رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الخامس و الخمسون 55- بقلم نهال مصطفي

الصفحة الرئيسية

  

رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الخامس و الخمسون 55- بقلم نهال مصطفي

 
(25) ج 2
‏”كل الإحتمالات تقول أنني على مشارف النهايـة من حياة لم أحصد منهـا إلا الخسائـر ..
ظننت أن العُمر انتهى عند مروري بكل الخيبات القاتلة لآمال المرء في أن ينجو من جديد ..
بتُ أجلس على طاولتي بالمقهى المفضل بالنسبـة لي احتسي قهوتي الدافئة منتظرة قدوم الموت ، الوحيد الذي يستحق أن ننتظره لأنه لن يخلف وعده أبدًا حتى وأن جعلني انتظر طويلًا ، فهو آتٍ لا محالة..
وبعد أن تعثر وشاح قلبي بمسمار أهداب عينيك الساحرة بالحب الذي كتبت لأجله كثيـرًا ؛ واكتشفت أني لم أكتب إلا إليك .. ولم يحفر سن قلمي إلا حبك بداخلي بحجة أن يكتب ..
جعلتني اتمرد عن كل سلبيـات الزمان واندفعت لعندك مُعلنـة :
-أن المـرء مهما صادف بمحطات العُمر يمكنه طيّ ماضٍ سحيق من الأسى، في ظل ضحكة نعرفها وتعرفنا ..
والآن .. لا رغبـة لي بالعالم ولم أعد انتظـر الموت ، يكفيني أن أمـوت عشقًا تحت جناحك كل ليلة ”
~لا ينبض القلب إلا لعاصٍ .. 💥
#حيـاة_المصـري 🤍
#نهال_مصطفى .
••••••••••
-عينك متنزلش عن بيت هاشـم .. أنت سامع !!
بنـبرة يملأها الذعـر والإضطراب ، أردف عاصي جملته الأخيـرة وهو يتحدث مع شخص ما بالهاتف ويلقي عليـه جُملة أوامره .. اقتربت حياة على مضض وربتت على كتفه بدون إلقاء أي كلمة إضافيـة .. لم يلتفت إليهـا بل أجرى مكالمة هاتفية أخيـرة و قال بضيق :
-يسـري ؛ في أي أخبار عندك !!
يسري برتابـة :
-للأسف معاليـك ، قلبت اسكندرية شبر شبر ، مفيش أثـر ..
-الأرض متشقتش وبلعتهـا يا يسري !! اتصرف ..
جهر غاضبًا بجملته الأخيـرة فاستقبلها يسري بطاعة :
-هتصرف .. هتصرف يا عاصي بيـه ..
انضمت لهم شمس متسائلة :
-مفيش جديـد عن عالية !!
هزت حياة رأسـها يمينًا ويسارًا بيأسٍ حتى وجه عاصي حديثه إليها :
-فين تميم !
-خرج .. ومقالكش راح فين ، حاولت ألحقـه بس معرفتش .
جاءت نوران تركض من أعلى بخوف يتقاذف من ملامحهـا :
-مفيش خبـر عن مراد لقى عالية ولا لسـه !!
فتدخلت حياة مقترحة :
-عاصي كلمـه ، شوف لو وصل لحاجة ..
رد بحدة :
-هو السبب في كل المصايب دي .. بس أفوقله .
حياة بهدوء :
-مش وقته الكلام ده يا عاصي ، نلاقي عاليـة وكل حاجة هتتحل .. لو سمحت كلمه .
رد بفتـور :
-مش وقته يا حيـاة .. هكلم تميم أشوفه فين ..
جاء كـريم راكضًا وهو يقفل المكالمـة مع أحد زملائه :
-أنا كلمت واحد صاحبي باباه في الداخليـه ، وقال هيتصرف لحد ما ينفع نتحرك قـانوني .
-تمام يا كريم ..
قال عاصي كلمته باهتمام قبل أن تميـل حيـاة على كفته إثر إصابتها بالدوار المفاجئ فالتفت إليهـا بلهفة :
-مالك ؟!
ردت بوهن :
-دوخة بس ، أنا كويسـة متشغلش بالك ..
ضمها إليـه متجهًا ناحيـة أقرب مقعد :
-طيب تعالي اقعدي ..
جاءت شمس إليها وجلست بجوارها وسألتها :
-أخدتي أدويتك النهاردة ..
رفعت عيونها بتثاقلٍ :
-نسيت يا شمس ..
تأفف عاصي باختناق ثم نادى على سيدة بصوته الرخيـم فجاءت تركض :
-اوامرك يا عاصي بيـه !
-هاتي أدوية حياة من فوق ، وأعملي لها حاجة تاكلها ..
فتدخلت شمس قائلة :
-روحي هاتي الدواء يا سيدة وأنا هعملها أكل وكوبايـة كزبرة دافيـة للدوخة دي ..
استغلت نوران فرصـة انشغال أختها مع حيـاة واقتربت من كريم هامسـة :
-عايزاك …
تمتم بحذر :
-هستناكي بره .
••••••••
” بالسـيارة ”
-أنتَ قلت كده لعبلة في سـاعة غضب ولا .. مراد ، أنت تعرف أيه ؟!
أردفت سوزان جملتهـا بتردد بعد جولة طويلة من الصمت على أذان مراد الجالس بجوارها والذي لم يكف عن إجراء المكالمات الهاتفية.. ترك الهاتف من يده بتردد وقال :
-بخصوص أيه ؟!
ردت على الفور :
-بخصوص عاليـة .. مراد ، عبلة وراها أيه !
انكمشت ملامح مراد وتمددت بتوتر حتى قال :
-لا عادي ، دي كانت لحظة غضب .. المهم دلوقتي نلاقي عاليـة ..
رمقته سوزان بعدم تصديق خاصة عندما لاحظت هروبه وانشغاله بالقيادة .. ساد الصمت بينهم لدقائق معدودة حتى شرعت سوزان في سرد قصتهـا بدون أي مقدمـات بعد ما أخذت سيجارة من علبتـه واشعلت وقود ماضيهـا :
-” أنا وعبلة كُنـا صحاب من زمان .. اتعرفت عليهـا في النادي كانت بتيجي مع عاصي التمرين ، كنت متجوزة عِز الدين وأنا عندي ١٧ سنة .. معرفش دخلت حياتي بسـرعة رهيبـة ، كنا كل يوم مع بعض حتى لما بقيت حامل هي بعدها باسبوع جات تقولي أنها كمان حامل .. ”
ألقى مراد نظرة تعجب على تلك السيدة المنغمسـة في حقول الماضي ثم قال مجاريًا :
-وبعدين !!
أخذت نفسًا طويلًا من لفافة التبغ ثم قالت :
-اتفقنـا نسافر أمريكـا نولد هناك .. وقتها سمعت بخبـر وفاة جوزي .. كنت متعلقة بيه أوي وده كان سبب إني أولد قبل ميعادي .. حالتي الصحيـة اتدهورت ومحدش وقف جمبي غير عبلة ، والنتيجة أن البنت اتولدت ضعيفة جدا وكله أكد أنهـا مش هتعيش …”
انخرطت العبرات على وجنتها ولكنها مازالت محافظة على ثباتهـا ثم أكملت :
-أول ما فوقت طلبت أشوفها وأرضعهـا .. ودي كانت أول وأخر مرة احضن فيهـا بنتـي وبعد كده جات الممرضة قالت لي أنها ماتت .. مستحملتش الصدمة ودخلت في حالة انهيار عصبي، كنت فاقدة الوعي .. أملي الوحيد اللي عشت عشانه خلاص راحت هي كمـان ..
دار مراد مقود السيارة هو يفكر في المغزى من وراء فتح سوزان لبوابات الماضي حتى أكملت :
-لما فوقت وبدأت اجمع نفسي ملقتش حد معايا ، حتى عبلة عرفت أنها مشيت بعد ما دفنت البنت .. وعدت سنين طويلة دفنت نفسي في البزنيس والعلاقات المزيفـة عشان انسى ، لحد اليوم اللي كُنت قاعدة فيـه مع عاليـة ..
ألتفت مراد إليها :
-حصل أيه ؟!!
بللت حلقها بتردد :
-مراد .. على أيد عاليـة في وحمة صغيـرة ودي نفس الوحمة اللي كنت في أيد بنتي لما رضعتها.. للحظـة حسيت أن عاليـة تبقى بنتي .. أنا مش موهومة يا مراد بس بحاول افكر معاك بصوت عالي ..
ثم ختمت حديثهـا بسؤالها الحائر الذي استقر كالسهم في رأس مراد :
-عالية بنت عبلة ولا أنا بعلق نفسي بأمـل على الفاضي ؟!!!!!
•••••••••
تجوب الغرفـة ذهابًا وايابًا كمن فقـد عقله ، تهذي بكلمـات غيـر مفهـومة ولكنها مسموعة حتى توقفت في منتصف الغُرفـة صارخـة :
-معقولة !! عاليـة هتكون راحت فين يا فريد .. !!
انعكس الكذب من مقلتيه وهو يفك أزرار قميصـه بملل :
-هتكون راحت فين !! بصراحة غريبـة ، هي مش عيلة صغيـرة عشان تتوه !!
حدجته بشكٍ :
-تفتكر ملعـوب من عاصي ؟! بس هيعمـل كده ليـه !! لالا في حاجة غلط !!
مط فريد شفتـه بتحيـر مزيف وهو يحك رأسـه ثم قال :
-عبلة ، ابن أختـك كان قصـده أيـه لما قال أنها مش بنتك !!
تأففت عبلة بضيق كمن ينفض غُبار الماضي عن رأسه :
-وده وقتـه يا فريد !! تلاقيه بيقول أي كلام وخلاص .
رد بعدم تصديق :
-بس مراد مكنش بيقـول أي كلام يا عبلة .
-يووه يا فريد ، أنا دماغي مش رايقـة لكل ده ، المهم عندي أعرف بنتي راحت فين ..
أمسك فريد بذراعها بإصرار :
-عبلة أنتِ مخبيـة عني أيه ، قوليلي محدش هيساعدك غيري !!
حدجته باستحقار :
-أنت نسيت أنا مين ولا أيه !! أنا عبلة المحلاوي يا فريد .. يعني لو عايـزة حاجة هعملها مهما كانت هي أيه !!
حاول تهدئة الأمـر بينهم ثم قال :
-مالك قفشتي كده ليـه !! أنا قصدي أساعدك بس ..
جذبت ذراعها بقوة وهي ترمقـه بعينيها الحادة :
-سـاعد نفسـك بس ..
-تمام .. بس افتكري إنك رفضتي أيدي اللي اتمدت لك ..
نزعت الحلق من أذنها وهي تراقب تحركاته في المرأة حتى ألتفت متسائلة بثبات :
-فريد ، أنت متعرفش عاليـة فين .. مش كده ؟!
•••••••••
“عودة إلى القصـر ”
-كريـم أنت مقتنع بحوار خطف عاليـة ده !
توارت نوران خلف أحدى الأشجار وهي تردف سؤالها الأخيـر على مسامع كريم التي تقاسم الحيرة معالم وجهه .. زفر بضيق ثم قال :
-في لغز مش مفهوم يا نوران .. في حاجة غلط .
نوران بشك :
-حتى عاصي ، هادي كده .. بصراحة حاسة أنه مخبي حاجة ، معقـولة واحد بمكانته دي كلها ومش عارف أختـه فين !
كريم بتفكير :
-بس عاصي هيستفاد أيه لو هو اللي عمـل كده ؟!
أخذت نوران تقضم في أظافرهـا بتردد :
-معرفش ، بس أولهم حب يعاقبهم لأنهم عملوا حاجة من وراه .. كريم هو عاصي يعرف أن عاليـة من بنت عبلة ، يعني مش أخته ؟!
انعقد حاجبي كريم باستغراب :
-مظنش .. حتى ولو عارف ده هيفيد بأيه في اختفاء عالية !!
-بحاول افكر معاك .. كريم ؛ عاصي وراه لغز كبير ومش هنعرفـه غير لما نراقبه .
بد الرفض يحتل معالم وجهه :
-لا نوران أنتِ بتهزري !! أحنا في أيه ولا أيه ؟!
-اسمع مني بس ، أنت لو راقبت عاصي هنفك اللغز ده ..
كريم بتساءل:
-نوران .. انت عايزة توصلي لأيـه ؟!!
-في حاجة في دماغي ولو اتأكدت منها كل الخيوط هتوضح ، وهنعرف فين عاليـة .. اسمع كلامي أنت بس وجرب مش هتخسر حاجة … عاصي ده حوار وانا لازم اعرفـه ..
•••••••
-“حـياة اشربي البرتقال عشان سكرك ميهبطش ”
قالت شمس جُملتهـا الأخيـرة وهي تمد كوب العصير لـ حياة بعد تجرعها الأدوية فتفوهت متألمة :
-مش قادرة والله يا شمس .. كفاية كده .
-اضغطي على نفسك شوية .. البيبي محتاج تغـذية ..
استسلمت حياة لإصرار شمس وأخذت العصير منها وشرعت فـ ارتشافه حتى جاءت جيهـان من أعلى وهي تحمل حقيبتها الكبيرة :
-لسـه مفيش أخبار عن عاليـة !
ردت شمس باختصار :
-ربنا يطمنا عليهـا ..
نادت جيهان على سيدة بنبرة آمرة :
-سيدة قوليلهم يحطوا الشُنط دي في العربية ..
سيدة بفضول :
-على فين يا ست جيهان !
-رايحة لهدير ، هنستقر هناك ، طبعا مش هسيب بنتي لوحدها دي مهمـا كانت حامل ولازم أكون معاها وو
تبادلت النظرات الحائرة بين حياة وشمس التي قالت باختناق :
-هشـوف عاصي .. بعد أذنكم .
رمقتها شمس بحنق حتى أردفت جيهان بطريقـة متعمدة إغضابها :
-هو أنا قلت حاجة غلط عشان تتقمص وتمشي !! ماهي بنتي حامل زيها وولادهم هيكونوا أخوات ..
طالعتها شمس باختناق ثم قالت:
-سيدة فين نوران !!
-تلاقيها بتلف ورا كريم ابني ..
قالت جيهان جملتها بفظاظـة جعلت النيران تتوقد بجوف شمس التي سألتها :
-نعم !! مال أختي بابنك ؟!! وبعدين اي بتلف دي !! أنا أختي متربية كويس ..
-وأنا كنت قلت مش متربية ؟!! هي بس نسيت تتعلم تبص على أدها ، خليها تبعد عن ابني وتعرف مقامها كويس ..
شمس بضيق :
-لولا أنك ست كبيرة أنا كنت عرفت أرد عليكي ..
انصرفت شمس بمجـرد انتهائها من جملتها الأخيرة وذهبت لتبحث عن نوران التي وجدتها قادمة من باب الحديقة الخليفة فسألتها بحدة :
-كنتِ فين ؟!
-أبدًا يا شمس كنت بشم هوا ..
امتدت أعين شمس للخلف وهي تتفقد المكان حولها باحثة عن شبح طيف كريم فلم تجده فقالت بحزم :
-طيب اطلعي أوضتك وركزي فـ مذاكرتك، اتفضلي ..
على حدى نهضت جيهان وعلقت حقيبتها بكتفها :
-بتحلم بتاعت شبرا !!
جاء كريم من الباب الأخر للقصر وهو يراقب الحقائب الخارجة منه :
-ماما !! أنتِ رايحة فين ؟!
تحدثت جيهان بنبرة مرتفعة متعمدة أن تصل لأذان نوران وأختها :
-كويس أنك جيت .. أختك ظبطت لك موضوع دراستك بـره .. جهز نفسك عشان هتسافر بعد كام يوم ..
تجمدت نوران في منتصف الدرج مُتلقيـة خبـر سفره كجمرة ملتهبة سقطت على قلبها ولا تعلم سببها .. تلاقت الأعين المحملة بفيض من العتاب حتى قال كريم :
-سفر أيه ؟!! أنا مش هسـافر .
ارتفع صوت جيهـان صارخة :
-يعني أيه !! مش بمزاجك واللي بقوله هتنفذه يا كريم ..
-بس يا ماما ..
ردت بحزم :
-كريم .. ورقك خلص وجهز نفسك ومش عايزة كلام كتيـر ..
ثم مدت له حقيبتها :
-خد شيل دي وتعالى وصلني للمطار ..
ركضت نوران لتحتمي بغرفتها وهي تحمل قلبهـا على كفهـا وما أن قفلت باب الغُرفـة انسكبت دموعها بدون مبرر ولكنه كان شعورًا اشبه بانتزاع الروح .. للحظة أحست بفراغ الحياة حولها وأحساس الوحدة القاتلة الذي تعوده إليـه من جديد ، أجهشت ببكاء مبهمٍ لا تعلم حقيقته فلا يبكي المرء منَّا من فرط أحزان قلبه، بل من فرط يقينهُ بأنَّهُ لا يستحق كل ذلك ..
••••••
~بالمكتب ..
-“حبيبي وصلت لحاجة .. ؟”
سألتـه حياة وهي تقترب منه حيث كان واقفًا بجوار مكتبـه يطالع هاتفـه كل ثانية والأخرى حتى قال بهدوء :
-مستني مكالمة أهو !
-أنتَ عرفت هي فين ومع مين ؟!!
رمى الهاتف من يده على سطح المكتب وقال بتنهيدة :
-هعرف .. آكيد هعرف ، انتِ أحسن دلوقتِ ؟
-ربنا يطمنا عليهـا ..
ثم مسكت كفه بحنان وطالعته بعينها اللامعة :
-أنا كويسـة يا عاصي ، متشلش هم .. بس نفسي الكابوس ده يخلص وعالية ترجع بالسـلامة وارجع أشوفك بتضحك تاني ..
هز رأسه بفتور وهو يضم رأسها لصدره مقبلًا جبينها :
-كله هيبقى تمـام .. اطلعي ارتاحي أنتِ عشان متتعبيش .
رفضت بإصرار :
-لأ يا عاصي انا هفضل هنا معاك مش هروح مكان ..
-حياة بلاش عناد ، لو مش خايفة على نفسك خافي على ابني هو أمانتك دلوقتي.. معنديش استعداد أخسركم
ابتعدت عنه مررت كفها على وجنته بحنانٍ :
-وأنا معنديش استعداد اخسرك يا عاصي .. طول ما أنتَ تحت عيني أنا مطمنة .. أنا ماليش غيرك ..
لم يمنحه هاتفه فرصـة للـرد عليها بسبب رنينـه حيث جاءه اتصـال يسـري فرد عليه متلهفًا :
-هاه يا يسري !
-عبلة هانم متحركتش من الفندق .. والرجالة اتبعـوا الكاميرات وجارٍ تحديد مكان العربية اللي أخدت الهانم ..
وهاشم مدكور مظهرش من إمبـارح وملهوش وجود فالقاهرة كلها ..
عاصي بحدة :
-يسري المكالمة الجاية عايز اسمع صوت عاليـة وإلا هحاسبكم كلكم نفر نفر ..
قفل الهـاتف بمجرد ما أردف جملتـه حتى تدخلت حياة معترضة :
-مش كده يا عاصي .. !!
رد بغضب :
-عشان أغبية .. مأكد عليهـم عينهـم متغفلش عن عاليـة ، لسه حسابهم معايـا ..
-طيب ممكن تهدأ .. هعملك لمون ..
-لا ماليش نفس ..
أصرت بإلحاح :
-عاصي هعملك لمون يهديك عشان تعرف تفكـر .. مش هتأخر ..
انصـرفت حيـاة من مكتبه متجهـة ناحيـة المطبخ فجاءته رسالة نصيـة مكتـوب بها :
-” أختك معانا ، عايزين 200 ألف وتيجي لوحدك على العنوان ده ”
فتح الموقع المرسل إليـه فوجده على بُعد 50 كيلومتر منه ، فتح خزانة نقوده وأخرج المبلغ بدون تفكير ثم وضع سلاحـه بحزام بنطاله وارتدى سترته السوداء وخرج على الفور مفارقـًا مكتبه ..
ركضت شمس خلفه ولكنها لم تلحق خطوته الواسعـة حتى زفرت بفشـل وهي تضرب كف على الأخر :
-هات العواقب سليمة يا رب ..
خرجت حيـاة من المطبخ حاملة بيدها كوب العصير فاصطدمت بشمس فسألتها :
-واقفة هنا ليه ..
ردت شمس بقلق :
-عاصي خد في وشـه وخرج على طول !
انكمشت ملامح حياة بخوفٍ :
-ازاي ؟!
ثم تركت العصيـر لشمس قبل ان تندفع راكضـة للخارج :
-خدي ده معلش هلحقه ..
خرجت حياة كالمجنونة تبحث عنـه وتركض في دهليـز القصر وهي تتمتم باسمه حتى لمحت ضوء سيارته يفارق البوابـة فهرولت مسرعة نحوه .. وعلى الجهة الأخرى يقف عاصي أمام صندوق الأمن الخاص بالقصر :
-تفتحـوا عيونكم كويس ، فاهمين !!
-فاهمين معاليك ..
دور عاصي سيارته مرة آخرى وانطلق على الفـور ففشل مُخطط حياة في اللحاق به حتى وقفت على أعتاب البوابة صارخة باسمه :
-عاصي استنى ..
تقدم إليها الحارس :
-اي خدمة يا هانم ..
تجاهلت حياة سؤاله وخرجت من باب البوابة الجانبي بذعر يملأها فلحق بها الحارس :
-ياهانم ما ينفعش كده لو سمحتِ ادخلي..
-مقالش رايح فين ؟!
اخرجت هاتفها وشرعت في مهاتفة عاصي ولكنها لم تجد ردًا فأتاها صوت الحارس :
-ياهانم اتفضلي جوه .. وقفتك كده متصحش ..
لم يكمل الحارس جملته ففوجئ بمن يضربه على رأسـه ويكتم أنفاس حياة بالمخدر ويدفعها بكل قوته داخل السيارة التي تنظره …فانطلقت على الفـور بمجرد نجاح خطتهم ..
•••••••••
بالقُرب من القـصر صف مراد سيارتـه بناءً على طلب سوزان التي ظلت صامتـه أغلب الوقت ، ومراد الذي انغمس في ربط الخيوط ببعضها والتفكير فيما سردته والشكوك الدائرة حول خالتـه التي تخفي الكثير والكثير من الأسرار ، أردفت سوزان بتوسل :
-مراد نزلني هنا ..
-مش هتيجي القصر ؟!
-لا معلش ، هحاول أعمل اتصالاتي .
مراد بتساءل :
-طيب عربيتك ..
ردت بفتور :
-مش قادرة أسوق .. ابعتهـا مع أي حد ..
ثم فتحت باب السيارة متأهبـة للذهاب :
-لو عرفت حاجـة قول لي ..
في تلك اللحظة ركن ” تميم ” سيارته عندما لمح سيارة مراد .. هبط متجهًا إليه بحماس :
-وصلت لحاجة ؟!
أجابه بيأس :
-للأسف يا تميم .. أنا هتجنن مين له مصلحة في كده ؟!!!!
فرغ تميم غضبـه بضربة قوية كانت من نصيب سقف السيارة :
-أحنا مش هنقف نتفرج كده ؟!!
ختم جملتـه بصوت رنين هاتفـه باتصال من شمس فـزفر باختناق وكتم الصوت وقال :
-أنا مش قادر أرد !!
-يمكن خبر عن عالية رد …
تميم بملل :
-كده كده هندخل جوه تعالى ..
تأهب تميم أن يغادر فتوقف إثر رنين هاتف مراد الذي تفقد هاتفه بلهفـة وهو يقول :
-ده رقم مجهول ..
تميم بلهفة :
-مستنى أيه .. رد بسرعة ..
فتح مراد مكبـر الصـوت فأتاه صوت رجولي خشن وهو يقول :
-مراد بيـه لو عايز تشوف مراتك تاني تيجي على العنوان ده ومعاك ورق أرض السخنة ..
صرخ مراد :
-اسمع صوت مراتي الأول ..
-معندش تعليمات بكده .. ساعتين وتكون في العنوان ده .. ومش هأكد عليك تيجي لوحدك من غير حراسة ولا حكومة وإلا مش هتشوف مراتك تاني ..
قفل الرجل المكالمة ثم تلتها رسالة نصية بها الموقع المحدد للمقابلة ، هرول تميم ليجلس بالمقعد المجاور صارخًا :
-يالا يا مراد مفيش وقت ..
فكر مراد لبرهة :
-معقولة يكون” ممدوح علم “هو اللي عمل كدا ؟
-مين الراجل ده وايه حكايته ..
دور مراد سيارتـه مستعدًا للانطلاق :
-هقول لك في الطريق …
~ بالقصـر ..
تقف شمس على مراجل من خاصـة بعد ما أخبرها الحارس بما وقع على حيـاة .. فأخذت تتحرك كالتائه .. ضربت الأرض بقدمها بقلة حيلة :
-كلمي عاصي يا سيدة ..
سيدة بخوف :
-تليفونه مقفول يا ست شمس ..
ثم غمغمت بعتب :
-أيه خرجك لوحدك الساعة دي بس يا ست حيـاة ؟!!!
جاءت نوران تركض من أعلى بعد ما أحضرت هاتفها :
-كريم كمان مش بيرد ..
أوضحت سيدة :
-سي كريم راح يوصل ست جيهان المطار ..
نوران بعجز :
-هنعمل أيه يا شمس !!
أخذت تجوب الأرض ذهابًا وإيابًا حتى خرجت بفكرة وهي تتحدث مع الحارس الممسك برأسـه :
-مفيش حل تاني .. تعالى ننزل نعمل بلاغ في القسـم ..
تحمست نوران للاقتراح :
-أعملي كده يا شمس وانا هفضل ورا تميم وعاصي لحد ما يردوا ..
شمس بسرعة :
-يالا مفيش وقت ..
توقف الحارس قائلًا :
-بس الرجالة طلعوا ورا العربية اللي خطفت الهانم ويارب يلحقوها ..
اعترضت شمس بخوف :
-وأنا مش هقعد حاطة إيدي على خدي مستنية !! لازم الشرطة تتصرف ..
••••••••
أقفُ على أطراف أصابعي في غُرفة مظلمـة كظلام عُمري أحاولُ أن أَرى ما لا يُرى .. افتش على يومٍ خالٍ من العنـاء .. كم بقي من الطّريق والبكاء يـا ترى ؟
بالغـرفة التي لم يتسلل إليهـا إلا ضـوء القمر المنعكس من بين فتحات النافذة الخشبيـة دخلت ” عاليـة ” في نوبـة من الخوف والقلق وهي تتملص محاولـة فك كفيها المُكبـل بالحبال .. حتى فشلت جميع محاولاتها فنادت صارخة على أمل أن يجدها أحد:
-أنتوا ميـن وأنا هنا بعمل أيه .. !!
ضربت الأرض بقدميها المكبلة بعجز مهللة بتسبيحات صاحب الحوت حتى ختمت يائسها :
-يارب ساعدني ..
لحظات قليلـة وأصدر الباب المقفول عليها صريرًا مسموعـًا فهلّ منـه القليل من الرجال اللذين افسحوا مجالًا لدخـول قائدهم .. امتدت أنظار عالية للخارجة لاكتشاف هويـة ذلك المجهول الذي قام باحتجازهـا .. فقالت :
-أنت مين وعايز مني أيه ..
دخل الرجـل المريب وأشـار لرجاله أن ينتظروه بالخارج ثم اقترب من عاليـة وقال بمكـر :
-بجد بجد أنا بعتذر على قلة ذوق الهمج دول !! همـا مش عارفين أنتِ مين ولا أيه ؟!
ثم جر أحد المقاعد الخشبيـة وجلس مقابلهـا :
-اتمنى تقبلي اعتذاري يا مدام عاليـة ..
علامات من الحيرة والغمـوض كانت تحوم حوله ، فكررت عالية سؤالها بنبرة أحد :
-أنت عايز مني أيـه ؟!
-بصراحة مش منك ، بس أنتِ الأداة اللي هتحقق مطالب البُص الكبير وأنا عبد المأمور .. !!
عالية باستغراب :
-أنا مش فاهمة .. !!
-بصراحة يا مدام عالية فـي أرض مهمـة جوزك رافض يبيعهـا وأنتِ الورقـة الرابحة للأرض دي ..
انكمشت ملامحها بتوتر :
-مراد حُر ! هو البيع بقا بالبلطجة الأيام دي ؟!!
-أنتِ صح .. بس كمـان التجارة شطارة ، والغاية تبرر الوسيـلة !!
خرجت عالية عن صمتها :
-أنتوا مستحيل تكونوا بني آدميين ..
رد المجهول بهدوء :
-على فكرة أنتِ كمان مستفيدة .. هنشـوف مين بيحبك أكتر جوزك البيشمهندس مراد المحلاوي .. ولا عاصي بيه اللي هيتنازل عن توكيـل ” كارتييه ” ..
ثم وثب قائمًا بهدوء :
-على كل حال أنتِ منورانـا ومحدش هيقدر يزعلك ألا ولووو .. بس مظنش .. بلاش نسبق الأحداث .. اتعشيتي ؟!
رمقته عالية بأسهم الخسـة والاحتقار :
-أنت مش طبيعي … !!
هنا صوت تحطيم الزجاج ملأ المكان مما جعل ذلك المجهول يصرخ مستغيثًا بقلق :
-أنتوا ياللي بره !!!
•••••••••
وصل عاصي إلى الموقع المحدد له من قِبل المجهول الذي يعلم بحقيقة تلاعبـه واستغلاله للأمر ولكنه ذهب ليعلمـه درسًا لم ينساه … صف سيارتـه جنبًا بأحد المناطق الخالية من المارة وأمسك هاتفه فوجده مقفولًا بسبب نفاذ بطاريتـه ، تأفف بضيق وهو يبحث عن الشاحن :
-مش وقتك خالص ..
وصل الهاتف بالكهرباء السيارة ثم أخرج سلاحه وشد أجزاءه وعاد ليفتح هاتفه.. دقائق معدودة وأضاءت شاشـة الهاتف مرة أخرى .. بحث عن أخر رقم أرسل له الرسالة وهاتفه قائلًا :
-أنا وصلت !!
اتاه صوت البلطجي :
-خلصانة يا منجهه ..
قفل هاتفه وتفقد كشافات السيارة المركونة على مسافـة معقولة منه .. عاد الاتصال بأحد الرجال الجالسون بداخلها وقال بنبرة آمرة :
-فتحوا عينيكم .. عايز العيال دي واحد واحد ، عشان يتعلمـوا أزاي يلعبـوا مع عاصي دويدار ..
في تلك اللحظة داعبت الأضواء عينـه لأحد سيارات النقل الواقفـة أمامه .. فقال بحذرٍ :
-حاوطوهم بهدوء فاهمين .. مش عايز رصاصة واحدة تتضرب ألا للضرورة ..
اقترب منه أحد الرجال السوابق مستندًا على سيارته بهمجية :
-محسوبك نفادي .. فين الفلوس ؟!
وضع عاصي الهاتف بجانبـه وقال بثبات :
-فين أختي ؟!!
حك الرجل ذقنـه وقال :
-ماهو عدم المؤاخذة مفيش أختك .. بس في القُطة دي !!
امتدت أنظار عاصي نحو السيارة الأخرى التي أشار إليها الرجل فاتسع بؤبؤ عينيه عندمـا سُلطت الأضواء عليها فظهرت ملامحها وهي تستغيث به تحت سطو السلاح الأبيض للمجرم وتقول :
-ألحقني يا عاصي ..
لم تكن مجرد صدمة بل إنها ارتطام العقل بالأسفلت،
ليست عاصفة لكنه صوت قلبـه .. ما هبط من سيارته ليتقدم خطوتين ففوجئي بأربعـة من الرجال يحاوطوه من كل صوب وحدب فصرخت باسمه :
-خلي بالك يا عاصي ..
دار لرئيسهم وحاول أن يُجاريـه :
-مراتي بتعمل أيه هنـا !!
نفادي وهو يقترب منه :
-الولا اللي كاان قاصدك من البيت عشان يتأكد أنك جاي لوحدك ، لقى السنيورة في وشه ، محبش يجي فاضي .. بس أي رأيك في المفاجأة دي !!
جرت جمرت الغضب بعروقه وهو يكبح غضبه :
-أنت عارف اللي بتعمله ده هيوديك ورا الشمس !!
ضحك نفادي ساخرًا :
-أحنا كده كده وراها يابيه .. مش فارقة ، فين الفلوس .
-قوله يسيبها الأول ..
ختم جملته بصوت صرخة استغاثـة من صوت حياة عندما لامس مصل السلاح الأبيض عنقها فانخلع قلبـه بلهفة :
-هديك الفلوس خلاص بس يسيبها ..
فتح نفادي مطوته بوجه عاصي ليستعجله :
-أخلص يا بيه خلينا نخلصوا الطلعة المهببة دي ..
ألقى نظرة سريعة ليطمئن على حياته ثم قال :
-في العربية هتلاقي الفلوس .. سيبها بقا ..
سار نفادي ناحيـة السيارة وكان أحد رجال عاصي يحوم بحذر في الظلام حتى تلاقت أعينه بعيني عاصي .. أخرج نفاذي النقود من السيارة وفحصهم سريعـًا ثم قال :
-مش هعد من وراك يا باشا ..
ثم هز رأسه للرجل كي يترك حياة التي اندفعت ملهوفـة إليه لترمم خوفها وذعرها بين يديه .. في اللحظة التي احتمت بذراعيه حملها متواريًا خلف سيارته أثناء اقتحام رجاله على البلطجية وهم يركضون للهروب .. واستقرار الرصاصة بساق نفادي الذي سقط صارخًا ..
دارت معركة طاحنـة انتصروا فيها رجال عاصي لامتلاكهم أسلحة ناريـة جعلتهم يستسلمون للحياة بدلًا من الموت ..
كانت متعلقة بملابسـه دافنة وجهها في صدره مستندة بظهرها على مُؤخرة السيارة وجسده الذي يحاوطها كُليـًا كعصفورة تحتمي بقفصها من صخب الحياة .. الوطن الآمن ليس بشرط أن يكون منزلًا بأربع جدران .. ربما ينحصر بمساحة صغيرة جدًا حدودها كتفين ..
ما هدأ صوت الرصاص فأمسك بيدها الباردة وفتح باب سيارته وشدها بداخلها .. ثم قفل الباب عليها واتجه نحو الرجال المطأطئين الرأس بالأرض وصرخ بيهم :
-أنتوا قبل ما تلعبـوا عرفتوا مين هو عاصي دويدار !!
توسل إليه نفادي بصوت المتألم :
-حقك علينا يا بيه .. اللي ما يعرفك يجهلك .. ااااه ، مراتك عندك أيه مفيهاش خدش بس سيبنا نروح ..
تقدم أحد رجال عاصي حاملًا حقيبة النقود :
-اتفضل معاليك ..
أشار إليه برأسه أن يضعهم بالسيارة ثم هتف أمرًا :
-العيال دي سوابق وأنا مش هوسخ أيدي بدمهم ..
ابتلع ما تبقى بحلقه من كلمات عندما رست أنظاره على الرجل الذي كان ممسكًا بحياة مصوبًا السلاح على عنقها ، فغلت الدماء بعروقـه وشد المسدس من الحارس بغتة وبدون مقدمات استقرت الرصاصة بكتف الرجل وهو يصرخ متأملًا ويرتطم بالأرض .. فبرر عاصي فعلته :
-الأيد اللي تتمد على مراتي تستاهل تقطع ..
ثم أعطى السلاح للرجل وقال بوجه مكفهر :
-سلموهم للشرطة …
شرع رجاله بتنفيذ اوامره بينما عنه عاد إليها فوجدها ترتجف وتنكمش بمقعدها .. ما جلس بجوارها ولم يقفل الباب فهبط سريعًا متجهًا إليها .. فتح الباب من ناحيتها وانزلها برفق وهو يمسح على وجنتها لتهدأ :
-حياة محصلش حاجة أنا كويس وأنت كمان كويسة ..
انفجرت باكية وهي تعانقه وتطفئ لوعة خوفها بحضنه :
-كنت خايفـة عليك أوي ..
ربت على ظهرها بحنو وضم جسدها المرتجف إليه :
-محصلش حاجة الحمد لله .. أنا جمبك أهو ، اطمني ..
شرعت في اتخاذ انفاسها بهدوء وهي تجفف عبراتها وسألته :
-أنت كويس طيب ؟!
-أنا زي القـرد .. خلاص بقا مش بحب أشوف دموعك دي .. في حاجة بتوجعك ؟!!
هزت رأسها بالنفي :
-يالا نمشي من هنا ..
فتح لها باب السيارة لتصعد ثم دار لجهة القيادة فألتفت لهاتفه الذي لم يكف عن الرنين وأخذ يتفقد الأرقام ويقول :
-تليفونات كتير من البيت .. هكلمهم اطمنهم ..
كاد أن يعاود الاتصال بنوران ولكن جاءه الهاتف المنتظر ، فأجاب بلهفة :
-نجيب وصلت لحاجة .. ؟
-عاليـة هانم معانا يا عاصي بيه .. وكله تمام !
-اديهاني بسرعة ..
تحمست حياة بفرحة وهي تهمس له :
-عالية ؟!!
ما أيد سؤالها برأسها فقالت بشوق :
-افتح المايك ياعاصي ..
أخذت عالية بكفها المرتعش الهاتف من الرجل الذي اقتحم مزرعة هاشم مدكور بالأسكندريـة وتسلل إليها بحذر وأخبرها بأنه تابع لأخيها عاصي دويدار .. تفوهت بذعر ونبرة صوتها المنخفضة :
-ألووو ..
رد بحماس :
-عالية .. أنتِ كويسـة .. فيكي حاجة ..
ردت بخفوت :
-لا .. انا كويسة ..
فقالت حياة بفرحة :
-الحمد لله أنك بخير يا حبيبتي .. يالا تعالي مستنينك ..
جففت عاليـة عبراتها وقال بهمس :
-حاضر ..
عاصي :
-عالية حبيبتي أدي التليفون لنجيب ..
وضع نجيب الهاتف على أذنه :
-أوامر معاليك يا باشا ..
-اسمعني يا نجيب ما تعرفش حد أنك لقيت عاليـة ، هبعت لك العنوان اللي توصلها فيه ، وهتلاقيني هناك مستنيك عشان نشوف هنربي الأوباش دول أزاي ..
اتسع بؤبؤ عيني حياة بذهول من تصرفه الغامض :
-عاصي !! أنت بتعمل أيه ؟!!!!!
••••••••
وصل مُراد وتمـيم إلى المكان المُحدد لهم .. فتح مراد ” تابلوه ” السيارة وأخرج من الملف .. فأوقفـه تميم :
-مراد أنت متأكد !! مش يمكن اشتغالة ؟!!
رد بقلة حيلة :
-عندك حل تاني؟!!
رن هاتفه في هذه اللحظه فأتاه صوت الرجل آمرًا :
-مش قولت لك تيجي لوحدك ؟!!! أنت مش عايز تشـوف مراتك تاني ولا أيه !!
عنفه مراد قائلًا :
-أنت اللي ليك عندي الورق وبس .. سلمني مراتي اسلمك الورق ..
-أنت كده بتتحدانا !!
كاد مراد ان ينفجر بوجهه .. فأخذ تميم منه الهاتف وقال :
-ياريس أنت ليك الورق وأحنا لينا أختنا .. سلم واستلم ..
فكر الرجل قليلًا ثم قال :
-طيب انزلـوا من العربية !!
هتف مراد بغل :
-عالية فين ؟! وأنت فين أنا مش شايف حد !!
قال الرجل باختصار :
-قلت انزلوا من العربيـة ..
نفذ الاثنان أوامره على مضض .. نزل تميم ثم مراد الذي شغل كشافات سيارته ووقف الثنائي أمام السيارة منتظرين ذلك الرجل الغامض .. زفر مراد بقلق :
-مش مطمن وحاسس بلوش ..
-استنى بس يمكن بيطمنوا أن مفيش حكومة في المكان ..
-هنشوف !!!
من وسط العتمـة بدأ ظهور الرجال ذوي البنية العملاقة واحد وراء الأخر فتحمحم تميـم هامسًا :
-أنت شايف الـ أنا شايفـه ؟!!!!!
عقد مراد ذراعيه أمام صدره وهز رأسه قائلًا :
-شايف ..
حمـلق تميم ببنية الرجال المريبة وقال بقلق :
-أنا حاسس اننا هنضرب !!
-حاسس بس ؟!!!!
-طيب هنعمل أيه يا مراد ؟!
عقد مراد حاجبيـه قائلًا :
-نضرب المهم منجريش !!
ثم خشن مراد صوته هامسًا :
– أخر مرة لعبت بوكس أمتى ؟!
تميم محاولًا أن يتذكر :
-من ١٣ سنة .. بس نفسي أرجع ألعب تاني ..
-على بركة الله ..
هز مراد رأسه متأكدًا من مصيرهم المنتظر حتى جهر بصوته قائلًا :
-كابتين !! أومال فين مراتي ؟!!
رد الرجل بفظاظة :
-فين الملف !
رفع مراد الملف :
-اهو .. فين مراتي بقا !!
تقدم الرجل كي يأخذ منه الملف ولكنه رفض قطعًا وقال :
-مفيش ملف قبل ما اطمن على مراتي ..
جهر الرجل بعنفوان :
-أنا جاي هنا أخد الملف وياقاتل يا مقتول ..
طافت عيني تميم بتردد وقال :
-دي فيها كلام بردو !! قاتل طبعًا .. مراد هات كده الملف ده ..
أخذ الملف من مراد وخبأه برابطة ذراعـه المعلق برقبته وتبادل النظرات مع مراد الذي أعلن قائلًا :
-فاكر السبينينك كيك !!
-طبعا فاكر …
حيث باغتـه بركلة دائرة قويـة على وجهه ثم استقرت قدمه في منطقـة أسفل الحزام في جزء أقل من الثانيـة دارت المعركة بينهم وهجم الرجال على كل من مراد وتميم وكل منهما استخدم مهاراته الرياضية في الدفاع عن النفس ..
••••••••••
~بالقصـر
“لم يبق أحد لدي كي أخسره، لذا من الآن فـ أنا متفرغة للبكاء .. ”
بعد مرور الكثير من الدقائق الصامتة التي تجاهلت فيها نوران الرد على اسئلة كريـم العديد والتي ردت نيابة عنها سيدة فقال كريم وهو يجلس بالقرب من نوران :
-سيدة ما تجيبيلي حاجة اشربها ولا أكلها .. أي حاجة يعني
..
رمقته سيدة بعتب :
-ومين له نفس يأكل ولا يشرب بس !!
ألقى نظرة سريعـة على نوران التي تتحاشى النظر إليـه وقال بنفاذ صبر :
-ياستي أنا هأكل واشرب !! دا انتِ غريبة أوي يا سيدة ..
نهضت سيدة من جوارهم على مضض وهي تتمتم :
-أحنا في أيه ولا أيه بس !!
تجلس نوران واضعة ساق فوق الأخرى دافنة وجهها بالهاتف حتى فاض صبر كريم منها .. فركل قدمها بخفـة :
-ايه الوش الخشب ده ؟!!!
عارضته بضيق :
-أيه ده !! انت بتعمل ايه ؟!
-أنتِ اللي بتعملي ايه ؟!!!! وأيه مالك !
ردت باختصار :
-مفيش ..
-لا في ..
-الله !! قُلت مفيش ..
قالت جملتها ثم عادت لتنظر مرة آخرى بالهاتف فسحبه منها بعندٍ :
-على فكرة أنا مش هسافر ولا أروح حتة ..
تمدت ابتسامتها بدون إدراك ولكنها فاقت لنفسها في آخر لحظة وتعمدت اللامبالاة :
-هاه .. وأنا مالي ..
-حبيت أعرفك بس إني قاعد على قلبـگ .
أحمر وجهها بخجل فجاءت شمس في تلك اللحظة لتنقذها من فخ كريم المُربك ،ما رأتها فاندفعت نحوها بلهفـة :
-شمس طمنيني ..
ردت بكلل :
-عملنا محضـر ولسه مفيش أخبار ..
ثم طافت عينيها باحثة :
-محدش لسه جيـه ؟!!
ردت نوران بيأس :
-لسه .. كلهم موبايلاتهم جرس ومحدش بيرد .
ركض كريم إليهم وهو يفتح مكبر الصوت بلهفـة :
-عاصي أنت فين !!
ثم جذبت شمس الهاتف منه وقالت بخوف :
-عاصي في حد خطف حياه لازم ..
فقاطعهـا عاصي قائلًا :
-حيـاة معايا يا شمس .. اطمنوا ..
نوران بقلق :
-طيب وعاليـة !!
رد عاصي باختصار وهو يدخل المصعد الكهربي :
-ان شاء الله خير ..
نوران بضيق :
-ايوة يعني لقيتها ولا لسه !!
-خير يا نوران ..
تأففت نوران بضيق من طريقته :
-أنا هشحت منك الكلام !! ماله ده !!
شد كريم الهاتف منها وقال :
-طيب انت فين يا عاصي ..
رد براحة لا توصف في صوته :
-في فندق كده .. حياة بس عايزة تريح أعصابها !! شمس خلي بالك من البنات ..
تبدلت ملامحهم لعلامات استفهام متراقصـة على وجوههم حتى اندفعت نوران بسخرية :
-نعم !! كويس فاكر عندك بنات ..!!
انفجرت حياة بضحكتها التي كتمها عاصي بيده كي لا ينكشف أمرهم .. فـ تدخل كريم على الفور :
-طيب طيب يا عاصي .. انجوي أنت وحياة وأحنا هنا هنتجنن على عالية …
قفل عاصي الهاتف بسرعة في تلك اللحظة انفتح باب المصعد أمام الطابق المقصود ، فنظرت له حياة بعتب :
-أنت مستفـز على فكرة ..
-أهو اللي جيه في بالي ..
ساد الصمت للحظات بين الثلاثة حتى قطعته نوران بيقين :
-شوفتوا !! والله ما برتاحلو .. بني آدم غريب مريب ملهوش مسكة .. يعني أخته مخطوفة وده رايح فندق عشان يهدي اعصابه .. أنا عقلي مش مستوعب ..
أيد كريم كلامها :
-فعلًا في حاجة غلط !!
نوران بثقة :
-أنا متأكدة أنه يعرف مكان عالية ومخبي !! يا جماعة ده مش صوت ولا تصرف واحد عاقل اخته مخطوفة !!
تنهدت شمس بحيرة :
-في حاجة مش مفهومة فعلًا !! بس هيستفاد أيه لو عارف مكان عالية !!
نوران بضيق:
-بني آدم غريب تتوقعي منه أي حاجـة !! مش انا قلت لك يا كريم .. عشان تبقى تصدقني بعد كده ..
حدجتها شمس بنظرات استكشافية :
-قولتِ له أيه بقا !!
بد التوتر على الثنائي لوقوعهم بفخ شمس الذي لا يرحم ، فتحجج كريم وهو ينظر في هاتفه :
-هطلع بره احاول اطمن على مراد .. تقريبا في مشكلة في الشبكة ..
تخلى كريم عن نوران وفر هاربًا من نظرات شمس الحادة التي توجهت إلى أختها :
-في أيه بينك وبين كريم يا نوران !!
تحججت نوران هاربة من استجواب اختها :
-هاااه .. هيكون ايه عادي يعني ، هروح اطمن على البنات حرام أطفال ملهمش ذنب في عمايل أبوهم العجيبة دي..
وصل عاصي إلى غرفتهـم الخاصـة بالفندق فهمست له :
-عاليـة قُدامها كتيـر عشان توصل !!
نزع سترته السوداء وهو يجيبها :
-يعني ساعتين تلاتـة بالكتير ..
أومأت بالإيجاب ثم اتجهت إلى السرير وضمت ساقيها إلى صدرها وشدت الغطاء فوقها وأخذت تنفخ في كفيها لتستمد من انفاسها الدفء .. فطالعها بتسائل :
-الجو برد ؟!
-أوي ..
قام بتشغيل المدفأة الكهربائية ثم نزع حذائه واقترب منها :
-وماقولتيش ليه !
-أقول أيه ؟!
-أنك سقعانـة ..
هزت كتفيها بعدم اهتمام :
-عادي ..
جلس بقُربهـا ثم جذبهـا لحضنه بحُب :
-هو أيه اللي عادي !! وأنا هنا بعمل أيه ؟!
رفعت عيونها إليـه :
-هتدفيني !!
رفع حاجبـه قائلًا :
-جربيني ..
مدت ذراعها حول خصره مستندة برأسها على صدرها مستسلمـة لحضنـه الذي لم تجد في دفئه .. أخذها بين يده ومدد الثنائي جسدهم ليرتاحا بعد مرور يومًا قاسيًا عليهم .. أخذت تتملص بين يديه تلتمس منه الدفء وتتعمد دس قدميها به كي يهدأ سقيعهم .. فهمس لها وهو يمسح على شعرها :
-للدرجة دي بردانة !!
أومأت بالإيجاب وهي تلتصق به أكثـر فلم يجد حلًا سوى اندلاع نيران الحب بجسدها ربمـا تنجح في إخماد برودة جسدهـا .. تبدل الوضع من محاذاتها لسماء ومطر يعلوها .. بات غيث حبه يبلل تُربتهـا بدفء لم تعهده من قبـل حتى زال سقيع جسدهـا وتحول لنيران تلتهمهم معـًا فغمغمت بترجى :
-عاصي أنا بقيت تمـام ..
تقابلت أعينهـم بفيض من الاسئلة الخاصة بعالمهم .. فتمتمت :
-معلش تعبانة شـوية .. وآكيد أنت كمان .. ممم .
تفهم حالة الذعر التي تعرضت لهـا ثم قبـل جبينها بقبلة طويلة وفارقها وهو يقول بهدوء :
-تمام ، تصبحي على خير ..
طبعت قُبلة خفيفة على كتفه قبل أن تنام عليـه وقالت :
-بحبك ..
اكتفى بضمها إليـه واحتواء كفها الراسي فوق بطنـه وسألها :
-مش هتحكي لي أي خرجك بره القصـر ؟!
-قلقت عليك .. عارفة إني غلطت بس انت اللي خرجت من غيري وانا كنت زي المجنونة عليك .. متزعلش مني .. انا مكنتش أعرف أن كل ده هيحصل …
لاحظت انغلاق عينيـه وغوصه في عالم الأحلام ، فنادت عليـه :
-عاصي ؟!
اصدر إيماءة خافتـة وهو تحت سطو سلطان النعاس ، فقال بيأس :
-وأنت من أهله يا حبيبي !!
••••••
” بالغـردقـة ”
مع مطلع فجر نفس الليلة يحوم الرجلين حول منزلهم ليستكشفوا هويـة الرجال المحيطة به .. ومن هم ؟! ومن أين جاءوا ؟! تسلل رشيد بخفة لينقض فوق ظهر الرجل ويكتم أنفاسه على غفلة منه :
-أنتوا مين ؟!
حاول الرجل أن يتخلص من هجوم رشيد المفاجئ حتى حمله عكسًا وألقاه بالأرض رافعًا سلاحه بوجهه مهددًا :
-أنت اللي مين ؟!
فسقطت العصاة التي بيد يونس فوق رأس الحارس فوقع مرتطمًا بالأرض ، فمد يده لأخيه ليساعده على النهوض ولكنـه فؤجئ بفوهة المسدس متوجهة إلى رأسه :
-ولا حركة !!
دار يونس إلى الرجل وسأله :
-أنتوا تبع مين ؟!!
-أنتـوا اللي مين ؟! حرامية ؟!
نهض رشيد بحماس:
-أحنا مش حرامية ، أحنا أصحاب البيت ده !!
رد الرجل بحدة :
-أحنا هنا بأمـر عاصي بيه .. وده بيت مدام حياة مراتـه !!
نظر كل منهـما للأخر حتى تفوه يونس مثرثرًا :
-بقول لك ده بيت أبويا .. قنديـل المصـري !!!
    google-playkhamsatmostaqltradent