Ads by Google X

رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الرابع و الثلاثون 34 - بقلم نهال مصطفي

الصفحة الرئيسية

 رواية غوي بعصيانه قلبي كاملة بقلم نهال مصطفي عبر مدونة دليل الروايات

رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الرابع والثلاثون 34

 من كتابها ” خُلق القلب عصيًا ” :
-عندما ألتقيت بك شعرت أنك لم تكن مجرد شخصًا عابرًا بسُلم العمر ، وعندما تحول ظني ليقين عشقك خشيت المرحلة الزمنية التالية الخاوية منك ، التي تسمى بـالفراق ، تلك المرحلة التي يضطر فيها الميت أن يمثل دور الحي بجميع طقوسه .
“~ رسيـل المصري ”
•••••••
” أكاد أتجمد بردًا وسقيعًا في صحراء قاحلة بعدما هبت بها رياح الغدر وعصفت بي وبكل ما تحويه جنتي ، اقف عاجزة حتى عن اختراع النار التي تبعث الدفء والسلام على روحي المُرتعدة ”
تلك الجُملة التي توقف على أعتابها ” عاصي ” في نهاية الفصل الأول لقصتها ، قصتها التي تحوي الغموض والاضطراب ، تشعل بالرأس شيبًا لكثرة الأسئلة التي تدور حول ” آسيل ” بطلة روايتها و ” رسيل ” بطلة روايته !!
حاول أن يربط بين الشخصيتين حتى تمسك بحبل الحدوتة الذي يربط بينهن وهو الألم ، كل واحدة منهن تتضور وجعًا حول قصتها المؤلمة ، قفل عاصي الكتاب متنهدًا :
-يا ترى أيه قصتك المحيرة يا حياة ، أيه القصة اللي ربنا أنعم عليكي بنسيانها ! كُنت بتحاولي تهربي من حاجة ، وفعلًا هربتي منها ومن الدنيـا كلها ..
ثم سقطت عيناه على عنوانِ الكتاب وقرأه كأنها أول مرة :
-خُلق القلب عصيًا ، مين عَصّىَ قلبـك عليكي ، مين اللي وصل لك للحالة اللي تبكي فيها بين السطور !
مر يومان منذ آخر مرة رأها ، عندما قذف قنبلته الموقوتة في حقل رأسها المُشعب ببترول الحيرة والتيـه حتى جاءت شرارة كلماته لتُفجر شخص رسيل الحقيقي ، الشخص الذي تفجرت منه جميع الحمم البركانية ..
( قبل يومين )
حير عقلها من ثقته الزائدة :
-أنت ليه محسسني أنك صاحب فضل عليا ؟!
-ماهي دي الحقيقية ، مفيش راجل يقبل أن مراته يكون لها علاقة مع حد قبله ، وأنا طويت الصفحة دي ، صفحة إنك مش بنت مع أن كل بياناتك تقول أنك متخطبتيش قبل كده ، ومع ذلك مش هحاسبك على حاجة انتي مش فاكراها …! وأنتِ كمان أغفري غلطتي الوحيدة معاكِ ااه كان لازم أكون أقوى من كده بسس ..
حياة بصاعق من الذهول جعلها لم تستمع لبقية حواره :
-أنت بتقول أيه ؟!!
توتر عاصي لأنه أحس بتسرعه وزيادة الأمور سوءًا ، فتح معها موضوعًا لم يكن وقته ولا أوانه ، يُحاسبها على فعل لم تتذكره ، وأي نازلة حلت بها حتى اغتالت روحها القديمة ، تسرع في النبش مفتشًا بجروحها الغائرة حتى تدفق الوجع من بحيرتي وجهها وهي تسأله مرة ثانية :
-أنت بتقول أيه ؟!!!
حاول أن يمسك كفها المرتعش كي تهدأ ولكنها انتفضت كالملدوغة من أمامه :
-أنت عامل زي اللي دخل وسرق خزنة وبعدما خد كل اللي عايزه منها ، جيه يقول أصلها كانت فاضية ؟؟
ثم ولت وجهها إليه وأكملت :
-تفتكر ده مبرر لجريمتك عشان أصدقك ! ده سبب مقنع لعملية سرقة محدش قام بيها غيرك ..
وثب قائمًا كي يبثط من ارتعاش جسدها الملحوظ :
-طيب أقعد واهدي !
دفعته بكل قوتها صارخة بوجهه :
-أنت جاي تتهمني في شرفي وتقولي أهدي ! فاكر لما تقول لي كده هترمي تحت رجيلك وأقول لك سامحني .. لا ، لا يا عاصي بيه المجرم الوحيد في كل ده هو أنت ..
رفعت أنظارها لأعلى وهي تتحداه بنبرة مبطنة بالقهر :
-شوية حنية ومثالية عشان تكسب ثقتي ، حباية هلوسة تتحط في العصير تخليني مش في وعيي عشان أبقي حتة صلصال في أيدك تشكلها زي ما تحب ، وجاي في الأخر تقلب الترابيزة فوق دماغي وتطلعني واحدة زبالة من اللي تعرفهم .. مش هسمح لك ..
ابتلع مرارة وجعها وإهانتها ثم صرخ مبررًا :
-أنتِ ليه مش عايزة تفهمي أن اللي حصل بينا ده كان خارج إرادتنـا ، ليه عقلك وقف لحد إني شخص مؤذي وعايز بس يضرك .. أنا معاكي مش ضدك ..
رمقته بأسهم الخسـة :
-أنا مش عايزة أشوفك تاني ..
ثم خرت باكية وتقطعت نبرة صوتها :
-أنا بقيت بقرف أبص في المراية ، كرهت ملامحي ، كرهت نفسي .. أنت ، أنت نجحت أنك تطلع مني الشخصية الضعيفة اللي أنت عايزها ، أنا مش عايزة أشوفك تاني ، افهم بقا وسيبني في حالي … كفاية لحد كدة أرجوك كفاية ..
حاول أن يدنوها منه ، أن يدفن وجعها بين ضلوعها ، أن يرمم شروخ قلبها ولكنها أبت ، أبت بإصرار وهي تطرده من المكان الذي يجمع أنفاسهم المحترقة ، تمرجحت النظرات الحائرة بينهم حتى هتفت :
-اطلع بره ، متجيش هنا تاني ، مش عايزة أشوفك ، أبعد عن طريقي خليني أنساك وانسى اللي عملتـه فيا ..
هز رأسه ملبيًا طلبهـا الذي لا يقبل الجدال قائلًا :
-تمام ، أنا همشي بس كلامنا مخلصش ، هسيبك لحد ما تهدي وبعدين نتكلـم .
-أنا مش عايزة أقعد هنا ، رجعني الغردقة .. رجعني لوقت ما كُنت .. قبل ما أعرفك ..
ساد الصمت بينهم للحظات حتى زفر بتحدٍ وتمتم بحزم :
-وعاصي دويدار مش هيفرط في حاجة صدق ما لقاها .. حطي ده كويس في دماغك ..
-يبقى أنت اللي اخترت ، اخترت تعيش في جحيمي اللي أخرته مش هترضيك أبدًا ..
قيل زمان أن القط يُغرم بخناقه ، على ما يبدو أن الحرب القلبية بينهم قد أُعلنت ، بين إمراة أبت خضوعها لسُلطانه المتجبر ، الذي لا يرحم بقوانين عشقه ، رفضت ضعفها الذي لازمها تحت عرشه ، وسلطان اكتمل مُلكه ببدر وجهها في سماء ظُلمته ، قد وجد ضالته بين ملامحها ، فالمصير محتمًا إذا كُسر للملك أمرًا ! هو الموت شنقًا أو عشقًا ؟!
سحب نفسه من هذه الجولة وغادرها ، ضب حقيبة لهفته وخرج كي لا تدنس بغضبها فؤاده المُتيم بعيونها ..
استرد وعييه إثر صوت الباب ، زفر باختناق ثم اخفى كتابها وسمح للطارق بالدخول:
-ادخل ..
دخلت تاليا تتمسك بكف أختها داليـا باستحياء حتى هتفت الأخيرة :
-بابي ممكن نتكلم معاك شوية ؟
••••
تجلس في الأرض ، تضم ساقيهـا إلى صدرها ، لم تبك ، لن تتفوه بكلمة ، لقد جفت الدموع ورُفعت الكلمات من فوق لسانها ، تركها يومين بمفردها كادت أن تجن ، من الواحد والوحدة ، الواحد الذي سرقها من زحمة الحياة واحتفظ بها لنفسه بدون رحمة ، قضت ساعاتها تتسائل بأي ذنب سُجنت ؟! أيكون ذلك ذنب حبها الذي صبته في جوفه صبًا ؟! أم عقوبة لتمردها على قوانينه ؟! أي ذنب هذا الذي ألقت حدفها إلى هنا بسببه ؟!
أخذت تتأمل خريطة كفها ، حيث كانت لا تؤمن بهذه الخرافات ولكنها كانت ترافق العرفات كي تضحك ، كي تستقل بهم وهن يبايعون الهواء بالزجاجات .. قرأت بخطوط يدها حديث سبق وقيل لها من قبل .. أتت به ذاكرة قلبها وليس عقلها المفقود ..
” سترين أيامًا بيضاء بلون سحابة عيناكِ ، و هناك عاشق مجنون يقف أمام قصرك يعزف ، ويلحن بصوت متيـم بجمالك ، صار سكير خمر كلماتك ، وصريع هواكِ ، وسيرُصع سماءك بنجوم عشقه ، سيراقصك في البر والبحر وتحت المطر ، سيفترش لك الطرق بالورد والرمل ، سيكون عالمك بين ذراعيه ، وعطره هواءك وهواكِ ، ولكن … ”
تبسمت بسخرية وهي تتستمع لهذه الكلمات كأن شخص ما يوسوس لها ، ضمت كفها الذي كذب على العرافة وقالت بسخرية لنفسها :
-أين تلك المنجمة التي وعدتني برجل الأحلام ! تأتي لترى الكوابيس المحيطة بعالمي ، آهٍ لو تعود لتشاهد أكاذيبها على أرض الواقع ….
وثبت بملل وذهبت إلى المطبخ كي ترتشف المياه بكفوفها المرتعشة وهى تفكر جيدًا في جُمل عاصي الحارقة ، ولكن الأكثر ألمًا ذلك الرجل الذي يشاركها الكوابيس ، يشاركها مساوىء الذاكرة ، يلازمها النفور والاشمئزاز من أنثويتها.. تذكرت تلاطم موج البحر وزئير الأسد وغضب السماء الباكية عليها ، استرجعت ذاكرتها المشهد المؤلم بتفاصيله الذي هربت منه كثيرًا ولكنها عجزت على تذكر صورة الوحش الذي أدى بها إلى هنا ..
تهشم الكوب الذي بيدها كما تهشم قلبها للمرة التي عجزت عن أحصائها ، تفجرت بِرك عينيها وقدمها الجريحة وهي تصرخ كي تنسى لتلك الواقعة المؤلمة التي أنصب ألمها بأحشائها ، صرخت بصوت لم ترده إلا الجدران ، دخلت في نوبة من الهلع والرعب عندما تفتح الطريق لذاكرتها القديمة فولت ظهرها هاربة منه ، لا تريد العودة ، لا تريد الرجوع لغابـة الحياة التي نجت منها بأعجوبة …
•••••••
” عودة لقصـر دويدار ”
انعقدت غمامة الحزن على قلب عاليـة التي أجرت لها المحامية غسيل مخ ومبادئ ، صورت لها وحشية الرجال ، ودخلت لها من جانب الدين وأن ما فعله مراد بحقها جريمة لا تحمل الغفران ، خلطت رأسها جرائم أبيها وأخيها وتلاعبهم بالفتيات على طاولات القمار .. وجمع الشمل مراد برمة الجرائم الذكورية ..
تجلس بالشرفة تضم في أظافرها ، تبكي دمًا وندمًا على تلك الجريمة التي ارتكبتها بحق رجل ما زال قلبها يدافع عنه رغم براهين العقل المقنعة ..
تقدمت نوران التي تحيرت من أمر صمتها المُريب وجلست بجوارها وسألتها بثرثرة :
-أنا أسفة ، بس أنتِ من وقت ما جيتي هنا وأنتِ ساكتة … أنا مضاياكي في الأوضة مش كده ، والله أنا كُنت همشي بس أنت صممتي أقعد معاك .. أنتِ في حاجة مزعلاكي !
خيم الصمت على مجلسهم حتى يأست ” نوران ” من العثور على ردٍ يُرشد حيرتها ، كادت أن تذهب ولكنها توقف إثر حديث ” عالية ” الحائر :
-عارفة التور المربوط في ساقية ومغمين عينه وهو بيلف وبيقطع مسافة كبيرة ومجهود شديد وفي الأخر وبالأخص لما يفتح عينيه يلقى نفسه في نفس المكان متقدمش خطوة ..
انصت لها نوران باهتمام ثم أجابت :
-يمكن مش فاهمة حاجة ، بس حاسة أن جواكي وجع كبير ومش أي حد ممكن يداويـه ، أنتِ محتاجة شخص واحد وبس هو اللي يطبطب على الجروح دي ، غير كدة هتفضلي تايهة وموجوعة باقي عمرك ..
زفرت عالية وكأنها تؤيد رأيها ثم قالت بخفوت :
-معاكي حق ، وأنا خسرت الشخص الوحيد ده للأبد ، الدنيت بنت ما بينا سور عالي مستحيل يتهد !
-أنتِ لسه بتحبي جوزك يا عالية ..
فزعت عالية من صاعقة الجملة التي لم تخطر ببالها من قبل وتلك الحقيقة التي هربت منها وهي أنها وقعت بحب جلادها ، أحست نوران بتوترها وخوفها وهي تجيب :
-ليه بتقولي كده ..
-عشان هو لو مجرد شخص عادي مكنتش خيانته هتوجعك للدرجة دي ؟!
“بالطابق الأسفل ”
تحمل ” سيدة ” مائدة القهوة وتتجه لأعلى حتى أوقفتها ” عبلة ” :
-لمين القهوة دي يا سيدة ..
-دي للست شمس وسي تميم ..
ضربت عبلة كف على الأخر بنفور :
-عال والله ، قاعدين في فندق خمس نجوم هنا !!
-بتقولي حاجة يا ست عبلة ..
صرخت عبلة بوجهها :
-أمشي من وشي يا سيدة ..
خرج ” عاصي ” برفقة بناته من غُرفة المكتب متجهًا إلى الباب توقف إثر نداءها عليه :
-أنت مش قلت في ناس مهمين جايين النهاردة..
رد بعجـلٍ :
-لغيت المعاد ..
-ليه ؟!
رد متأففًا من تدخلها المتزايد بتحركاته خاصة تلك الفترة :
-عشان البيت مش مكان للشغل .
هزت رأسها بعدم اقتناع متسائلة :
-علي فين كده ..
ردت تاليـا بجزع طفولي :
-رايحين مكان سيكريت مع بابي يا نانا ..
دب القلق بصدرها وهي تتساءل بعيونها قائلة بخبث:
-سيكريت على ناناه !
وضعت داليا ذراعيها بخصرها وقالت :
-أه …
ثم رفعت صوتها بحماس :
-يلا يا بابي عشان متأخرش ..
أخذت تراقبهم بأعين قاتلة من شدة الفضول حتى اتبعت خُطاهم وأشارت لأحد الحرس الذي يشتغل لحسابها كي ينقل لها أخبار عاصي ، أن يتبع خُطاه ويترقبه ، وعلى المقابل وصلت سيارة فاخرة من ماركة مرسيدس لتصف مكان سيارة عاصي التي غادرت للتو .. هبطت منها سوزان فشتت تركيـز عبلة عنهم قليلا وأسرعت لاستقبالها .
” بالأعلى ”
وزعت سيدة القهوة على تميم وشمس ثم قالت بصوت خفيض :
-عم حسين منتظركم النهاردة يا بيه ، ده ساب بنته مخصوص ورجع بسرعة عشان قولتله في حاجة مهمة بخصوص الباشا الصغير .. الود وده كان يجي لحد هنا ، بس طبعا حسب تعليمات الست الدكتورة قولتله هما هيجوا لحد عندك ..
ارتشف تميم رشفة من القهوة ثم قال بحماس :
-تمام يا سيدة ، أحنا ساعة كدة وهنتحرك على هناك ..
-ربنا يسلم طريقكم يا بيه ، إلا هو أنتوا عايزين عم حسين في أيه ؟!
تدخلت شمس لتوضح الأمر بحكاية مزيفـة :
-ما أحنا قولنالك يا سيدة ، بندور على تحية دي عشان تميم بيه قرر يصرف لهم مرتب شهري ، هي وكل طاقم الخدم القُدام ، كمساعدات يعني ..
لم تقتنع سيدة بكلمات شمس المزيفة بل طوت الأمر وقالت بعدم اهتمام :
-ربنا يوسع عليكم يارب .. عن أذنكم أنا ..
غادرت سيدة حتى تفوهت شمس بتردد :
-تفتكر هنلاقي معلومة تفيدنا عند عم حسين !
-أدينا بنحاول يا شمس .. بس أنا بفكر في حاجة تانية خالص ..
تحمست شمس وهي تقترب منه :
-حاجة أيه دي ؟!
-هتعرفي كل حاجة في وقتها .. قومي اجهزي بس ..
” بالأسفل ”
-قلت أجي لك مدام مش عارفة أقابلك يا عبلة هانـم ..
تلك الجملة التى أردفتها سوزان وهي تتناول فنجان قهوتها براحة ، تبسمت عبلة :
-والله الدنيا متلخبطة خالص .. مش عارفة ألقاها منين ولا مين ..
-احكي لي ..
ارتشفت رشفة خفيفة من القهوة :
-اقولك على أيه ولا أيـه بس !
-قولي كله يا عبلة، من أمتى أحنا في بيننا الرسميات دي ..في أيه ؟!
-قولت لك أن عاصي بعد عن البنت دي ، بس في حاجة مش مريحاني ، حاسة انها لسه في حياته !
انكمشت ملامح سوزان بالغضب المدفون :
-ازاي يعني ؟!
تنهدت عبلة بتحيـر :
-ازاي دي لسه هعرفها .. وكمان كملت باللي اسمه تميم والبنت اللي معاه ، ولا عالية اللي زعلانة من جوزها ليها يومين وقاعدة فوق ..
-مالها عالية ! أنا قولت لك يا عبلة ، البنت لسه صغيرة ملهاش جواز في السن ده ، أنتِ اللي صممتي ، معرفش بتفكري ازاي …
ثم شردت سوزان بحزن وأكلمت :
-ساعات بقعد افكـر وأقول لو رغد بنتي لسه عايشة ، كنت هخليها أسعد بنت في الدنيـا ، كنت هخليها تعيش الحياة صح مش جواز وهم ومسئوليه … كانت هتبقى بعمر عالية لو لسه عايشة ..
تلون وجه عبلة التي غيرت مجرى الحديث بسرعة وقالت :
-سيبك من كل ده ، البنت هدير بنت جيهان ناوية لعاصي على نية سودة ، غلطتي إني وافقت اجوزهاله ، سوزان أنا عايزة أخلص من البنت دي النهاردة قبل بكرة ..
-قولت لك يا عبلة البنت دي مش سهلة، ومش هتستفيدي حاجة لما تجوزيها لعاصي ..
تفوهت عبلة بندم :
-كنت فاكرة إني هحطها زي الخاتم في صباعي ، بس من وقت حملها والبنت محدش بقا عارف يكلمها ..
-طيب وأنتِ ناوية معاها على أيه ؟
تنهدت عبلة بشرارات الحقد :
-مستنية أشوف لو حامل في ولد ولا بنت ..
-بمعنى ..؟!
-لو طلعت بنت ، يبقى تذكرت سفر لبعيد ، هخلص منها هي واللي في بطنها قريب .. ولو ولد هستناها تولد الأول وبنفس الطريقة اللي قتلت بيها مها ، هتموت بيها …
لم يتبدل لون وجه سوزان كأنها روت عليها قصة لمصفف الشعر ، استقبلت الأمر براحة ويسر ، حتى سألت عبلة بغرابة :
-سرحتي في أيه تاني ؟!
فجرت عبلة جملتها الساحقة :
-عايزة بنت من بتوع تأجيـر الأرحام دول ..
-لمين ؟!
هتفت عبلة بإصرار :
-عاصي دويدار لازم يكون عنده ولد من صلبه يا سوزان والأ هيعيش عمره كله مطمع من الـ حوليه .. هو بس يجيب لي الولد ومش عايزة حاجة تانية ..
تعجبت سوزان :
-أنتِ غريبة أوي يا عبلة .. نفسي أفهم دماغك فيها أيه !
-عايزة تعرفي اللي في دماغي .. عاصي يجيب لي الولد واكتبه باسمك أنتِ وتتجوزوا ..
تحرك الفنجان من يدها :
-أيه !!
-مش عايزة عاصي يحب ولا يتجوز أي واحدة ، عايزاه يركز في البزنس وبس وانتِ انسب واحدة للطريق ده ، أنا مش هجيب له عيلة صغيرة تأكل بعقله حلاوة ، ماصدقت بعدته عن اللي اسمها حياة دي ..
••••••
وصل مراد من سفره الذي اخذ منه ثلاثة أيام في مدينة العلمين الجديدة ليباشر مشروعه الجديد بالمنطقة ، واستغلها لتكون فرصة معقولة كي تسترد فيها عاليه رشدها ، ويمكن أن يتحدث معها ..
وصل إلى شقته قبل الظهيرة وما أنه جاء ليفتح باب شقته أوقفه نداء ” المُحضر ” قائلًا :
-دي شقة المدعو مراد المحلاوي .
تعلقت المفاتيح بالباب وأجابه :
-أنا مراد ..
أشار له الرجل :
-طيب ممكن تمضي هنا .
-أيه ده ؟! أمضي على أيه ..
-دي دعوى خُلع من السيدة عاليـة شهاب دويدار .
انسكبت الجملة على رأسه كدلو مليئ بالثلج وهو يأخذ الإخطار منه ويمضي بعجل وما أن غادر المُحضر دخل مراد شقته وهو يطلع على الصحيفة المُعلنة بميعاد الجلسة ، أحمر وجهه بدماء الغضب الكظيم حتي توقف على أعتاب الأسباب التي قُدمت للمحكمة بالأدلة القاطعة تحول مراد إلى بركان محترق ، يلتهم كل ما يُقابله ، غادر شقته على الفور متجهًا إلى قصر دويدار ..
في الدقيقة التي غادر فيها تميم وشمس القصر وصل مراد بصوت سيارته المجنون ، دفع الحارس من أمامه واقتحم البيت صارخًا باسمها :
-عاليـــة …
وثبت عبلة مفزوعة ثم لحقت بها سوزان ، تقدم ثنائي الشـر نحو مصدر الصوت حتى جهر مراد بصوته الأشبه بالرعد :
-بنتك فين ؟!
لوحت عبلة بتوبيخ :
-أيه الهمجية دي ! انت داخل زريبة ؟!
-وأنتوا لسه شوفتوا همجيـة !
ثم صرخ مناديًا :
-يا عالية ؟!
بالأعلى تنتفض رعبًا وهي تدور حول نوران التي لا تعلم شيئًا :
-طيب اهدي وانزلي شوفيـه ، ده شكله مجنون كويس إنك سبتيـه !
عالية برعب :
-مش هينفع مش هقدر يا نوران.. اجري اجري اقفلي الباب كويس ..
أما عنه بالأسفل تفاقم صياحه حتى حاوطه الحرس من الخلف، هددته عبلة قائلة :
-اسمعني يا مراد أنت لو ممشتش من هنا هتندم ندم عمرك وهنسى إنك ابن اختي ؟؟!
رد ساخرًا :
-وأنتِ من أمتى كُنت فاكرة !
ثم ركض على السلالم مفتشًا عنها ، تابعت عبلة خُطاه بعد ما أشارت للحرس أن يبقوا مكانهم ، صعدت خلفها سوزان وهي تتسائل :
-ماله المجنون ده يا عبلة ..
غرفة وراء الأخرى فتح بابهم بدون إذن حتى وصل إلى باب غرفتها المغلق باحكام ، فلم يستطع فتحه ، أخذ يطرق عليه بعنف :
-أنا عارف إنك جوه يا عالية افتحي والا هكسره على دماغك !
صرخت عبلة بوجهه :
-بص لي هنا ، أنت عايز أيه منها ما خلاص يا اخي طلقها وريحنا هو بالعافيـة !
ثم قالت سوزان :
-ده مجنون ولازم يتعلم الأدب كلمي البوليس يا عبلة ..
لم تتحمل عالية أن يُبلغ عنه ، ركضت وفتحت الباب بسرعة ووقفت أمامه بوجهها الشاحب وضعفها وقالت بصوت خفيض :
-عايز أيه يا مراد !
أمسك بمعصمها بقوة ورجها أمامه وهو يرمى الورقة بوجهها :
-بقا أنت يا عالية تروحي ترفعي عليا قضية خلع ، وتستغلي رحمتي معاكي بالطريقة دي ! تصدقي فعلًا أن عرق دويدار عمره ما هينضف !!
صرخت عبلة بوجهه :
-دا أنت كمان قليل الأدب .. أنا هكلم عاصي يجي يتصرف مع اللي زيك ..
تناولت سوزان الورقة الساقطة بالأرض وقرأتها ، فتحمست للدفاع عن عالية ، وصاحت :
-البنت غلطت في أيه ؟! ده بدل ما تستخبى في بيتكم جاي تتهجم على بيوت الناس !
تدخلت عبلة بعدم فهم :
-في ايه يا سوزان ؟! الورقة دي فيها أيه !
صرخ مراد بوجهها :
-عاجبك كده ؟!
لم يمنحها الفرصة للتبرير بل جرها خلفه كما تُجر البعير حتى امتزج صرخها بتهديدات سوزان وعبلة ، وقفت أمامه عبلة لتوقفه ولكنه صرخ بوجهها :
-ابعدي عن طريقي الساعة دي ..
-واخد البنت على فين يا مراد !
رد بحدة :
-علي بيتها ، عشان تعرف تقدم أدلة للمحكمـة ..
هاجمته سوزان بتهديد :
-سيب البنت بقول لك .. أنت مجنون !
-مجنون عشان عايز أربي مراتي ؟!
ثم شد عالية بقوة غارسًا أطرافه يده بذراعها المتعري :
-قولي لرجالتك يوسعوا الطريق يا عبلة هانم وإلا هدغدغ القصر على اللي فيه !
أشارت عبلة لتدخل الحرس لإنقاذ عالية من براثين شره بأسلحتهم ، فرفع مراد فوهة سلاحه بوجههم ، ولكنها وقفت مدافعة عنه وقالت بنبرة مبحوحة :
-خلاص خلاص ، نزلوا الأسلحة دي ..
ثم ولت إلى مراد متوسلة بعيونها الذابلة من شدة البكاء :
-أنا هاجي معاك ..
صرخت عبلة :
-أنتِ عايزة تروحي مع المجنون ده فين !
صرخت عالية باكية بالحرس :
-نزلوا الأسلحة دي بقول لكم ..
جذبها مراد بكل قوته حتى قطعت درجات السلم على ركبتيها جرًا ، صاحت سوزان بغضب :
-انتو هتتفرجوا عليه وهو بيموت البنت !
تعلقت عالية بسترته كي تقف على قدميها وهي تخبر الحرس بصراخ :
-محدش يقرب .
ثم توسلت إليه راجية :
-نزل سلاحك يا مراد ، ورحمة باباك نزل سلاحك ، أنا جاية معاك ومحدش هيقدر يمنعك ، بس نزل السلاح ده .
صرخ مراد بوجه عبلة حاسمًا :
-بنتك لما تتعلم الأدب وتتربي هابقى ابعتهالك ، بلاش تدوري عليها لاني هوديها في مكان الجن الأزرق ما يعرفهوش ..
ضرب أحد الحرس بكتفه واخترق صفوفهم وأخذ زوجته من لعنة قصر دويدار وبعدما دفعها بالكنبة الخلفية للسيارة انطلق كالمجنون مغادرًا ذلك القصر الذي أقسم على هدمه يومًا ما !
صرخت سوزان بوجه عبلة بقلق :
-انتِ ازاي تسيبي البنت كده ، ده متهور وممكن يعمل فيها حاجة ، كلمي عاصي بسرعة يا عبلة !
صرخت عبلة بوجه الحرس :
-انتو واقفين تتفرجوا ، روحوا شوفوه هيروح بالبنت فين !
•••••••
وصل عاصي لشقـة ” حياة” برفقة بناته ، فأشار إليهم نحو أحد المقاعد :
-استنوا هنـا ..
دخل عاصي باحثًا عنها بجميع الغرفة مناديًا باسمها بدون فائدة ، تسرب القلق لصدره حتى أنصت لصوت أنينًا خافتًا ، اتبع مصدر الصوت بلهفة حتى وصل إلى المطبخ وجدتها تنكمش حول نفسها وترتعش ، جلس على ركبتيه أمامها وهو يفرد في ساقيها المضمومة التي يتقطر الدم من أواخرهم :
-حياة مالك ، بص لي هنا .. حصل لك أيه !
تمتمت بكلمات غير مفهومة :
-هو ، البحر .. أنا خايفـة ..
ثم صرخت بصوت مدويٍ رماها بين ذراعيه تنتفض وخرطت دموعها على كتفه وقالت بحالة من الهذيان :
-هو .. أنا ماليش ذنب ، أنا كنت متأكدة إنك جاي ، خليك هنا عشان هو مش هيسيبني ..
ذاق مرارة رخو يد أحببها للمرة الثانية ، فتحول الأمر بالنسبة له كصراع مع الحياة ألا يترك لها شيء تعلق به مرة أخرى .. ربت على كتفها قائلًا :
-هتبقى كويسة ، أنا جمبك فوقي ..
بعدها عنه كي يجفف دموعها فوجدها تنهار أكثر وتغوص في نوية عصبية :
-هو قتل قلبي ودمر حياتي ، أنا افتكرت .. أنا افتكرت كل حاجة ..
جاء ليمسح على جبهتها وشعرها فوجدها عبارة عن لوح من الثلج المتجمد من كثرة البرودة ، تمسك بكفوفها الباردة وتفاقم قلقه وخوفه :
-انا لازم أكلم دكتور
ثم انحنى ليحملها بين يده وأخذت تلتمس من صدره الدفء وهي تنكمش بداخل صدره حتى قالت جملتها الأخيرة بدون وعي :
-متمشيش ، خليك هنا معايا .. أنا خايفة أوي ..
وضعها على الفراش وقام بتدفئتها جيدًا ثم اسرع الاتصال بالطبيب متجاهلًا سيل الرنات المنهمر على هاتفه ، وبعد ساعة من فحص الطبيب لحالتها وضرب حقنة مهدئة بوريدها ، وقف عاصي معه أمام باب الغرفة :
-طمني يا دكتور ..
-زي ما اتوقعت صدمة عصبية ، وكمان لخبطت في أودية المخ والأعصاب اللي بتاخدها ، وصلوها للحالة دي ، اديتها حقنة مهدئة ، خليك جمبها عشان أي مضاعفات لازم تروح المستشفى ..
ما كاد أن يتحرك الطبيب خطوة فتراجع قائلًا :
-المدام بدأت دماغها تعمل استرجاع بين الماضي بالحاضر ، يعني ممكن موقف يحصل يفكرها بموقف مرت بيه قبل كدة .. خليك جمبها الفترة دي لانها فترة مش سهلة …
****

 رواية غوي بعصيانه قلبي الفصل الرابع و الثلاثون 34  -     بقلم نهال مصطفي
menna

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent