رواية وهام بها عشقا الفصل الثامن 8 - بقلم رانيا الخولي

الصفحة الرئيسية

  رواية وهام بها عشقا الفصل الثامن 8

بارت هدية من الكاتبة 

اللهم إني أستودعك بيت المقدس وأهل القدس وكل فلسطين. اللهم ارزق أهل فلسطين الثبات والنصر والتمكين، وبارك في إيمانهم وصبرهم. اللهم إنا نسألك باسمك القّهار أنْ تقهر من قهر إخواننا في فلسطين، ونسألك أن تنصرهم على القوم المجرمين. 

اللهم  اشف جريحهم، وتقبّل شهيدهم، وأطعم جائعهم، وانصرهم على عدوهم. اللهم أنزل السكينة عليهم، واربط على قلوبهم، وكن لهم مؤيدا ونصيرا وقائدا وظهيرا. سبحانك إنك على كل شيء قدير؛ فاكتب الفرج من عندك والطف بعبادك المؤمنين.

____________________

وهام بها عشقًا

رانيا الخولي

الفصل الثامن 

❈-❈-❈


انقلب المنزل رأسًا على عقب وهم يرون عمران لا يحرك ساكنا وقد أسرعوا باستدعاء الاسعاف حينما أخبرتهم ليلى بأنها جلطة شديدة ولن يتحملها قلبه

وها هي الاسعاف تقوم بدورها لنقله إلى المشفى 

ومعه ليلى التي تقوم بدورها بخوف على جدها التي لا تتخيل الحياة بدونه

وعند وصله للمشفى كان الجميع يقف على قدم وساق ويحاولون بكل الطرق انقاذ ذلك الرجل الذي ظل طوال عمره مثالًا وقدوة للجميع.

تقدمت ليلى منه تقبل يده ورأسه تطلب منه التشبث بالحياة، لن تعيد تلك المأساة مرة أخرى.

تشاقطت دموعها بغزارة وعينيها لا تفارق وجهه الذي فتحت عينيها في دنياها عليه.

_ جدي..

قالتها بأنهيار جعل الممرضة ترأف بحالها فتجهش أكثر في البكاء وهي ترى مؤشراته لا تبشر بخير مطلقًا وصرخت بألم

_ متسيبنيش ياجدي، محتجالك متسيبنيش.

_ اهدي بادكتورة ليلى ان شاء الله هيكون بخير تعالي معايا دلوقت

صرخت ليلى برفض

_ لأ لو خرجت هيسيبني ويموت مش هسيبه.

وكأن شعر بأن لا مفر منها ليتعالى صوت الجهاز معلنًا بتوقف القلب فيصرخ قلبها قبل فمها وهي تسرع إليه تحاول انعاشه


بذلت أقصى ما بوسعها لكن إرادة الله فوق كل شئ

لم يتحمل قلبه الضعيف تلك الصدمة لكن ليلى لا تريد الاعتراف بذلك

حاولت انعاش قلبه مرة وأخرى لكن لا فائدة

حاولوا أخذ الجهاز منها لكنها صرخت بهم وحاولت مرارًا وتكرارًا

حتى قام أحد الأطباء بتقييدها كي يبعدها عنه.

لم تتحمل رؤيتهم وهم يقومون بوضع الغطاء على وجهه، لم تتحملها ولن تقبلها 

_ جدي قوم ياجدي متسيبناش 

صرخات وصرخت حتى وصل صداها إليهم في الخارج لتنقبض قلوبهم بخوف ويسرع جاسر يقتحم المكان ليجد اخته تنهار بين يدي الممرضات وجده مستلقيًا على السرير مغطي الوجه وبلا حراك، حاول أحد الممرضين منعه من الولوج لكنه نحاه من أمامه وتقدم من جده يرفع عنه الغطاء ليجد وجهه الباسم كما هو، كما عهده دائمًا متبسمًا بوجهه الذي يشع نورًا

امسك يده الباردة بين يديه ليقربها من فمه ويقبلها بشغف حتى سقطت دمعة من عينه عليها ليمحيها بيده الأخرى ويغمغم بخفوت

_ قوم ياچدي.

سقطت دمعة أخرى وهو يرجوه

_ قوم ياحاچ عمران الله يرضى عليك.

متعملش فينا أكدة.

انهمرت الدموع من عينيه وهو يتابع رجاءه

_ مش انت اللي ترقد الرقدة دي، مش انت ياچدي

على صوته قليلًا وهو يحدثه

_ متعملش فينا أكدة، متفتناش من غير وداع حتى،

قوم أحب على رچلك

تقدم احد الاطباء منه وتمتم بتعاطف

_ شد حيلك ياابني، البقاء لله وحده

ترك لدموعه العنان وهو يحتضن يده ويبكي بألم لم يختبره من قبل.

وضع رأسه على رأس جده وأخذ يناجيه

_ إلا انت ياجدي الحياة مش يبقى ليها طعم من غيرك، اوعى تعمل فينا كدة، أبوس ايدك ورجلك ترجع، قوم ياحاج عمران وانا اعوض عن الدنيا كلها مش بس ابنك.

قوم وانا اعيش خدام تحت رجلك بس ترجع، مش عايز حاجة من الدنيا غيرك انت.

ازداد نحيبه ليرأف الجميع بحالهم وخاصةً ليلى التي لم تتحمل الصدمة وفقدت الوعي.


أُخذ من بين يديه وأخذ قلبه معه حاول منعهم لكن الطبيب منعه وطلب منه ان يكون أقوى من ذلك فهي ارادة رب العالمين وعلينا ان نقبلها برضى وثبات.

لا يدري بشئ مما يحدث حوله، فقط جسد جده الذي عادوا به إلى المنزل 

والده كان يتظاهر بالثبات لكنه ينتظر الوقت المناسب حتى ينهار بدوره

وجدته التي لم تفيق من ظلامها التي سقطت بداخله فور إن جاءها الخبر

كل من حوله يقاوم الأنهيار فليس وقته الآن

حضروه للغسل فأبى جاسر أن يغسله أحدًا غيره

دلف معهم ليجد جسده مستسلمًا على تلك الطاولة 

بدأ الرجل يقوم بدوره 

وعندما سكب الماء على وجهه عنفه جاسر وكأنه يخشي أن يدخل الماء أنفه فيتعبه

أومأ الرجل علمًا بحالته

كان يزيح الماء عن أذنه خوفًا من ولوجها بداخلها

كان يمسح الماء الذي ينزل على عينيه كي لا يتعبها.


لم يستطيع الرجل أن يقوم بدوره فطلب ممن بالخارج أن يخرجوه كي ينهي غسله

كان جمال في عالم آخر فدخل حازم ومعتز يأخذوه عنوة لكنه اصر على البقاء حتى دلف عاصم الذي أخذه في أحضانه وأجبره على الخروج


انزوى بعيدًا عن الجميع يبكي وينتحب على جده الذي رحل عن عالمهم دون وداع

فقد كان هو الاقرب إليه من الجميع 

فكيف إذًا سيستطيع تحمل فراقه

تذكر لحظات مرت بهم وهو لا يفارق جده لحظة واحدة 

منذ صغره وهو يكتفي به ليضيع كل شئ في غمضة عين منه.

_ جدي..

قالها بحرقة وكأنه يودعه ويودع راحته معه


انتهى كل شئ وها هو جده ملتف بكفنه ويقوموا بدفنه في قبره لينغلق مع بابه قلب جاسر الذي أغمض عينيه بألم وكأن روحه تسحب منه وتسرع للانزواء بجواره.


❈-❈-❈


أما ليلى فاصر الطبيب على بقاءها داخل المشفي نظرًا لسوء حالتها 

لم تكف عن البكاء وعقلها يرفض تلك الحقيقة وهي موت جدها

كيف تتحمل دخول المنزل ولم تجده

تتذكر لحظات جميلة مرت بهم وكم وقف بجوارها في كل شئ، لم يكن يتحمل حزنها او أن يضايقها أحد وكان ناصرًا لها في كل شئ

لم يستطيع يومًا تناول طعامه بدونها وكان يأجل غداءه حتى عودتها من الجامعة

اغمضت عينيها بألم شديد يمزق قلبها لولا تلك اليد التي امتدت لتمح دموعها 

نظرت إليه بحزن عميق وتمتمت بخفوت

_ جدي خلاص راح وسابني.

جلس بجوارها ليحتويها بذراعيه واراد في تلك اللحظة أن يمتص أحزانها ولا يراها بتلك الحالة

_ إرادة ربنا ولازم نرضى بيها.

اخفت وجهها في عنقه وغمغمت بألم

_ صعب أوي ياأمجد حقيقي صعب.

ربت على ظهرها وتحدث بقوة

_ كل حاجة في بدايتها صعبة، وخصوصاً الحزن بيتولد كبير ويصغر مع مرور الوقت.

يلا نخرج من هنا

اومات له ثم اخذها ورحل رغم رفض الطبيب  لكنه اصر على اخذها.

….

كان جالسًا في مكتبه عندما هاتفه مصطفى يخبره بوفات جده الذي نزل عليه الخبر كالصاعقة

سقط الهاتف من يده وقد أخذ قلبه ينبض بعنف وكأنه يعاتبه على فعلته

اغمض عينيه بعذاب وقد شعر لأول مرة بحقارة أفعاله

بكى لأول مرة بحياته بكاء الخاسر، نعم خسر كل شئ حتى نفسه

والخسارة الكبرى والاعظم هي خسارة أبيه

بكى في وقت لن ينفع فيه البكاء 

ماتت الأنفس الرحيمة التي لم تبخل عليه يومًا 

وبدلها هو بكل قسوة وجحود

استقل سيارته وانطلق بها وظل طوال الطريق يبكي عليه.

لم يستطيع قلب ابيه ان يتحمل تلك الصدمة وهو بكل قسوة وثق شهادة وفاته.

مات ابيه وقضي الأمر 

وياليته استطاع الوصول قبل دفنه والاعتذار منه

لكن تم الدفن 

ذهب إليه ووقف أمام قبره يطلب العفو منه، لكن أزفت الأزفة

ولم يعد للندم مكانًا

كان يحتضن القبر وكأنه يحتضن جسد والده 

ظل قابعًا بجواره لا يكف عن البكاء وكأنه طفلٍ صغير فقد أباه ومنبع حنانه 

شعر بأشد الحاجة إليه، فقط فليعود ويعتذر آلاف المرات عمّ بدر منه بحقه

سيعتذر ويعتذر حتى يعفو عنه

فقط يعود

حاول النطق فإذا بالكلمات تتحجر في حلقه فلم يجد سوى البكاء 

_ چاي بتبكي بعد أيه؟ جيت متأخر ياولد أبوي

تطلع إليه منصور بخزي وانكسار ثم أخفضها عندما وجد في عين أخيه عتابٍ قاسٍ لن يتحمله

وواصل بكاءه

لأول مرة يشعر جمال ناحية أخيه بالنفور وكأنه لا يطيق التواجد معه

ولم يرق قلبه لأجله وهو يراه بتلك الحالة

_ عاود يامنصور مطرح ما چيت معدش ليك مكان اهنه

بعد ما العزا يفض هعملك تنازل عن الشركة اللي كنت ناوي اكتبها باسمك بس لما ولدك يرچع عشان يكون معاك فيها.

أبوك خلاص راح للي خلقه ومفيش حاجة هترچعه

لا عياطك ولا ندمك هيرچعوه

استطاع منصور التحدث تلك المرة ليقول من بين شهقاته

_ بس انا مش عايز حاجة، أنا عايزه يرجع وأشبع من حضنه اللي حرمت نفسي منه 

ياخد كل حاجة بس يرجع


هز رأسه بأسف وقال بعتاب

_ كان عايش يحلم باللحظة دي وكان مستنيها منك بس انت بقسوتك وجبروتك قضيت عليه

ودلوقت بقى تحت التراب وانت قاعد بتبكي وتقول ياريت

خلاص فات وقت الندم والبكا مش هيرچع اللي راح

للأسف مقدرش اقولك اتفضل معاي لإن لو ولادي شافوك مش هيرحموك، دا إن سمحوا بدخولك

عاود مطرح ما چيت وربنا يسهلك طريقك.

لم يستطيع منصور التحرك من مكانه لن يستطيع ترك أبيه في اول ليلة له في قبره 

_ انت بتحدت مين يا……

توقف جاسر عن الحديث عندما وجد منصور قابعًا بجوار قبر جده فصاح به وهو يتقدم منه

_ انت ليك عين تاچي بعدم اللي عملته

منعه جمال من الوصول إليه وقال بأمر

_ أهدي ياجاسر، ده لا وقته ولا مكانه هو چاي يعزي زيه زي أي غريب وهيعاود تاني، فين أخواتك؟

نظر إلى منصور بسخط ثم أجاب

_ بيركنوا العربية وچايبين المصاحف وچايين

جاء مصطفى برفقتهم لكنه صدم عندما وجد أبيه وفي حالته تلك

لم يرق قلبه له ففضل تجاهل وجوده اعتبارًا لوجود أمجد الذي لم يتركهم لحظة واحدة 

ووزع المصاحف عليهم ليبدأوا في التلاوة كي تكون شفيعةً له في ليلته الأولى حتى أشرق الصباح


❈-❈-❈


انصرفوا بعد الانتهاء تاركين منصور مكانه لكن مصطفى لم يستطيع الذهاب دون أن يسأله

_ ليه؟

أغمض منصور عينيه لا يريد الأجابة عن هذا السؤال فهو حقًا لا يعرف لما، فعاد يسأله

_ رد عليا وقولي ليه عملت كدة؟ قصروا معاك في أيه؟

أخدت الفلوس وقلت حقي وعادي 

سافرت واتخليت عنهم في عز محنتهم وعادي

جتلهم وقلت خسرت ورجعولك شركتك ووقفوك على رجليك من تاني، كنت مستني أيه اكتر من كدة؟

استظلمت حقك وانت عارف كويس إن عمي مظلمش حد وفلوسه دي شقى عمر بحاله 

واللي انت متعرفوش انه كلمني وعرفني كل حاجة وهو اللي اجبرني أرجع عشان اقف جانبك واساندك في محنتك زي ما عمل هو مع جدي

والاخر حجرت عليه.

تقدم منه ليسأله بحدة

_ قولي إزاي عملت كدة عشان اتعلم منك واعملها معاك

ازداد بكاءه لكن مصطفى لم يرحمه وتابع جلده

_ أكبر عقاب ليك إنك تعيش وحيد من غير سند وانا هشوف شقة وانقل فيها انا ومراتي لإني مبقتش أمن على نفسي معاك

تركه وغادر ليشعر حقًا بوحدة قا.تلة 

شعر بحنين جارف إلى والدته وأراد أن يذهب إليها كي يلتمس منها العزاء لكن لم يستطيع

عليه أن يبتعد عنهم بشره وقسوته كي تلتأم جروحهم الغائرة 

نهض من جلسته وودع والده ثم سار على غير هدى..


❈-❈-❈


عاد الجميع إلى المنزل الذي خيم عليه الحزن ولأول مرة يشعروا بمدى وحشيته بغياب كبيره

كان التعب والانهاك قد أخذ منهم مبلغه 

قابلتهم وسيلة التي اشفقت عليهم وهم بتلك الحالة

فقالت بتعاطف

_ تعالوا أعملكم لقمة تكلوها، انتو من امبارح ماكلتوش حاچة

رفض أمجد قائلاً وعينيه تجوب المكان بحثًا عنها 

_ لا انا هروح البيت ارتاح شوية وهرجع تاني


تحدث جمال بحزم

_ البيت بيتك ياأمجد ولو مش هتاخد راحتك هنا اتفضل في المضيفة 

اومأ له أمجد كي لا يجادله وهو بحالته تلك

فذهب معه معتز وانسحب جاسر بهدوء إلى غرفته القديمة 

وصعد جمال إلى غرفته وصعدت معه وسيلة لعلمها بمدى حاجته إليها 


دلفت الغرفة لتجده جالسًا على الأريكة مسندًا بمرفقه على ساقه خافضًا وجهه وقد انتهى ثباته في تلك اللحظة

بكى وازداد نحيبه لينفطر قلبها عليه

تقدمت منه لتحتوية داخل أحضانها دون التفوة بكلمة

هو الآن لا يريد سوى حضنها كي يخرج فيه آهاته 

تركته يبكي في حضنها لأول مرة

لم تتذكر يومًا أن وجدته يبكي 

لكن حزنه الآن أشد من أي حزن مر عليه، فقد خسر والده وبسبب أخيه، ذلك الغادر الذي جعل والده يموت بحسرته 

لأول مرة تقف عاجزة أمامه لا تجد كلمات تهون بها عليه

استسلمت ليأسها ولم تفعل شئ سوى أن تبكي معه وتشاركه حزنه

فقد كان نعم الأب لها وكان يتخذها ابنه له 

ستبكي عمرها الباقي عليه لكن لن تظهر أمام حبيبها عليها ان تظهر بالقوة التي يحتاجها منها

دعت ربها ان يلهمها الصبر كي تهون عليه مصابه

_ ادعيله بالرحمة ياجمال هو ده اللي محتاجه منك دلوفت.

مسح بيده على وجهه وغمغم بألم

_ بدعيله في كل ثانية بس فراقه صعب أوي.

ضغطت على شفتيها تحاول الثبات ولا تجهش هي أيضًا في البكاء أمامه وتحدثت بتعاطف

_ صعب علينا كلنا بس لازم نكون اقوى من كدة عشان خاطر أمك اللي هتموت من حزنها عليه.

رفع وجهه عن صدرها وغمغم بألم

_ ربنا يعينها هي كمان لأن الصدمة كبيرة أوي عليها.

 _ ربنا يصبرها هي كمان، قوم ارتاح شوية قبل الفجر ما يأذن.

نهض ليستلقي على فراشه لكن النوم لم يطاوعه وظل طوال الوقت يفكر في أمر أخيه.


❈-❈-❈


دلفت آسيا الغرفة وهي تحمل الثوب الأبيض بين يديها لتجد مرح جالسة امام مرآة الزينة وهي تضع رأسها بين يديها

تقدمت منها لتقول بحدة

_ قلتلك قولي على مكانها وارحمي حالك من چوازة الشوم دي.

زفرت وجد بضيق ثم نظرت إلى زوجة عمها وقالت بملل

_ هو انتي مبتزهقيش من الحديت ده يامرات عمي؟

قلتلك معرفش مكانها، ولو عرفت مش هخبرك واصل

نظرت إليها آسيا بسخط وألقت الثوب على الفراش وهي تقول بحدة

_والله وطلعلك صوت يابنت نجيبة 

وقفت مرح لتتقدم منها وتقول بثقة

_ عشان خرجت من بين مخالبكم حتى لو اترميت بمخالب الديابة هتكون ارحم منيكم.

سخرت  آسيا وتقدمت منها اكثر وهي تقول بشماته

_ متهيئلك، الناس دي مخالبهم مبترحمش، والرحمة متعرفش لقلوبهم طريق 

ومتنسيش إن أخوكي بين مخالبنا

بادلتها سخريتها وهي تنظر إليها بتحدي

_ ومين قالك إني هسيبه ليكم؟ أخوي هيكون معايا مطرح ما أروح وبكرة هفكرك


نظرت إليها باستهزاء وقالت 

_ بكرة انتي اللي تشوفي جحيم النجايمة بعنيكي

أشارت للثوب بسخرية وهي تردف

_ البسي الفستان ياعروسة زمان العريس على وصول 

خرجت آسيا من الغرفة وقد زاد سخطها على تلك الفتاة التي أفشلت خطتها 

صحيح تخلصت منها دون رجعه لكنها لم تريد أن ترحل دون أن تشفي غليلها منها

والادهى من ذلك بأن فعلتها تلك جعلت مرح تستقوى عليهم 


أما مرح فقد كانت تنظر إلى الثوب بحسرة

فلم تتخيل يومًا أن تتزوج بتلك الطريقة

وممن؟ من رجل بعمر والدها

أغمضت عينيها بألم شديد ثم بيد مرتعشة مدت يدها ناحية الثوب لترفعه بين يديها وتساءلت 

هل باستطاعتها ارتداءه؟

ولمن؟ لذلك الرجل الذي أخذها عنوة 

هزت راسها برفض، لن ترتدية حتى لو كلفها روحها

ألقته بأهمال على الأرضية وسارت لتدهس عليه وتتوجه إلى الخزانة لتخرج ثوب اسود ثم ارتدته 

ووضعت على رأسها حجابًا بنفس اللون 

دلف عمها الغرفة كي يجعلها تمضي على قسيمة الزواج ليجدها بتلك الهيئة مما جعله يستاء من فعلها فتمتم بامتعاض

_ ايه اللي لابساه ده؟ 

تطلعت إلى وثيقة الزواج التي يحملها بقهر ثم ردت بثبوت

_ لابسه عباية زي الخلق

تقدم منها لينظر إلى الثوب الملقي على الأرضية وتحدث بانفعال

_ وملبستيش الفستان ده ليه، عايزة تفضحينا في البلد؟

روحي يلا غيري هدومك دي بسرعة عشان الناس وصلت تحت 

ثم ناولها القلم وتحدث بسخط

_ أمضي لول على الورق ده خلينا اغور من وشك

بقهر وألم تناولت القلم منه لتمضي وتبصم على وثيقة وفاتها ثم نظرت إليه بكراهية تلاشاها بأن اخذ الأوراق وخرج من الغرفة دون شعوره بأي شفقة تجاهها 


وفي مجلس الرجال كان قابعًا في وجوم تام ينظر إلى ذلك المأذون الذي يوثق شهادة وفاتهم 

أخذ ينظر إلى الوثيقة بقلب منفطر وهو يرى اسمها يجاور اسمًا آخر

وها هي امضته يأتي دورها شاهدًا على ذلك المصير

ازدرد لعابه بصعوبة بالغة وأخذ القلم بيد مرتعشة جاهد للتحكم بها من يد المأذون ليدون اسمه بدماءه

انتهى كل شئ الآن وانقطع أي أمل لهما 

لحظات قليلة وستدلف منزلهم وفوق غرفته

انتهى المأذون 

وانتهى كل شئ وهو يرى عمه ينهض ليأخذها ويرحل

خرج بدوره ليجدها تنزل على الدرج بذلك الثوب الذي شابه حالته وشابه أيامه القادمة

شاهدها وهي ترمقه بنظراتٌ عاتبه وكأنه هو من ألقاها في غيابت الجب

بل حكم على كلاهما أن يلقي انفسهم بداخله دون تفوه بكلمة ما.

نظرات الاستياء التي ظهرت على عمه جعلته يخشى عليها من غضبه

ارتداؤها لهذا الثوب لن يمر مرور الكرام

عذاب وآلام لا يشعر بها سوى كلاهما لبعضهم البعض

وحالها ليس بأهون منه وهى ترى ذلك الرجل الذي لم تراه سوى مرات عديدة تسحب إليه كزوجةً له

ولما؟ ولأجل من؟

من أجل فض عادات بالية لم يستطع الزمن تغييرها.

ترددت نزول تلك الدرجة الفاصلة بينهما لترفع بصرها برجاء لذلك الذي أخفض بصره بانكسار وكأنه يعتذر عن ضعفه وقلة حيلته


خطت تلك الدرجة كـ عقابًا قاسيًا له وانتهى الأمر وهو يراها تسير بجواره ليسير الجميع خلفهم ماعدا هو الذي شعر بأن روحه تسحب منه

كان يجاهد ليأخذ انفاسه وكأن الهواء انقطع من الغرفة 

صوت بداخله يدفعه لأخذها منه والهرب بعيدًا

لكن فات الأوان وانتهى كل شئ وهو يستمع لصوت السيارات التي انطلقت في الخارج 

بصعوبة بالغة أخذ يتحامل على نفسه وعينيه تجاهد كي تمنع تلك الدموع التي تجمعت فيها وخرج من المنزل 

استقل سيارته وانطلق بها خلفهم 

وهنا سقطت دمعه حارقه الهبت خده لم يستطيع التحكم بها عندما وقع نظره عليها 

وهي تترجل من السيارة أمام بوابة المنزل

تدلف معه للداخل وتختفي عن ناظرية 

ظل لحظات بداخل سيارته وقد شعر بأن قدمية أصبحت كالهلام لن يستطيع السير عليها 

طرقات خافته على نافذة السيارة انتبه إليها سليم ليجد أحد العمال لديهم وصديق مقرب له يشير له بالنزول

فتح باب السيارة وترجل منها 

وهو ينظر إلى غرفة عمه التي أُضيأت لتوها 

فربت صالح على كتفه وهو يقول بلهجة حانية

_ متزعلش حالك بكرة ربنا يعوضك باللي تنسيك.

ابتسم بمرارة وهو يستند بظهره على السيارة وينظر إلى نافذة الغرفة بألم

_ هي الروح لو خرجت من الجسد بيعوضوها بغيرها؟!

في حاچات كتير مستحيل حاچة تعوضها.

تنهد صالح بيأس على حال صديقه ثم تحدث مقترحًا 

_ ايه رأيك نقضي الليلة دي على النيل زي زمان، ولا اقولك تعالى عرفني على الراعي اللي دوشني بيه ده

هز رأسه بنفي 

_ بلاش النهاردة بقالي ليلتين مبنامش ومحتاج أغمض عينيه

تراجع صالح عندما لاحظ ارهاقه فقال بهدوء

_ خلاص أول الرجالة ما تمشي ادخل نام وحاول متفكرش فيها تاني

هز رأسه وهو يقول برجاء

_ ياريت اقدر بس النسيان اصعب مما تتخيل 

مضى صالح ودلف سليم للداخل وظل معهم حتى رحل الجميع ودلف هو غرفته

وياليته لم يفعل فما إن استلقى فراشه إلا وسمع صوت صرخاتها تصم الاذان 


….


أما جليلة فقد تحلت بالصبر وظلت تدعوا له بالرحمة والمغفرة

لن ينفعه البكاء 

يكفي بكاء قلبها الذي ينتحب حزنًا عليه 

لم تفعل شئ سوى تلاوة القرآن والدعاء له ولنفسها بالصبر وان يجمعها به في البرزخ كما جمعها في الدنيا

كانت ليلى مستلقية بجوارها على الفراش تبكي على جدها الذي أخذ روحها معه 

فقد كان تعلقها به أقوى من تعلقها بأبيها 

وكذلك الحال مع سارة التي كانت تخفض عينيها بانكسار

فأبيها هو السبب في موته، كيف ستتحمل نظرات الجميع لها

حتى جاسر التزم غرفته القديمة منذ عودته

حاولت التحدث معه لكنه آبى ذلك متحججًا بحاجته للبقاء وحيدًا


وها هو يعود مرة أخرى إلى تلك الغرفة يحبس نفسه داخلها

شعرت بها وسيلة فتأخذ منها صغيرتها وهي تقول بتفاهم

_ روحي شوفي جوزك لو محتاج حاجة

ترددت سارة قليلًا لتربت وسيلة على يدها تحسها لى الذهاب

_ اتحمليه الفترة دي جده كان غالي عنده أوي، كان أغلى من الكل، خليكي جانبه هو أكيد محتاجلك

اومأت سارة ونهضت لتذهب إليه وهي تعلم جيدًا بأنها آخر من يود رؤيته

ويبدو أنهم سيعودوا لنقطة الصفر ويحملها هي ذنب لم تقترفه

دلفت لتجده جالسًا على الفراش بوجوم

آلمها رؤيته بتلك الحالة فتقدمت منه لتجلس بجواره وتمتمت بخفوت

_ جاسر

لم يلتفت إليها بل ظل على وجومه وكأنه لم يسمعها

مدت يدها لتلمس يده لكنه سحبها بهدوء مما جعلها تندهش من فعلته

فسألته بريبة

_ في ايه ياجاسر؟ انت بتبعد عني ليه؟

 رمش بعينين يحاول التحدث بثبات دون النظر إليها

_ مفيش حاجة ياسارة انا بس مخنوق شوية وعايز أكون لوحدي.

نظرت إليه بعتاب وتحدثت بلوم

_ انت بقالك اكتر من يومين لوحدك، ليه بتبعد عني؟


تنهد جاسر ونهض من فراشه ينظر من شرفة غرفته وقال بثبوت

_ معلش اتحمليني شوية، أنا فعلًا محتاج أكون لوحدي.

نهضت وتقدمت منه لتقول بعتاب

_ عايز تكون لوحدك ولا مش عايز تشوفني؟

التفت إليها بغضب وتحدث بانفعال

_ في ايه ياسارة مـ قلتلك عايز اكون لوحدي.

غضبه اكد لها شكها فأيقنت بأن والدها سيظل بينهم 

ستنسحب هي بهدوء كي ترفع عنهم الحرج فقالت بثبوت

_ جاسر طلقني

انتفض جاسر في غفوته ليجد نفسه ……

google-playkhamsatmostaqltradent