رواية مملكة سفيد الفصل الحادي عشر 11 - بقلم رحمة نبيل

الصفحة الرئيسية

   

 رواية مملكة سفيد الفصل الحادي عشر 11  -   بقلم رحمة نبيل


#الحادي_عشر
#اميرة_مشكى_حية؟
متنساش قبل القراءة تعمل لايك للفصل كتشجيع ليس إلا.
قراءة ممتعة .
“‏إنَّ الصَّلَاةَ علىٰ النَّبيِّ تِجَارَةٌ
فَاظفَر بِها تنجو من الدَّرَكاتِ
صَلِّ عليهِ بِكُلِّ يومٍ وَ استَزِد
حَتَّىٰ تَفوزَ بِمثلِهَا عَشَرَاتِ ﷺ”
_________________________
حسنًا كان محرجًا أن تسقط أمامه بهذا الشكل المخزي، وليس أمامه فقط، بل أمام دزرينة من الحراس، إلا أن الثقة تلغي الأخطاء السابقة، هذا ما تعلمته وستنفذه .
مررت تبارك يدها على ثوبها تتحرك ببطء صوب الملك وهي تبتسم بسمة صغيرة تحاول بها أن تهدأ من روعها هي .


وبمجرد أن وصلت له منحها إيفان بسمة هادئة مسالمة يقول بصوت حريص :
” أنتِ بخير ؟؟”
” نعم، نعم لا تقلق، في أحسن حال، فقط اعتقد أن هناك بعض المشاكل في الأرضية الخاصة بالقصر ”
حجة جيدة خرجت بها لتحفظ ما تبقى من ماء وجهها، وايفان نظر صوب تلك البقعة التي سقطت بها يقول بحاجب مرفوع :
” آه، نعم ربما نصلحها لاحقًا، والآن مولاتي اسمحي لي بالاعتذار لازعاجك منذ الصباح لكن هناك ما نحتاج للتحدث بشأنه ”
رمقته تبارك باهتمام شديد ليعتبر هو صمتها موافقة، وبدأ في الحديث بصوت هادئ متعقل :
” بالطبع أنتِ لا تعلمين الكثير عن عالمنا ومملكتنا، ولا أعتقد أن سالار كان من الصبر ليخبرك أكثر من مجرد كلمات معدودة ”
انقبضت ملامح تبارك بمجرد سماعها لاسم ذلك الرجل والذي لا تدري سبب كرهه لها وعداوته معها :


” بل هو لم يكن من الصبر ليسمح لي بأخذ انفاسي، كلما توقفت للراحة يصرخ في وجه أن تكمل طريقنا ”
أطلق إيفان ضحكات صاخبة :
” حسنًا ربما هذا خطاي أن أرسلته هو تحديدًا، فهو لا يحب الحديث في مهامه أو يحب التأخر، لكن كان ذلك في صالحي إذ أن سالار هو أفضل من ينجز مهامي الخاصة وفي اسرع وقت ”
هزت تبارك رأسها توافقه الأمر، فهي وخلال تلك الرحلة رأت بعيونها ما يتحدث عنه، ذلك الرجل جاد بشكل خانق، لكنه رغم ذلك محترف فيما يفعل، وهي تقدر وتحترم ذلك .
” نعم لاحظت ذلك ”
” جيد إذن، اتمنى ألا تحملي له ضيقًا، فهو في النهاية أحد رجالي المخلصين والمقربين ”
ابتسمت له تبارك بسمة صغيرة تحاول بها تمرير الأمر، بينما إيفان تنحنح يتحدث فيما جاء بها لأجله :
” حسنًا، هنا في سفيد أو في الممالك المجاورة، لن تجدي امرأة تحمل سيفًا أو تركب فرسًا، باستنثاء الاميرات، فهن ومنذ الطفولة يتم إعدادهن ليصبحن ملكات، والملكة عليها أن تعلم بعض الاشياء الأساسية عن الحروب وغيرها، ولا ..اقصد أنني لا اعتقد أنكِ تعلمين هذه الأمور، أم تفعلين ؟؟”
نفت تبارك برأسها تتذكر تذمر سالار من جهلها لتلك الأمور، يا وانقلبت ملامحه بغيظ وكأنها عُرض عليها الأمر وهي من رفضت .
” لا أنا لا افهم ايًا من ذلك ”
ابتسم إيفان يحاول ألا يشعرها بالنقص أو بشعور سييء حيال الأمر، لكن تبارك كانت ابعد ما يكون عن تجربة ذلك الشعور، بل هي كانت لا تهتم لتلك النقطة :
” ورغم ذلك نجوتي في عالم ملئ بالمفسدين، هذا شيء يُحسب لكِ احسنتِ حقًا ”
كانت تبارك تهز رأسها بانصات شديد قبل أن تُصدم وترفع رأسها له وقد تشجنت ملامحها بقوة تحاول فهم ما يرنو له، عمن يتحدث بالتحديد ؟!
” مفسدين ؟؟ مين دول اللي مفسدين لا مؤاخذة ؟!”
” ماذا ؟؟”
” ماذا أنت، هل وصفت للتو عالمي بعالم المفسدين ؟! ليس لأن به أم أنور وابنها وحسنية والعم متولي ونساء حارتي وعبير وسميرة ومدير المشفى التي اعمل بها، وسائق التوكتوك سيد، وبائع الخضروات، وصاحب عربة الفول أمام المشفى، تطلق عليه عالم مفسدين ”
حركت اصبعها السبابة في الهواء ترفض تلك التسمية بكامل دواخلها :


” لا لا يا سيد، ليس لأنك الملك هنا سأسمح لك بالإساءة لعالمي، ثم تسخر من عالمي أنه ملئ بالمفسدين وأنت تأوي أسفل قصرك أكبر الفاسدين ؟؟”
اتسعت أعين إيفان بصدمة من حديثها وكل تلك الأسماء التي تلقيها على مسامعه، هو لا يدرك ما تقصد بكل ذلك، وتبارك انتفضت عن مقعدها تقول بحنق شديد :
” هل تريد القول أن عالمك العزيز يخلو من الفاسدين ؟! جميعكم ملائكة هنا ؟؟ لا اعتقد، فالنفس الامارة بالسوء تسكن جميع الأجساد مولاي ”
رفع إيفان حاجبه من كل تلك الخطبة التي تلقي بها في وجهه، يشير لها بالجلوس كي يكمل حديثه وملامحه هادئة لا توحي بأي شيء داخله :
” حسنًا اجلسي رجاءً فمحظور على النساء رفع اصواتهن هنا حيث ينتشر الرجال، وبالطبع محظور عليهن رفعها في وجه الملك ”
حسنًا يبدو أنها تمادت حتى حولت الراقي والهادئ لنسخة أخرى من ذلك المتوحش سالار، فملامح الملك في تلك اللحظة جعلتها تتراجع خوفًا أن ينفجر في وجهها، لولا الهدوء الذي يخفي خلفه كامل انفعالاته .
” اولًا نحن لسنا في المدينة الفاضلة، لكن بلادي تخلو من كل المفاسد، ليست لأن جميع النفوس طيبة، بل لأنه يتم القضاء على أي فساد بمجرد أن يظهر، ليس كعالم يعيش به السارق والقاتل في سلام لأنه يمتلك اموالًا أكثر، والظالم يتنعم برغد العيش لأن له اليد العليا، والقوي يدهس الضعيف استغالالًا لحياته، هنا تُدفن المفاسد وتُردم أسفل تلال الصلاح، نحن لا نقمعهم بالقوة، بل بالنصح والإرشاد ”


صمتت تبارك وشعرت أنها تمادت في الحديث معه، بينما إيفان اكمل :
” هنا لا فرق بين فقير وغني ولا قوي وضعيف، الجميع أمام القانون سواء، حتى الملك تتم معاقبته إن اخطأ، وهذا كل شيء ”
صمتت تتنهد وهي ترتشف بعض قطرات المياه تقول :
” حسنًا ربما بالغت، لكن العالم الخاص بي ليس مرعبًا بهذا الشكل، أنت فقط تحتاج لقلب قوي ولسان لاذع ويد سريعة لتستطيع النجاة به، وهذا لا يمنع أن عالمي ملئ بالصالحين كذلك”
ابتسم إيفان يقول بهدوء :
” ولهذا استطعتي النجاة منه رغم جهلك لأي فنون قتالية؟!”
” لا بل نجوت بدعاء الوالدين، وقيام الليل ”
نظر لها بعدم فهم لتبتسم وتجيب :
” كنت أدعو عليهم كل يوم واتجنب أي احتكاك مع أي شخص قد يصيبني بأذى.”
ابتسم إيفان بسمة واسعة يقول :
” جيد إذن أنا سأدبر لكِ معلمين لهذه الأمور، المبارزة ورمي السهام والفروسية، ولسوء الحظ لا يوجد العديد من النساء هنا يبرعن في تلك الأمور فلا شقيقات لي، لكن يمكن لأمي أن تساعدنا ”
ومجددًا كان الرد من تبارك هو هزة رأس بسيطة منها، وكأنها لا تعي ما يحدث، فقط مستمرة في هز رأسها دون تردد، وهو يراقبها ليبتسم لها بهدوء :
” هذا كل شيء، أنا سأتحدث مع الملكة الأم لتساعدك في هذه الأمور، كما يجب عليكِ الإلتزام بغطاء الوجه خارج حجرتك مولاتي و….”
قاطعته تبارك دون تفكير، وهي حقًا مجبرة على قول ذلك في هذه اللحظة لكن جسدها هامد ضعيف تحتاج طعامًا لأجل حالتها الصحية، لذا تغلبت على خجلها القوي منه وقالت :
” أنا جائعة متى سأتناول الفطور ؟!”
بُهت وجه إيفان قليلًا يحاول أن يستوعب ما قالت، وهي لم تتغير ملامحها، بل أصرت تقول :
” لم يسألني أحدهم عما احتاج للفطور، أنتم لا تتناولونه هنا ؟؟ ”
رمش إيفان ثواني يحاول أن يجد ردًا في رأسه يناسب ما تقول، وما كاد يجيبها حتى سمع صوت الحارس يردد بصوت خافت :


” مولاي هناك امرأة لجأت لعدالتك وهي تنتظر في القاعة الآن”
نظر له إيفان ثواني قبل أن يصرفه بيده، ثم عاد بنظره لتبارك التي كانت تنتظر أن يخبرها متى تتناول طعامها، لكن هو لم يفعل، بل فقط ابتسم يشير لها أن تسبقه في السير :
” إذن تريدين مشاركتي في جلسات الحكم ؟! ربما يكون ذلك جيدًا كبداية لك لمعرفة ما نقوم به في المملكة ”
تنهدت تبارك بصوت مرتفع، ثم اشارت له كي يسبقها في السير وهي تمتم داخل نفسها بصوت منخفض حانق :
” أنا مالي باللي بتعملوه في المملكة، أنا جعانة عايزة أكل هو الناس دي عايشة على الطاقة الشمسية ولا ايه، ألا ما شوفت واحد بياكل ولا بينأنأ في حاجة من وقت ما جيت”
نظر لها إيفان بتسائل لتبتسم له وهي تهز رأسها، ثم زادت من سرعة سيرها وهو يلحق بها لا يدري ما تتحدث به مع نفسها، لكنه يدرك أنه ليس بشيء يود معرفته حقًا.
_____________________
ارتفع حاجب سالار قليلًا يحاول معرفة ما تريد تلك المرأة منه، ورغم أنه لا يحبذ الاختلاط بالنساء أو محادثتهن، إلا أنه أومأ موافقًا يشير لها صوب أحد مقاعد المكتبة وهي سارت أمامه تفرك يديها تفكر فيما ستفعل .
وبمجرد أن وصلت لأحد الأركان بادرت سريعًا دون أن تفقد شجاعتها بالقول :
” احتاج لمساعدتك، أخبرني اخي أن الجأ لك حين أصل للملكة هنا ومن سوء حظي في اليوم الذي تلى وصولي كان هو نفسه يوم رحيلك لاحضارك الملكة ”
تعجب سالار حديثها، ضيق ما بين حاجبيه متسائلًا :
” هل اعرفك ؟؟ وما الذي تريدين مني فعله تحديدًا ومن هذا شقيقك ؟!”
هزت كهرمان رأسها وهي تقول بصوت منخفض ومازال حجابها يخفي كامل ملامحها تردد بهدوء شديد :
” لا اعتقد أنك تعرفني شخصيًا، لكنك تعرفني لأخي ..”
فرك سالار رأسه وهو حقًا لا صبر له لمثل تلك الأحاديث التي يشوبها الغموض، هو يحب أن يلقي محدثه كل ما يريده في وجهه دون مقدمات كثيرة.
” نعم، إذن هل ستخبريني من أنتِ وكيف اعرفك، وماذا تريدين مني ؟؟ فأنا حقًا لست متفرغًا للحديث الطويل ”


بلعت كهرمان ريقها وهي تحاول أن تتماسك وتتحدث بصوت ثابت :
” قبل أن أخبرك من أنا أريد كلمتك سيدي ”
” كلمتي ؟!”
” نعم، رجاءً عدني ألا يعلم الملك شيئًا عني ”
ارتاب سالار أكثر من ذلك الطلب وشعور بوجود خطب خلف تلك الكلمات، شيئًا لن يسره .
” لم أعتد أن أعطي كلمة على ما لا علم لي به، لذا سيدتي إما أن تتحدثي بما جئتي لأجله، أو توفري وقتي ووقتك وترحلي ”
قاسي ؟؟ نعم ومتى لم يكن، أو ربما يمكننا تخفيف وقع تلك الكلمة والقول أنه جاد ولا يعترف بالحديث الكثير، هو رجل حرب لا يعترف سوى بالحديث المباشر، اما نعم او لا، لا يوجد في قاموسه كلمة ربما .
شعرت كهرمان أنها لن تفوز عليه، كما قال شقيقها، سالار لا يحب المزاح ولا يعجبه أن يملي عليه أحد شيئًا أو يجبره عليه، مثله كالملك، لكن ربما الملك متفهم ويستمع ومن ثم يتحدث ويحكم .
وفورًا رفعت حجابها تنظر له بجدية وهي تقول بصوت فاقد الحياة والأمل ونبرة ميتة :
” أنا الأميرة كهرمان، أميرة مشكى و….الوحيدة المتبقية من سلالة ملوك مشكى، شقيقة الملك أرسلان ”
اتسعت عيون سالار بقوة وهو يبصر أمامه شقيقه أرسلان، نعم يعرفها خين لمحها مرات قليلة داخل قصر ارسلان في بعض الزيارات الخاصة به، لمحات قليلة لم يهتم حقًا ليطيلها أكثر من ثواني، لكنها لمحات تكفي ليعلم أنها تقول الصدق .
سقطت دموع كهرمان وهي تقول بصوت قوي وحقد قاتل :
” اريد منك مساعدة في إعادة ارضي وارض أجدادي قائد سالار، اريد منك مساعدتي للقصاص، اريد أخذ قصاص شقيقي وامي، لكن دون معرفة من الملك أو حتى مساعدة منه، لا أريده أن يعلم بأمري ”
شرد سالار بعض الشيء في الفراغ في الوقت التي اطالت هي التحديق بملامحه، ملامح لم تر مثلها كثيرًا، رجل جسور قوي، وكذلك كان الملك يشبه سالار في الطباع مع اختلاف بعض الصفات والتصرفات بينهما و….مهلًا ما شأنها والملك الان ؟! هي فقط تريد مساعدة سالار وفقط، لن تطلب مساعدة بمن سعى لعداوة شقيقها .
” حسنًا ”
كانت كلمة واحدة، واحدة فقط نطق بها سالار قبل أن يتركها ويتحرك من أمامها يشير لدانيار وتميم باللحاق به وخرج من المكان بأكمله .
و تلك المسكينة ما تزال تقف مكانها تحاول أن تستوعب ما يقصد ذلك الرجل بكلمة ( حسنًا).. ماهذا حسنًا ؟؟ هكذا فقط ؟؟ أين الدراما والبكاء والتوعد والصراخ أنه سيجلب لها حق شقيقها ؟؟ أين كل ذلك ؟؟ ما هذا الجبل الذي عبر أمامها وكأنها لم تتحدث بشيء ؟! هل أخطأت حين لجئت له؟!
يا الله تشعر باحتراق داخلها، هي حقًا لا تصدق ردة فعل تلك، كلمة واحدة وتحرك بعيدًا عنها .
ونيران صدرها من يطفئها ؟؟ كرهها من يخففه، من سيتوعد بإعادة حق شقيقها ووالدتها ؟؟
ومن بين صدمتها تلك سمعت صوتًا جوارها بنبرة خبيثة :
” اول مرة تتعاملين مع ذلك المتجبر صحيح ؟!”
استدارت كهرمان بسرعة صوب العريف الذي كان يجلس على مقعده يحمل كتابًا وهو ينظر لها من خلفه ببسمة خبيثة، وفوق كتفه تقبع بومة تنظر لها بـ….بسمة ؟؟
هل تبتسم لها تلك البومة بخبث ؟؟
أعادت كهرمان الحجاب الخاص بها على وجهها بسرعة تخفي وجهها ليسارع العراف يقول بهدوء شديد ونبرة غامضة وهو تحسس ريش بومته :
” لا لا سموك لا تقلقي ما يخرج هنا في مكتبتي لا يعبر جدرانها ”
تنفست كهرمان بصوت مرتفع بعدما أدركت أن ذلك الرجل علم عنها ماتخفيه بالفعل :
” لا اريد لأحد أن يعلم ذلك رجاءً ”
ابتسم العريف يردد بنبرة هادئة:
” لن يعلم أحد مني شيء صدقيني، لكن الاسرار لن تبقى اسرار للابد يا فتاة، وخاصة إن كان ذلك السر هو مفتاح العديد من العقد كخاصتك ”
نظرت له بعدم فهم ليبتسم متحركًا عن مقعده يردد انشودة بصوت مرتفع بعض الشيء، ثم قال لها يحرك يديه في الهواء والبومة تتطاير حوله وكأنها تشاركه تلك الانشودة :
” لا اسرار تختبئ عن الحب، الحب يكره الغموض يا صغيرة، فلا تجديهما يجتمعان سويًا في قصة واحدة، وبالطبع قصتك ليست باستثناء، فإما أن يكشف الحب غموضك، أو أن يقتل غموضك الحب ”
اشتعلت الحيرة بملامح كهرمان التي لم تفهم من ذلك الرجل شيئًا، نظرت أمامها صوب مرجان الذي كان يحدق في العريف بتفكير يحاول أن يحل الغازه، وحينما أبصر نظرات كهرمان له هز كتفيه بعدم معرفة يقول :
” لا أعلم ما يقصد صدقيني، هو هكذا يحب لعب دور الغامض مع الجميع، وانا أجهل ما يريد، ربما تعلم البومة ما يقصد، لكن لسوء الحظ هي لا تتحدث كما تعلمين ”
ابتسمت كهرمان بعدم تصديق لما يحدث حولها :
” ما الذي يحدث أسفل سقف ذلك القصر ؟؟”
___________________
تقف في منتصف الساحة وهي تتمايل بكل دلال تمتلكه، له وحده تفعل ذلك علها تنال رضاه، أو نظرة واحدة منه .
لكن ذلك الذي الذي تكاد تقبل قدمه ليمنحها نظرة رضى واحدة، كان شاردًا لا يشعر بشيء حوله سوى تلك النيران التي تشتعل داخل صدره، حتى لمساتها له لم تؤثر به، ليس لأنه _ معاذ الله _ تقي أو ورع، بل لأن الصفعة التي نالها على وجهه من سالار ما يزال صداها يرن في أنحاء مشكى بأكملها .
تنفس بصوت مرتفع ينظر جوراه لتلك الفتاة ذات الملامح الملائكية التي تتنافى بالكامل مع أفعالها الشيطانية ..
” أنا لست في مزاج يسمح لي بالاندماج معك، لذلك اذهبي من أمامي كي لا انفجر بكِ، وستكونين الضحية الوحيدة هنا ”
انتفضت الفتاة متراجعة عنه، تتنفس بخوف من نظراته السوداوية، ليس وكأنها عاشقة له أو ماشابه، فمن سيحب رجل بوجه نصف مشوه وقلب اسود كبافل ؟! هي فقط شأنها كشأن جميع نسائه، تريد السلطة والثراء المرتبط باسمه .
تحركت الفتاة للخارج تزامنًا مع دخول رجل المكان يقول بصوت مرتفع :
” ارسلت لي سيد بافل ؟؟”
ابتسم بافل ينظر في وجه ذلك الرجل، واحد من شياطين الانس الذين اتحدوا معه لأجل إسقاط مشكى، قائد جيوشها الاول والذي باع مملكته لقاء سلطة اكبر من سلطته المقيدة ..
” نعم، لقد حان الوقت ”
نظر له الرجل بعدم فهم :
” وقت ماذا سيدي لا افهم ؟!”
” وقت إسقاط سفيد يا رجل ”
اتسعت عيون الرجل بصدمة كبيرة لا يصدق ما يسمع، سفيد ؟؟ الآن وقبل أن تتجهز جيوشهم ويستعيدوا حيويتهم بعد هجوم الامس ؟!
” لكن سيدي نحن لسنا مستعدين في هذه اللحظة لسفيد البتة، الأمر صعب، لا سفيد ولا آبى ولا سبز، نحن الآن في أضعف حالاتنا بعد قتل العديد من رجالنا و…”
قاطع كلماته رؤيته لخنجر يمر جوار وجهه وصوت بافل يصرخ بجنون :
” أنا لا آخذ رأيك يا هذا، ستنفذ ما أخبرك به، وإلا لحقت بملكك وجنودك ”
ابتلع الرجل الإهانة التي ألقاها بافل في وجهه وقال بصوت خانع :
” كما تريد سيدي، أخبرني ما يجب عليّ فعله وسأفعل ”
استند بافل إلى سيفه يشرد في المكان أمامه محاولًا التفكير في القادم، هو حقًا يحتاج لكل ذرة تفكير داخل عقله :
” نحن لن نعلنها حربًا صريحة، أريد اولًا أن أرد على هجومه، وسنفعل … ”
___________________
يجلس الثلاثة داخل معمل تميم الذي كان يعمل بجد على سلاحه العزيز والذي أوشك على الانتهاء منه :
” إذن أنت ستساعدها ؟؟”
هز سالار رأسه بهدوء :
” سأفعل، إن لم يكن لأجلها فلأجل أرسلان ”
تنفس دانيار بقوة وهو يفكر في شيء لم يفصح عنه، إن كانت تلك الفتاة والتي ادعت الخائنة _ كذبًا _ أنها شقيقتها وقد هربتا من قرية في غرب سفيد بعد هجوم المنبوذين، والآن اكتشف أن التي تدعي أنها شقيقتها، هي نفسها الشقيقة الوحيدة لملك مشكى السابق، إذن من تلك الفتاة ؟؟
انتفض جسد دانيار، أمام سالار الذي ضيق عيونه بعدم فهم لشروده العجيب ذلك :
” ما بك دانيار ؟؟ بم أنت شارد ؟!”
” لا أنا فقط …كنت أفكر إن كنا سنخبر الملك بشأن الأميرة أم لا، في النهاية هي تجلس أسفل سقف قصره ”
شرد سالار قليلًا قبل أن يقول بتقرير :
” لن نفعل، ليس الآن على الأقل، حينما أتأكد من شيء في رأسي أنا بنفسي ساخبره بأمرها ”
هز دانيار رأسه ولم يتناقش معه في شيء لمعرفته أنه يعلم ما يقرر جيدًا .
وبعد دقائق من الحديث تحرك دانيار بحجة رؤية شقيقه لأمر هام، وخرج من المعمل بسرعة تحت نظرات متعجبة من تميم و غامضة من سالار الذي أدرك أن دانيار يخفي شيئًا ما ..
بينما دانيار تحرك خارج المعمل يعيد خصلاته للخلف وهو يتمسك بحاملة سهامه جيدًا، يحيي جميع من يقابله برأسه، يسير في الممرات وهو يعلم أين سيجد تلك الخائنة .
خرج من القصر بأكمله وسار للجزء الخلفي من القلعة حيث الباب الخلفي المؤدي للخارج وهو يبتسم بخبث، خرج يضع قلنسوة أعلى رأسه صاعدًا أعلى فرسه، ثم اندفع به للسوق الشعبي حيث تلهو تلك المخادعة في مثل هذا الوقت من كل أسبوع .
نعم يراقبها داخل القصر ويعلم كل ما تفعله، وها هي مراقبته تؤتي ثمارها .
وفي السوق كانت هي تسير بحرية بلثام الوجه، و حجاب بسيط أعلى فستان اسود بحزام جلدي به بعض الخناجر تسير متفاخرة بهم، وكأنها تتحدى أن يقترب منها أحدهم .
وأصوات الباعة ترن حولها بشكل متداخل لم تهتم لهم، إلا أن جذب مسامعها صوت رجل يصيح بصوت هادئ رزين بعض الشيء :
” الحرير سيدتي ؟! اشتروا مني أفخر انواع الحرير في جميع الممالك”
حرير ؟؟ هذا مثير للاهتمام، منذ متى لم تشتر لنفسها شيئًا كهذا من باب الدلال ؟؟ تحركت زمرد صوب ذلك الرجل وهي تنظر صوب انواع والوان الحرير أمامه مبتسمة بسمة صغيرة .
بدأت تتلمس بأطراف أصابعها الحرير تقول بصوت خافت :
” مرحبًا يا عم بكم القطة لديك ؟!”
ابتسم لها الرجل بوقار واحترام شديد :
” بخمس قطع ذهبية آنستي، وصدقيني لن تجدي بهذا السوق ولا أي سوق بالمملكة اجمع من ينافس جودة وسعر حريري ”
ابتسمت زمرد وقد نال ذلك الحرير إعجابها ووقعت عيونها على قطعة من اللون البرونزي اللامع، لتلتمع عيونها تباعًا للأمر، تتحسسه بوله شديد :
” يبدو هذا مناسبًا لي، إذن سآخذ قطعتين، هذه و…”
وقبل أن تكمل كلمتها شعرت بيد تجذب الحجاب الذي تلفه حوله رقبتها، ويقوم بلفه حول وجهها بسرعة مخيفة، ثم سحبها من ذلك الحجاب، وزمرد ودون تفكير للحظة واحدة تحركت يدها صوب الخناجر الخاصة بها، لكن تلك اليد التي سحبتها بعنف أجبرها صاحبها على دخول زقاق ضيق لا أحد به، يدفعها صوب أحد الأركان هامسًا بصوت مخيف :
” مرحبًا بالخائنة الكاذبة والمخادعة ”
اتسعت عيون زمرد حينما رأت عيون تعرفها تمام المعرفة، رفعت حاجبها تتنفس بصوت مرتفع :
” كل هذا ؟؟ يا ويلي يبدو أنني اسوء مما توقعت ”
ابتسم لها دانيار بشكل مرعب ينزع القلنسوة عنه، ثم في ثواني كانت أنامله تنتزع جميع خناجرها ملقية إياها ارضًا، وبعدها ابتعد عنها يقول بصوت مهدد :
” والآن ايتها المخادعة تحدثي وأخبريني من أنتِ ومن ارسلك للقصر وبأي حجة ؟؟”
نظرت له زمرد بغضب شديد وعيونها تتحرك صوب الخناجر خاثتها بغضب شديد، تحركت بسرعة بغية امساكهم، لكنه نزع سهمًا من حافظة سهامه يضعه داخل القوس وموجهًا إياه عليها :
” أنتِ لا تريدين أن تصبحي هدفًا حيًا لسهامي صحيح ؟؟”
رمقت زمرد عيونه بغضب شديد لتميل بكل عناد صوب الخناجر الخاصة به وكأنها تخبره أن يفعل ما يريد، لكن كل ما فعل دانيار أنه امسك سهم آخر ووجهه لها، وهي رفعت حاجبها بسخرية وكأنها تخبره ( حقًا ؟؟)
وهو ابتسم بسمة أوسع ينتزع سهمين آخرين لتكون الحصيلة أربعة سهام في قوسه وجميعهم موجهين لرأسها :
” يمكنني الاستمرار حتى الصباح، وصدقيني سأزيد من سهامي حتى يمتلئ جسدك بأكمله.”
استقامت زمرد في وقفتها تقول ببسمة ساخرة :
” يبدو أنني أرهق تفكيرك لدرجة أن تأتي خصيصًا خلفي وتقف الأن امامي تبذر سهامك على جسدي ”
نظرت له بخبث شديد، ثم اقتربت منه خطوات صغيرة تقول بصوت هامس:
” هل حلمت بي لتقفز أمام وجههي منذ الصباح ؟؟”
ابتسم لها دانيار بسمة واسعة قبل أن تتحول تلك البسمة لضحكات مرتفعة، يميل قليلًا كي يصل لطولها :
” تتمنين، لكن عقلي لديه أمور أكثر أهمية منك ليفكر بها في نومي على هيئة احلام ”
رفعت زمرد حاجبها بسخرية :
” بل انت من تتمنى، لم يتبقى غير رامي السهام لارهق نفسي في أحلامه ”
فجأة شعرت بسهم يخترق الحاملة الخشبية خلفها لتشهق بصوت مرتفع وهي تتحرك بعيدًا عن كل ذلك، استدارت صوب دانيار الذي ابتسم لها ببساطة :
” سيدهشك ما يستطيع رامي السهام فعله، هيا لا تضيعي وقتي وأخبريني من أنتِ ومن أي مملكة جئتِ ”
صمت ثم سارع يلغي خطتها التي تلوح في عيونها :
” ولا تقولي أنكِ هربتي مع شقيقتك من الحدود الغربية حتى هنا، فكلانا يعلم أن شقيقتك هي نفسها أميرة مشكى،”
شهقت زمرد بصدمة مما قال، كيف علم الأمر ؟!
وقبل أن تبادر بطرح سؤالهم قاطعها شعورها بحد السهم يكاد يخترق رقبتها وصوت دانيار يهمس بتحذير :
” من أنتِ وما قصتك ؟؟”
ابتلعت زمرد ريقها تقول وهي ترفع يديها في الهواء تدعي استسلامًا :
” أنا…أنا الخادمة الخاصة بالاميرة، هربت معها ليلة اقتحام المنبوذين لقصر مشكى وقتلك الملك، وجئنا هنا للاحتماء بسفيد، ولم أتحدث بكلمة بناءً على أوامر الأميرة ”
مقنعة وجدًا، ومنطقية كذلك، كان يدرك أن هذا سيكون ردها، لكنه أراد التأكد، أو أنه فقط أراد حجة كي يتحدث معها ؟؟
” وكل تلك المهارات التي تستطيعين فعلها ؟؟”
” الأميرة علمتني كل ذلك، كنت اراقبها طوال فترة تدريبها وتعلمت معها ”
نظر لها دانيار بشك وهي فقط ابتسمت تبعد عنها حد السهم تقول :
” هذا كل ما اعرف سيدي صدقني ”
نظر لها دانيار قبل أن ينزع السهم يقول :
” أنا لا أستطيع تصديقك حقًا ”
” أوه اعلم هذه المشكلة فملامح وجهي لا تساعد في الأمر، لكن يمكنك المحاولة وستنجح يومًا ما ”
راقب دانيار عيونها السوداء التي كانت في تلك اللحظة ملتمعة، وابتسم بسمة جانبية يقول :
” نعم، ربما يومًا ما أستطيع تصديقك ”
أخفى سهامه مجددًا في حافظتها، ثم نظر لها من أعلى لأسفل يقول :
” يجب أن تتوقفي عن الهروب من العمل وإلا عوقبتي ”
عدلت زمرد من وضعية لثامها تقول بجدية :
” لقد منحني الملك إجازة لأجل ما فعلت بذلك المنبوذ الـ ”
صمتت تحت نظراته المتعجبة وكأنه يسألها عما تقصده، وهي قلبت عيونها بملل تراه يخرج سهامه مجددًا يضعها في القوس يوجهها لها .
” أي منبوذ وما الذي فعلته يا امرأة ؟؟”
نفخت زمرد بحنق شديد ترفع يدها تدعي استسلامًا :
” أوه ليس مجددًا ”
_________________________
كان هذا أشبه بالمحكمة في عالمها، لكن الأمر والمتعة كانت تتمثل أنها تجلس كما القاضي تستمع وتحكم، حسنًا الملك هو من كان يحكم بين الجميع، وهي كانت تشاهد بصمت، ربما يمكن القول أنها كانت تتخذ دور المستشار ؟؟ نعم يعجبها هذا اللقب .
وأثناء طريقها خارج القاعة بعدما تركت الملك يهتم بشؤونه، اصطدمت في امرأة جعلتها تتراجع للخلف بسرعة :
” اعتذر لكِ سيدتي لم …”
وقبل أن تكمل كلماتها وجدت تلك المرأة تنبذها وترحل بعدما ألقتها بنظرات غير مهتمة، فتحت تبارك عيونها بعدم فهم مما حدث .
أبصرت في تلك اللحظة سالار الذي كان يتحرك صوب القاعة وتوقف ليرى الام بينها وبين الملكة الأم، ويبدو أن الملكة لم تتعرف على هوية تبارك .
أشارت تبارك على المرأة التي رحلت وهي تقول :
” هي الست دي مالها زعلانة كده ؟!”
رفع سالار حاجبه ينظر لها من أعلى لأسفل متعجبًا ما ترتديه، إذ لم تعتد عينه بعد على رؤيتها بثياب نساء مملكته، وفجأة توقف على وجهها يقول :
” أين غطاء وجهك ؟!”
حملقت به تبارك بعدم فهم تتحسس وجهها :
” يعني ايه ؟! هو ده جزء من اللبس بتاعكم ؟! ”
” ماذا ؟؟ ما هذا الذي تقولينه ؟؟ هناك غطاء للوجه عليكِ وضعه قبل خروجك من جناحك …مولاتي ”
قال كلمته الأخيرة ضاغطًا على أسنانه بغضب، وهي نظرت له تقول بهدوء مستفز :
” محدش قالي حاجة، بعدين أنت مالك ؟؟”
ضغط سالار على أسنانه بغضب وهو يحدجها بتحذير أن تلتزم حدودها معه، وتبارك التي كانت منذ الصباح غاضبة في الأساس لم تخضع لنظراته تقول بجدية :
” وإن ظننت أن نظراتك هذه ستخيفني، فأنت محق أنا بالفعل اخافك، لكنني الأن في مقام الملكة؛ لذلك أنت مجبر على احترامي، والآن يا فتى أخبرني كيف أجد فطوري ”
تشنج وجه سالار بقوة يردد بعدم فهم :
” فتى ؟؟ حقًا ؟؟”
اطال النظر لها ثم اقترب منها يقول بتشنج وملامح مخيفة :
” من تظنيني يا امرأة ؟؟”
” البودي جارد بتاع الملك ”
رفع حاجبه يحاول ترجمة تلك الكلمات في عقله، هو يعلم بعض اللغات القديمة والقليل فقط من اللغات الجديدة، وهذه الكلمات يعلمها لكن لا يتذكر لها معنى :
” اسمعي جيدًا إليّ، هل ترين ذلك الشيء المعلق في خصري ؟؟”
اشاحت تبارك عيونها عنه صوب حزام خصره، ثم قالت :
” أتقصد ذلك السيف ؟!”
” نعم هو، لا تحاولي استفزازه فهو لن يفرق بين ملكة وعاملة ”
هزت تبارك رأسها بهدوء شديد تحاول أن تتجنب الجدال في هذه اللحظة ولم تقل سوى :
” الله يسامحك، أنا اساسا يعني مش ميتة على شوفتك، ده أنا مُنى عيني مشوفش وشك قدامي تاني ”
ابتسم سالار يردد ببسمة باردة مرعبة يهمس لها :
” ابشري..”
نظرت له بخوف متراجعة تردد رغم ذلك بعناد :
” قبلت البشرى ”
ابتسم لها وهو ينظر بشر صوبها :
” جيد، والآن مولاتي اسمحي لي بالمغادرة رجاءً، استأذنك الرحيل ”
أشارت له تبارك تتنحى عن الطريق ساخرة :
” تصحبكم السلامة ”
راقبت أثره ثم غمغمت بسخرية لاذعة :
” ناصح أنت آخر ثانية من الحوار تقول مولاتي وتحترم نفسك بعد ما تقل من قيمتي طول المناقشة”
تنهدت بصوت مرتفع تنظر في أرجاء القصر بتعب :
” ودول بياكلوا فين دول ؟؟”
_______________________
زفر بضيق شديد وهو يتابع مهيار بعيونه، يُجلسه هنا منذ ساعة تقريبًا كي يفحص جروحه التي حصل عليها سابقًا .
” مهيار بالله عليك ألم تنتهي ؟! أشعر أنني اجلس هنا منذ سنوات ”
نزع مهيار تلك اللاصقة يتذمر من تذمر تميم والذي كان لا يحتمل الجلوس على الفراش أمامه كالجالس على جمر، جمع كل أدواته يقول عقب تنهيدة صغيرة :
” انتهينا تميم، وربما يفيدك أن تهتم بجرحك فهو على وشك أن يلتهب مجددًا، وصدقني لن يعجبك ما ستلاقيه حين يحدث ذلك .”
التوت ملامح تميم يعيد ثيابه مجددًا وهو يهبط عن الفراش، ثم تحرك صوب باب الغرفة يردد بجدية كبيرة :
” نعم ربما حين انتهي من عملي، سوف اهتم به وارعاه”
ابتسم له مهيار بسخرية تفوق خاصته :
” حري بك هذا وإلا لا تلومن إلا نفسك ”
لوح تميم بيده يقول مبتسمًا :
” الوداع سيدي الطبيب ”
تحرك تميم خارج المشفى يتحسس جرحه بتعجب شديد، ثم بدأ يضغط عليه مجددًا وهو يردد بصوت مستنكر :
” هي من الأساس لا تؤلمني، لِم عليّ أن انتبه عليها إن كانت لا تفعل ؟؟ هراء، أنا في النهاية لن أخضع لكلمات مهيـ”
اصمتت دفعة من إحدى النساء حديث تميم لنفسه، إذ تراجع الأخير للخلف بسرعة كبيرة رافعًا يديه في الهواء معتذرًا :
” آسف لم ارك آنستي، اعتذر منك .”
ابتسمت الفتاة خلف غطاء الوجه تتحدث بصوت رقيق وقد وجدت أخيرًا فرصتها في الحديث معه، أو بالأحرى هي من صنعت تلك الفرصة إذ تحينت الوقت المناسب لتصطدم به .
” لا بأس سيدي أنا أيضًا لم انتبه لك ”
هز تميم رأسه يبتعد عن طريقها، ثم أكمل طريقه بكل بساطة، والفتاة تقف بصدمة أنه لم يزد كلمة واحدة على حديثها، فقط هز رأسه ورحل، ما الذي يعنيه ذلك ؟؟ ربما عذوبة صوتها لم تكن كافية ؟؟
وتميم كان يتحرك صوب معمله ليباشر عمله قبل أن يطرأ له ما يعطله، لكن فجأة سمع صوتًا خلفه يصرخ بوجع كبير .
استدار نصف استدارة ليجد الفتاة نفسها ساقطة ارضًا تبكي بصوت مرتفع متألم وكأنها للتو دهست لغمًا وانفجر بها، وتميم يقف ولا يدري ما يحدث لها، هو منذ ثواني تركها واقفة على قدمها دون أي مشاكل .
نظر حوله وكأنه يبحث عمن يساعدها، ولم يكد يتحرك حتى شعر بجسد يندفع من خلفه، جسد لفتاة طويلة القامة بعض الشيء يظن أنه يعرفه .
ولم يكن ذلك الجسد سوى برلنت التي كانت شاردة به من مسافة بعيدة لتبصر ما يحدث وتدرك نية تلك الفتاة الخبيثة التي تطمح للتلاعب بصانع الأسلحة خاصتها، حتى وإن لم يكن يعلم أنه خاصتها، فهذا لا ينفي الأمر من جهتها على الأقل.
حدق تميم في برلنت التي انحنت تقول بصوت مرتعب _ كما ظهر له _ وهي تساعد الفتاة :
” اه كيف حدث ذلك يا فتاة، هيا دعيني اساعدك، هيا هيا انهضي معي”
نظرت الفتاة صوب برلنت بنظرات لم تظهر لها من أسفل الغطاء، تشعر بالغضب يتلبس جسدها بينما وقف تميم لا يدرك ما يجب فعله .
تحرك لهما بتردد :
” هل ارسل للطبيب ؟؟”
التفتت له برلنت بحدة وغضب وكأنه للتو عرض الزواج على الفتاة وليس أن يحضر لهما الطبيب، لتنفجر بلا مقدمات في وجهه :
” نشكرك سيدي، نحن نستطيع الذهاب بأنفسنا له، لا نحتاج مساعدة من أحد، وفر مروءتك لمن يحتاجها حقًا”
رمقتها الفتاة بغضب تحاول نزع يدها من بين انامل برلنت :
” من أنتِ يا فتاة دعيني ”
اتسعت أعين تميم بصدمة من هجومها عليه بهذا الشكل، نعم هي بالتأكيد نفسها صاحبة اللسان السليط، وهي نفسها القردة التي رآها سابقًا حينما كان يسير بخيله .
ابتسم لها بسمة مغتاظة :
” حسنًا أنتِ محقة، فهناك من يستحق أن أظهر مروءتي له أفضل منكِ، لا اعتقد أنكِ بحاجة لها، لا أنتِ أو حتى رفيقتك ”
اعترضت الفتاة بقوة على هذا الحديث رافضة أن يشملها في غضبه من تلك المجهولة التي قفزت لها من حيث لا تعلم :
” هييه أنا لست رفيقتها سيدي أنا حتى لا اعلم من أين جاءت تلك الفتاة ”
لكن لا برلنت ولا حتى تميم اهتم لحديثها، فهو لم ينزع عيونه عنها بشر، وهي لم تبعد نظراتها _المختفية خلف غطاء الوجه _ عنه، تشعر بالغضب منه، من نفسها قبله، يالله فكرة أن يقترب من أمرأة أخرى تقتلها وهو من أخذ يضحك عليها حين أُصيبت، الآن يسارع لعرض خدماته على امرأة اخرى؟؟ الويل لك تميم :
” جيد، إذن ابحث لك عمن تساعده بعيدًا عن النساء، فلا أظن أنك تحسن مساعدتهم، بل أنت في الحقيقة تورطهم أكثر وأكثر ”
ضحك تميم بعدم تصديق، هي ترمي لذلك اليوم الذي حملها لينقذها من الانفجار وحينما أنقذها من فروع الشجرة، كل ذلك نسيته وتذكرت طريقة إنقاذه فقط .
” آه نعم وكأنني اتشوق بالفعل لمساعدة النساء، عزيزتي أنا من ترتمي النساء عليّ وليس العكس، واسألي رفيقتك”
ختم حديثه بنبرة صارمة وملامح حادة بعيدة كل البعد عن المزاح، ثم استدار للفتاة التي تناست تمثيلها السابق وقال بتحذير :
” وأنتِ التزمي حدودك وتوقفي عن هذه الالاعيب كي لا يتم معقابتك، عدن للعمل ”
أنهى جملته يستدير متحركًا بعيدًا عن عنهما بملامح صخرية وجمود معروف به بين الجميع، تاركًا برلنت تراقبه بحسرة، حسرة كبيرة داخل قلبها، رؤيته يرحل هكذا ذكرتها بأكثر أيامها تعاسة حينما تركها وحيدة قديمًا ..
ولم تشعر برلنت في خضم قهرها وحسرتها بتلك الفتاة التي أخذت تتذمر وتتمتم بضيق منها، ثم ضربتها بكتفها ورحلت، وبرلنت ما تزال تنظر لظهر تميم بأعين دامعة وقد عادت لها ذكرى بعيدة لمراهق يرحل عنها غاضبًا بعدما أفرغ في وجهها كرهه وجنونه …
كانت برلنت الصغيرة تتمسك بعضد تميم البالغ من العمر سبعة عشر عامًا وهي تبكي بحرقة وجنون، تأبى تركه يرحل، ليس بعد كل تلك الأعوام يتركها وهو رفيقها الوحيد :
” لا لا تميم، ارجوك أنا ارجوك سامحني، اقسم أنني كنت مجبرة على فعل ذلك، اقسم لك اجبروني على ذلك تميم، لا تتركني ”
انتزع تميم ذراعه من بين يديها صارخًا بغضب وقد شعر بالنيران تحرق صدره مما علم عنها تحول كامل الحب لها لبعض شديد ومقت :
” لا تدعيني أرى وجهك مجددًا وإلا اقسم أنني لن ارحمك”
لكن برلنت صاحبة الثانية عشر عامًا، امسكت يده تبكي برجاء :
” ارجوك أنا آسفة، أنا آسفة تميم، صدقني لن تتكرر، ارجوك فقط هذه المرة، تميم هذه المرة الاخير اقسم بالله العظيم ستكون المرة الأخيرة ”
لكن تميم انتزع يده منها بقوة وهو يميل بجسده للأرض حيث سقط جسدها يقول بشر ونبرة مرعبة وتهديد واضح في جميع حروفه رغم عيونه الحمراء الدامعة :
” نعم ستكون الأخيرة برلنت، ستكون الاخيرة، لأنني لن أراكِ مرة ثانية، وإلا قتلتك حينها وتخلصت منكِ ”
صمت يتنفس بصوت مرتفع وقد التمعت عيونه بالدموع وقد بدا صوته كأنه يتوسلها :
” لا تدعيني أراكِ مجددًا ارجوكِ، لا تجبريني على قتل الشيء الوحيد الجيد في حياتي بيرلي، لا اريد معرفتك بعد اليوم ”
ختم حديثه بصراخ جنوني، ثم انتفض تاركًا إياها مبتعدًا بملامح صخرية متألمة وجسد جامد وهي تتابع خطواته بجسد مرتجف ودموع مستمرة، خسرت رفيقها الوحيد، بل الشخص الوحيد الذي كان يشاركها بؤسها وكله بسببها هي وبسبب غبائها .
نظرت برلنت حولها بأعين ضبابية بسبب دموعها تتساءل إن كانت أربعة عشر عامًا فترة كافية لتلتئم جروح تميم، هل تكون فترة كافية لينسى ما فعلته كما نساها هي ونسى حتى اسمها ؟؟
______________________
يقف في نافذة شرفته، أو بالأحرى نافذة الشرفة التي أخذها بالقوة، بل بالمعنى الأدق سلبها من بين أنامل أصحابها، اخذ منهم ما حرموه منه قديمًا، حاز واخيرًا وطنًا له ولشعبه بعدما نبذهم الجميع.
الآن من يضحك ؟؟ من انتصر الآن ؟؟
كان صدر بافل ينتفخ بقوة وهو يحدق بمشكى وفي عيونه نظرات تلتمع بالقوة، ولم يكتفي، ليس بعد، لن يكتفي الآن ولا غدًا ولا بعد غد، لن يكتفي إلا حينما ينال مراده، سيأخذ جميع الممالك ويجعل له ولشعبٍ نُبذ قديمًا أكبر مملكة عرفها التاريخ .
سمع صوتًا خلفه ينبأه بمقاطعة أحدهم لطموحاته الكبير ليستدير نصف استدارة :
” هل فعلت ما طلبت منك ؟؟”
هز مساعده رأسه بطاعة، ليبتسم بافل ويعود ببصره مرة أخرى صوب مشكى يتأمل بها غير مصدقًا أنه فاز وجميع شعبه بها، لكن أخرجه من كل ذلك ومجددًا صوت الرجل خلفه .
” سيدي …هل .. ألا تظن أن ما فعلته كان مبالغًا به ؟ أعني أن تمنع عنهم الطعام والشراب وجميع متطلبات الحياة، أشعر أنه بهذه الطريقة لن ندفعهم للرضوخ، بل سندفعهم إما للموت أو الانتفاض مجددًا ”
قست أعين بافل بقوة، وعلى فمه ارتسمت بسمة جانبية واثقة :
” إن لم تأتي القوة بنتيجة معهم، فلا بأس أن نلجأ لطرق اخرى، لا اريد أن تتركوا بين ممرات المملكة غلة أو طعام سوى القليل، القليل فقط والذي يجعلهم ينشغلون بالصراع عليه عما أفعل، اتركهم يقاتلون بعضهم على الطعام بدلًا من التفكير في القتال معي ”
استدار لرجله الذي علت نظرة من الانبهار وجهه وقال بجدية :
” اشغلهم بحاضرهم، ليتناسوا مستقبلهم”
اتسعت بسمة الرجل وود لو صفق لبافل، لكن بافل لم ينتظر منه تحية أو تصفيق بل فقط أشار بيده في هدوء شديد، لكن ليس قبل أن يقول :
” افعل ما أخبرتك به وأعلن بين المملكة أن كل من ينضم لجيوشي سينال ذهبًا وطعامًا وفيرًا يكفيه ويكفي عائلته، فإن لم يهزمهم الموت، سيهزهم رؤية صغارهم يموتون جوعًا، وبعدها سأقتص لنفسي من سفيد وجميع الممالك، وبأيدي شعب مشكى ”
___________________________
نظر العريف للسيف الموجه لرقبته يشعر بالحنق يملئ صدره، يا الله متى تفنى تلك المملكة بمن فيها وينتهي من كل ذلك ؟!
زفر يحرك عيونه عن السيف صوب صاحبه الذي كان مبتسمًا ببرود شديد يجلس أمامه على أحد المقاعد واضعًا قدم فوق الأخرى وسيفه على رقبة العريف .
” لقد مللت من العمل في هذا القصر، سوف استقيل ”
ابتسم إيفان بسمة مستفزة :
” لا بأس يمكنك الاستقالة كما تريد وسأقوم بتعيين مساعدك بدلًا عنك ”
ابتسم مرجان بسعادة كبيرة وهو يقف جوارهم وقد استقرت البومة فوق كتفه بعدما رأت سيف إيفان :
” مرجان يا مولاي ”
هز إيفان رأسه دون أن يبعد عيونه عن العريف ونفس البسمة ما تزال مستقرة أعلى وجهه :
” نعم سأعين مرجان بدلًا عنك ”
انتشرت السعادة والأمل بمستقبل مبهر داخل أعين مرجان في لحظات صغيرة، يالله واخيرًا سيصبح العريف، سيكون اصغر عريف في جميع الممالك، هذا حلم يتحقق :
” إن هذا لشرفٍ لي مولاي ”
وحينما فرغ من الحديث شعر بجناح البومة يصطدم في وجهه وكأنها تنتقم منه لأنه يود أخذ مكان مالكها في المملكة .
كانت أنظار العريف ما تزال موجهه على وجه إيفان الذي ينتظر منه كلمات بعينها جاء لأجلها فقط بعدما أخبره سالار أن العريف يخفي شيئًا .
” هيا أيها العريف تحدث بما تعلم ولا تصعب الأمور عليّ وعليك، سالار أخبرني أنك تخفي شيئًا تأبى الاعتراف به، وهو بالطبع لا يمكنه تخطي صلاحياته ويمس عريف المملكة بسوء وإلا تعرض للعقاب الشديد ”
رفع العريف حاجبه بسخرية، ليبتسم له إيفان يقرب منه السيف أكثر وهو يهمس باستفزاز :
” لكن أنا الملك وأستطيع فعل ذلك بسهولة ”
زفر العريف يدفع السيف عن رقبته صارخًا بغضب جنوني :
” ليرحمني الله من اربعتكم، لقد احلتم آخر سنوات عمري لجحيم، انظر إليّ، بدلًا من العيش في راحة ورغد واحترام كما يحيا أي عريف، اعيش في تعاسة لأن حظي كان من السوء لاعاصركم أنتم الأربعة ”
ابتسم له إيفان يقول بشفقة مصطنعة :
” أثرت شفقتي عليك أيها العريف، لا بأس ربما بعدما تخبرني بما تعرفه عن أمر الخيانة أتركك لتعيش بسلام ”
ابتسم له العريف بسمة جانبية يقول :
” أنا لا اعلم شيء بخصوص أمر الخيانة مولاي وما اعرفه أنت تعرفه جيدًا، فشكوكك التي تدور داخل رأسك هي الحقيقة، لذا فأنت لا تحتاج مني لسماع ما تشك به بقدر ما تحتاج لتأكيده، وهذا ما لن تجده لدي ”
أنزل إيفان سيفه ينظر صوب وجه العريف بشرود كبير، يحاول أن يفكر فيما يقصد، الآن العريف يؤكد له شكوكه التي بدأت تتحرك صوب منطقة اليقين، ومن بين افكاره سمع صوتًا خبيثًا للعريف يتساءل دون مقدمات وهو يميل على الطاولة :
” إذن ماحال ملكتنا يا مولاي ؟!”
رفع إيفان نظراته للعريف الذي رمقه بنظرات غامضة جعله يشك بوجود أمرٍ ما :
” هي بخير، لِم تتساءل ؟؟”
هز العريف كتفه بهدوء شديد ينتزع كتابه الذي كان يطالعه قبل أن يهجم إيفان على المكتبه يقول بهدوء شديد :
” لا شيء فقط أردت الاطمئنان أن امورك تسير على ما يرام معها، هذا مستقبل سفيد كما تعلم ”
ضيق ايفان عيونه على العريف يميل على الطاولة التي تفصل بينما يستند عليها بذراعيه يهمس بصوت منخفض :
” ما الذي تخفيه أيها العريف، هل هناك ما يدور حول الملكة وأنا لا اعرفه ؟!”
نظر له العريف بجدية تخفي خلفها تلال مكر وصوت هادئ برئ خرج منه :
” لا العفو مولاي، الملكة بخير، وكل الامور بخير معها”
صمت ثواني يدور بإصبعه على الطاولة متظاهرًا بعدم الإهتمام، قبل أن يرفع عيونه لايفان متشفيًا به :
” فقط لو تتوقف عن التعامل معها كرجل حرب وتعاملها كأميرة ستكون الأمور افضل وستنقشع غيومها وتلين لأجلك، تحدث معها بلسانك ودعك من حديث السيوف هذا ، فملكتنا أبية لا تخضع لمثل هذه الأحاديث، ورقيقة تستطيع سلب لُبها بكلمة واحدة، فقط ألقي بسيفك وحدثها بلسانك .”
رمقه إيفان بعدم فهم، ما الذي يقصده ذلك الرجل؟؟ العريف لا يقول أبدًا حديثًا غير مقصود، بل لطالما تحدث بما يراه في رؤياه، أو ما يعلمه، وهو لطالما تحققت جميع رؤياه ..
تنفس يفكر فيما يقصد، هو لم يتعامل مع الملكة يومًا كرجل حرب، هو بالفعل يعاملها كأميرة، ما الذي يقصده ذلك الرجل ؟؟
العريف كعادته لن ينطق بكلمة أو يزيد بحرف واحد ولو نحرت رأسه، فهو هكذا يعشق الالغاز ويهوى الغموض .
نهض إيفان من مقعده يتحرك بسرعة خارج المكتبة، يسير بين ممرات قصره وعقله يدور في دوائر مفرغة، تنفس بصوت مرتفع وهو يفكر في مقصد العريف، هل يعامل الملكة بتصلب ؟؟ لكن هو لم يسبق وأن عاملها كما الآخرين.
توقف فجأة وقد عاد رأسه ليفكر فيما ذهب للعريف خصيصًا لأجله، هو ذهب ليتأكد مما قاله سالار بخصوص معرفته بأمرٍ ما يخص حادثة مشكى، والعريف أخبره أن شكوكه بخصوص الأمر صحيحة .
اسودت نظراته وهو يتحرك بقوة يبحث بعيونه عن سالار، وهو يعلم جيدًا أين سيجده .
سار بسرعة كبيرة صوب منطقة تدريب الجنود مرورًا بساحة النزال حيث كان تميم يقاتل وكأن لا غد له إن خسر، لكن لم يجذب اهتمامه تميم بقدر المكان نفسه، صوت السيوف والحركات داخل الساحة ذكره بنزال قريب، جسد رشيق يقفز في المكان وصوت اصطدام سيفه بخاصتها يرن داخل أذنه، خصلات شعرها التي كانت تفلت دون قصد من قبعتها ..
ودون شعور رنّ داخل أذنه صوت العريف مجددًا بتلك الكلمات الغريبة وعيونه التمعت بقوة وانتفض قلبه ..
“فقط لو تتوقف عن التعامل معها كرجل حرب وتعاملها كأميرة ستكون الأمور افضل وستنقشع غيومها وتلين لأجلك، تحدث معها بلسانك ودعك من حديث السيوف ”
اهتز صدر إيفان من تلك الخاطرة ولا يعلم سبب ربط كلام العريف بها، نفض كل ذلك عن رأسه، فملكته هي تبارك وهي من جاء بها لأجل أن تشاركه الحكم، وتلك الفتاة التي لا يعلم لها من هوية ما هي إلا خادمة تهوى إثارة استفزازه، وهو سيعلم هويتها، سيفعل وحينها سينظر في أمرها.
تحرك بسرعة صوب سالار وقد تناسى متعمدًا كل ذلك وتعهد على الانتهاء من تعليم الملكة كل شيء قبل أن تتقلد الحكم وتشاركه العرش ويعلنها رسميًا ملكة سفيد .
________________
وعند تلك الخادمة التي تهوى استفزازه ..
وفي حجرة اجتماع وراحة العاملات، كانت كهرمان تتوسط دائرة مع زمرد وهما تغنيان بصوت متناغم واجسادهما تتمايل على ضرب الدف من باقي الفتيات حولهما، رقصة تقليدية بحتة معروفة منذ القدم في جميع الممالك، لكن القليلات فقط يتقن تلك الرقصات بمرونة كما النساء قديمًا .
كهرمان تغلق عيونها وترقص بكل قوة وهي تتخيل أمامها والدتها تصفق لها وتشجعها لتكمل، وصوت ارسلان يضحك حولها وهو يردد بصوت مرتفع :
” حسنًا لا أدري سبب تعلمك لتلك الرقصات السخيفة حبيبتي، فلا أحد سيراكِ ترقصين على أية حال ”
توقفت كهرمان عن الرقص تقول بدلال فطري :
” لكنها تشعرني بأنوثتي التي تدفنها في القتال جلالة الملك، فكلما شعرت أن عضلات يدي تشتد، ألنت خصري”
ختمت كلماتها بغمزة تعالى على إثرها صوت ضحكات ارسلان، وبدأت هي تدور حوله وفستانها قد تفتح كزهرة في موسم ربيعها وصوت ضحكات ارسلان مع ضرب الدف من والدتها مثلا لها معزوفة في غاية التناغم .
وعند زمرد كانت سابحة كذلك في ذكرياتها المتعلقة بتلك الرقصة كذلك، لكنها لم تكن وردية بقدر كهرمان، بل كانت سوداء وهي ترى الأجساد تحيط بها والجميع يهتف باسمها لتزيد من رقصاتها وهي ترقص كأن لا غد لها، ترقص بقوة وكأنها في قتال، ترفع يديها وتحرك كتفها، ثم تميل بخصرها وعيونها تطلق سهامًا على من يحيط بها وفجأة يرتفع التصفيق في المكان معلنًا عن تحررها من كل ذلك ..
توقف جسد زمرد فجأة عن الدوران وهي تتنفس بصوت مرتفع، ثم انتبهت أن أصوات التصفيق صادرة من الفتيات حولها وليست نابعة من عقلها.
ابتسمت لهن بسمة صغيرة وهي تنظر لكهرمان جوارها والتي كانت تمسك أطراف فستانها برقة وتهبط بجسدها قليلًا تشكرهم برقي، تلك الغبية لن تنسى أنها ليست أميرة هنا، فلا تنفك تتصرف كالاميرات .
تحركت كهرمان مع زمرد خارج الحلقة لتعلو اصوات النساء مجددًا في حديث وإنشاد بعد الاناشيد القديمة على قرع الدف وكل ذلك بالفعل في غرفة مخصصة وفي أبعد نقطة في القصر حيث لا تصل اصوات غنائهن أو ضحكاتهن للرجال، فلا يُفتن بهن أحد.
انتبهت كهرمان من بين بسماتها لبرلنت التي كانت تجلس في أحد الأركان تشاهد العروض بأعين تكاد تقسم أنها لا ترى ما يحدث أمامها.
ضيقت ما بين حاجبيها تتساءل عن خطبها، لتقرر لاحقًا أن تعلم منها وأن تساعدها إن اضطرت .
عادت بنظراتها للنساء لتجد أن احداهن تتظاهر بمبارزة الأخرى في أحاديث مضحكة ويقلدن الجنود، لتبتسم هي بسمة صغيرة سرعان ما تلاشت دون وعي وهي تتذكر قتالها مع الملك، خفق قلبها بقوة لمروره بخاطرها، ربما اشتاقت لقتال معه آخر، لكن متى يحين موعد ذلك القتال ؟! ربما قريبًا ؟
_______________
” هل أخبرك أحدهم أنني أعمل خادمًا لكِ في هذا القصر …مولاتي ؟؟”
كان ذلك هتاف سالار بعدما خرج من جناحه وتفاجئ بتبارك تدور في المكان والممرات تائهة كالعادة، وحينما أبصرت ركضت صوبه كالغريق المتلهف لطوق نجاة، وقبل أن يتساءل عما تفعل خارج جناحها هكذا، قاطعته قائلة :
” أنا جائعة، هلّا أحضرت لي بعض الطعام رجاءً هناك أدوية احتاج لتناولها وقد تأخر وقتها ”
نظر لها سالار بعدم فهم وفضول وكاد يتساءل عن تلك الأدوية التي تتحدث عنها، لكنها قاطعت أفكاره تقول بتسلط :
” بسرعة أريد طعامًا، واخبرهم أن يكثروا من وضع الملح به ”
حقًا الآن أصبح خادمًا، بل مربيًا للملكة، كلما شعرت بالجوع ركضت صوبه تطالبه بوجبة ؟!
لكن تبارك والتي صمتت بعدما ألقى تلك الجملة الحانقة في وجهها لم تعلم ما يجب قوله سوى :
” أنا… أنا معرفش غيرك هنا، و…محدش بيسأل على اكلي وانا مش عارفة أنتم جايبني هنا تجوعوني ولا ايه ؟!”
زفر سالا، ثم نظر لوجهها يتحدث بجدية :
” اسمعي، مواعيد الطعام هنا مقدسة، الفطور يكون بعد الشروق، والغداء يكون بعد صلاة الظهر، والعشاء بعد صلاة المغرب، لا نقدم دقيقة ولا نأخر دقيقة، وإن فاتك ايًا من تلك الوجبات، تتحركين صوب المطبخ وتسألينهم أن يحضروا لك طعامًا، ويا حبذا لو أنك ناديتي أي عاملة في الممرات واخبرتيها ما تريدين، فلا يجب أن تخرجي بين الحراس كل دقيقة بهذا الشكل دون غطاء وجه أو حتى لثام، أنتِ ملكة تأمرين فتطاعين ”
سخرت من جملته الأخيرة، زودت لو تضحك لكن هو منعها يقول بجدية :
” أدرك أن الملك يتعامل معك بهدوء وصبر لأنك تجهلين قوانينا، لكن هناك أمور لا يجب تجاوزها كغطاء الوجه ”
ختم جملته بنبرة غاضبة وعيونه تدور حوله باحثًا عن أي رجل قد يكون انتبه لها وينظر صوبها، وهي تنظر له فقط بجهل لسبب غضبه، تدرك أنها تخرق العديد من قوانين مملكته، لكن السبب كان وببساطة أن أحدهم لم يخبرها تلك القوانين .
تنهدت تقول بصوت هادئ :
” حسنًا اسمع، اولًا أنت لا يحق لك أن تصرخ في وجهي بهذا الشكل، سواء أن كنتُ ملكة أو حتى جارية، لا حق لك في الصراخ بوجهي فقط لأنك تفوقني طولًا وتسير حاملًا سيفًا في حزامك، أنا أيضًا سأتعلم القتال وسأتفوق عليك وسترى ذلك يومًا ما، ثانيًا طلبت منك مساعدة كان يمكنك الرفض دون الحاجة لكل تلك المحاضرة، فلن أموت جوعًا إن لم تتكرم سيادتك واطعمتني ”
نظر لها سالار بهدوء شديد ونظرات غامضة تعلو عيونه، لا تفهم ما يفكر به خلف قناعه الحديدي ذلك، لكن ومن حيث لا تعلم شقت بسمة غريبة دخيلة ملامح وجهه التي لطالما كانت صامدة في وجه أي علامة سعادة، وصوته خرج هادئًا يقول :
” أولًا، تهاني الحارة لكِ مولاتي لتعلمك المبارزة، لكن صدقيني حتى وإن اصبحتي محاربة فلن يأتي عليكِ يوم وتهزميني، فلا تحاولي المقارنة بين صقرٍ يحفظ السموات السبع ويحلق بهن بمهارة، وبطريق علمتيه الطيران بعد نضجه، لا يستوون ”
بُهت وجه تبارك حينما التقطت ما يرنو إليه من خلف كلماته تلك، وشعرت بصدرها يمتلئ عزيمة على إسقاط كبرياءه ودهسه أسفل أقدامها، وسالار يكمل حديثه ببسمة أكثر أتساعًا :
” ثانيًا، لا تتحدثي بكل ثقة هكذا، فأنتِ ستفنى اعوامك المتبقية حتى تصلي فقط لمكان المطبخ وليس لتتناولي طعامك ”
رفعت تبارك رأسها بكبرياء كبير تتحداه أن يزيد كلمة أخرى، تقاطع تلك المحاضرة التي ضرب بها سالار كبرياءها بها عرض الحائط .
ودون كلمة استدارت للرحيل، ليس لأنها غاضبة بالفعل وستعاقبه بالصمت وتجاهله، بل لأنها لا تجد ردًا ملائمًا عليه .
تحدث بصوت ساخر :
” إلى أين مولاتي ؟؟”
قالت تبارك دون أن تهتم حتى بالاستدارة والنظر له :
” للجحيم”
ابتسم بسمة متسعة أكثر يقول :
” أوه، هكذا إذن، هذه مرتك الاولى التي تختارين الطريق الصحيح مولاتي، فهذا بالفعل طريق الجحيم ”
ولم تهتم تبارك لمعرفة ما يقصد بل أكملت طريقها في تلك المغارة التي تشبه المتاهة، لِم على طرقات القصر أن تكون متشابهة؟؟ ربما لو كانوا استخدموا دهان مختلف لكل ممر لاستطاعت حفظ طريقها ..
زفرت وهي تفكر في سالار وكلماته ، أخذت تتمتم بصوت منخفض وحنق تقلد صوته :
” أنتِ ستفني اعوامك المتبقية حتى تصلي للمطبخ .. وكأن مفيش بشر اسألهم عن الطريق غير، اللي يسأل ميتوهش ”
توقفت في منتصف ممر غريب مختلف عن غيره مظلم أكثر لا حجرات به سوى درج يقبع في نهايته، نظرت حولها تبحث عمن تسأله عن الطريق وهي تفكر أين هي وماذا تفعل هنا .
” هيحصل حاجة لو حطوا بجد في كل ركن تلاجة ؟! لازم اقترح الاقتراح ده على الملك بكل جدية ”
وقبل أن تستدير للعودة من ذلك الطريق وتجنب الدخول لذلك الدرج المظلم، فهي ليست من الغباء والفضول الذي يجعلها تخوض في المجهول وتخاطر بنفسها .
تذكري تبارك خطة السلامة الجسدية التي وضعتها لذاتك، نفسك، ثم نفسك، ثم ….ما هذا ؟؟ هل هذه اصوات صرخات متألمة ؟! هناك من يستغيث ويصرخ .
انتفض جسد تبارك بقوة وهي تنظر حولها مبتلعة ريقها، ولم تستطع أن تخطو خطوة أخرى خارج الممر، وواجبها يحتم عليها الذهاب ورؤية ما يحدث، هناك من يتألم وهي …هي ممرضة تستطيع أن تساعده إن كان بحاجة للمساعدة .
اقتربت من ذلك الدرج تخطو للاسفل بتمهل شديد ورعب وصوت الصرخات يقترب أكثر، والخوف يعلو .
” مرحبًا، هل هناك أحد هنا ؟؟ أنا…أنا يمكنني المساعدة ”
لكن كل ما وصل لها في المقابل صوت صرخات أعلى، ومن العدم خرج رجلان يحملان سيفين في وجهها واعينهما تقدح شرارًا ليهتف أحدهما في وجهها بصوت جهوري قوي :
” ما الذي تفعلينه هنا ؟؟ وكيف وصلتي لهذا المكان ؟؟”
شحب وجه تبارك تتراجع بخوف للخلف تحاول أن تجد كلمات تجيب بها عليه :
” أنا فقط …سمعت صرخات تستغيث و…فكرت أن هناك من يحتاج مسا….”
وقبل أن تكمل كلماتها أطلقت صرخة مرتعبة رنت في الإرجاء حولها حين رفع أحد الرجلين سيفًا في وجهها بقوة وبسرعة كبيرة لم تستوعبها حتى، وسقطت هي ارضًا تخفي وجهها مرتجفة …
وقبل أن يصدر أحد الرجلين أي كلمة إضافية أبصرا جيدًا يمنع الضوء الصغير الذي يتسرب من الطابق العلوي، وقد تعرفا إلى ذلك الجسد جيدًا، ابتلع الرجل ريقه بريبة حين سمع صوت القائد يهدر في المكان بقوة :
” سيفك للاسفل ولا تتجرأ وترفعه في وجهها مجددًا ”
وفي ثواني اخفض الجنديان سيوفهما، ونظرات سالار ما تزال محتدة، تحرك بعيونه صوب تلك المجنونة التي لم يتخيل أن تغامر وتلقي نفسها في هذا المكان المخيف حيث السجون الأكثر خطورة في المملكة .
تنفس بصوت مرتفع يحاول أن يهدأ يرى نظراتها المترجفة صوبه وكأنه والدها وجاء لينقذها من بعض المتنمرين، رفع سالار عيونه للجنود وقال باحترام شديد لها بقصد أن يعلمهم هويتها :
” اعتذر هما بدر من الجنود مولاتي فهم لا يعرفونك بعد ”
تراجع الرجال للخلف برعب من تلك الكلمات وارتابوا من معانيها، وقد أجاب سالار قائلًا بتأكيد عما وصل لهما :
” هذه هي الملكة، اظهروا بعض الاحترام لها ”
اخفض الرجال رؤوسهم ارضًا واضعين ايديهم جانبًا مخفيين سيوفهم للخلف متحدثين بنبرة طاعة عمياء :
” نعتذر عما بدر منا مولاتي لم نتعرف عليكِ”
تراجعت تبارك للخلف دون رد وهي تنهض بتعثر تستند على الجدار، ثم نظرت لهم ولسالار وبعدها تحركت بسرعة خارج هذا المكان تتجنب كل تلك الصرخات، وبمجرد أن وصلت الممر الخاص بالطابق العلوي حتى أطلقت لساقيها الريح تبكي بخوف شديد مما رأت، وسالار الذي خرج خلفها بسرعة كبيرة يتنفس بصوت مرتفع، يتحرك خلفها يحاول اللحاق بها، وكذلك فعل حينما وصل لمفترق الطرق يراها تنظر لهما بريبة أن يقودها أحدهما لحتفها هذه المرة .
صدر صوته من الخلف يقول بهدوء وصوت بارد بعض الشيء :
” هذا كان سجن القصر ”
استدارت له تبارك بحدة، ليكمل بهدوء شديد :
” غير مسموح لأحد أن يطأ تلك الممرات اطلاقًا .”
تجاهلته تقول بصوت منخفض :
” اريد العودة لغرفتي إذا سمحت ”
نظر لها ثواني قبل أن يسبقها بهدوء شديد وهي تسير خلفه دون كلمة ومازالت يدها ترتجف كلما تذكرت ذلك السيف الذي كاد يخترق رقبتها، أولم يهددها سالار من قبل مئات المرات، لِم لم تخف منه وتلك كانت المرة الوحيدة التي ترتعب لتهديد.
دقائق قليلة وسمعت صوت سالار يقول بهدوء :
” وصلنا ”
رفعت عيونها له بغرض شكره، لكنها تعجبت حين وجدت نفسها تقف في شرفة واسعة بها طاولة كذلك تطل على الحديقة، نظرت له تبارك بعدم فهم ليقول سالار بهدوء وبنبرة جادة لا حياة بها بعدما أخفض عيونه ارضًا يميل لها باحترام مستخدمًا رأسه :
” سأرسل لك العاملات بالفطور هنا ..”
وبهذه الكلمات غادر، غادر تاركًا تبارك تنظر لاثره بصدمة كبيرة تحاول أن تستوعب ما فعل، لقد احضرها لتتناول فطورها، هو اهتم بها رغم كل شيء ..
هو إنسان جيد رغم كل تلك القشور الصلبة التي تحيط به…
وسالار الذي تحرك بعيدًا عنها بعدما أخبر العاملات بكل شيء تريده ونبه عليهن أن تسألنها كل وجبة إن كانت جائعة ويحضرن لها الطعام تجنبًا لكل ما يحدث حين تفوت الطعام .
توقف سالار في الممر حين أبصر جسد تميم يتحرك له بسرعة وبلهفة شديد وهو يقول من بين أنفاسه المبعثرة وقد كان واضحًا أنه يركض :
” قائد، جيد أنني وجدتك، نحتاجك وبسرعة، هناك حرب قد اشتعلت في قاعة العرش في تلك اللحظة ….”
_______________________________
«فإما أن يكشف الحب غموضك، أو أن يقتل غموضك الحب »




 
google-playkhamsatmostaqltradent