Ads by Google X

رواية لهيب الروح الفصل التاسع عشر 19 - بقلم هدير دودو

الصفحة الرئيسية

   

  رواية لهيب الروح الفصل التاسع عشر 19  -  بقلم هدير دودو


وقفت رنيم متطلعة نحو جواد بأعين متّسعة من هول الصدمة وضربات قلبها تتسارع وكأنه سيتوقف تاركة هاتفها الذي سقط فوق الفراش كرر سؤاله لها مرة أخرى بنبرة تزداد غضب

:- مقولتليش مين ده يا رنيم اللي عاوزة تقابليه من ورايا انطقي

تخلت عن صمتها الذي طال وأجابته بنبرة ضعيفة خافتة لا تعلم كيف خرجت من شفتيها بعد هذا الضغط الشاعرة به متحاشية النظر في عينيه التي تود إفتراسها بغضب عارم

:- مـ… مفيش ياجواد د… ده.

قطعها صائحًا بغضب حاد مُشددًا فوق حديثه الذي يعكس مدى الغضب الذي يعصف بداخله بعد استماعه لحديثها الذي أكد ظنونه حولها

:- ده إيه ما تتكلمي يا رنيم مين دة؟

التقطت أنفاسها بصعداء محاولة السيطرة على ذاتها قليلًا لتستطع الرد عليه وإيجاد حل للهروب من ذلك المأزق التي سقطت فيه، فتمتمت بتوتر بعدما وجدت حل لا تعلم كيف توصل عقلها إليه حتى تتخلص من سؤاله

:- د… ده صاحب أخويا محمد كـ… كان جاي يقولي أنه محتاج فلوس وباعته ليا وأنا مش عـ… عارفة أعمل إيه معاه.

طالت نظراته نحوها ثم أسرع يحتضنها بحنان عندما شعر حرجها وخجلها مغمغمًا بحنان رافعًا وجهها إلى أعلى ليجعلها تنظر داخل عينيه يود إخبارها أنه لا يجعلها تخجل منه هي زوجته وجميع طلباتها واجب عليه

:- أنتي زعلانة عشان كده بقالك يومين وعاملة ده كله.

أيدت حديثه مسرعة بعدما علمت أنه صدق ما تفوهت به فتمتمت بحزن لكذبها عليه

:- أ… أيوة يا جواد كنت م… مكسوفة عشان اللي حصل ومش عارفة أعمل إيه ولا أساعده إزاي.

أسرع مربتًا فوق ظهرها بحنان ليقلل من توترها الشديد الذي شعر به، وعقّب مغمغمًا بتعقل هادئًا

:- أنتي غلطانة كان المفروض تقوليلي طبعا يا رنيم أنا جوزك يا حبيبتي وأي حاجة محتاجاها هتبقى عندك طبعًا.

اومأت برأسها أمامًا بصمت غير راضية لكذبها عليه لم تعتاد على فعل هكذا معه، تود إنهاء الأمر تمامًا وتخبره بكل شيء يحدث معها وتبتعد عنه تاركة حياتها تمامًا، وجدته يحضر حفنة من المال يعطيها لها معقبًا بجدية

:- تعالي يلا ننزل عشان نديله الفلوس دي ولينا كلام تاني بعدين.

شعرت بالخوف عندما أخبرها أنه سينزل معها لمقابلة محسن، تشعر أن قلبها سيهوى داخلها من ضراوة الخوف، لا تعلم هل سيصمت محسن أو يكشف كذبها أم سيقص له الأمر بأكمله، كانت تتمنى لو أنها تمتلك بعض الشجاعة لتقص له الامر منذُ البداية لكنها تخشى رد فعله عندما يعلم، فأردفت بتوتر

:- أ… أنت هتنزل معايا ليه؟ خليك وأنا هنزل لوحدي.

رمقها بنظرات حادة أخرستها تمامًا عن ذلك الحديث الأبله مردفًا بحدة حازمة

:- يلا يا رنيم ننزل أو ممكن أنزل انا لوحدي وخليكي أنتي.

حركت رأسها نافية برعب وغمغمت بخوف بدا في نبرة صوتها بوضوح

:- لـ… لأ لأ طبعا يا جواد لازم أنزل معاك مينفعش تنزل لوحدك يلا ننزل.

رمقها بعدم ارتياح لكنه سار معها إلى أسفل ظلت تلتف حولها حتى تراه وتستطع الوصول إلى مكانه لكنها فشلت ظنت أنه ذهب فعادت مرة أخرى بجانب جواد وأردفت بتوتر

:- ش… شكله مشي يا جواد خلاص سيبه يلا نطلع.

لم يهتم لحديثها فظل كما هو كأنه لم يستمع إليها وتحدث بنبرة آمرة جادة

:- هاتي موبايلك أتصل بيه نشوف هو فين.

تمسكت بقوة فوق هاتفها كأنه سيأخذه عنوة عنها وأسرعت تتصل هي على محسن داعية ربها أن تجده ذهب سرعان ما رأته يرد عليها بسخرية لاذعة

:- ايه ياست رنيم فكرتي في كلامي كويس واتعقل بالسرعة دي كان لازمته ايه من الأول تعمل كـ..

تمتمت هي مسرعة تقاطع حديثه ليصمت خوفًا من استماع جواد لشيء من ذلك الأحمق

:- أ… أنت فين قرب شوية على البيت أنا وجواد مستنينك عشان تاخد الفلوس.

شعر محسن بالذهول متعجبًا من حديثها بعد ذكر اسم جواد فيه هل قامت بسرد الأمر له ليساعدها، ظل يفكر في حديثها شاعرًا بعدم الاطمئنان فتمتم متسائلًا بعدم فهم متبجحًا بها كعادته

:- أنتي عملتي ايه يا رنيم بقولك ايه أنتي لو اتكلمتي أنا هقلب جامد وهتزعلي فالآخر بلاش تجربيني مانتي مش هتخرجي منها والبس أنا الحوار كله اللي أنتي السبب فيه..

لا تعلم كيف تشرح له الأمر فهو الذي سيكشف الأمر بأكمله بحديثه المندفع دون جدوى حاولت أن توصل له الأمر بذكاء

:- أنا اتصرفت في مبلغ بسيط مش زي ما محمد أخويا عاوز ابعتهوله ومعلش تاعبينك معانا.

تتحدث بالألغاز معنى ذلك أنها لم تخبر جواد الهواري بشئ بدأ يفكر في الأمر بذكاء محاولًا ربط الأمور ليفهم معنى حديثها ثم غمغم بمكر بعدما نجح في استجماع خيوط حديثها ليتضح له الأمر كاملًا

:- لا إذا كان كده ماشي يا ست رنيم بس باقي المبلغ يوصل على طول عشان أنا خلقي ضيق أوي ومش بسكت كتير.

أغلقت الهاتف بضيق دون أن ترد عليه متطلعة بطرف عينيها نحو جواد والخوف مسيطر عليها تود أن تجهش في بكاء دون توقف لكن كيف ستفعلها في وجوده؟ تشعر أنها محاطة من جميع الجهات لا تجد حل سوى الخضوع والإستسلام مثلما اعتادت دومًا، تلعن ذاتها عن فعلتها الحمقاء التي فعلتها دون حساب لحياتها القادمة، ظلت صامتة هكذا تفكر بشرود بملامح منهكة فقد مضى عليها أسوأ أسبوع في حياتها منذُ بداية زواجها، هي تعتبر زواجها من جواد بداية حياتها الفعلية لكنها عالمة أنه لن يسامحها بسهولة حين يعلم أمر هكذا.

قطعت شرودها مسرعة زاجرة ذاتها بعنف عندما رأت محسن اقتربت منه بصحبة جواد التي كانت متشبتة في ذراعه بقوة خوفًا من نظرات محسن السيئة التي شعرت أنها تفترسها تود أن تحتمي بجواد كما اعتادت.

اعطى جواد لمحسن المال مغمغمًا بجدية وخشونة تامة وعينيه ترمقه بغضب ملاحظًا نظراته نحو رنيم وخوفها هي الأخرى منه

:- خد المبلغ ده وصله، وبعد كدهولو أخوها عاوز حاجة قوله يكلمها هو وهتبعتهاله.

ارتسم فوق ثغر محسن ابتسامة ماكرة خبيثة متطلعًا نحو رنيم موزعًا عليها نظراته المليئة بالمكر لكنها تفهمها جيدًا وأجاب على جواد بجدية هو الآخر

:- أكيد طبعًا ياباشا هبقى أقوله عاوزة حاجة يارورو.

جخظت عينيها من هول الصدمة لفعلته الحمقاء التي ستتسبب لها في العديد، شاعرة بغضب جواد الشديد بجانبها فرفع وجه محسن بغضب ليجبره على النظر نحوه بدلًا من رنيم ضاغطًا فوق فكه بين يديه بقوة مغمغمًا بضيق غاضب

:- قولت ايه يا بابا سمعني صوتك تاني كده عشان قسمًا بالله أنا ما ليا خلق.

اعتدل محسن سريعًا وتراجع عن حديثه مردفًا بتوتر

:- مفيش يا باشا مبقولش حاجة عن اذنك عشان الحق أمشي.

سار من أمامه بسرعة هاربًا من نظراته الغاضبة تارك رنيم تقابلها بمفردها وضعت يدها فوق كتفه بهدوء تحدثت به أيضًا مدعية عدم الفهم

:- في إيه يا جواد مالك شكلك متضايق؟

نفض يدها بعيدًا وصاح بها بحدة والشرر يتطاير من عينيه نحوها فانكمشت على ذاتها بخوف وصمتت أسرع يتحدث هو بحدة ونبرة مشددة صارمة

:- اطلعي فوق يلا عشان نعرف نتكلم كويس.

سارت تنفذ ما قاله بالرغم من خوفها من حديثها معه، لأول مرة تود الهروب منه ومن الحديث معه مثلما تفضل دومًا، تخشى أن يجعلها تعترف بما تخفيه تحت تأثيره عليها، كانت غير مطمئنة خاصة لحديثه الأخير الصارم معها وتحوله بعد ذهاب محسن الذي سيحول حياتها إلى جحيم بسبب عودته الآن وإصراره لمقابلتها وتناول حقه كما أخبرته من قبل..

جلست في صمت تام منتظرة ما سيقوله لها محاولة تهدئة ذاتها حتى تجعل الأمر يمرئ بسلام، وجدته لم يتحدث هو الآخر فقطبت جبينها متعجبة من صمته وتمتمت بتوتر محاولة تخطي الخوف المتواجد بداخلها

:- جـ….جواد كنت عاوز تقول حاجة قولتلي هنتكلم فوق.

اومأ برأسه أمامًا مؤكدًا حديثها ثم صاح بغضب حاد منفجرًا بها لأول مرة

:- اه يا رنيم عاوز أتكلم عاوز أقولك أن تعبت من طريقتك، أنتي إزاي بتتعاملي كده ساكتة ومش عاوزة تقوليلي ليه ساكتة أسألك مالك مترديش، في ايه لكل دة الطريقة دي غلط أنا جوزك يعني أول واحد تجري تحكيله اللي عندك مش تسكتي وتخليني ألف حوالين نفسي محدش هيخاف عليكي قدي هو أنا هضرك يعني.

شحب وجهها بشدة ما أن استمعت إلى حديثه القاسي عليها، ظلت تفكر في كل كلمة تفوه بها، وعقلها يردد حديثه هل حقًا تعب منها ومن صمتها الزائد كما أخبرها، والأهم هل سيظل بجانبها عندما يعلم ما اتفقت عليه مع محسن لكن كيف سيظل معها وهو لم يعلم ما الذي حدث لها، لا يعلم كيف كان عصام يفعل بها، كيف سلب منها حياتها هو وعائلته بأكملها، يطلب منها التخلي عن صمتها والتحدث وهي عاشت طوال حياتها ممتنعة عن الحديث لم تفعل شيء سوى الصمت، عندما كانت تتخلى عنه كانت تُعاقب بأبشع الطرق المتجردة من الرحمة، هل يود منها نسيان كل ذلك في لحظة كيف ستفعلها؟!..

ظلت تطالعه بصمت كما هي لكنه لم يتحمل صمتها الذي طال فأسرع مغمغمًا بحدة

:- ما تردي عليا أنا هضرك لو حكيتي ليا حاجة بدل ما تتعاملي مع الواد ال*** ده لوحدك.

حركت رأسها نافية وتحدثت أخيرًا متخلية عن صمتها تجيبه بخوف ورهبة كبيرة تملأ قلبها وازدادت خاصة بعد رؤيتها لمحسن

:- لـ… لأ ياجواد مش هتضرني أنا بس كنت مكسوفة أقولك مش خايفة منك.

لم يود أن يضغط عليها بحديثه بعدما تطلع نحو حالتها فغمغم بنبرة جادة صارمة بشدة تعكس مدى رفضه وغضبه مما حدث

:- بعد كده متقابليش الواد ده تاني مهما حصل ومتخبيش حاجة عليا يا رنيم تقوليلي كل حاجة مضايقاكي لازم تتعودي على كده وتشاركيني كل حاجة تخصك.

اومأت برأسها أمامًا وتمتمت بنبرة خافتة

:- مـ…ماشي يا جواد.

شعر باحتياجها إليه وخوفها فأسرع يضمها داخل حضنه بحنان محتضن إياها بضراوة يود أن يجعلها تشعر بالأمان في وجوده حتى تهدأ بعدما شعر بخوفها الضاري عليها الذي سبب ارتجاف جسدها الخائف.

❈-❈-❈

في الصباح…

قبل ذهاب جواد إلى عمله استوقفه نداء أروى المردفة باسمه بدلال زائد وقف مردفًا بجدية وخشونة

:- نعم يا أروى في حاجة؟!

تكره تعامله الجاد معها، لا تعلم لما يحدثها دومًا بحدة وكأنه يفعلها عنوة عنه، تلعنه سرًا متوعدة له ستجعله يندم على أفعاله، حاولت أن تخفي شعورها وغضبها منه متمتمة بهدوء زائف وغرور

:- مش عاوزاك تزعل مني ملاحظة أنك من آخر موقف بينا وأنت بتتجاهلني بجد سوري يا جواد أنا مكنتش عارفة أنا بعمل إيه مش عاوزاك تزعل مني.

رمقها بعدم اهتمام أومأً برأسه أمامًا وأجابها ببرود وعدم اكتراث للأمر الذي قد نساه تمامًا

:- مفيش داعي لده كله يا أروى خلاص زي سما مابتغلط محصلش حاجة المهم أنك عرفتي غلطك.

ابتسمت باصطناع وأسرعت تحتضنه معقبة ببرود

:- خلاص بقى كده مفيش زعل بدأنا خلاص صفحة جديدة.

وقفت رنيم تطالع ذلك المشهد من الشرفة بأعين مشتعلة من الغضب لا تعلم لماذا يقف الآن وهي داخل حضنه، عقلها قد آتى إليه العديد من الأفكار السيئة التي نفضتها وأسرعت مهرولة إلى أسفل حيث يقف معها بخطى سريعة لتستطع ملاحقته وهو واقف معها بالفعل وجدته يضحك على شيء ما اردفته تلك الماكرة لتجعلها تستشاط غضبًا محترقة بنيران الغيرة المتأهبة بداخلها.

أردفت تقطع حديثهما بغيظ مشددة فوق كل حرف تتفوهه بضيق

:- في حاجة يا حبيبي مش كنت مستعجل عشان تلحق تروح الشغل.

أسرعت مقتربة منه دافعة تلك الماكرة إلى الخلف لتلتصق هي به بدلًا عنها بغيرة لاحظها جواد عندما رأى تعبيرات وجهها النارية ونظراتها الغاضبة فاسرع يحتضنها بحنان يخفي ضحكته بمهارة

:- اه طبعا يا حبيبتي مستعجل والله بس قولت اشوف أروى كانت عاوزاني في إيه قبل ما أمشي.

رمقته بعدم رضا وأسرعت تحثه على الذهاب مسرعًا ليختفي من أمامها

:- طب يلا يا حبيبي عشان تلحق ترجع بسرعة بليل أنت عارف مش بنام غير لما ترجع ياحبيبي.

طبعت قبلة رقيقة فوق وجنته شاعرة بلذة الإنتصار على تلك الواقفة التي ترمقها بنظرات غاضبة مشتعلة عالمة ما تريد أن توصله رنيم لها لاعنة إياها سرًا..

شدد من احتضانها بقوة كعادته لم يخجل يومًا أن يظهر حبها أمامهم مبتسمًا بسعادة لغيرتها عليه ورد عليه عليها بهدوء

:- حاضر يا حبيبتي أنا همشي أهو خلي بالك من نفسك.

همهمت مجيبة إياه بخفوت وعينيها معلقة نحو أروى التي تطالعها بنظرات حادة كأنها ستقتلها متوعدة لها بمكر، حاولت ألا تعطي وجودها إهتمام وودعت جواد بابتسامة رائعة يعشقها جعلته يبتسم هو الآخر وسار بخطى واسعة متعجلًا للذهاب إلى عمله..

كادت تذهب هي الأخرى تعود إلى غرفتها كما كانت لكن استوقفتها تلك التي قبضت فوق ذراعها بقوة غارزة أظافرها بها بحقد مغمغمة بغضب والدماء تغلي داخلها بعدما رأت نظراته اللامعة الرائعة التي رمقها بها

:- أنتي فاكراه هيفضل يحبك كده كتير بكرة يزهق منك وهتترمي زي الكلبة محدش هيعبرك فوقي لنفسك يابت

تألمت رنيم بسبب قبضتها القوية لها فدفعتها بغضب إلى الخلف لتجعلها تتركها بعدما امتعضت ملامح وجهها وأجابتها بحدة

:- جواد عمره ما يعمل كده جواد بيحبني بجد ووقف قدام الكل عشان يتجوزني.

ضحكت ببرود محاولة أن تخفي غيظها وأجابتها بغضب لم تنجح في إخفاءه

:- عشان كدة هو اللي وقفني وعاوزني فوقي لنفسك يا رنيم ومتحلميش كتير أنتي مجرد فترة وهيزهق وفالآخر يوم ما هيكمل هيكمل مع واحدة زيي جواد مش لحد غيري خليكي عارفة ده كويس.

شحب وجه رنيم وصمتت بصدمة وعقلها يفكر في حديثها فرمقتها أروى الماكرة بشماتة تخفي خلفها غضبها من حديثها العالمة بصحته وتمسك جواد بها مهما حدث فهي قد رأت ما فعله مع والده لأجل الزواج بها..

حاولت رنيم أن تنفض حديثها السام من عقلها وألا تفكر فيه محاولة تذكير ذاتها بحبه الذي يزداد كل يوم وتشعر به دومًا، وسارت هي الأخرى نحو الداخل بخطى متعثرة بطيئة تعجبت جليلة التي رأتها معقدة ما بين جبينها بدهشة لهيئتها الحزينة الشاحبة فأسرعت تستوقفها بهدوء لتطمئن عليها

:- رنيم استني يا حبيبتي.

توقفت رنيم مسرعة ملتقطة أنفاسها بصعداء لعلها تنجح في إخفاء حزنها وهمهمت بهدوء ترد عليها

:- أيوة يا طنط حضرتك عاوزة مني حاجة.

ابتسمت بهدوء مربتة فوق ظهرها بحنان شاعرة بحزنها وأجابتها نافية

:- لأ يا حبيبتي مش عاوزة حاجة كنت بشوف مالك شايفاكي داخلة زعلانة في حاجة حصلت ولا إيه؟

ترددت كثيرًا بين أن تسرد عليها حديث أروى الذي أزعجها أم تصمت كما اعتادت لكنها لم تستطع منع ذاتها فأردفت تخبرها بضيق

:- مفيش يا طنط بس كنت بكلم أروى لقيتها بتقولي أن جواد مسيره هيزهق مني وهيتجوزها هي في الآخر عشان هي اللي من مقامه.

شعرت بحزنها وخجلها وهي تتحدث فأسرعت تجذبها داخل حضنها بحنان وأجابتها بهدوء وتعقل لتمحي ذلك الحديث عن ذهنها

:- لا طبعًا يا حبيبتي ده هي تلاقيها بتهزر معاكي ولا عاوزاكي تتضايقي جواد بيعتبرها زي أخته وهو من زمان قلبه مشافش غيرك ولا عمره اتمنى حد غيرك بلاش تخلي كلام يأثر عليكي ويزعلك لازم تكوني واثقة في جواد.

اتسعت ابتسامتها بعد استماعها لذلك الحديث الذي يبدي مدى أهميتها لديه وحبه لها الكبير الذي ازداد بمرور الزمن سرعان ما أشرقت بنيتيها بسعادة نادرة الحدوث متخيلة عن مرارة أيامها وحزنها المتواجد في قلبها دومًا وتعكسه عينيها دون حديث، وحاولت أن تبرر لها موقفها بتوتر

:- لـ… لا والله يا طنط أ… أنا بثق في جواد طبعًا بس اتضايقت من كلامها.

احتضنتها جليلة بهدوء وغمغمت بحنان

:- أكيد طبعًا يا حبيبتي ولو عاوزة أي حاجة تعالي قوليلي في أي وقت حتى لو جواد مزعلك هو عشان ظابط فاكرة أن محدش هيعرف يكلمه هو بس لو ضايقك بكلمة تعاليلي وأنا ازعلهولك.

ابتسمت رنيم متعجبة لحالها لأول مرة تجد من يتعامل معها بهذا الحنان واللطف التي حُرمت منه لم تجد الحنان مع والدتها منذ صغرها وهي تراها تفضل شقيقها عنها تعطيه هو الحب والدلال وهي تتلقى القسوة والغضب وفي النهاية اختارت تعاستها دون اهتمام لها ولأمرها ذهبت إلى بيت يزداد قسوته كل مكان به شاهد على بكائها وصرخاتها المتألمة المقهورة من أشخاص انتزعت الرحمة من قلوبهم، لكنها الآن تجد كل ما سُلب منها على يد والدته التي تتمنى وجود أم مثلها في حياتها وكأن ربها أراد تعويضها عما رأته من ظلم وقهر، حزن ووجع، ضعف وألم… سيتبدل كل ذلك إلى سعادة وفرح شعرت بهما على يده..

❈-❈-❈

في المساء…

عاد جواد من عمله سريعًا متلهفًا لرؤيتها بعدما رأى تحول حالها صباحًا وعادت ابتسامتها مرة أخرى تزين ثغرها وتمحي الحزن المتواجد عليه.

وجدها جالسة فوق الفراش بصمت فأسرع يحتضنها من الخلف هامسًا داخل أذنيها بمرح ويده تمر على جسدها بلهفة عاشق أحترق من لهيب اشتياقها لابتعادها عنه في تلك الأيام الماضية لعدم تحسن مزاجها

:- قاعدة بتفكري فيا صح للدرجادي بتحبيني.

لأول مرة تتخلى عن خجلها الدائم وباغتته بردها العاشق

:- لو مش هحبك أنت هحب مين يعني أنا قلبي معرفش حاجة اسمها حب غير على إيدك من زمان أوي.

ابتسم بشغف وطالعها بعدم تصديق ثم شدد من أحتضانه عليها وتابع مرحه معها

:- أيوة بقى ده إحنا اتطورنا خالص تتحسدي النهاردة الصبح الاقيكي غيرانة عليا ومولعة ودلوقتي بتقولي كلام جامد يستاهل مكافأة حلوة.

سرعان ما اعتدلت أمامه في جلستها وغمغمت بضيق بعدما تذكرت غضبها منه لما حدث صباحًا

:- أيوة صح الصبح كويس إنك فاكر واقف مع أروى وبتضحك من قلبك كدة ليه وهي بتضحك بصوت عالي.

ازداد ابتسامته اتساعًا مستمتعًا بغيرتها عليه عالمًا بنيران الغيرة التي حرقت قلبه سنوات عديدة

:- لا ده حصل تطور خالص محتاجين نشوفه ونشوف الغيرة دي.

تطلعت بعينيها بعيدًا هاربة من نظراته المصوبة نحوها شاعرة بالخجل وغمغمت بتوتر

:- لـ.. لأ طبعاً أنت بتقول ايه أنا مش بغير أنا بس بتكلم معاك.

أمسك وجهها بهدوء ليجعلها تتطلع نحوه وعاد عليها سؤاله مرة أخرى باصرار

:- لا بلاش كدب دة أنا ظابط بعرف أكشف الكدب خدي بالك فقولي الصراحة عشان معاقبكيش بتغيري عليا؟

رمقته بتوتر لحديثه عن الكذب خوفًا من أن يقصد شيء آخر لكذبها عليه في الفترة الماضية التقطت أنفاسها بتوتر وظلت صامتة شاعرة بعدم الإرتياح والقلق فرمقها بتعجب قاطب جبينه وسألها بمرح

:- ايه مالك بتحاولي تهربي من الإجابة ولا إيه

أدعت عدم الفهم وتسائلت بقلة فطنة مصطنعة

:- سؤال ايه دة اللي ههرب منه أنت مقولتش حاجة بعدين أنا أصلًا مش بكلمك وزعلانة منك.

ضحك صاخبًا عالمًا أنها تحاول مخادعته وعدم البوح بمشاعرها لكنه اصرّ وعاد سؤاله مرة أخرى

:- بتغيري عليا الأول وبعدين نبقى نشوف حوار الزعل دة.

لم تستطع الكذب تلك المرة وتخبئة مشاعرها فاعترفت له بغيرة شديدة متحررة من خجلها الدائم

:- أيوة طبعًا يعني لو مكنتش هغير عليك هغير على مين ما أنت جوزي حبيبي لما الاقيك واقف مع واحدة وبتضحك من قلبك كده مش عاوزني اغير.

ابتسم بسعادة لحديثها الذي يرضيه بضراوة هو عاش طوال حياته منتظر استماع ذلك الحديث منها هي بالتحديد، مرر يده بين خصلات شعرها البنية الناعمة وعينيه تطالع كل أنش بوجهها بشغف عينيها البنية المتناسبة مع ملامحها الهادئة العاشق لها فأجابها بنبرة عاشقة شغوفة

:- أيوة جوزك حبيبك اللي بيعشقك وعمره ما بيضحك غير معاكي.

دفعته بعيد عنها بملامح وجه متذمرة غير راضية

:- آه عشان كده واقف تضحك الصبح بتقولك ايه يضحكك جامد كده مش بتضحك دلوقتي ليه يعني.

ضحك على طريقتها وشدد من احتضانها التقط شفتيها بين خاصته بعشق جارف

:- أنا مبعرفش اضحك غير معاكي أنتي.

ابتسمت بسعادة بنظراته الشغوفة لها التي تجعلها تسعد بضراوة فاسرع مغمغمًا بمرح وصوت أجش نتيجة اقترابه منها الشديد وتأثيرها عليه الذي يفشل مقاومته

:- أنا عاوز حقي بقى عشان ضحكتي عليا بقالك كم يوم وبتنامي وتسيبيني هاخد حقي جامد بقى.

ضحكت هي الأخرى متحررة من جميع حزنها أمامه نتيجة اقترابه منها الذي يسلبها عقلها تمامًا وتمتمت بلهفة ودلال

:- أنتَ وحشتني على فكرة اليومين دول.

وزع قبلات متفرقة على وجهها بعشق وهو سعيد لإعترافها وحديثها العاشق الذي غمرته به، وغمغم بنبرة عاشقة بعد انهيار جميع حصونه أمامها

:- لا ده أنا مقصر بقى جامد ولازم أعمل شغلي أنتي عارفاني بحب أعمل كل حاجة مظبوطة أوي

اعتلت صوت ضحكاتها بصخب وأجابته بدلال زائد ويدها تعبث في ثيابه

:- آه بس التقصير بسببي أنا مش أنت عشان كده مش هتكلم المرة دي.

غمزها بإحدي عينيه بمكر وغمغم يزعجها بمرح ليجعل جميع حصونها تنهار مثلما فعلت به

:- ده أنتي كمان واقعة بقى مش أنا بس بس أنتي واقعة وساكتة.

سندت رأسها فوق صدره واعترفت له بشجاعة وجراءة لا تعلم من أين حصلت عليها

:- أنا واقعة من زمان فعلا من أول ما شوفتك وأنت موقعني من قبل ما تحبني أصلًا.

ضحك ملتقط شفتيها بنهم موبخًا ذاته بمرح

:- لا ده أنا غلطان جامد مليش حق هعاقب نفسي.

اعتلت ضحكاتهم معًا بعشق وكل منهما نسى كل شئ حولهما يجعلها بمهارة وعشق تنسي جميع ماكان يزعجها ويجعلها تحزن دلفت معه إلى عالمه الخاص الملئ بالعشق والحب المتواجد بصدق داخل قلوبهما..

❈-❈-❈

في الصباح..

احتلت الصدمة والحزن ملامح وجه رنيم عندما رأت رقم محسن الجديد ينير شاشة هاتفها ارتعشت بخوف شاعرة بدقات قلبها تتسارع برعب سيطر عليها لا تعلم ماذا ستفعل معه؟!

علمت أن تجاهلها له لن يعود عليها سوى بالضرر فأسرعت تجيبه بيد مرتعشة وملامح وجه شاحب من فرط الخوف المتواجد داخلها تمتمت بنبرة متلعثمة مهزوزة

:- ا… الو أيوة يا محسن.

أجابها بوقاحة وحديثه يملأه السخرية

:- ايه أنتي يا رنيم لو فاكرة أني هسكت يبقى في أحلامك ماهو مش بعد ما قتلته وريحتك منه هطلع من ده كله على الفاضي.

سالت دموعها فوق وجنتيها وتمتمت بخوف من بين شهقاتها المستمتع باستماعهم

:- ا…أنا قولتلك لأ خلاص متعملش كده مش أنا قولتلك لا متقتلهوش بعدين أنت كنت عاوز تخليني أنا اللي عملتها.

أجابها بسخرية ونبرة لعوبة ليجعلها تخاف وتنفذ ما يريده سريعًا

:- وأنتي معملتيهاش يعني! خلي بالك أني اقدر ارجعك تاني وتاخدي فيها إعدام بجد.

حاولت السيطرة على ذاتها لتمنعها بصعوبة بالغة من الإنهيار حاولت أن تلتقط أنفاسها متمتمة بتوتر

:- ا…أنا قولتلك خـ…خلاص والله قولتلك بلاش تعملها ليه عملت كده..

صاح بها بحدة مشددة أخرستها

:- بقولك ايه أنا الكلام ده كله ميهمنيش الفلوس تبقى عندي ولا اوريهم الدليل اللي عندي وارجعك تاني مكان ما خرجتي بس المرة دي محدش هيعرف يطلعك منها.

أسرعت تتحدث بخوف بعدما انكمشت على ذاتها وتراجعت مسرعة برعب

:- لـ… لأ لأ هديك والله شوف أنت عاوز كم وهجمعهملك صدقني.

التمعت عينيه بطمع وأجابها ببرود وتسلية لحالتها الخائفة منه

:- أنتي عارفة عاوز كم واتفقنا عليه من قبل ما انفذ فلوسي تبقى عندي يا رنيم عشان أنا زعلي وحش وبزعل بسرعة.

انتفضت متلعثمة بتوتر وبعدما انقبض قلبها داخل صدرها وهوى خوفًا من تنفيذ تهديده

:- لـ… لا خلاص هتلاقي الفلوس عندك بس متعملش حاجة، هجيبهالك كلها.

أغلق الهاتف دون أن يرد عليها لكنه تركها تجلس تفكر بقلب مقبوض ووجه شاحب تفكر فيما ستفعله لتجمع إليه المال الذي طلبه، كيف ستحصل على ذلك المبلغ في تلك المدة القصيرة أغمضت عينيها بضعف داعية ربها أن يقف معها لاعنة ذاتها عن تلك الفكرة التي تدمر حياتها الآن..

ظلت تفكر في طريقة لتحصل من خلالها على ما تريده مقررة أن تنفذ أي شيء حتى تتخلص منه، تود أن تعيش حياتها دون خوف تعيش معه تنعم من عشقه الذي يغمرها به دومًا.

لكن هناك غصة قوية في قلبها تذكرها أن هناك مَن مات لأجلها بالرغم من كل مافعله بها لكنها لم تود أن يحدث ذلك وتكن هي المتسببة في موته، هي طلبت منه أن يتراجع لكنه نفذ خطته لأجل تحقيق مطامعه وفي النهاية يخبرها أنه فعل ذلك بسبب فكرتها..

كانت تبكي بضعف وجسدها يرتعش وكل تفكيرها تركز في شيء واحد كيف ستحضر المال الذي يطلبه منها مقررة الحصول عليه بأي طريقة لتنهي ما يحدث لها وتتخلص من ذلك الخوف المسيطر عليها..

❈-❈-❈

في المساء

كانت جليلة تبحث عن قلادتها التي أحضرها فاروق له من قريب، لكن جميع بحثها كان دون جدوى نزلت أسفل بهدوء وبدأت تسأل الخادمات عنها

:- في حد شاف عقد فوق كان في أوضتي.

كانت إجابتهم جميعهم بعدم معرفتهم عنه شيء، تطلع فاروق ونحوها وسألها بجدية

:- يعني إيه يا جليلة راح فين ده أنا لسة جايبهولك.

أجابته بهدوء محاولة تهدئته لتنهي الأمر

:- معرفش يا فاروق هدور عليه ممكن أكون مش فاكرة أنا مكانه هشوفه.

قبل أن تصعد نحو غرفتها أسرعت أروى تتحدث ببرود

:- يا طنط جليلة استني من شوية لقيت رنيم بتخرج من أوضتك وهي خايفة وعمالة تتلفت حواليها مش أنتي شوفتيها يا سما كمان.

شعرت سما بالتوتر بعدما فهمت معنى حديث أروى فأجابتها بتوتر متلعثمة

:- مش فاكرة يا أروى مخدتش بالي مش فاكرة

صاح بها والدها بحدة مشددة وعينيه مثبتة عليها بغضب

:- هو إيه اللي مش فاكرة ده قولي الحقيقة يا سما شوفتيها البت دي خارجة من أوضة أمك ولا لأ.

أجابته بتوتر وخوف بعدما رأت غضبه

:- ا… اه هي كانت خارجة من عند ماما وماما تحت بس مشوفتش حاجة تاني والله يابابا.

تمتمت مديحة هي الأخرى بمكر مستمتعة لما يحدث دون تدخل منها

:- هي دايمًا كانت بتعمل كده عندنا إحنا كمان فأكيد هي اللي خدت العقد بتاعك ياجليلة.

حاولت جليلة تهدئة الأمر مغمغمة بهدوء بعدما تمسكت بذراع فاروق مانعة إياه من فعل ما يريده

:- خلاص يا فاروق سيبها محصلش حاجة أكيد مش هي اللي عملت كده ممكن أكون شايلاه في مكان تاني مش فاكراه.

لم يستمع إلى حديثها بل سار بحدة متوجه نحو غرفة رنيم بحدة والغضب يملأه متجاهل هتافات جليلة المحاولة تهدئته وإنهاء الأمر بهدوء دون مشاكل لكنه اقتحم غرفة رنيم بعصبية فأسرعت تطالعه بخضة ووجه شاحب بخوف متمتمة بتوتر

:- فـ…في ايه هـ…هو في حاجة يا طنط جـ…جواد مش موجود.

وقف الجميع خلف فاروق ليطالع ما يحدث باستمتاع صاح بها فاروق بغضب ولهجة حازمة مشددة

:- لا ملوش حق لازم يجي عشان يشوف مراته الحرامية.

تطلعت أمامها برعب وسألته مدعية عدم الفهم

:- نـ… نعم بافاروق بيه قصدك ايه… ا… أنا معملتش حاجة.

ضحكت مديحة بشماتة وأجابتها بخبث

:- أنتي اتكشفتي خلاص وكلنا عرفنا اللي عملاه.

شعرت بالخوف خاصة بعد حديث مديحة المبهم التي لم تعلمه لكنها سرعان ما فهمت الأمر عندما بدأ فاروق يبحث داخل غرفتها وقفت تتطلع إليه بوجه شاحب خائفة مما يفعله وما يجعلها تخاف أكثر هو عدم وجود جواد ليقف معها وينهي الأمر مثلما يفعل دومًا لكنها الآن ستواجههم بمفردها وهي خائفة منهم..

تمتمت جليلة بتوتر وخوف من رد فعل فاروق

:- خـ… خلاص يا فاروق كفاية كده رنيم معملتش حاجة أنا اللي مش فاكرة حطته فين.

أكدت أروى ما رأته بسعادة مستمتعة لهيئة رنيم الخائفة والتي ستنكشف الآن

:- يا أونكل أنا شوفتها حتى سما كمان قالت أنها شافتها.

ظل فاروق يبحث عن القلادة حتى وجدها في النهاية بين ثيابها رفعها أمامها بغضب ونظرات نارية موجهة نحوها جعلتها تنكمش على ذاتها برعب.

❈-❈-❈❈-❈-❈❈-❈-❈❈-❈-❈❈-❈-❈❈-❈-❈❈-❈-❈

رايكم ياحبايبي؟! وهل فعلا رنيم عملت كدة ولا لا؟! ورد فعل جواد هيكون ايه؟


يتبع

google-playkhamsatmostaqltradent