Ads by Google X

رواية القاتل الراقي الفصل الاول 1 - بقلم سارة بركات

الصفحة الرئيسية

   رواية القاتل الراقي كاملة بقلم سارة بركات عبر مدونة دليل الروايات 


 رواية القاتل الراقي الفصل الاول 1

“مازلت أبكي على ذكرى مؤلمة، مازال الجرح عميقًا ويؤلمني كثيرًا حتى وإن تظاهرتُ بالقوة.”


في مساء يومٍ ممطر بمدينة القاهرة، وبالأخص بمنزلٍ راقٍ يصدح به المذياع بصوت العندليب الأسمر … كانت فريدة تقف أمام مكتب زوجها والذي يُدعى مصطفى المنغمس في بعض أعماله.. تنظر له بحبٍ وعشق لم ولن ينتهي والذي نتج عنه صغيرهما الحبيب … شردت بتفكيرها قليلا في طفلهما الذي لديه خوف من الجميع لدرجة أنها وزوجها يخفون تواجده حتى الآن وذلك عندما علموا بمرضه النفسي في سن الرابعة وبناءًا على تعليمات الطبيب النفسي الخاص به، أما هي؛ كانت حزينة كثيرًا لأن طفلها يخاف حتى الخروج من المنزل صار عمره عشرة أعوام ولا يوجد أي تحسن في حالته إلى الآن … لم تنتبه لزوجها الذي إنتبه لوجودها وإستقام من مقعده وإتجه نحوها بإبتسامة لطيفة … وهنا إنتبهت لزوجها الذي إحتضنها بكلتا ذراعيه مقبلًا شعرها الأسود بحب …

مصطفى:”واقفه هنا من إمتى؟”

إستندت فريدة برأسها على صدرة متحدثة بحزن وشرود:”من شويه.”

إنتبه مصطفى لنبرتها الحزينه إلتمس وجنتيها بيديه الدافئتين ورفع رأسها لينظر بداخل عينيها …

مصطفى بتفهم وهدوء:”هيخف يا حبيبتي، أنا مش هسيبه كده، خليكي واثقة فيا.”

فريدة بإبتسامة مطمئنة:”واثقة فيك يا حبيبي.”

ضمها بحب ثم نظر صوب النافذة يراقب الأمطار التي تهطل في الخارج .. وصل إلى مسامعهما نغمة موسيقية ناعمة تلائم ذلك الجو الممطر إبتعد مصطفى عنها قليلا وإبتسم لها إبتسامة عذبة يعبر من خلالها عن مدى حبه لها … مد يده لها في حركة لطيفة يحثها على الرقص معه .. ضحكت ضحكة خفيفة وأمسكت بيده وبدأ يتحرك بها حركات خفيفة واضعا يده الأخرى حول خصرها يقربها نحوه أكثر ..إبتسمت بخجل واضح ..

مصطفى وهو ينظر داخل عينيها:”بعد كل السنين إللي بينا دي ولسه بتتكسفي مني؟”

فريدة وهي تنظر إليه في المقابل:”مهما عدا بينا يا مصطفى، أنا لسه بحس إني بنت صغيرة لما ببقى في حضنك، وإن إللي فات ده كله دقايق وعدت.”

قبل رأسها ثم أسندت رأسها على كتفه وأكملا رقصتهما في هدوء وبعد ثوانٍ قاطع ذلك الهدوء إستفسارها ..

فريدة:”إنت ليه مغيرتش هدومك لحد دلوقتي؟ إنت من ساعة ما رجعت من الشغل وإنت مغيرتش ومش راضي تاكل.”

تنهد مصطفى متحدثًا بإرهاق:”ماتشغليش بالك بيا.”

فريده معقدة حاجبيها وهي تنظر إليه:”إزاي مشغلش بالي بيك؟؟ أنا شريكة حياتك يا حبيبي ولازم تحكيلي كل حاجة.”

أغمض عينيه قليلا ثم بدأ يتحدث بعدم إرتياح:”وضع الشركة الفترة دي مش مريح بالنسبالي على الرغم إن أنا و جمال محققين نجاح كبير بس مش عارف مش مرتاح الفترة دي .. حاسس بحاجة غريبة ومش فاهمها.”

فريدة بضيق واضح:”أكيد جمال شريكك ورا قلة راحتك دي.”

مصطفى بإستسلام من إتهامها الدائم لشريكه في العمل:”فريدة أنا مقدر إنك بتكرهي جمال ولا حابه صداقتي ليه .. بس صدقيني ده الشخص الوحيد إللي أقدر أعتمد عليه في كل حاجة.”

فريدة بضيق وعدم إرتياح:”براحتك.”

مصطفى وهو يمسك بكتفيها:”نفسي أفهم بتكرهي جمال ليه؟”

نظرت فريدة لزوجها متذكرة نظرات جمال الوقحة لها وتحدثت مع زوجها مرارًا وتكرارًا بخصوص ذلك الأمر ولكن جمال دائمًا يظهر كالبرئ والمخلص والوفي أمام زوجها .. خبيث!! …

فريدة بتنهيدة:”مافيش، خلاص إنسى الموضوع.”

نظر لها قليلًا وكاد أن يتحدث …

؟؟:”بابا.”

إنتبه مصطفى لطفله الغالي على قلبه والذي سوف يضحي بكل شئ من أجله إن تطلب الأمر … إبتسم له بحب كبير وبادله طفله بإبتسامة بريئة تليق بإسمه فهو إسمٌ على مسمى … “براء” … إرتمى في أحضان أبيهرالذي ضمه بشدة ..

براء:”وحشتني أوي يا بابا، ليه مطلعتش للأوضة بتاعتي تقرألي قصة مع ماما؟”

مصطفى وهو ينظر في عينيه ويربت على شعره الأسود:”معلش يا حبيبي، ورايا شغل كتير بخلصه ماتزعلش مني، بكرة هعوضك.”

هز براء رأسه بإبتسامة جميلة ..

فريدة:”حبيبي صاحي ليه لحد دلوقتي؟”

براء:”المطر كان صوته شديد بره ومعرفتش أنام.”

إحتضنته فريدة وهو إستند برأسه على بطنها مغمضًا عينيه بطمأنينة وراحة .. أما مصطفى كان ينظر لكليهما بحب شديد .. فماذا يريد الإنسان في هذه الحياة سوى الحصول على عائلة لطيفة مثل تلك؟ .. جلس براء مع والديه يلاعبانه بألعابه اللطيفة مثله .. فهو على الرغم من أنه صاحب عشرة أعوام وواعٍ إلا أنه كالطفل الصغير الذي لا ملجأ له سوى أحضان والديه .. بعد مرور وقت قصير إنتبهوا على صوت دقات غليظة على باب الفيلا … فزع براء بسبب صوت الطرقات العالية وإختبئ في أحضان والدته …

فريدة لمصطفى وهي تزيد من ضمها لإبنها:”مين هيجيلنا في الوقت ده؟؟”

مصطفى بعدم فهم:”مش عارف.”

كادت أن تتحدث فريدة ولكن قاطعها صوت الشخص الطارق ..

؟؟:”مصطفى.”

إنتبه مصطفى للصوت المألوف بالنسبة له .. هل يمكن؟؟ … عقد حاجبيه بضيق…

مصطفى:”ده جمال يا فريدة، أنا هفتح مش هاخد دقيقه وهخليه يمشي.”

هزت رأسها بهدوء وإنتبهت لبراء الذي يرتعش في أحضانها . تحركت به نحو غرفة الضيوف المخصصة بهم وجعلته يختبئ تحت كرسي بها تخفيه عن الأنظار لأن لا أحد لديه علم بوجوده ..

فريدة بإبتسامة جميلة وهدوء:”ماتخفش يا حبيبي، بابا هيمشيه ماتقلقش.”

هز رأسه في خوف .. وهي قبلت يديه الصغيرة ثم إستقامت في مكانها وإتجهت نحو زوجها الذي ينظر بضيق شديد لصديقة المتغطرس، يرتدي بذلة سوداء وعينينة ماكرة كالثعلب …

مصطفى بإبتسامة هادئة:”إزيك يا جمال؟ أخبارك إيه؟ متصلتش ليه على تليفون البيت كنت عرفتني إنك هتيجي؟”

إستند جمال على الباب بغطرسة ناظرًا لفريدة التي إختبأت خلف مصطفى من الخوف الذي إعتراها فجأة …

جمال:”معقوله هحتاج إذن عشان أجي بيتك؟”

كور مصطفى يديه بغضب شديد ..

مصطفى:”جمال … قول عايز تقول إيه وإمشي من هنا.”

نظر جمال لمصطفى الذي ينظر له بالمقابل بشر …كأنه ينتظر كلمة واحدة لتندلع الحرب التي بداخله .. إبتسم جمال بإستفزاز …

جمال:”عايز آخد كل حاجة منك، *نظر لفريدة* حتى مراتك.”

كلمة واحدة كانت الفاصل في كل شئ “زوجتك” .. تلك الكلمة هي من أشعلت النار بداخل مصطفى .. لم يشعر بنفسه سوى وهو يمسك جمال من تلابيبه ويعطيه ضربة قوية في الرأس وهنا صرخت فريدة فزعًا من ذلك الصراع الذي بدأ … تعارك الإثنان وكان من الواضح أن مصطفى هو الفائز .. ولكن جمال كان يضحك كثيرا أثناء ضرب مصطفى له مما إستفزه أكثر حتى أنه كاد أن يكسر جمجمته ولكن لم يستطع لأن هناك من أمسك به وأبعده عن جمال وهم رجاله الذي بدأوا بضرب مصطفى بقوة .. صرخت فريدة رعبًا على زوجها الذي تكاثر عليه رجال جمال وركضت نحوه هلعًا ولكنها وقعت أرضًا نتيجة ضربها من أحد الرجال … إعتدل جمال من الأرض وقام بتنفيض ثيابه كأن ما لمسها هو الغبار ليس إلا، نظر لمصطفى الذي لم يعد يبدو من ملامحه شئ .. ركضت فريدة هلعًا مرة أخرى نحو زوجها لكي تمنع الرجال من ضربه ولكنها صرخت بألم عندما أمسكها جمال من شعرها بقوة ..

جمال بإبتسامة مقززة وهو ينظر بداخل عينيها:”إنسيه بقا، أنا موجود.”

فريدة بتقزز وألم محاولة الإبتعاد عنه:”إبعد عني.”

صفعها جمال بقوة وبدأت تصرخ بإسم مصطفى .. رمى بها جمال أرضًا وإعتلاها وصارت فريدة تصرخ بأقوى صوت لديها .. صوت يسابقه الرعد الذي يزداد في ذلك الجو الممطر .. حاول مصطفى أن يبتعد قدر المستطاع عن أيدي رجال جمال و أن يتجه نحوها بكل ما أوتي من قوة ومازال رجال جمال يلحقونه و يضربونه ضربًا مبرحًا … كان صامدًا يحاول أن يصل إليها لكي ينقذها .. تحاول قدر المستطاع أن تُبعد جمال عنها ولكنها لم تستطع .. بدأ جمال بتقطيع ثيابها وصراخها يزداد …

مصطفى بصراخ وهو يلهث:”جمال، أنا قدامك … بلاش هي .. بلاش، أرجوك سيبها.”

نظر جمال لمصطفى قليلًا ثم نظر لفريدة التي تحاول أن تبتعد عنه، ثم عاد بنظره مرة أخرى لمصطفى .. أشار بيده لرجاله بالتوقف …

مصطفى بإستفسار وهو يلهث:”ليه؟”

جمال بإبتسامة شريرة:”عشان إنت معاك كل حاجة .. لكن أنا مش معايا .. إنت إتولدت في بوقك معلقة دهب من عيلة راقية كبيرة ومرموقة ومكانتها في المجتمع عاليه حافظت على ثروة أهلك وكبرتها .. لكن أنا .. أنا كان مكاني في الزبالة … إتولدت في مكان غير صالح للمعيشة .. شوفت كتير في حياتي *شرد قليلًا* شوفت إللي مينفعش طفل يشوفه، عشت الفقر كله من صغري.”

مصطفى وهو يسعل دمًا:”بس أنا ساعدتك يا جمال، أنا خليتك شريكي، إنت كنت صديق عمري.”

جمال بغضب:”مش كفاية … *أشار نحو فريدة* أخدت مني الإنسانة إللي حبيتها أول أما شوفتها .. طبيعي هتبصلك عشان إنت من مستواها يستحيل تبصلي أنا جمال الفقير الكحيان، أخدت مني كل حاجة بفلوسك، قربت منك أكتر وكسبت ثقتك عشان أقدر أبقى دراعك الليمين في كل حاجة، فرحت جدا لما خليتني شريكك .. بس ده مش كفاية … تعرف .. أنا مبسوط جدا النهاردة عشان ده يوم ميلادي .. اليوم إللي أخدت فيه كل إللي أنا عاوزه … إمتلكت أملاكك كلها النهاردة وبتوقيع منك، وإللي ساعدني على كده أعدائك إللي عاوزين يخلصوا منك .. كل حاجة كانت سهلة بالنسبالي … *تبدلت ملامح مصطفى إلى الصدمة وأكمل جمال* ودلوقتي……”

إستقام جمال من مكانه وتوجه نحو أحد رجاله شخص ضخم البنية عن باقي الرجال .. أخذ سكينا منه … ركضت فريدة نحو مصطفى وأختبأت بأحضانه وهي تبكي وتنظر لمكان إختباء طفلها الذي يرى كل شئ وهو يبكى .. أشارت إليه بالصمت وإبتسمت بألم وأغمضت عينيها وهي في أحضان زوجها …. ظل مصطفى يربت بألم على كتف زوجته المستكينة بأحضانه … وعينيه على رجال جمال الذين يقومون بتفريغ بعض الخزانات المليئة بمادة البنزين … عاد جمال لمصطفى الذي يحتضن فريدة وهو في قمة ألمه من ضربهم المبرح له … صرخت فريدة مرة أخرى حينما أمسكها جمال من شعرها يسحبها له قصرًا … حاول مصطفى أن يبعدها عن جمال ولكنه صرخ بألم عندما قام جمال بطعنه بقوة في معدته ..

جمال بشر:”ماحدش هيقدر يمنعني منها.”

فريدة بصراخ:”مصطفى!!!”

حاول مصطفى أن ينهض ولكنه أخذ طعنة أخرى في صدره .. ووقع أرضًا وظل يلهث بشكل متقطع .. حاول جمال أن يأخذ فريدة عنوة تحت أعين مصطفى الذي يبكي ويلفظ أنفاسه الأخيرة … بعدما إنتهى جمال من فعلته الشنيعة توجه نحو مصطفى الذي تنزل دموعه بغزارة وقَرُبَ على فقدان الوعي …

جمال بتلذذ وشر:” أخيرًا جه اليوم إللي أشوفك فيه مكسور … شوفت عجزك وضعفك بسبب إنك معرفتش تنقذ مراتك من تحت إيدي .. بس تصدق هي تستاهل المعافره .. *وجد مصطفى يفقد وعيه؛ فقام بضربه بأقلام خفيفة على وجهه* … لسه يا مصطفى .. لسه بدري على النوم .. لازم تتعذب قبل ماتموت … لازم.”

مصطفى بنفس متقطع وبكاء:”أ..أر..جوك.”

جمال متصنعًا اللامبالاة:”إيه؟ مش سامع؟”

مصطفى بهمس مسموع:”سيبها تعيش.”

نظر جمال لفريدة الساكنة مكانها وتبكي …

جمال بإبتسامة:”وعشان غلاوتك عندي بقا .. انا مش هخليها عايشة ثانية واحدة.”

فتح مصطفى عينيه بإتساع وهو يرى جمال يتجه نحو زوجته والسكين بيده حاولت أن تبعده عنها ولكنها لم تستطع .. ثانية … كانت ثانية واحدة وقام بذبحها أمام زوجها .. إرتمت جثتها أرضًا ناظرة بأعينها المليئة بالدموع نحو إبنها الذي يبكي ويحاول كتم شهقاته مما يراه كما أشارت إليه والدته سابقًا .. لم يستطع مصطفى التحرك نظرا لقرب إنقطاع أنفاسه .. ينظر إلى زوجته بدموع منهمرة بدون توقف ..

مصطفى بصوت بتقطع:”فر…ي..دة.”

وهنا إستسلم للموت والدمع يفيض من عينيه قهرًا على زوجته … تحرك جمال مع رجاله نحو الباب ونظر للبيت … وقام بإشعال عود ثقاب ورماه أرضًا، مما أدى إلى إشعال النيران في البيت … خرج من البيت وأغلق الباب خلفه … كان براء يبكي وهو ينظر لوالديه الملقيان أمامه أرضًا … كانت النيران تنتشر في البيت سريعًا .. خرج من أسفل المقعد المختبئ أسفله وتوجه نحو والدته يحاول إبعاد جثتها عن النيران التي بدأت تقترب منها قدر المستطاع ولكن لصغر جسده وضعف قوته لم يستطع تحريك جثتها … بكى بنحيب عندما لمستها النيران وإبتعد عنوة عنه نظرًا للهيب النار، نظر لجثة والده و توجه نحوها يحاول إيقاظه لكي ينقذه من تلك النيران التي إلتهمت والدته وهو يبكي بقوة ولكن والده لم يستيقظ حاول سحبه بقوة ولكن لم يستطع تحريكه قيد أنملة …

براء ببكاء:”بابا.”

إنتفض فزعًا عندما إنفجر زجاج المنزل بسبب النيران القوية .. عاد للخلف سريعًا عندما بدأت النيران تأكل جسد والده، نظر لجثة والده بفزع ثم عاد بنظره إلى جثة والدته التى لم يبقى من ملامحها شئ … إختبأ في ركن بعيد في المنزل يحتضن نفسه خائفًا من تلك النيران الملتهبة القادمة نحوه ولكنه سمع صوت مزمار قوي .. والصوت يقترب نحو المنزل .. إنهمرت المياه على المنزل لإطفاء ذلك الحريق ولكن ظل براء كما هو محتضنًا جسده الصغير بخوف شديد ينظر لجثتي والديه المتفحمتين بدموع غزيرة تخرج من عينين خلت منهما الروح ..

………………………………………..

في مكانٍ آخر وزمنٍ آخر:

في إحدي المناطق الراقية في القاهرة الكبرى وخاصة في شقة راقية وفاخرة .. كانت تقف أمام المرآة وتقوم بتصفيف شعرها البني الطويل وفي نفس الوقت تنظر إلى القميص الأحمر الحريرى القصير الذي ترتديه، إبتسمت بلوع على أملٍ أن يُعجب معشوقها البارد بذلك المظهر الرائع، أخذت نفسًا عميقًا ثم تمتمت ببعض الكلمات …

؟؟:”ياسين عمره مايأذيكي يا سارة، هو هيعرف منك كل حاجة النهاردة ومش هيعمل حاجة، مش هيأذيكي.”

تنهدت بعمق وقامت بوضع شعرها على جانب كتفها ونظرت إلى صورتها في المرآة شاردة في قصة حياتها مع ياسين المغربي، ولكنها إستفاقت وخرجت من غرفتها متوجهة نحو مائدة الطعام الرائعة التى قامت بإعدادها بكل حبٍ وجلست على كرسيٍ في نية منها لإنتظاره، تنهدت بعشق وهي تتذكر أول لقاءٍ بينهما، لا تعلم لماذا تقاطع طريقها مع شخص مثله، شخص لا يعرف شيئًا في الحياة سوى القتل .. ولكن كل ذلك لا يهم بالنسبة إليها، يكفي أنه أنقذها من الموت بعدما كانت ملقاة على حافة الطريق المظلم تلفظ آخر أنفاسها … وجاء بها إلى هنا وقام بالإهتمام بها ومعالجتها ومرت الأيام بينهما حتى صارت أقرب عشيقاته، غريب أن تجد أمانك في أكثر مكان يجب أن تهرب منه صحيح؟؟ … ضحكت بخفة على سؤالها ذلك .. تعلم جيدًا أنه يأتي إليها حين تضيق الحياة به، تعلم أنها مميزة كثيرًا بالنسبة إليه، حتى وإن لم يكن يثق بأحد فهي في نظره أهلًا للثقة، نظرت إلى ساعة الحائط المعلقة ووجدت أنه تبقى على وصوله خمسة دقائق، إبتسمت بعشق وجلست تنتظره وهي تتذكر ملامحه الخشنة، فهو ذو بشرة برونزية و لديه عيون بنية وشعر أسود قصير ذو ملمس ناعم، وأيضًا لديه جسدٌ رياضي قوي ذو تكوين عضلي مثالي، ظلت معه سنوات عديدة ودائما تتسائل لماذا يرتدي دائما تلك البذلات الراقية؟ لم تراه يومًا يرتدي ثيابًا طبيعية مثل الآخرين، فهي تشعر أنه جاء من عصر الملوك لدرجة أنها تصدق بأن هناك آلة زمنية قد إنتقل من ذلك العصر إلى عصرنا هذا ضحكت على تخمينها ذلك .. مرت الخمس دقائق ومر بعدها خمس دقائق أخرى، زفرت بملل فهو يجب عليه أن يأتي اليوم، فلماذا تأخر؟ … قامت من مقعدها وتوجهت نحو غرفتها وإلتقطت هاتفها الذي قام بشراءه لها مؤخرًا، قامت بالإتصال به ولكنه لم يُجِب، أغلقت الهاتف وكادت أن تخرج من الغرفة ولكنها توقفت وإبتسمت إبتسامة حزينة .. إشتاقت لسماع صوتها، إشتاقت لكلمة “إبنتي” منها، عادت إلى هاتفها وقامت بإلتقاطه مرة أخرى وخرجت من الغرفة وجلست على كرسي خاص بالمائدة نظرت للهاتف قليلا مترددة في الإتصال ولكنها قامت بتشجيع نفسها وضغطت على عدة أرقام على الهاتف حتى ظهر رنين في سماعة الهاتف وبعد ثوان وصلها صوتها الدافئ الذي إشتاقت إليه كثيرًا..

؟؟:”ألو.”

حاولت أن تتحكم في إرتعاشها وشقهاتها عندما سمعت صوتها … خافت أن تتحدث خوفًا من أن تُغلق الهاتف في وجهها إذا علمت أنها هي …

؟؟:”ألو، مين؟”

ولكنها قررت أن تتحدث معها و ترجوها كما ترجوها في كل مرة..

سارة بصوت متحشرج من البكاء:”ماما.”

صمتت والدتها عندما وصلها صوتها وكادت أن تغلق الهاتف، تحدثت سارة كأنها تراها …

سارة ببكاء:”ماما أرجوكي ماتقفليش، إسمعيني، أنا آسفة سامحيني عشان خاطري، كان غصب عني يا أمي، أنا ماقدرش أعيش من غير رضاكي عليا، إرضي عني يا حبيبتي وسامحيني وخليني أشوفك ماتعمليش فيا كده.”

؟؟ بحزم:”إياكي تتصلي هنا تاني، وكلمة ماما دي محرمة عليكي، إنتي لا بنتي ولا أعرفك، أنا زمان كان عندي بنت إسمها سارة وماتت يومها، لكن إنتي معرفكيش أ………”

صمتت والدتها قليلًا وسارة لم تعرف سبب صمتها ولكنها سمعت شهقات خفيفة من والدتها … مسحت دموعها وتحدثت …

سارة بإستفسار:”ماما إنتي معايا؟”

والدتها بتنهيدة:”أيوه.”

تعجبت سارة من هدوئها ولكن التعجب زال عندما تذكرت السبب، إبتسمت وتحدثت ..

سارة:”أنا هاجي أزورك بكرة وأشرح……..”

صمتت فجأة عندما سمعت صوت خطوات تقترب من الشقة …

سارة بهمس:”ماما إقفلي دلوقتي، هجيلك بكرة زي ماقولتلك.”

لم تنتظر ردًا من والدتها ووضعت هاتفها جانبًا على المنضدة عندما سمعت صوت مفاتيحٍ بالخارج إلى أن فُتِح الباب … إقتربت منه بلهفة وإبتسامة عشق فهاهو معشوقها البارد أمامها .. دخل إلى الشقة وأغلق الباب خلفه وهو ينظر إليها بنظرات مبهمة لا تحمل أية مشاعر، توجه نظره صوب المائدة التى يوجد عليها أشهى المأكولات ولكنه تجاهل جميع تلك التجهيزات التى قامت بتحضيرها خصيصًا لأجله، جلس ببرود ولم يزِل عينيه من عليها .. شعرت بأن الخوف يعتريها لأنها تعرف تلك النظرات جيدًا ولكنها حاولت أن تطمئن نفسها بأن تلك مجرد خيالات بالنسبة لها فهو يحبها ولن يؤذيها … وضع ساقًا فوق الأخرى ببرود ونظراته أصبحت تخترقها كأنه يريد منها تفسيرًا ما .. ولكنها فسرت نظراته بأنه يعانى من ضغط عمل ولا يجب أن يزعجه أحد كما إعتادت، قررت أن تخفف عنه هذا الضغط ..

سارة بإبتسامة حب:”نورت شقتك يا ياسين.”

لم يُجيبها وظل يتأملها بهدوء .. شعرت بالتوتر حينما تجاهل سؤالها، لا تفهم لماذا هو صامت هكذا، لم تكن هذه عادته معها أبدا، قررت أن تسأله عما يجول بخاطره ..

سارة بإستفسار:”ياسين، فى إيه؟ إنت بتفكر فى إيه؟”

ظهر شبح إبتسامة على وجهه ولكن هذه الإبتسامة كانت للسخرية، إبتلعت بإرتباك، وعادت إلى الخلف ببطئ عندما قام من مجلسه وتوجه نحوها ببطئ شديد وهو يقوم بخلع سترة بذلته الراقية بهدوء ووضعها على المائدة …

ياسين بهدوء وهو يشمر عن ساعدية:”تعرفى إن أكتر حاجة بكرهها فى حياتى هى الخيانه، وللأسف دى معلومة مش جديدة عليكي.”

حاولت أن تُخفى إرتباكها وخوفها منه لكنها فشلت فى ذلك ..

سارة بإرتباك شديد:”ياسين فى إيه؟ كلامك مش مريحنى.”

ياسين:”وتانى أكتر حاجة بكرهها فى حياتى هى إن حد يعمل نفسه عبيط عليا.”

سارة:”صدقنى مش فاهمة حاجة و………….”

صمتت عندما رأته يقترب منها وعينينه بهما غضب شديد، كادت أن تهرب منه ولكنه قبض على شعرها بيده كأنه سوف يقتلعه من مكانه ..

سارة بصراخ:”أنا معملتش حاجة صدقنى، معملتش أى حاجة.”

قرب وجهها منه وهو مازال ممسكًا بشعرها وبدأ يهمس كفحيح الأفعى ..

ياسين:”بتبيعيني لأعدائي؟”

سارة برجاء وألم:”أنا ماعملتش حاجة، أنا ماخونتكش، إنت عارف إنى بحبك وماقدرش أخونك، ماقدرش أعمل أى حاجة تأذيك.”

صرخت بألم وهدر بها بغضب دفين لم تراه من قبل…

ياسين:”تالت أكتر حاجة بكرهها فى حياتى هى الكذب.”

إبتعد عنها ونظر لها بإبتسامة تهكمية لم تصل إلى عينيه حتى، وظل يتلفت حولها يرمقها بكرهٍ بارد، ولسوء حظها كانت المائدة خلفها أى أمامه، أخذ سكين حاد وإقترب منها وبدأ يهمس بأذنها وهو يمرر يده الفارغة حول عنقها الطويل ..

ياسين:”عملت منك بنى آدمة وإنتى مجرد واحدة رخيصه، إنتى بالذات ماكنتش أتوقع منها إنها تخونى، بس عملت حسابى إن اليوم ده هييجى .. لإنى عمرى ماوثقت فيكى زى أى حد.”

حاولت أن تلمحه بطرف عينيها ولكنه كان خلفها تماما لم تستطع رؤيته ولا النظر إلى عيونه الباردة التى تعشقها .. شهقت عندما وضع سكينًا على رقبتها …

ياسين:”إنتى خاينه زيك زي الكل.”

سارة بتصرف سريع مع توضيح:”ياسين، هحكيلك على كل حاجة هما قالولي……………….”

قطع كلامها السكين الحاد الذى إخترق عنقها، قام بذبحها فى ثانية واحدة ببرودٍ ورماها أرضًا حتى لا تتسخ ملابسه، أخذ منديلا من جيب سترته وقام بمسح يدية التى غرقت بدمها وهو ينظر لها، حتى بعد أن خرجت روحها من جسدها ذرفت عينيها دموع الكذب التى يكرهها .. يا لها من خرقاء .. إلتقط هاتفه وإتصل بأحد رجاله ..

ياسين ببرود وعينيه لا تبتعد عن عينيها:”إرموا جثتها في البحر، ومش عايز يكون في أثر لوجودي في الشقة.”

أنهى مكالمته وأخد سترته وتحرك صوب الباب وخرج من تلك الشقة والتي بعد سويعات أصبحت رماد …

………………………..

بعد مرور سبع سنوات:

في حي شعبي بسيط، وخاصة في غرفة صغيرة ضيقة وقديمة بعض الشئ في سطح مبني قديم وعلى سرير مهترئ بعض الشئ يوجد جسد صغير لفتاة في منتصف العشرينات كانت نائمة نومًا عميقًا وشعرها الأسود المموج يُخفي وجهها كله، كانت منزعجة أثناء نومها مما يدل على أنها تحلم بشئٍ يزعجها ولكن هذا الإنزعاج إختفى وحل محله إبتسامة مطمئنة وذلك لأنها كانت تحلم به … تحلم فقط بما تتذكره من لقائهم … رجلًا ذو جسدٍ ضخم يحمل بين يديه طفلة صغيرة تستند براسها على صدره الصلب ومن الواضح أنها فاقدة للوعي .. إستفاقت تلك الصغيرة بفزع وضعف عندما سمعت أصوات طلقات نارية تصدح في المكان …حاولت أن تنظر لوجه الرجل الذي يحملها ولكن غلبها الدوار مرة أخرى … إستفاقت مرة أخرى على رتيبة على شعرها الأسود الناعم، فتحت أعينها بوهن وضعف وكان هذا الرجل يتحدث بكلمات لم تفهمها بسبب الدوار الذي حل بها .. حاولت أن تنظر لوجهه ولكن الدوار لم يكن حليفها لأنه جعل كل شئ حولها كالضباب .. إستقام هذا الرجل من مكانه بعدما وضعها في مكان آمن لكي تختبئ لم تغفل عن ذلك السلاح الذي أخرجة من جيبه وتحرك به تجاه الطلقات النارية بخطوات هادئة وثابتة .. أغلقت أعينيها بتعب وإرهاق ….. تململت في سريرها والإبتسامة على ثغرها .. ثم فجأة فتحت أعينها السوداء على إتساع كأنها صُدمت من شئٍ ما، إنتفضت من على سريرها المهترئ ونظرت لساعة هاتفها ووجدت أنها أصبحت الساعة التاسعة صباحًا تحدثت بصدمة وصراخ …

؟؟:”الشغل، إتأخرت على الشغل.”

وقفت على أرضية الغرفة الباردة وذهبت للحوض المقابل لسريرها وقامت بفتح صنبور المياه ولكنها لم تجد أي مياه … تمتمت بغضب ونعاس..

؟؟:”دي مش عيشة دي، الواحد مش عارف يغسل وشه ولا يستحمى، أومال يعمل إيه؟!!!”

زفرت بغضب وخرجت من غرفتها بشعرها المشعث على إثر النوم، ونزلت إلى الطابق الأخير وأطرقت على باب شقة فيه بغضب شديد …

؟؟ بصوت مسموع:”إنتي يا وليه يا أرشانه إفتحي الباب.”

ظلت تطرق على الباب بغضب حتى فتحته صاحبة الشقة أو بمعنى أدق صاحبة البيت … كانت سيدة سمينة وقصيرة في عقدها الرابع وذات ملامح حادة …

##:”جرا إيه ياست الدكتورة؟! مبوزالنا كده ليه على الصبح، وبعدين بتصحيني من النوم ليه؟”

؟؟ بغضب:”المياة قاطعة بقالها يومين، شوفي حل في الموضوع ده.”

## بمصمصة:”مانتي عارفه إللي فيها المياة قاطعه في الحارة كلها مش هنا بس، وبعدين إنتي مادفعتيش الإيجار إمبارح ليه؟”

؟؟ ببرود وغضب:”لسه ماقبضتش.”

##:”لا معلش ياحبيبتي، إتصرفي بسرعة عشان لو ماجبتيش ال500 جنيه بتوع الإيجار يبقى تلمي حاجتك وتمشي.”

؟؟ بغضب مكتوم:”إبقي شوفي مين هيقبل يعيش في أوضة زي دي غيري.”

## بضحكة مائعة:” الغلابه كتير ياحبيبتى.”

أغلقت عيناها بغضب وإلتفتت لتعد إلى عرفتها ولكن وصل لها صوتها وهي صاعدة على الدرج …

##:”ماتنسيش ال500 جنيه يا ست الدَكتورة.”

مريم بتمتمه:”خمسميت عفريت ينططوكي يا بعيدة.”

دلفت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها وبدأت في البحث عن ملابسها التي سترتديها في يوم عملها … زفرت بحنق وقامت بإرتداء ملابسها بعدما قامت بإختيارهم بحرص شديد .. فعلى الرغم من المكان الذي تعيش به ومن حالتها المادية إلا أنها تحب أن تكون دائما أنيقة حتى وإن كانت مُفلسة .. بعدما إنتهت من إرتداء ملابسها، قامت بتمشيط شعرها بعد أن وضعت عليه بعض الزيوت الطبيعية التي تعطيه لمعانًا وقوة، تنهدت بإرتياح بعد الإنتهاء من تجهيز نفسها، وقامت بأخذ حقيبتها الخلفية التي تحتوي على العديد من المعدات الطبية، وخرجت من غرفتها ثم خرجت من هذا البيت القديم متجهة إلى المستشفى الخاص التي تعمل بها متجاهلة نظرات الإعجاب الخاصة بالشُبان الذين يعيشون معها في نفس الحي … فهي وإن كانت صاحبة بشرة بيضاء وملامح جميلة خالية من مساحيق التجميل فهي تشبه العديد من فتيات بلدها، لكنها لديها جاذبية خاصة بعيدًا عن كل هذا، لديها شخصية قوية يخاف منها بعض الرجال والبعض الآخر ينجذب إليها … تنهدت بإرتياح عندما وصلت إلى محطة حافلات النقل العام الخاصة بمنطقتها وركبت إحدى الحافلات المتجهة إلي المشفى الذي تعمل به .. أثناء تحرك الحافلة في الطرق كانت تنظر إلى الناس الذين يتحركون في الشوارع بشرود، ولكنها إستفاقت على صوت طفلة في عمر الخمس سنوات تتحدث مع والدتها …

؟؟:”ماما عشان خاطري أنا عاوزة أروح الملاهي.”

نظرت مريم إلي هيئة والدة الطفلة والذي كان واضح من خلاله أنها لن تستطيع أن تذهب بها إلى مكان كهذا..

##:”حاضر يا حبيبتي، بكرة نروح إن شاء الله.”

قامت مريم بفتح حقيبتها ثم قامت بِعَدِ المال الذي في حوزتها وجدت أن مابحوزتها مبلغ بسيط … إحتارت قليلا ولكنها إستفاقت على صوت الطفلة …

؟؟ بتذمر طفولي:”كل مرة بتقوليلي كده ومش بنروح في حته، عشان خاطري ياماما عايزة أروح الملاهي.”

كادت أن تتحدث والدتها ولكن قاطعتها مريم التي تتحدث مع الطفلة بحنان وتربت على شعرها في نفس الوقت …

مريم:”ماتقلقيش ياحبيبتي، ماما هتوديكي الملاهي وتفرحي وتلعبي برحتك.”

نظرت والدة الطفلة إلي الفتاة التي تتحدث مع إبنتها بقلق وتوتر .. ولكن نظرات الفتاة لها طمأنتها ..

؟؟ بإنبهار:”بجد يا أبله؟”

مريم بإبتسامة ودودة ومرحة:”طبعًا بجد، ماتقلقيش.”

نظرت مريم إلى أعين والدة الطفلة وقامت بإعطائها مبلغ في يدها دون أن تلاحظ الطفلة ذلك … رأت إبتسامة تدل على السعادة في وجه الأم وقامت بهز رأسها بإمتنان شديد نظرًا لذلك المعروف التي قامت مريم بفعله .. إبتسمت مريم مرة أخيرة لها ثم عادت إلى مقعدها الذي كانت تجلس عليه ونظرت إلى الشوارع مرة أخرى شاردة في ذلك الرجل الذي أنقذها ف طفولتها … لا تعرف من هو فحينما إستيقظت وجدت نفسها وحيدة أدركت أنه إختفى وتركها في ذلك المكان ثم بعد ذلك وجدها رجال الشرطة .. تنهدت بعمق وإستسلام لفشلها في محاولة تذكر وجهه ولكن كل ما تتذكره أنه كان سببًا من أسباب الله لإنقاذها من ذلك المأزق الذي وقعت فيه منذ زمن .. بعد فترة ليست بقصيرة … وصلت المشفى وهي تركض غير آبهة لكل من ينظر إليها بتعجب من لامبالاتها بمظهرها أمامهم … دلفت إلى الحمام لكي تقوم بغسل وجهها ثم توجهت إلى غرفة الأطباء لكي تقوم بتغيير ثيابها وبعد إنتهائها خرجت من الغرفة وهي مرتدية الرداء الطبي وتقوم بتعديل شعرها الأسود المموج بنعومة وأثناء تجولها في ممر المشفى تجمدت في مكانها عندما أوقفها صوته …

؟؟ بسخرية:”مساء الخير يا دكتورة مريم.”

إلتفتت بهدوء لصاحب الصوت والذي كان عبارة عن رجل قصير أصلع سمين بعض الشئ في عقده الخامس والذي لم يكن سوى مدير المشفى “مرتضى “…

مريم برسمية:”مساء الخير يافندم.”

نظر إلى ساعته ثم نظر إليها وتحدث رافعا حاجبه ومبتسما بسخرية لها ..

مرتضى:”ميعاد المناوبة بتاعتك المفروض تبدأ إمتى يا دكتورة؟”

مريم بلامبالاة:”تسعة.”

مرتضى بإستفسار:”والساعة كام دلوقتي؟”

قامت برفع حاجبها الأيمن وتحدثت بعنجهية..

مريم:”حداشر.”

مرتضى بإستفسار:”عارفة ده معناه إيه؟”

هزت كتفها ممثلة اللامبالاة مما أدى إلى جعله يفقد أعصابه بسبب جهلها له وبرودها معه … بدأ يتحدث بعصبية …

مرتضى:”معناه خصم يومين.”

قامت بمط شفتيها لامبالاة …

مريم بإبتسامة:”إخصمهم.”

نظر لها بضيق وهي إبتسمت له بتحدٍ … لا يجرؤ على التعامل معها … كم حاول عدة مرات أن يستغل ظروفها المادية ولكنه لم يستطع لأنها قامت بفضحة في الآونة الأخيرة في المشفى وقاموا بالتستر عليه … كم تتمنى أن يختفي ذلك الرجل من أمامها بلمح البصر ولكنها يجب أن تتحمل وجوده قليلا … فهو مدير المشفى…

ذهبت من أمامه بإبتسامة كبيرة وتركته ثابتًا في مكانه ينظر إلى مكان خروجها بعدم إستيعاب … عندما إبتعدت عن مستوى نظره تأففت بضيق وتحدثت بإشمئزاز وعنجهية ..

مريم:”راجل ***.”

وثم في ثوانٍ تبدلت ملامحها إلى المرح عندما إقتربت من غرفة بيضاء كبيرة وواسعة … أمسكت بمقبض الباب الأبيض ودخلت الغرفة التى تشير إلى أنها غرفة ليست من هذا المشفى .. فهى مجهزة بأحدث الديكورات والأثاث التى صممت لأجل صاحبها والذى لم يكن سوى ذلك الرجل العجوز الذي يبلغ ثمانون عامًا الجالس على كرسى متحرك وينظر أمامه بشرود من خلال النافذة الكبيرة المطلة على حديقة المشفى ..

مريم بمرح:”صباح الخير، وحشتك صح؟”

نظر ذلك الرجل إليها بملامح كلها لهفة وفرحة ولكنه في ظرف ثوانٍ تجهمت ملامحه وعاد ينظر أمامه مرة أخرى كأنها لم تدخل الغرفة … تنهدت بحزن فهى تعلم كم هو ينتظرها لكى تجلس معه وتتحدث إليه فهو وحيد دائمًا إلا عندما تأتى هى … إقتربت منه بإبتسامة مرحة وحب وجلست بركبتيها أمامه وأمسكت بيديه التى تملأها التجاعيد لكبر سنه ..

مريم:”إنت باصص بعيد ليه؟؟ عشان خاطري بصلي.”

لم ينظر إليها ولم يتحدث ..

مريم:”أنا عارفة إني إتأخرت عليك بس المنبه رن وماسمعتوش .. وعايزه أقولك إني من ساعة ماصحيت وأنا متضايقة ومخنوقة وحاسه إن في حاجة غريبة.”

نظر إليها بطرف عينيه الزرقاء عندما قالت ذلك … تحدثت وهي تنظر إلى عينيه ..

مريم:”ماتزعلش بقا، ده إنت زعلك وحش أوي يا عم عماد.”

هدأت ملامحه وإبتسم إبتسامة لم تخفى عنها وربت على يدها …

مريم:”أيوه كده، أخيرا شوفت ضحكتك الحلوة دي .. وبعدين إنت مغيرتش هدومك ليه؟ إنت لسه على هدومك دى من إمبارح؟”

عماد بعند وصوت متقطع لكبر سنه:”مرضتش أسيبهم يغيرولى عشان إنتي ماكنتيش هنا.”

مريم:”نفسى فى مرة أجى ألاقى هدومك مظبوطة وكل حاجة تمام.”

نظر حوله برهبة ثم تحدث بهمس مسموع لها فقط ..

عماد:”إنتي عارفة إني ماقدرش أسيبهم يعملولى حاجة وإنتي مش هنا .. بحس إنهم *نظر حوله بخوف وأكمل بهمس* عايزين يقتلوني مش يغيرولى.”

إبتسمت مريم على خياله الواسع فعلى الرغم من كبر سنه إلا أنه يضحكها دائما بخيالاته التى يعيش فيها .. عوامل كبر السن حقًا غريبة .. دائمًا يخبرها أن الكل يريد قتله وهى الملاك التى تقوم بإنقاذه دائمًا .. ولا يقبل أن يتم أى شئ إلا في وجودها هي ..

مريم بإبتسامة:”خلاص أنا هبقى معاك ماتقلقش وبعدها هحكيلك قصة وتنام.”

إنتبه لها وإختفى رعبه عندما سمع حديثها ..

عماد بحماس:”هتحكيلي بقا أنهى حكاية المرة دى؟”

شردت مريم للحظة ثم نظرت إليه ..

مريم:”هحكيلك حكاية جميلة أوى .. بس لازم تسمع الكلام الأول.”

تأفف عماد وهو ينظر بزرقاوتيه إليها ..

مريم بتحذير وعِند:”هاه؟؟؟ هتسمع الكلام ولا أمشى؟؟؟”

عماد بتأفف:”هسمع الكلام.”

مريم بسعادة:”هنادي على الممرضات وهرجعلك.”

خرجت من غرفته في إتجاهها لغرفة الممرضات وفي نفس الوقت يدور ببالها حالة عماد … فعلى الرغم من أنه لا يوجد لديه أي أمراض أو مشاكل جسدية إلا إنه إختار أن يعيش بهذا المشفى الضخم .. فهو شخص غني وحيد لا يوجد له أقارب وليس لديه أي أحد وعلى حد علمها فهو لديه معرفة سابقة بمالك المشفى الذى لم تقابله إلى الآن ولكنها تسمع عنه دائما من همسات الموظفين والأطباء والممرضات لكن عماد لم يتحدث عنه ولو لمرة واحدة أمامها!؛ فمن لا يعلم ياسين المغربى؟! الإسم الذى تقشعر له الأبدان حين سماع إسمه حتى جسدها إقشعر لمجرد التفكير فيه، فهو لديه هالة فريدة من نوعها .. إسمه وحده له هذه الهالة فماذا عنه شخصيًا؟! .. نفضت تلك الأفكار من عقلها لمجرد ..

مريم بسخرية:”كلام ستات .. كل واحدة فيهم كانت قاعدة فاضيه فقالت تطلع كلام وتبنى قصص، أكيد شخص عادى زيه زي أى حد، أنا مابخفش من حد.”

ذهبت إلى الممرضات وأخبرتهم بما سيقومون به مع عماد وإشرافها عليهن حتى لا يخاف منهن وبعدها وضعوه في الفراش وجلست بجانبه وروت له قصة قصيرة وغفى أثناء روايتها للقصة كان كالأطفال تمامًا .. إبتسمت بإطمئنان وقامت بتغطيته وخرجت من غرفته بهدوء .. قامت بآداء وظيفتها بروتينها اليومى ألا وهو المرور والإطمئنان على المرضى ومتابعة تغذيتهم وحالتهم الصحية أيضًا متجاهلة نظرات زملائها المتعالية .. فهى طبيبة جراحة ولكنها مساعدة فقط .. لم يعطوها يومًا فرصة لتقوم بعمل عملية واحدة حتى، حيث أنه كان هناك الأجدر منها دائمًا كما يقولون أو كما يقول مرتضى أو رئيس الأطباء ذاك! .. ظلموها … ولكنها قبلت بذلك الأمر .. تتمنى يومًا أن تصل إلى ما تريد لأنها لم تكن تصدق عينيها عندما جاءتها الفرصة المناسبة في مشفى “الأمل والحياة”، أول فرصة عمل لها على الرغم من الراتب الضئيل الذي تأخذه ولكنها ستصبر حتى تصل إلى ما تريده؛ فتلك المشفى هي من أكبر المؤسسات العلاجية في مصر حيث أنها تابعة لمجموعة شركات المغربى الخاصة بالعديد من المجالات الصناعية …..

(رواية القاتل الراقي .. بقلم سارة بركات)

خرجت من المشفى بعد ساعات طويلة من العمل، ووقفت على الحشائش الخضراء الخاصة بحديقتها ونظرت إلى آشعة الشمس التى أخذت في الإختفاء شيئًا فشيئًا.. نظرت حولها ولم تجد أحد فوجدتها فرصة مناسبة لتقوم بإراحة جسدها قليلا .. إستلقت بجسدها على الحشائش الخضراء وأغمضت عينيها بإرتياح شديد ويعلو ثغرها إبتسامة صغيرة .. ظلت مستلقية بجسدها على الحشائش لعدة دقايق وسرعان ما شعرت بأحدهم يضع يديه على عينيها .. إبتسمت بهدوء عندما سمعت صوته …

؟؟:”معقولة ماتسأليش عني كل ده؟ على كده أنا مش مهم بالنسبالك؟؟”

أشاح يديها عن وجهها وقامت بفتح أعينها التي تقابلت مع عينيه السوداوتين… تأملت ملامحه المرهقة قليلا ..

مريم بإبتسامة:”أنا مسألتش عشان ماحبتش أزعجك لإني عارفة إنك في عملية من الصبح.”

تنهد بإرتياح وإستلقى بجانبها على الحشائش الخضراء وبدلا من أن يتأمل السماء مثلها نظر إليها وتأملها قليلا ثم بدأ بالتحدث …

؟؟:”الحالة إللي كنت بولدها .. جابت بنت.”

إبتسمت مريم ناظرة إليه أما هو أردف …

؟؟:”طلبت منها تسميها مريم عشان بصراحة كانت زي القمر شكلك كده.”

ضحكت بخفة …

مريم:”الجو ده مش لايق عليك يا دكتور هشام.”

هشام وهو يعتدل في جلسته وينظر لها عاقدًا حاجبيه:”مش لايق ليه بقا؟؟ حبيبتي وبدلعها .. حقي ولا مش حقي؟”

مريم بتنهيدة بسيطة:”حقك طبعا.”

هشام بهمهمة وتفهم من وضعها:”مرتضى ضايقك؟”

مريم بلامبالاة:”ماتركزش عادي، قال كلمتين يحرقوا الدم وخلاص.”

هشام عاقدا حاجبيه بضيق:”وإزاي عايزاني مركزش وأنا شايفك متضايقة كده؟؟ إنتي عارفاني مابحبش أشوفك كده.”

مريم وهي تعتدل في جلستها:”لا أنا مش متضايقة أنا بس مانمتش كويس.”

صمت هشام قليلا وهو ينظر لها ثم تحدث في أمرٍ آخر ..

هشام بإبتسامة:”إيه رأيك أعزمك النهاردة بعد ما نخلص شغل، ونخرج شويه؟”

مريم بإبتسامة:”موافقة طبعا.”

إبتسم لها بهدوء ولكن سرعان ماتذكر أمرًا …

هشام:”صحيح … والدتي محتاجة تشوفك وتتعرف عليكي عايزه تتعرف على الإنسانة إللي خطفت قلب إبنها، بصراحة ماوراييش سيرة غيرك في البيت.”

إختفت إبتسامة مريم عندما سمعت قوله ذلك .. والدته؟؟ تلك المرحلة التي تقابل فيها العروس الحماة المتوحشة أو الطيبة على حسب حظها … هل ستلاحظ والدته شيئًا ما؟ … هل ستقبل بها وبمستواها المادي؟؟ وخاصة أن هشام من عائلة عريقة يعيش بفيلا كبيرة حولها الكثير من الحدائق، فهو عريس وفتى أحلام مناسب لكل الفتيات طبيب وغني ومرح وأهم من كل ذلك طيب القلب … أما هي تعيش في غرفة مهترئة على سطح مبنى قديم في حارة شعبية بسيطة، تتصرف بطريقة لا تعجب أحد حتى هشام ولكنه يتغاضى عن ذلك لأنه يحبها … إستفاقت من شرودها على صوته ..

هشام:”إيه ياحبيبتي؟؟ سرحانة في إيه؟”

مريم بتنهيدة:”لا مافيش.”

هشام:”قولتي إيه؟؟؟ حابه تيجي الفيلا إمتى؟”

مريم بهدوء وهي تبعد نظرها عنه:”أي وقت.”

كاد أن يتحدث ولكن إنتبه الإثنان لصوت صافرة عربة الإسعاف وهي تقترب من المكان سريعًا .. إنتفضت مريم واقفة وتحركت بإتجاه السيارة سريعًا وخلفها هشام والذي أصبحت ملامحه جادة .. تعجبت من كم الأشخاص ذوى البنية القوية الذين كانوا خلف سيارة الإسعاف وإنتشروا فجأة في المشفى، عندما توقفت السيارة إستنتجت أن هؤلاء مجموعة من الحرس الشخصى بل وأكثر من ذلك … ولكنها لم تعر ذلك إنتباه كان يهمها الطفل الذى كان ينام على سريره بدون حول ولا قوة … شهقت مريم بصدمة عندما وجدت أن الطفل مصابًا بطلق نارى في كتفه … وضع المسعفون الطفل على النقالة وتحركوا به سريعًا وورائهم حرس شخصى يبدو عليهم الغموض .. وبدون وعى ركضت سريعًا خلفهم خوفًا ورهبة على حالة الطفل ويتبعها هشام ركضّا… صرخت بصوت مسموع لكل من بالمشفى ..

مريم:”طوارئ بسرعة.”

تحرك الجميع بخوف ورهبة ليس بسبب مايحدث، ولكن بسبب طاقم الحرس التابع للطفل فهم ليسوا أفراد عاديين .. معروفون بهالتهم الغامضة فهى ليست أول مرة يأتون إلى هذا المشفى؛ فهم طاقم حرس “ياسين المغربى” .. مما جعلهم يتحركون سريعًا … قاموا بتجهيز غرفة العمليات سريعًا وقامت مريم بتغيير ملابسها وبدئ التعقيم لعلها تقوم بإنقاذه مع الطبيب المختص … كان مرتضى جالسًا على مقعده في مكتبه يقوم بالتركيز فقط على مايهمه .. وهو مشاهدة بعض المقاطع المحرمة ولكنه إنتفض من مكانه عندما ظهر أمامه إسم أكثر شخص مُرعب في المجرة كما يقول .. “ياسين المغربى” فهو يتصل به الآن! … كاد أن يقع الهاتف من يده ولكنه أمسكه سريعًا و قام بالرد عليه وهو يحاول أن يتحكم في إرتعاش يديه …

مرتضى بإرتعاش:”يا..ياسين بيه، أهلا بيك………..”

قاطعه صوته البارد بجملة واحدة جعلته يبلل سرواله ..

ياسين بنبرة هادئة:”كل الرعاية الطبية توجه إنتباهها للطفل إللي لسه داخل المستشفى حالا.”

إنقطع الخط وظل مرتضى واقفًا في مكانه لا يدرى هل ما يحدث حقيقيًا أم لا؟؟؟ .. ولكنه إستفاق وقام بتشغيل الكاميرات الخاصة بالمشفى ووجد أن هناك حالة طارئة .. قام بعمل إتصال طارئ للإستقبال …

مرتضى بخوف وعصبية:”كل الدكاترة يجهزوا للحالة الطارئة دي.”

أصاب موظفة الإستقبال الهلع والخوف وقامت بتبليغ الجميع بذلك الأمر … بعدما إنتهت مريم خرجت من الغرفة ووجدت أن جميع من بالمشفى في حالة من القلق والخوف .. تقدمت إليهم بعدم فهم لما يحدث ..

مريم بإستفسار:”في إيه؟؟؟ مالكم؟؟ مش طبيعين ليه؟؟”

قامت إحدى الممرضات بالرد عليها مع توتر وقلق ..

؟؟:”دكتور طارق مشى من بدرى ومافيش حد جراح غيره موجود النهاردة ومش عارفين هننقذ الطفل إزاى؟؟ حتى الدكاترة زملاء حضرتك واقفين مش عارفين يعملوا حاجة ومستنيين توجيهات دكتور طارق ومش عارفين يوصلوله أصلًا، إحنا لو معملناش حاجة رقبتنا هتبقى قصاد حياة الطفل ده.”

لم تفهم ماترمى إليه من كلامها هى ليست بمزاج جيد يجعلها تركز في كلامهم .. ظلت تفكر كثيرًا والتوتر والقلق بدأ يستنزف طاقتها بسبب حالة الطفل حتى قررت .. يجب أن تنقذه يجب أن تفعل ذلك فهذا واجبها وقد أدت القسم بأن تقوم بمساعدة كل من يحتاج للمساعدة .. ستقدم كل ماتملكه لمحاولة جعل هذا الطفل يعيش ..

مريم بثبات وقوة:”أنا إللي هعمل العملية إجهزوا بسرعة، يلا.”

صُدم كل من كان في الممر عندما سمعوها حتى هشام فكيف ستقوم بتلك العملية بمفردها ولكن ملامحه هدأت .. أما الباقون نظروا إليها بقلق وخوف ..

مريم بصوت عالٍ نسبيًا وهي تنظر للجميع حتى زملائها الأطباء:”يا إما نحاول ننقذه يا إما نسيبه يموت.”

تصنم الجميع في أماكنهم كانوا لا يعرفون ماذا يفعلون إما الحراك أو الموت ولكنهم تحركوا عندما وصلهم صوت مرتضى التابع للموقف ..

مرتضى بعصبية:”ماتتحركوا.”

تحركت الممرضات بعجل بإتجاه غرفة العمليات، أما مريم نظرت إلى زملائها ولكنها لم تجد منهم سوى الخوف في موقف مثل ذلك .. أغمضت عينيها قليلًا تحاول التحكم فى ضربات قلبها من توترها لأنها ولأول مرة ستقوم بعملية جراحية وحدها وبدون إستشارة طبيب آخر ودون الإعتماد على أحد .. دلفت خلف الممرضات اللواتى يقمن بتجهيز كل شئ لكى تسير العملية بنجاح وبعضًا منهن عقمن الأدوات الطبية لها .. نظرت إلى ذلك الطفل الصغير صاحب الشعر الأسود النائم أمامها ولا يشعر بأى شئ حوله .. إقتربت منه بهدوء وأخفضت رأسها تجاه أذنه.

مريم بهدوء:”ماتخفش، هتقدر تتغلب على المحنة دى … هتفوق وهتبقى قوي، هتفوق وحياتك هتتحسن.”

قبلت جبينه قبلة لطيفة ثم إستقامت … إنتبهت للشخص الذي دخل الغرفة يرتدي زي العمليات، فتحت عينيها على وسعيهما عندما وجدته هشام ينظر للطفل بجديه، ثم وقف بجانبها ونظر في أعينها السوداء يحثها ويشجعها بنظراته وأنه لن يتركها أبدًا، أغمضت عينيها بهدوء ثم نظرت إلى الممرضات حولها وقامت بهز رأسها لتبدأ عمليتها الجراحية الأولى مع طبيبها المساعد وحبيبها هشام.

بعد مرور سبع ساعات:

توقفت مجموعة من العربات السوداء المصفحة الضخمة أمام المشفى .. نزل كل من كان فيهن وتوجهوا نحو سيارة يبدو عليها الهالة والغموض .. قام أحد الحرس بفتح باب السيارة للقابع بداخلها .. خرج من سيارته بخفة وإعتدل فى وقفته وإتضح طول الفارع وجسده الممشوق الملئ بالعضلات من خلال بذلته السوداء الراقية والأنيقة فهى وإن كانت صاحبة عصر قديم إلا أنه ينتقى دائما كل ماهو أنيق وراقى، تحرك تجاه مدخل المشفى الرئيسى وخلفه نصف طاقم الحرس أما الباقيين فقد إنتشروا حول المشفى، كان يتحرك بخطوات ثابته ونظرات لا يوجد بها روح فمن ينظر إليه يظن أنه لا يوجد سواه فى المكان فهو لا ينظر لأى أحد كان ينظر أمامه فقط متجهًا لوجهةٍ محددة .. دخل فى باحة المشفى ووقفت موظفة الإستقبال برهبة من حضوره وترحيبًا به ..

فتاة الإستقبال بتوتر:”نورت يا ياسين بيه، أهلا بحضرتك.”

لم يعر أى إهتمام لترحيب أحد؛ فها هى المشفى كل موظف يمر يقابله يقف مبتعدًا إحترما له مخفضين رؤوسهم .. توجه نحو الممر الذى يؤدى إلى غرفة المرضى والذى سيجعله مارًا على غرفة العمليات أشار بعينينه لأحد الحرس ففهم وهز رأسه بتفهم وأشار لباقى الحرس بالتوقف أما ياسين أكمل طريقه بإتجاه ذلك الممر وحده.. مرت سبع ساعات وهى واقفة وموجهة كل تركيزها على إنقاذ ذلك الطفل فهذه أول مرة تقوم بهذا المجهود، ونحجت في أول عملية لها وذلك لولا وجود هشام بجانبها .. إبتسمت برضى ونظرت إليه وجدته ينظر لها بالمقابل بإبتسامة ظاهرة في عينيه على الرغم من كمامته التي تخفي نصف وجهه .. خرج الإثنان من الغرفة ونزع هشام كمامته متحدثًا بإبتسامة و إرهاق …

هشام:”أنا فخور بيكي .. إنتي كنتي قدها وبصراحة كنت مبسوط وأنا مساعد لأشطر دكتورة زيك.”

نظرت مريم له بإرهاق ونظرات أعينها له كانت هي المتحدث في ذلك الصمت ..

هشام:”يلا نروح عشان هوصلك.”

مريم بإرهاق:”لا أنا هبات هنا.”

هشام:”ليه كده؟؟ طب ماتيجي أوصلك أحسن تنامي على سريرك.”

هزت مريم رأسها بالنفي:”لا، أنا هبات هنا، إنت إللي لازم تروح، إنت واقف على رجلك من الصبح، ريح جسمك شويه.”

هزت مريم رأسها بالنفي:”لا، أنا هبات هنا، إنت إللي لازم تروح، إنت واقف على رجلك من الصبح، ريح جسمك شويه.”

هشام بإبتسامة:”ماشي يا عنيدة .. أنا تحت أمرك.”

كاد أن يذهب ولكنها نادته …

مريم:”هشام.”

نظر لها بإستفسار ..

مريم بإمتنان:”شكرا على وجودك جنبي النهاردة.”

هشام بمرح:”لا لا أنا مش عايز شُكر، أنا عايز حاجة تانية؟”

مريم بإستفسار:”إيه هي؟”

إقترب منها قليلا وتحدث هامسًا:” أنا عايز بوسه.”

رمشت عدة مرات عندما سمعت تلك الكلمة …

مريم بدهشة:”إحترم نفسك!!”

هشام بضحكة خفيفة:”أحترم نفسي؟؟ حاضر، *ربت على شعرها الأسود* .. تصبحي على خير. “

إبتسم لها مرة أخيرة وإتجه نحو غرفة تبديل الملابس أما هي نزعت كمامتها التى كانت ترتديها بإرهاق وإستندت بجسدها على ذلك الحائط الذى يجاور غرفة العمليات فى نفس الوقت الذى ظهر به رجل فارع الطول ذو جسد ممشوق مرتديًا بذلة سوداء مرموقة من عصر الستينات .. رفعت رأسها بإرهاق ونظرت لوجهه كانت ملامحه هادئة مما يثير الريبة فكه بارز بشكل يجعله وسيم .. وفجأة شعرت برعشة خوف أصابت جسدها عندما تقابلت أعينهما.. نظراته الخالية من الحياة .. كأنه ينظر للاشئ .. شعرت أن الوقت يمر ببطئ .. كانت لحظة واحدة فقط تقابلت فيها نظراتهما ولكنها مرت على مريم كأنها دقائق، أبعد ياسين أنظاره عن تلك الفتاة المستندة بجسدها على الحائط وأكمل طريقه نحو غرفة معينة .. أما مريم كانت ترتعش بخوف لا تعلم سبب خوفها من تلك النظرة الباردة الخالية من الروح .. هذا الرجل حوله هالة من الغموض والرعب ولا تدرى ما السبب … إستفاقت من تفكيرها على صوت العربة النقالة وهى تخرج من غرفة العمليات ويحركها الممرضات نحو غرفة العناية المركزة … أخدت نفسًا عميقا محاولةً تهدئة أعصابها ..

مريم:”أكيد بيتهيألى إنى شوفت حد .. أنا شكلى هيست، *تنهدت بإرهاق* أنا محتاجة أرتاح.”

……………………..

كان نائمًا بهدوء نظرًا لمفعول الأدوية الذى بدأ ينتهى .. دقائق مرت حتى فتح عينيه بنعاس فقد كانت الغرفة مظلمة جدا حرك يده بإتجاه زر الإنارة الملقى بجانب سريره وقام بالضغط عليه .. أضيئت الأضواء بالغرفة ولكنه صرخ بفزع عندما وجده جالسًا أمامه بهدوء ناظرا إليه واضعًا ساقاً على الأخرى ..

عماد بخوف:”إنت عايز منى إيه؟ إمشى من هنا، إنت هتقتلنى … إنت جاى تقتلنى.”

ظل ياسين ينظر إليه ولم يعر لحديثه إنتباه .. توجه بنظره نحو الأدوية الموجودة بجانب سرير عماد ثم نظر إليه مرة أخرى .. بحث عماد بيديه عن جرس الإنذار الخاص بغرفته وعندما وجده قام بالضغط على الزر ولكن لدهشته لم يأتى أحد إلى الغرفة .. فقد إعتاد أن يأتى جميع من فى المشفى مهرولين نحو غرفته … إبتلع لعابه بخوف شديد وهو ينظر إلى ياسين الذى أنزل قدميه أرضًا وبدأ بالتحدث ..

ياسين بنبرة رخيمة باردة:”مش هتبطل شغل العيال ده يا عماد؟ ولا إنت خرفت خلاص؟”

عماد بخوف:”إنت جاى تقتلنى صح؟ أنا مش عايز أموت .. *صرخ بصوت يشوبه الرعب* يا مريم .. يا مريم إلحقينى ده جاى يقتلنى .. ده جاى خلاص يقتلنى.”

كاد ياسين أن يتحدث ولكن قاطعه باب الغرفة الذى فُتح على مصراعيه ..

قبل لحظات:

خرجت من غرفة تبديل الملابس الخاصة بالسيدات، متنهدة بإرتياح ومتوجهة نحو الإستقبال لكى تقوم بعمل ملف للطفل الذى أنهت عمليته قبلا، لم تستعجب وجود الكثير من الحرس الذين كانوا واقفين فى نهاية الممر فقد تجاهلت ذلك، توجهت نحو موظفة الإستقبال بإبتسامة مرهقة وكادت أن تتحدث معها قاطعها صوت الإنذار الذى أصدر فجأة والذى لا يصدر إلا من غرفة واحدة فقط في الآونة الأخيرة .. “غرفة عماد” .. أصابها الهلع وتوجهت نحو الممر ولكن توقف أمامها رجال الحراسة وتحدث أحدهم بخشونة ..

؟؟:”ممنوع.”

مريم بعدم إستعاب:”ممنوع إيه؟ عدونى.”

لم يتحرك أحد منهم قيد أنملة ..

مريم بصراخ وعصبية:”بقولكم عدونى، فى حالة فى خطر.”

لم يتحركوا ولم يعيروا أى إهتمام لحديثها .. نظرت لجميع الممرضات والأطباء بالمشفى الذين واضح الخوف على ملامحهم ولم يتحركوا لإنقاد المريض .. صرخت بهم بعصبية…

مريم:”واقفين كده ليه؟ فى مريض بيستغيث بينا.”

تجاهلوها وأكملوا أعمالهم .. أما هى شعرت أنها ستفقد عقلها من برودهم نظرت نحو الحرس مرة أخرى وإنتبهت لتلك الجهة الصغيرة الموجود بجانب الحائط والتى سوف تكفيها لصغر حجمها وتستطيع المرور من خلالهم .. تحركت بسرعة نحوها وجرت سريعًا وتبعها الحرس .. وصلت لغرفة عماد وسمعت صوت صراخه وإستنجاده بها .. فتحت باب الغرفة على مصراعيها وإقتربت سريعًا من عماد الذى ينظر برعب نحو الشخص الجالس قبالته ولدهشتها كان هو ذات الشخص الذى ترائى لها أنها رأته فى ممر الغرف .. توجه الحرس داخل الغرفة وكادوا أن يدخلوا ولكنهم توقفوا بإشارة يد من ياسين الذى مازال نظره موجهًا نحو عماد الذى تشبث بتلك الفتاة وكأنها حبل نجاته ..

أحد الحرس:”إحنا آسفين يا ياسين بيه بس……..”

قاطع كلامه بإشارة يده والتى تفسر بالخروج والرجوع إلى أماكنهم دون كلام .. إبتعد الحرس وأغلقوا باب الغرفة أما ياسين تحدث بهدوء مريع متجاهلًا نظرات الفتاة …

ياسين:”هتخرج من المكان ده إمتى؟”

عماد وهو يتشبث بمريم أكثر:”مش هخرج من هنا، مش هتعرف تقتلنى .. مريم هتدافع عنى.”

وجه ياسين أنظاره نحو مريم بهدوء فى البداية كان واضح عليها الدهشة مما تراه ولكن سرعان ما أخفت خوفها وعكفت حاجبيها بشجاعة وغضب وهى ناظرة فى أعين ياسين التى تنظر لها بالمقابل ولكن ببرود … تحدث ياسين وهو ينظر إليه مرة أخرى ..

ياسين:”بتدارى فى عيله صغيرة؟”

تضايقت مريم بسبب لقبه لها ..

مريم بعصبية:”أنا مش عيلة صغيرة، أنا إسمى الدكتورة مريم، وياريت تتعامل معايا بإحترام يا حضرة إنت، دى مستشفى محترمة وليها مواعيد زيارات معينة وأنا الدكتورة بتاعة الأستاذ عماد وبحددله ميعاد زياراته .. لكن حضرتك جيت من غير ميعاد وحضرتك مش مرحب بيك هنا، إتفضل إطلع بره.”

هدرت مريم بغضب وصراخ فى وجه ياسين الذى نظر إليها ولكن تلك المرة ينظر إليها بغضب واضح فى عينيه .. فمن تلك التى تتحدث معه بتلك الطريقة؟؟؟ .. ألا تعلم من هو؟؟ … قام ياسين من مجلسه وتوجه نحو مريم والظلام يسود عينيه، شعرت بالخوف يتسلل إلى قلبها ولكنها تظاهرت بالقوة .. فاجأها ياسين بإمساكه لفكها بقوة وتحدث هامسا صارًا على أسنانه …

ياسين:”أنا مش محتاج أحدد ميعاد زيارة وأنا جاى المستشفى بتاعتى.”

إتسعت عينيها بدهشة فقد علمت أنه “ياسين المغربى” … إستأنف ياسين حديثه ضاغطا على فكها بقوة أكبر مما جعله تفتح فمها بتأوه، أمسك لسانها بإبهامه وسبابته متحدثًا بصوت دب الرعب فى أوصالها …

ياسين:”لسانك ده هقطعهولك لو فكرتى بس تتكلمى من غير ماتعملى حساب للكلام إللى خارج منك.”

كانت عينيها مفتوحتان على مصراعيهما وهى تنظر لعينيه الملتهبة المليئة بالشر .. أكمل حديثه ضاغطا على لسانها مما جعلها تتأوه بألم ..

ياسين:”بعد كده ماتتدخليش فى إللى مايخصكيش.”

أبعد يده عنها ثم نظر إلى عماد الملقى بجانبها وخائفًا مما يحدث …

ياسين:”إعمل حسابك فى خلال أسبوع هترجع القصر كفاية دلع لحد كده.”

إعتدل فى وقفته وقام بمسح أصابعة بمحرمة ناعمة ثم قام بتعديل جاكت بذلته الراقية وخرج من الغرفة ببرود كأن شيئًا لم يكن، إتجه نحو إستقبال المشفى ولكنه توقف قليلًا عندما كان فى إتجاه فى غرفة العناية المركزة .. نظر إلى ذلك الطفل القابع على فراشه الأبيض وجسده موصولًا بأجهزة كثيرة .. نظر إليه نظرة خالية لا تحمل أية مشاعر ثم إستأنف تحركة حتى خرج من المشفى وخلفه نصف طاقم الحرس أما النصف الآخر بدأوا بحراسة الغرفة التي يقبع بداخلها الطفل المصاب .. كانت لا زالت تجلس محتضنة عماد الذى يبكى بخوف مما صار قبلاً .. إستفاقت مريم من غيبوبتها تلك ونظرت إلى عماد وقامت بالربت على كتفه ..

مريم بتوتر:”خلاص مشى.”

لم يستمع إليها عماد ولكنه ظل يفكر فيما سيحدث بعد أن يخرج من هنا ولكن لفت إنتباهه إستفسارها ..

مريم:”هو إنت خايف منه ليه؟ ده إنت فى سن أبوه.”

نظر إليها برجاء ألا تتحدث أكثر ثم نظر إلى كلتا يديه بندم وحزن بادٍ على ملامحه .. لم تجد منه الإجابة الملائمة لسؤالها مما يثير الريبة … إبتعد عماد وإعتدل على فراشه وقام بتغطية نفسه وأعطاها ظهره ..

مريم:”عماد أ…….”

عماد:”عايز أنام.”

مريم بهدوء وتفهم:” طيب تصبح على خير.”

لم يُجبها وذلك أقلقها قليلاً عليه فيبدو أنه الآن يفكر كثيراً بما قاله ياسين له ..

مريم:”عماد، متخفش محدش هيأذيك.”

لم يجبها أيضًا كان شاردًا فقط فيما سيحدث … تنهدت بإستسلام ثم تحركت خارج الغرفة … بعد مرور عد دقائق كانت مستلقية على سريرٍ فردي بغرفة صغيرة ناظرة لتلك الرسالة التي قام هشام بإرسالها منذ عدة دقائق … “بحبك” … إبتسمت بهدوء ثم أغلقت هاتفها ونظرت لسقف الغرقة محاولة النوم .. ولكن إتجه تفكيرها نحو أحداث اليوم كله .. إبتسمت بسعادة عندما قامت بأول عملية لها في مسيرتها الطبية .. ولكن إبتسامتها إختفت عندما تذكرت ياسين المغربي ذاك وكيف تعامل معها … لدرجة أنها شعرت أن الموت يقترب منها كلما نظرت في عينيه .. حاولت أن تستفيق من ذلك الشعور وتقوم بإطمئنان نفسها أن تتعامل كأن شيئًا لم يكن …

…………………………..

بعد مرور وقت ليس بقصير … في قصر كبير يبدو عليه الترف كان يجلس على كرسي خاص بمكتبه الضخم ويبدو عليه القلق والتوتر …

؟؟:”إزاي يعني؟؟ الولد ده لازم يموت …. يعني إيه بقى في إيد ياسين المغربي؟؟؟ .. إسمعني .. بكرة هترشي حد من موظفين المستشفى دي ويقتل الولد بدواء ولا حاجة ونقول خطأ طبي أو قضاء وقدر .. أي حجة وخلاص … الولد ده لازم يموت ده شاهد على جريمة قتل أنا عملتها………”

صمت عندما شعر بشي متجها نحو رأسه رفع رأسه وكل ما وجده هو سلامح مصوب على رأسه .. والذي يحمل ذلك السلاح يكون ياسين المغربي الذي ينظر له ببرود … فتح عينيه على مصراعيهما كاد أن يتحدث ولكن إستقرت الرصاصة في منتصف جبهته … أنزل ياسين سلاحه نازعا كاتم الصوت منه ثم أخذ هاتف الضحية ووضع المسدس في جيب معطفه الجلدي … ومر فوق الجثة بهدوء خارجا من باب ذلك القصر والذي إختفى منه جميع حراسه ….

 رواية القاتل الراقي الفصل الاول 1 -  بقلم سارة بركات
nada eid

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent