رواية نزيف الجدران الفصل الخامس 5 بقلم سيد داود المطعنى

الصفحة الرئيسية

  رواية نزيف الجدران الفصل الخامس بقلم سيد داود المطعنى


رواية نزيف الجدران الفصل الخامس

ذهب المدير مع العم ابراهيم الى مكان الجسم الغريب, ورفعه إليه و نظر فيه بدقة وعاد إلى المكتب مسرعا و اتصل بالشرطة و أخبرهم الأمر وناشدهم سرعة الحضور, وقام بإخلاء المبنى بشكل كامل من الطلاب و المعلمين, وامتلأ الشارع بالناس, و حضرت سيارات الشرطة و سيارات الإطفاء الضخمة والصغيرة, وسيارات الإسعاف, وتم رفع حالة الطوارئ القصوي بحضور قيادات أمنية من مختلف الاجهزة بوزارة الداخلية.
ارتدي خبراء المفرقعات الملابس المخصصة للتعامل مع تلك الحالات, و طلبوا من العم ابراهيم مرافقتهم للداخل ولكنه أصر علي الرفض.
ــ ادخل يا عم ابراهيم مع الخبراء وريهم مكان القنبلة دي فين.
ــ أنا مليش دعوي, هي ورا أوضة الموسيقي يا باشا.
ــ  يعني هم هيعرفوا أوضة الموسيقي فين, ادخل معاهم يلا متضيعش وقت.
ــ يا باشا أنا مش هدخل, ولو عايزين تفصلوني افصلوني, عايزين تعتقلوني اعتقلوني, بس والله ما أروح للخطر, أهو المدير عارف المكان ويدخل معاكم.
ــ أنا عندي أولاد, مش هروح للموت برجلي, أنا كويس اني واقف علي رجليا, وقدرت أخلي المبني من الطلاب حفاظا علي الأرواح.
ــ حد في الأساتذة يكون قلبه جامد يدخل يا جماعة, الوقت مش في صالحنا.
ــ أنا هدخل معاهم يا سيادة العقيد.
ــ حضرتك مدرس هنا؟
ــ أنا مدرس اللغة العربية, هدخل أوريهم المكان و اخرج بسرعة.
ــ شاكرين تعاونك, اتفضلوا يا حضرات.
دخل المعلم و خلفه خبراء المفرقعات, حتي وصل بهم إلي مكان الجسم الغريب, وأشار لهم علي الغرفة, ورأوا تلك الكتلة الغريبة وانحني أحدهم ليمسكها بيده, وخرج معلم اللغة العربية مسرعا إلي الخارج, فسأله العقيد:
ــ الخبراء شافوا الجسم المتبلغ عنه ؟
ــ شافوه, وبدأوا يتعاملوا معاه.
ــ ربنا يستر, ربنا يستر.
  بدأ الخوف يرتسم علي وجوه المحيطين, وبعض الناس يحاولون الابتعاد عن المكان قدر المستطاع, تراهم مترددين بين الخوف علي الحياة, والفضول لمعرفة ما هذا الجسم الغريب, الكل يراقب بوابة المدرسة, ينتظرون خروج الخبراء سالمين, أو حتي يرتقبون صوت الانفجارات تدوي في سماء المكان, واشتعال النيران بالمبني.
ما هي إلا خمس دقائق حتي خرج الخبراء يضحكون بصوت عالي, و هم يمسكون ذلك الجزء الغريب, والذي رأوا أنه مجموعة من المسامير الناعمة ملفوفة في عدة ورقات, و محاطة بأكياس لاصقة حتي لا تتساقط, ومغلق عليها ذلك الكيس الأسود في شكل مستدير, مما جعل الكتلة مدببة توخز من يمسكها.
تعجب الجميع من ذلك الأمر الغريب, و لم يتعرفوا علي صاحب تلك المسامير, من وضعها بهذا الشكل خلف غرفة الموسيقي بالمدرسة.
أنكر جميع الطلاب والمعلمون صلتهم بتلك المسامير, او حتي رؤيتهم لأي شخص يلقي بها في الفناء.
لم يكن من رجال الشرطة سوي الانصراف, وشعر مدير المدرسة بالحرج الشديد من ذلك الموقف, إلا أن جميع الحضور أشادوا بحسن تصرفه وسرعة ارساله استغاثة للشرطة لإنقاذ الموقف, فماذا لو كان ذلك الجسم الغريب قنبلة موقوتة أو شيء قابل للانفجار.
كان اليوم مريرا علي رائف وزملائه, فمن الصعب أن يتعرض الأطفال لذلك الموقف الذي لا تمحوه الحياة من ذاكرتهم مهما طالت.
                                 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اجتمعت الأسرة علي المائدة عصرا, و قد عادت سمر من المدرسة, و كذلك رائف و راندا, يتناولون  وجبة الغداء, يتبادلون النظرات فيما بينهم.
كان سعد ينظر إليهم نظرات متألمة, كمن يودعهم بعينين خائفتين, تنظران إلي فلذات كبده, وعقله سارح في مصيرهم بعد وفاته تاركهم في دنياهم بمفردهم.
و راندا تنظر إليه نظرات مشفقة عليه, لا تحب ان تري والدها كذلك دون أن يبتسم كعادته, كيف يستسلم بهذا الشكل لرؤية ليلية عابرة, و الدنيا كلها تري في نومها أحلاما شرسة من مطاردات عفاريت لهم, أو صراعهم مع الكلاب المفترسة, أو فقدانهم في الغابة, أو رؤية جثث الموتي في الأحلام, و لكنها لا تتحقق علي أرض الواقع, فماذا أصاب والدهم المحامي المخضرم ليتأثر بهذا الشكل.
و سمر تراقب شفتي والدها, عله يتكلم أو يبتسم, أو ترسل أي اشارة لها تشجعها علي فتح الموضوع, لتطلب منه الموافقة علي ذهابها في رحلة إلي دير سانت كاترين وكذلك جبل الطور مع معلمة التاريخ و مشرف المدرسة, لكن سعد يجلس بينهم جسدا, بلا روح.
رائف ينقل عينيه بين الوجوه, يود أن يكسر ذلك الصمت الذي أصاب المكان, فوجه كلامه إلي راندا ,
ــ عارفة يا راندا النهاردة كان عندنا خبراء مفرقعات في المدرسة
انتبه سعد لرائف, ونظر فيه بدهشة
ــ مفرقعات! ليه؟ كانوا بيعملوا ايه عندكم؟
ــ العامل والمدير شافوا حاجة زي القنبلة  وأخلوا المبني من الناس و اتصل بالشرطة, وجات الاسعاف والمطافي و مصر كلها كانت في المدرسة
ــ ها وبعدين؟
ــ طلعت مسامير صغيرة جدا, ملفوفة في الكيس
ــ  لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
ــ المدير كان فاكرها قنبلة
ـــ الحمد لله انك بخير يا رائف
ــ أنا بصراحة كان نفسي تكون قنبلة, بحب اتفرج ع الحاجات دي
ــ قنبلة ايه يا ولد, اياك تقول كده تاني,  هي أي حاجة عندك فيلم أكشن
ــ ده مخه علي أده يا بابا, مش مستوعب اللي بيقوله
ــ بابا!
ــ ايه يا سمر, وانتي كانت عندك مفرقعات
ــ لا يا بابا, أنا عايز استأذن حضرتك أروح الرحلة مع المدرسة
ــ و ماله يا بابا روحي الرحلة مع المدرسة, عايزة كام فلوس
ــ المشكلة مش في الفلوس يا بابا
ـــ المشكلة فين يا سمر
ــ المشكلة ان الرحلة في جبل الطور وفي دير سانت كاترين
ــ في سيناء يعني؟
ــ أيوة يا بابا في سيناء
 بدأ وجه سعد يميل للتغير و ينظر في وجه سمر يراقب حركاتها, يخشي أن يرفض لها طلبا يصيبها بحالة من الحزن, فبادرته هي بقولها
ــ الفصل كله هيروح يابابا, و طور سيناء بعيد خالص من المشاكل اللي حضرتك خايف منها
ـــ بس الطور بعيد جدا يا سمر, و انتي عارفة اني مقدرش علي غيابك اكتر من يومين
ــ بس هكون سعيدة جدا يا بابا لو رحت, هكون سعيدة جدا
ــ طاب ممكن تسيبيني النهاردة أفكر وأرد عليكي
ــ ما دمت  هتفكر يبقي هتوافق يا بابا, هي الرحلة هتطلع الاسبوع الجاي لو الادارة وافقت عليها
ـــ و انا هرد عليكي بكرة الصبح ع الفطار يا سمر, من عينيا حبيبة بابا
ــ ربنا يخليك ليا يا بابا
  ــ و انتي يا راندا مش عايزة تحكي لي علي حاجة 
ــ حاجة زي ايه يا بابا
ــ يومياتك في الجامعة حتي
هربت راندا بعينيها من والدها و دققت النظر في طبق الأرز أمامها و هي في قمة الخجل
ــ لا أبدا يا بابا, ده حتي اليوم كان عادي جدا
ــ امممممممممم شكله مش عادي يا عيون بابا, عموما هعرف
 لم يكن رائف يعرف سر خجل راندا من سؤال والدها بهذا الشكل, حتي سمر تعجبت, كيف تتهرب راندا من نظرات والدها وهو يسألها عن يومياتها في الجامعة.
و كان سعد هو الأذكي فقد فهم أنها تذكرت شيئا جعلها تخجل من ذلك السؤال, فلم يكرره عليها حتي لا يضعها في موقف محرج يضطرها للقيام.

يتبع الفصل السادس اضغط هنا
رواية نزيف الجدران الفصل الخامس 5 بقلم سيد داود المطعنى
ranosha

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent