رواية بيت القاسم الفصل التاسع عشر 19 بقلم ريهام محمود

الصفحة الرئيسية

 رواية بيت القاسم  الفصل التاسع عشر بقلم ريهام محمود

 رواية بيت القاسم  الفصل التاسع عشر

صدق الله العظيم..
تمتم بها الجد بعد أن أنهى قراءة ورده اليومي، كان يجلس مضجعاً على فراشه، ممسكاً بكتاب الله بيديه المجعدتين، وأمامه زياد والذي سمح له بدخول البيت بعد إذلال وإحباط، ولكنّ زياد يستحق، يريد تربيته من البدء
أن كانت والدته انشغلت بالدراسات والشهادات العليا وأهملت بتربيته وأخته الصغيرة.. فسيربيهم هو، مايحزنه حقآ أن عمره لن يساعد فيما يريد ويفكر..
يجلس أمامه مايقارب من النصف ساعة دون كلمة ينطق بها، يفرك كفيه بتوتر، وقد أصابه الخرس على مايبدو،
صمتٌ ثقيل بينهما قطعه الجد بـ نبرة مهيبة مسيطرة..

-حط المصحف مكانه على المكتبة.... ولا أنت مش طاهر!

والمقصود احراجه، وبالفعل أصاب الهدف.. رد زياد متذمراً..
- ياجدي بقى..
ثم أكمل حديثه يقسم بصدق يشع من قسمات وجهه
- والله العظيم ياجدي أنا اتغيرت.. والكام شهر اللي فاتو دول انا اتربيت فيهم..

لم تنطلي خدعته على العجوز، بالطبع كاذب ولن يصدقه بسهوله.. تهكم
- ماشي ياسيدي ربنا يهديك.. مطلوب مني ايه؟

- سامحني ياجدي والنبي..
واقترب منه سريعاً ينحني على كف جده يقبله والآخر ترك كفه بين يديه دون أن يزيحه حتى، ولكنه اكتفى بايماءة من رأسه وقال..

-وأنا إيه يضمني إنك اتغيرت.. مايمكن تكون بتكذب عليا!

شدد من قسمه، يقف بثبات أمامه..
- والله ياجدي اتغيرت.. طب أحلف ع مصحف ولا أعمل إيه؟

- خلاص مسامحك..

هتف بها وصمت.. لينفعل زياد وقد فُلتت أعصابه
- هو إيه اللي خلاص سامحتك.. ونيرة ياجدي؟

-مالها!
يراوغ الجد.. يستفزه وبالفعل استفزه.. قال بنفاذ صبر

- هو إيه اللي مالها! انت هتسوق الصياعه عليا ياجدي!!

صاح به الجد هادراً..
- ولاه أحترم نفسك.. هو أنا عيل اودامك..
مسح زياد بكفيه على وجهه.. يحاول أن يهدأ من غيظه
سحب نفس تلاه آخر.. بهدوء أردف..
- لا ياجدي العفو.. انا اللي عيل وستين عيل..
ثم جلس أمام جده على فراشه يربت على فخذه يرجوه.

- نيرة ياجدي اقنعها ترجعلي وإني اتغيرت وع ضمانتك..

رفع الجد كفيه.. ينفضهما وكأنه يبرأ نفسه..
- لااا..منك ليها .. انا مضمنكش بجنيه يازياد.. أتكلم معاها سامحتك يبقى خير وبركة وغلطة وكلنا بنغلط..
، مسمحتش حقها وتطلق أول ماتولد بإذن الله..

تهدلت كتفاه محبطاً، يتلاعب بنبرته لكسب التعاطف
-يعني يرضيك ياجدي.. هو انا مش حفيدك زيها..!

سأله الجد بنبرة ذات مغزى.. وزياد يفهمه
- لو كانت هي اللي غلطت.. كنت هتسامح يازياد؟

اكفهرت ملامح زياد.. واحتدت نبرته
- جدي بلاش الكلام ده.. لا كرامتي ولا رجولتي تقبل حتى بكلمة ف الموضوع ده.. نزوة ومعترف بيها وتوبت وخلاص..

ونبرته فعلاً كانت صادقه.. يراها الجد بـ عيناه ويصدقه
- ماشي وانا مسامح ومصدقك وهساعدك..

تهللت أساريره.. وانحنى مرة آخرى على كف جده يقبله، وتلك المرة أطال بالقبلة ممتن له..
- حبيبي ياجدي والله..

تنهد الجد.. مسح بكفه الحر على خصلات زياد، يمنحه الرضا والقبول
ثم قال..
- يللا بقى اتوضى عشان نصلي العصر!

تعرفون ألوان الطيف..! ألوان الطيف جميعها لونت وجه زياد الذي ارتبك وصب عرقاً.. يتلعثم..
- عصر.. حاضر نصلي العصر.. منصليش ليه؟

ونهض من مكانه، يتحرك بخطى متخبطة، ولكن سؤال الجد أوقفه

- زياد هو العصر كام ركعه؟

ضحك ببلاهه يجيبه
- آه ياجدو يالئيم.. بتختبرني صح! العصر 3ركعات....

هز الجد رأسه بيأس.. يكاد أن يقذفه بأي شئ، ولكنه تماسك
-زياد اتوضى عشان هنروح دار الإفتا تعلن اسلامك...

............
.. أنهت تدريبها بالجيم المشتركة به.. والمُداوِمة على الذهاب إليه مرتين بالأسبوع، بدلت ملابسها الرياضيه بأخرى بحمام الصالة، رفعت حقيبتها على ظهرها وهمت بالخروج ليقابلها 'أحمد' الكابتن المشرف على تدريبها بالبداية،
قبل أن تتولى المهمة مدربة أخرى بناءً على طلب نيرة..
-عااش بجد..
ابتسمت وهي تومأ له..
- بفضل تشجيعكو.. المكان هنا حلو جدآ ساعدني كتيير..
أردف مشجعاً..
- إنتِ مش محتاجة المكان.. المكان هو اللي محتاجك..
عقدت حاجباها الرقيقان تستفهم..
-مش فاهمه..
ليجيب وقد عقد ساعديه على صدره العريض..
-بإذن الله بعد الولادة.. لو ينفع تشتغلي هنا هكون ممتن جداً..
- لا مش هينفع للأسف..
كانت إجابة زياد لا غير.. وقد ظهر من العدم، ونيرة اعتادت والآخر أيضاً..
ورغم حدة نبرة زياد إلا أن أحمد رد بثبات..
- أنا سألتها.. هي صاحبة القرار..
رفعت خصلاتها، باحراج قالت..
-بإذن الله هفكر ف عرضك وارد عليك.. شكراً ياكابتن..
وتوجهت صوب الباب تفتحه وتغاد وزياد يتبعها وقبل أن يلحقها أمسك بالباب ومال برأسه يحدثه بسماجة وبغُض..
- هترد عليك بالرفض إنشاء الله..
ثم اتبع بتهكم وملامح ممتعضة..
- عنئذنك يااأستاذ ممتن....

.. يتبعها بخطى سريعة، كانت تسبقه تحاول أن تبتعد عنه قدر الإمكان..
وفشلت سبقها وهو يفتح باب سيارته لها.. آمراً
- اركبي..
جزت على نواجزها.. تخرج زفيراً حاداً من أنفها.. ولكنها قررت الركوب معه وكفى فضائح، أغلق الباب بعدما ركبت وجلس بالجهة المعاكسة بهدوء يُحسد عليه رغم نيران تشتعل بداخله بسبب المدعو 'أحمد'..
وفور أن انطلق بقيادته.. اردفت بضيق..
-ممكن أعرف هتبطل تضايقني أمته؟
-هو انا بضايقك..!
قالها متعحباً ليأتيه ردها
- أيوة.. لما بشوفك بضايق..

أشاح بعينيه بعيداً.. تلك المرة الأولى التي تصرح بها بأنها لاتريده.. سابقاً كانت تماطل، تتباعد..
اما الآن متأكد من أن كل شئ تغير بداخلها، لم تعد نظراته نحوه كسابق عهدهما معاً، ولا كلماتها، ردودها جافة.. ونظراتها خاوية
يعلم أن ذنبه عظيم ولكن أساس الحب المسامحة..
تنهد بضيق.. وقال بنبرة هادئة رغم حزن داخلي أصابه..
-عموماً جدي اداني فرصة تانية معاكي لحد الولادة، يعني مضطرة تشوفيني غصباً عنك..
- جدي!! هو جدي سامحك..؟
- طبعاً..
قالها بثقة.. يرفع حاجب ويثّبت بالنظرة..
هزت رأسها مستنكرة.. بالطبع فالقاسم الكبير يحبه، يحبه لدرجة أنه المفضل لديه بعد قاسم طبعاً، ابتسمت بسخرية داخلها بأنها أيضآ كانت تحبه مثله.. من يراه ولا يحبه!!
أكيد بأنها كانت، لو كانت مازالت تحبه بالتأكيد كانت ستسامحه..

سألته ترمق الطريق أمامها بحيرة..
-احنا رايحين فين..؟
- هنروح للدكتور اللي بتابعي معاها.. من حقي انا كمان أطمن على ابني..

... للتو خرجا من عند الطبيبة المتابعة لحملها.. بعد أن اطمئنا سوياً على الحمل، وكم كان زياد فرِحاً.. صادقاً بسعادته.. يرمق الشاشة بسعادة عارمة وضحكة واسعة.. لأول مرة تقريباً تراه سعيد هكذا..
يقاطع الطبيبة باسئلته..
- عن موعد معرفة نوع الجنين..!
- صحتها وصحة طفلهما.. نوع الغذاء الصحي لها وهكذا أسئله.
أسئلة مهتمة من زياد.. يبدو أن زياد الأب مختلف كلياً عن زياد الزوج..!!
.. ضحكته الواسعة دليل ظاهر على تبدل مزاجه، يحاوط خصرها بذراعه بخوف وتملك وللأمانه أعجبها الوضع قليلا..
وقفا أمام سيارته دون ركوبها.. تستند على مقدمتها ويقف أمامها.. برمقها بنظرات غريبة.. نظرة محب!
يتأمل كل إنشٍ بها.. كم زادت جمالاً وفتنة بحملها هذا..
شعرها الفحمي ازاداد لمعانا وبريقا يخطف الأنظار وقد استطال قليلاً..
سواد عينيها بهما بريقا يسلب القلب واللب معا، وجسدها والذي زاد بشكل ملحوظ لعينيه. فأصبحت شهية أكثر..
ولكن مايضايقه حقاً تصرفاتها معه.. وملابسها أيضآ..
لاتراعي زيادة وزنها فترتدي ثياب ضيقة
بنطال اسود وقميص خفيف يظهر امتلاء بطنها الطفيف !!
اقترب من وقفته معها يحاوطها بذراعيه مستندا.. يمزح بكلامه..

- ولد بإذن الله..
فعاندته بحاجب مرفوع..

-لأ أكيد هتكون بنت..

ضحك باتساع.. يشاكسها

-لأ ولد.. مش هستحمل تجيبي بنت حلوة زيك كدة تدوّخ الولاد وراها وتعملي مشاكل..

انتثرت شرارات ورديه على وجنتيها وقد أخحلها بقربه ونظراته.. ضحكت بسماجة

-ايه الخفة دي يازياد..!

همس غامزا بوقاحة..

-النومة لوحدي خلتني خفيف، ماتحني بقى وترجعيلي والله دانا اتعلمت الأدب..
وكلامه كان صادقاً.. هو الآن على استعداد أن يلقي بحاله بالبحر أن أمرت بذلك..
تبدلت ملامحها.. وهتفت بجديه..

-إنسى ولو جدي سامحك انا مستحيل..!

واستاء من رفضها القاطع.. تمتم بإحباط حقيقي

-ليه بس بتقفليها في وشي..

ثبتت نظرتها عليه.. تجيب بوجع عاد من جديد وظنت انه غادرها..

-مش هنسي يازياد اللي شوفته ولا هنسي وجع قلبي ساعتها..

وابعد كفيه كي تنزل من جلستها، استدارت تفتح باب السيارة، واعتدت بجلسته بعد أن أغلقت الباب، متجاهلة من يشتعل بالخارج..
ركب بالجوار.. ولن ييأس.. قال

-طب نرجع ونبني ذكريات من أول وجديد.. كأنك بتتجوزي واحد تاني..

ضحكت، ولكنها وضعت كفها على ثغرها تخفي الضحكة.. تهز رأسها
-لأ بردو...

وأثارت الضحكة، وكانت بادرة امل تشبث بها.. همس وهو يشغل المسجل يبحث عن اغنية تلطف الأجواء..

-دانتي المناهدة معاكي أصعب من عبور بارليف ياشيخه..!

..........

.. "ليلاً"..
.. عاد إلى المنزل قبل التاسعة تقريبا، بعد أن ذهب مع وليد و والدته لخطبة بسمة من أهلها، زيارة كانت موفقة توجت بزغاريد عالية وغنوة صدحت عالياً على صوتها ارتدوا خواتم الخطبة بمباركة الأهل وهو أيضاً..
لا يريد أن يصعد حالياً.. يشعر باختناق ولايريد أن تراه أمه هكذا، ستشعر بالتأكيد ستشعر وستفتح سيرتها من جديد وتذم بها..
هو لامانع لديه من فتح سيرتها، ليت الجميع يذكرها دآئما أمامه ولكن يريد ذكرها خيراً وليس ذماً..
قرر الجلوس بحديقة المنزل قليلاً.. وعلى أريكة جانبية مريحة للجلوس.. اتكأ عليها متنهدا.. الجو من حوله هادئ ولطيف..
عدل من ياقة قميصه الأبيض فابتسم ابتسامة خفيفة فتلك المرة الأولى التي يرتدي بها قميص أبيض كلاسيك وكان رائعاً عليه..
أحب نفسه هكذا.. بل أنه حينما وقف أمام مرآته يظبط من هيئته نظر بإعجاب لانعكاسه،
أخرج هاتفه من جيب بنطاله الأسود وأمسك به بعد أن فتح الكاميرا وبوضعية السيلفي رفعه على طول ذراعه يلتقط له العديد من الصور مع ابتسامة جانبية خفيفة..
أنزل هاتفه يقلب بصوره وقد أعجبته جميعها،
ورغم أنه لايحبذ الفيس بوك ولا يستهويه الا أنه فتحه وغير صورته الشخصية والتي كان يرتدي بها تيشرت للأهلي ووضعيته بالصورة كانت خاطئة.. بصورته التي أخذها حالياً..
صورة مناسبة لكلمات كتبها عليها "ستفقد سذاجتك وشغفك مع كسرة قلبك الأولى.."
وتم التحميل بنجاح.. وسريعا انهالت التعليقات وأول تعليق كان لأكرم..
-قاسم!! دانا نسيت ان عندك فيس بوك..
ضحك بخفة سرعان ماخفتت وهو يرى ريم زوجة شقيقه قادمة إليه..
ريم التي أصابها الضجر بالجلوس بمفردها بشقتها حيث كانو الصغار ببيت جدتهما، فقررت النزول للحديقة بالأسفل ومعها رواية تقرأها حين عودة كمال..
تفاجأت بوجود قاسم كما تفاجأ بها هو الآخر.. ولكنها أُحرجت من أن تعود بخطواتها.. فالقت عليه سلاماً ناعماً بـ حرج..
نهض هو على الفور دون أن ينظر لها رد سلامها بآخر هادئ.. يشيخ بنظرته عنها..
سألها قلقاً..
-فيه حاجة!!

ردت بابتسامة رقيقة..
-مفيش.. قولت انزل تحت شوية لاني اتخنقت فوق..
وتفحصته من خصلاته المصطفة للحيته المشذبة حديثاً.. ذوقه الحديث بلباسه، ولكن لم تكن تتفحصه بإعجاب قدر أنه استغراب..
وتحرك ينوي المغادرة، لايصح أن يكون معها بمفردهما..
ليقابله كمال يقطع عليه طريقه.. يرمقهما بنظرات غريبة لم يهتم قاسم بها ولكن ريم توترت..
سأل كمال يوزع بينهما نظراته..
- فيه حاجة ولا ايه؟!
اجابه قاسم والوضع جعله حانقاً دون سبب..
- مفيش انا كنت طالع وريم نازلة..
وغادر.. غادر بعد أن قال اسمها مجردا، ريم هكذا دون زوجتك حتى،
رمقها بضيق لما ترتديه كانت ترتدي عباءة زرقاء ولكنها كعادة كل ثيابها ضيقة وحجاب صغير بالكاد يغطي رقبتها..
قال وهو يسبقها بخطاه..

-اطلعي ورايا...
..............

وعلى الجهة الأخرى كانت حنين تجلس على فراشها.. ممسكة بهاتفها
أجفلت وهي تراه يغير صورته الشخصية..
منذ متى قاسم يهتم بحسابه على الفيسبوك؟
كان وسيم.. لأول مرة تراه بذقن مشذبة
ملامحه جميلة بحق كبطل غادر غلاف رواية أحببتها هي
توقف الزمن بها وهي تتأمل صورته. ابتسامة خفيفة
هذا هو قاسم خفيف الابتسام.. كثير الخناق..
لماذا لانشعر بقيمة الأشياء الثمينة التي كنا نمتلكها الا بعد زوالها!
خفق قلبها بعنف حين انتبهت لكلماته التي تعلو صورته..
"ستفقد سذاجتك وشغفك مع كسرة قلبك الأولى.."
قبضة قوية أحكمت على صدرها وهي تعلم جيداً يعني من بتلك الكلمات.. هي.. هي كسرة قلبه الأولى....

...................

..
"بشقة كمال"..

كان يقف بمنتصف الصالة.. يوليها ظهره، تنفيه كان سريعاً ومسموع لأذنيها، استدار ببطء يرمقها.. يتمهل عند صدر فستانها بإشارة أنه كم نبّه بأنها لاترتدي ثياب ضيقة كتلك..
خلعت حجابها وتركت خصلاته المموجة تنسدل على ظهرها..
سألها مباشرة
- كنتي بتعملي ايه تحت..؟
أمسكت برواية كانت معها وقت نزولها رواية 'أحببتك أكثر مماينبغي' ترفعها أمامه..
- قولتلك كنت مخنوقة هنا.. خدت رواية وقولت انزل تحت ف الحديقة واقراها..
وبضيق قال..
- ووقوفك مع قاسم!
رفعت حاجبيها باستغراب.. ثم هاجمته بحدة..
-ده شك؟!

زفر غير راضياً عن كلامها.. اقترب متثاقلاً، ثم قال بثبات..
- مين جاب سيرة الشك يابنت الناس.. انا لو شكيت فيكي مش هتبقى على ذمتي لحظة واحدة..
واسترسل بمزيد من الثبات بصوت أجش..
-انا رجعي شوية مبحبش الاختلاط..

بعدم اقتناع هتفت باستهجان ..
-ياسلام طب مانيرة..

ولكنه قاطعها بضيق واضح.. يشدد على كل حرف يخرج من فمه..
- انا مليش دعوة بحد، نيرة ليها جوزها، حنين ليها ابوها وجدها..
إنما إنتِ.. إنتِ تخصيني..... أنا راجل بيتي وبس.. ارجوكي ياريم متندمنيش إني كنت صبور معاكي....

..........

..."كده كده كنت هترميني.. انت بس اللي مضايقك أن انا اللي مشيت وطلبت الطلاق .. "..
.. من وقت أن تركها وغادر غاضباً، وتلك الجملة تحديدا تتردد برأسه دون راحة،
أيعقل أن سبب تمسكه بها أنها تركته هي!!
شارد الذهن وكأنه وحيد، بجواره جيلان تمسك بجهاز التابلت تقلب في العديد من صور فساتين الزفاف، هي بـ عالم وهو بـ آخر
لا يرى ماتفعله ولايشغله، كلامها فقط ما يشغله، نظراتها المحترقة هي ما تأنبه..
جذبته من شروده حينما وضعت كفها الناعم على لحيته تسأله باستياء ناعم..
- مش معايا ليه!!
تعاتبه بنعومة لم يهتم.. وشرد مرة أخرى ولكن بذكرى بعيده..
صمت لحظات ثم قال بنبرة غائمة..
-فاكرة أول مرة اتكلمناا فيها..
ابتسمت بحالمية وقد عادت روعة اللحظة وحلاوة البدايات..
- طبعاً فاكرة، أنا اللي جيت كلمتك... لوكنت استنيت انك تيجي كنت هستنى سنين ومكنتش هتيجي بردو..
ركز بعينيها وأستطرد متعجباً ..
-حتى كلمة بحبك انتي اللي بدأتي بيها..!
شعرت بسخونة تلفح بشرة وجهها.. لاتفهم ماذا يريد سألت بحدة..
- مش فاهمة.. بتسأل ليه الأسئلة دي يعني!
أجاب سؤالها بسؤالٍ آخر..
- تفتكري لو كنت اتجوزتك.. كنت هطلق نورهان؟!
- إجابة سؤالك عندك انت وبس ياأكرم..
ردها كان منطقي.. منطقي للحد الذي لاحد بعده.. ولكنه يشعر بـ تيهٍ، حيرة..
فاجئته بسؤالها..
- انت بتحبها؟!!
- بحبها..؟
بحبها!!
بحبها....
الأولى استنكار، والثانية تعجب.. والثالثة إعتراف...
اعتراف أقر به وبصوت مسموع.. أمامها ومن قبلها أمام نفسه
وقد أنكر الأمر بداخله سابقاً..
بوجع شاب نبرتها الغاضبة..
-طب وأنا؟!
أجاب بنبرة فاترة لاروح فيها..
- بحبك
والمشهد غريب.. للتو اعترف بحب زوجته، وحبها هي أيضاً
تقريباً يعاني من انفصام، أو مرض نفسي..
نهضت من مكانها بـ حده وأمسكت بحقيبتها ترفعها أعلى كتفها،
غاضبة وبشدة ورده المستفز أشعرها بالدونية.. وهي التي كانت تظن بأنها المتربعة على عرش قلبه..
غادرت المقهى وهو ورائها يتبعها بصمت دون أن يراضيها كعادته وكما اعتادت هي أيضاً..

.... ......

بعد أن أوصلها لبيتها .. وتأسف عما بدر منه.. وكان أسفه غير صادق
وهي تعلم.. فلم تقبل أسفه وبالمقابل لم يهتم أو يزيد..
قرر المبيت تلك الليلة لدى زياد، يعلم أن يارا تلك الفترة تجلس مع جدها
وهو لايريد أن يكون بمفرده اليوم..
هو اليوم اعترف بأنه يحب زوجته..
ضحك بداخله.. يالغرابة الجملة "رجلٌ يحب زوجته"..
وصل لبيت زياد، رن جرس البيت ففتحه زياد فوراً
يفتح ذراعيه بحفاوة..

-أهلا بالغالي.. أخو الغالية..
ضحك باستهجان فزياد ذلك حالته ميؤوس منها..
.. وبعد تناول عشاء خفيف قد أعده زياد وكوبان من الشاي الثقيل..
كانا ممدان على أريكتين منفصلتين كلاً منهما ينظر للسقف بصمت..وشرود....
قطع الصمت سؤال أكرم الهائم على وجهه..

-هو الواحد يعرف انه بيحب إزاي..؟

رد زياد دون أن يلتفت أو حتى يبدي استغرابه من سؤال أكرم..

-لما يكون زيك كدة..

اعتدل أكرم وارتفع بحزعه قليلاً يرمق بزياد باهتمام..
-زيي اللي هو ازاي؟
اعتدل هو الآخر ليكون بمواجهته، يعدد على أصابعه بمكر

- يكون معدي التلاتين، عاقل ملو هدومه.. يروح لبيت حبيبته اللي هي بالمناسبة مراته!! يتلكك بأي حاجة عشان يشوفها أو يكلمها
فجأة يجيله هبل ف دماغه فيروح لواحد أهبل منه يقوله هو الواحد يعرف هو بيحب ازاي!

تعالت ضحكات أكرم عالياً.. فشاركه زياد ضحكه.. حتى هدئا وجلس أكرم يسأله

- طب سؤال تاني يأستاذ زمانك..

رد بتعالي ونفاذ صبر
- اسأل يابني اسأل.. دانت منك لله انت واختك

-هو الواحد ينفع يحب اتنين..
جلجلت ضحكة زياد عاليا ليهتف من بين ضحكاته..
- وعشرة وحياتك

والجلسة كانت خفيفة.. ضحكاتهم كانت جلية عالية ازعجت الجيران ولن يهتموا..
-ليها حق نيرة متطقش تشوفك والله..!

هتف بها أكرم من وسط نوبة الضحك التي دخل بها.. يشعر وكأنه منتشي..
فصاح به زياد عابساً ونبرته غاضبة رغم المزاح المخالط لها..

- عليا الطلاق من اختك لاهرجعها.. قال مش طايقة تشوفني قال
دي بس غيرانه مني عشان احلى منها..

...............

..في اليوم التالي مساءً.. كانت ملك صغيرته معه.. يضعها بالكرسي المخصص لها بسيارته بالخلف تلهو بألعابها الموجودة بالسيارة..
وقد أخذها من نيرة بصعوبة.. فهي تخاف عليها منه..!
تتحجج بأي شئ عدا أن يأخذها ويخرج بها..
يقود سيارته ومراده الوصول لـ شارعها، يريد أن يراها وبشدة..
يرمق صغيرته من خلال المرآه يحدثها بطفولية تفهمها منه
-عايزة تشوفي ماما.. هوديكي تشوفي ماما..
دقائق وكان بـ حارتها يحمل الصغيرة بذراعيه بعد أن ركن سيارته بزاوية اعتاد أن يركن بها كلما جاء..
يبدو أنه أحب الشارع بجدرانه، وأناسه.. وأطفاله
كانت بالمكتبة مازالت ترتدي الأسود حداداً على والدتها..
مابه الأسود يزيدها جمال، لم تنتبه عليه وهذا ضايقه، ويضايقه أكثر وقوفها بالمكتبة..
ستعود إليه وستترك المكتبة..
صعد تلك الدرجات البسيطة ومعه ملك ووقف أمامها.. فصاحت الصغيرة بأنها التي كانت منكبة على ورق أمامها تكتب به شيئاً..
رفعت رأسها متفاجئة.. فاقتربت منهما تهتف باسمها بفرحة..
-ملوكة..
خرجت لتقابلهما وتأخذها منه ولكنه تمسك بها يضغط على جسدها بحضنه..
فمدت كفيها له تهمس..
- ممكن اخد ملك..
ابتسم رغماً عنه يقول بمكر..
- خوديها.. هو انا حايشك..

واقترب منها حتى كادا أن يتلاصقا، فابتعدت خطوة ولم يهتم تجاوزها واقترب ثانية، فاشتعلت وجنتيها تعض على شفتها بخجل فطري ،
فناولها الصغيرة فأخذتها مُرحبة يقف مكانه وهي أيضاً تفصلهما ملك التي يأبى والدها تركها لسبب لا يعلمه غيره.. ارتجف جسدها لاارادياً وزادت نبضات قلبها بجنون فابتعدت عنه ومعها الصغيرة والتي سحبتها منه بأعجوبة ودلفت المكتبه وتركته خارجها بينهما فاصل خشبي لعين يود تحطيمه..
بادر بالكلام..
-خدتها أفسحها شوية.. صدعتني ف العربية.. ماما ماما ماما
فاضطريت اجبهالك عشان تسكت..

رفعت نورهان الصغيرة عالياً.. تدللها بمرح..
- إنتِ عايزة تشوفي ماما.. انتِ وحشتيني ااوي..
احتضتنتها تنثر قبلات مشتاقة ناعمة على وجنتيها.. وتترك الآخر على نار..
تزيد من قبلات على خد الصغيرة الممتلئ وهي تتمتم..
-شكل عمتو نيرة مهتمة بيكي جدآ..
-وأبوها..
التفتت إليه تستفسر..
- ماله؟
مال على الفاصل يستند بذراعه.. بنبرة هائمة أردف..
-مهتم بيها جدا..
اجُفلت من نبرته وتوردت وجنتيها.. واليوم هيئته غريبة وصوته أيضاً وطريقته..
نظراته بها شئ.. لاتعرف كنهه، ولكنها تفضل ألا تنظراليه.. يقول شيء ونظرته تقول شيئآ آخر..
انحنت قليلا وهي تحمل ملك.. وأخذت علبة عصير وأدخلت بها المصاصة البلاستيكية وناولته إياها بحرج شديد..
رمق العلبة بـ قرف حاول ألا يظهره ولكن أنفه االممتعض فضحه.. أشار بكفه رافضًا..
- شكراً.. إنتِ عارفة مليش ف العصير..
شعرت بإهانة من تصرفه فألقتها بصندوق قمامة جانباً.. زفر بقوة وحركتها تلك أغاظته..
صاح بعبوس طفيف..
-يللا ياملك عشان منتأخرش على عمتو..
تبدلت ملامحها وبهتت، اردفت بإحباط..
- خليها معايا شوية.. دانتا لسه جايبها..
لانت ملامحه وهو يرى ضيقها.. فعاتب بحزن مفتعل..
- طب وانا هفضل واقف كدة..
دارت بعينيها بأرجاء المكان عاليهِ وأسفله فردت كفها أمامه بـ قلة حيلة..
- نفسي أقولك اتفضل، بس زي منتا شايف المكان ميليقش بيك..

كاد أن يجيب ولكن جارها الذي أتى وجاوره بوقفته يتحدث دون أن يكترث لوجوده بصوت مرتفع..

-لسه الراجل ده بيضايقك..
والاستفهام واتساع العينان والذهول كانو من نصيبه..
- راجل مين؟

يتبع الفصل العشرون  اضغط هنا

رواية بيت القاسم الفصل التاسع عشر 19 بقلم ريهام محمود
princess

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent