابدًا، أنا … أنا لستُ كما تظن أنا …”
لكن إيفان مجددًا أوقفها يطيل النظر في عيونها ثواني، ثم هز رأسه يتحرك صوب الخارج دون كلمة إضافية، ولا تعلم الفتاة سبب مجيئه ورحيله دون مقدمات .


سقطت ارضًا ترثي حالتها البائسة وهي تحاول التفكير في حل لأجل الفرار من هنا :
” يا ليتني لم استمع لتلك الفتاة ولم افعل كل ذلك، يا الله فقط لو يعود بي الزمن فاصفع نفسي على تلك الفكرة ”
ختمت حديثها وهي تنفجر في بكاء حاد ترتكن لأحد الجدران تصيح بهم أن يطلقوا سراحها ..
بينما سار إيفان خارج السجن يفكر في كل شيء متعلق بهذه الفتاة، صوتها الذي جاء خصيصًا ليسمعه مجددًا، وعيونها، قامتها وهيئة جسدها، يشعر أن هناك شيء خاطئ، هذه لا تشبه بأي شكل من الاشكال الفتاة التي تبارزه، إذا لم تكن هي فكيف علمت بأمرها وتنكرت بهيئتها، ما الذي يحدث حوله ؟
لا يدري ما يحدث لكنه يعلم أنها ليست هي، لا شيء بها حتى العيون والتي يختلف حتى وميضها عن وميض ملثمته ..
رفع رأسه يتحرك صوب ساحة التدريب التي اخلاها خصيصًا لأجل تدريب الملكة، ليتفقد الأمر قبل أن يعود لإدارة مملكته ..
خرج يمر بالساحة الخاصة بالجنود حيث يتبارز عادة مع الفتاة التي حتى لا يعرف لها اسمًا، أبعد عيونه عن الساحة ولا يدري ما يشغل باله بها، هل هي كلمات العريف ؟! أم اشتياقه لقتال معها دون قيود؟؟
” هل تبحث عني ؟؟”
استدارت رأس إيفان كالرصاصة صوب أحد الأشجار بسرعة كبيرة ليبصرها تستند على الشجرة ببرود شديد تتلاعب بالسيف بين قبضتها وعيونها تحدق به …….
______________________
ضربة سيف …وبداية حرب .
اشارات ليست بالسارة للكثيرين، لكن لهم، هي شرارة البداية .

 


 
google-playkhamsatmostaqltradent