Ads by Google X

رواية امرأة العقاب الفصل الثلاثون 30 - بقلم ندى محمود توفيق

الصفحة الرئيسية

    رواية امرأة العقاب البارت  الثلاثون 30 بقلم ندى محمود توفيق

رواية امرأة العقاب كاملة

رواية امرأة العقاب الفصل  الثلاثون 30

ذلك التهديد السخيف ! .. لم يحرك شعرة واحدة منها .. وبقت صامدة تحدق بجلنار في ابتسامة متهكمة .. وبعد ثوان من السكون المريب بينهم خرج صوتها المستنكر :
_ ومين قالك أنهم هيصدقوا كلامك أساسًا
عادت جلنار إلى مقعدها تجلس بارتياحية وتقول بثقة :
_ لو عايز اثبت مستعدة اجيب الإثبات .. بس انتي هتفضلي بعيدة عني هفضل أنا كمان بعيدة عنك
رأت الضحكة تنطلق فوق شفتيه ترمقها باستهزاء وخبث ، ثم اختفت ابتسامتها وسكنت في مقعدها تكتفى بتبادل النظرات النارية معها ! .



***
يجلس هو وخالته حول طاولة الغذاء وعيناه تتفقد المقعد الفارغ من الطاولة .. فنظر إلى الخالة وسأل باستغراب :
_ نادين ليه منزلتش ؟
غمغمت فاطمة بنبرة عادية تمامًا :
_ قبل ما ترجع إنت من برا خرجت قالت رايحة تعمل مشوار سريع وراجعة
استنكر الإجابة التي على حصل عليها .. وارتفع حاجبه اليسار بنظرات مدهوشة ثم هدر في حزم :
_ خرجت إزاي .. هي متعرفش حاجة في مصر هنا .. وليه مقالتليش ؟!
فاطمة ببرود أعصاب غريب :
_ معرفش بس أكيد عارفة المكان اللي هتروحوا طالما خرجت وحدها .. متقلقش هي زمانها على وصول دلوقتي
ضغط على الشوكة التي بيده في غضب دفين ثم ألقاها بقوة داخل الصحن محدثة صوتًا مزعجًا واستقام واقفًا يخرج هاتفه ويبتعد بضع خطوات عن خالته ليجري اتصال بها .
بعد انتظار للحظات طويلة والكثير من الرنين أجابت أخيرًا بصوت مبهج :
_ الو .. نعم يا حاتم
_ إنتي فين ؟
كانت نبرته بمثابة النار التي أحرقت بهجتها لكنها تحفظت بلطافتها وهي تجيب عليه :
_ مع رفيقي


ردها كالبنزين فوق النار .. حيث لاحت الابتسامة الساخرة على شفتيه يرد بلهجة لا تبشر بالخير :
_ نعم ياختي مع مين !!!
نادين ببساطة وهي تضحك بطريقة أثارت جنونه أكثر :
_ مع رفيقي ياحاتم عم اقلك .. هو اجى زيارة على مصر وحب يشوفني فأجيت لاشوفه
سمعت صوته الغليظ يهدر في غضب :
_ ومقولتليش ليه إنك هتطلعي ورايحة تشوفي البيه رفيقك ده
نادين بابتسامة ماكرة تتصنعها بمهارة :
_ الو .. حاتم صوتك ما عم يوصلي
بدأ يفقد تمالك أعصابه فهتف بنبرة شبه مرتفعة مستغلًا جملتها بأنها لا تسمعه :
_ إنتي فين يانادين ؟!
فهمت أنه ينوي المجيء إليها حتى يأخذها بنفسه فردت ببرود حتى تزيد من إشعال النيران أكثر :
_ ما في داعي تيجي هو راح يوصلني بسيارته على البيت
سمعت صوته غريب ومخيف قليلًا كأنه شخص مختلف :
_ يوصلك بسيارته !!! .. طيب معلش هقطع اللحظة على رفيقك واجي انا اوصلك للبيت ممكن !

استشعرت النيران الملتهبة التي تخرج من صوته إليها في الهاتف وكادت أن تضحك قبل أن تتمالك نفسها ووتتهرب من الرد عليه بذكاء كالمرة السابقة :
_ حاتم الو .. ما عم اسمعك .. الشبكة هون كتير سيئة .. حاتم .. حاتم .. أنا راح اقفل هلأ وبرجع بتصل بيك بعدين تمام

وفور خروج آخر كلمة من فمها أنهت الاتصال .. لتضرب بأذنه صافرة الإغلاق فينزل الهاتف ببطء ويتطلع في شاشته بأعين ملتهبة مخرجًا من بين شفتيه زفيرًا ناريًا كمحاولة بائسة للتحكم في انفعالاته .. لكن خرجت همسة مشتعلة منه وساخرة يعيد كلمتها :
_ رفيقي ! .. امممم وماله
ثم التفت إلى خالته التي ترمقه مبتسمة كأنها تنتظر منه أن يخبرها بمحادثته معها وماذا قالت له فيبادلها هو الابتسامة لكن بأخرى مغتاظة ويجيبها متهكمًا :
_ لما الهانم ترجع بسيارة رفيقها ابقى اندهي عليا

كتمت فاطمة ضحكة كانت ستنطلق فوق شفتيها وهي ترى غيرته تقتله ولا يتمكن من إخفائها .. وبمجرد رحيله وصعوده الدرج متهجًا لغرفته تركت العنان لضحكتها ! .

***
قبل أربع سنوات .......

صوتها المرتفع وشجارها مع أبيها كان يسمعه كل من يمر أمام غرفة المكتب .. رغم رفضها لذلك الزواج إلا أنه حدد الموعد غير مباليًا لرغباتها ، سواء رفضها أو موافقتها .. أجبرها ووضعها أمام الأمر الواقع حتى لا تجد مفر سوى القبول والخضوع لقراراته القاسية .

خرجت من مكتبه وهرولت راكضة باتجاه الدرج ووجهها تملأه الدموع كله .. مازال عقلها لا يستوعب أن خلال أيام ستكون زوجة ذلك الرجل المجهول .. هي حتى لم تراه من قبل ، كيف ستكون زوجته ؟! .
بينما تركض على الدرج والرؤية أمامها تهتز بسبب الدموع الممتلئة في عينيها .. اصطدمت برجل كانت وجهته معاكسة إليها هو يصعد الدرج وهي تنزل ، فارتدت للخلف وكادت أن تسقط لولا أنه أمسك برسغها وجذبها حتى تستعيد توازنها .
كانت عيناه بندقية واسعة ولديه نظرة ثاقبة .. حاجب كثيف ومقتضب .. وشعر أسود غزير .. مع بشرة حنطية مائلة البياض .. بينما جسده فكان صلب وضخم مقارنة بهيئتها الناعمة .. ملامحه القاسية والصلبة ذكرتها بطائرها المفضل الذي يمتلك نفس العينان البندقية الواسعة والحاجب المقتضب حتى نفس النظرات الثاقبة التي تشعرك بأنها تخترقك ( طائر العُقاب ) .
اضربت وابتعدت عنه تهتف باعتذار وصوت مبحوح :
_ أنا آسفة
تطلع عدنان في وجهها الغارق بالدموع وعيناها الحمراء من فرط البكاء وشعرها المنسدل فوق كتفيها بعبث .. أصبحت وجنتيها البيضاء حمراء من بكائها وغضبها .. هيئتها الناعمة والرقيقة كانت جميلة مع ملامح وجهها البريء وهي تبكي كالأطفال اللطيفة .. غضن حاجبيه واردف بتعجب :
_ إنتي كويسة ؟!
رفعت أناملها الرقيقة والمرتعشة تجفف دموعها وتوميء بالإيجاب متمتمة :
_ أيوة .. بعتذر مرة تاني كنت نازلة مستعجلة ومخدتش بالي

أنهت جملتها واندفعت تكمل طريقها على الدرج للأسفل مسرعة ، فالتفت برأسه للخلف في استغراب ثم اعتدل وهم بأن يكمل هو أيضًا طريقه لكنه لمح عقدًا على الأرض .. انحنى والتقطه بأنامله يقلبه بين يديه بتدقيق ثم عاد فورًا ينظر إلى الأسفل لكنها اختفت تمامًا .. فأغلق كفه على ذلك العقد وأكمل طريقه ، وصل أمام مكتب نشأت فاقترب من طاولة المساعدة الخاصة به وألقى بالعقد على سطح الطاولة يهتف في عدم اهتمام وبنبرة غليظة :
_ في آنسة كانت نازلة السلم وبتعيط لو رجعت تاني اديها السلسلة بتاعتها دي
دققت المساعدة النظر في العقد وحين أدركت جملته وأن صاحبة العقد كانت تبكي فهتفت وهي تهم بالتقاط العقد :
_ ده أكيد لجلنار هانم بنت نشأت بيه

رأت الجمود على معالمه بعد سماعه لجملتها ، وقبل أن تمد يدها لتأخذ العقد وجدته يضرب بقبضة يده فوق العقد ويغلق عليه بين كفه ليأخذه مرة أخرى .. ثم يتجه نحو مكتب نشأت ويدخل بعد أن وضع العقد في جيب سترته .

عودة للوقت الحاضر ........
استيقظ من تلك الذكرى وهو يمسك بيده ذلك العقد يتطلع إليه في شرود .. مرت السنين منذ زواجهم ولم يعطيها عقدها .. لا يعرف لماذا يحتفظ به حتى الآن معه .. لكن ربما قد حان الوقت المناسب حتى يعود ذلك العقد إلى مكانه .. حول تلك الرقبة البيضاء والرائعة ! .

***
فتح عيناه على أثر الرنين المرتفع لهاتفه .. مد يده وضغط على زر كتم الاتصال وعاد يلقي برأسه مرة أخرى فوق الوسادة مغمضًا عيناه بنعاس .. ولكن الرنين عاد يصدح من جديد فأصدر تأففًا عاليًا بنفاذ صبر ، ليمد يده ويجذب الهاتف يجيب على المتصل بحدة دون أن يعرف هويته :
_ الو
توترت قليلًا من نبرته لكنها ردت برقة :
_ أيوة يارائد مش بترد عليا من امبارح ليه .. قلقت عليك !

اعتدل في نومته فورًا وألقى نظرة على النائمة شبه عارية بجواره .. فتعود نبرته لطبيعتها وهو يرد عليها بلطف :
_ معلش ياحبيبتي اتأخرت في الشغل ومكنتش فاضي ونمت متأخر حتى مروحتش النهارده
زينة باهتمام ملحوظ في نبرتها :
_ طيب إنت كويس يعني ؟
هز رأسه بالإيجاب وهدر :
_ ايوة كويس متقلقيش .. إنتي عاملة إيه ؟
_ كويسة الحمدلله
أبعد الغطاء عنه ونزل من فوق الفراش يسير إلى خارج الغرفة ويجيب بتساءل :
_ إنتي في البيت مش كدا ؟
زينة بعفوية :
_ أه كنت ناوية نخرج أنا وسمر بس هي تعبت ومش هتقدر تطلع
غمغم مبتسمًا بمداعبة :
_ طيب أنا هخلص اللي ورايا وبعد كدا هاجيلك ونخرج مع بعض
تهللت اساريرها لتجيبه بتشويق وفرحة :
_ بجد !
_ أيوة بجد طبعًا
عضت على شفاها بحماس وخجل بسيط تتمتم برقة معهودة منها :
_ وأنا منتظراك .. متتأخرش !
_ مقدرش أتأخر عليكي ياحبيبتي
انهى معها الاتصال فشعر بكف ناعم فوق كتفه من الخلف .. التفت برأسه ورمقها مبتسمًا بدون مشاعر ثم انزل كفها بلطف وعاد لداخل الغرفة .. فلحقت به وسألته بتعجب :
_ انت هتمشى ؟!
رائد بإيجاز وهو يرتدى ملابسه :
_ أيوة ورايا شغل
اكتفت بالمتابعة في صمت وبداخلها تشتعل من الغيرة فقد سمعت مكالمته مع تلك الفتاة التي فضلها عنها وقرر الزواج بها بدلًا منها هي .. ومنادته لها بـ " حبيبتي " زادت من سوء الوضع لديها .

***
تقف أمام المرآة وتمسك بيدها فرشاة بيضاء اللون تغلغلها بين خصلات شعرها من أعلى إلى أسفل .. عيناها عالقة على انعكاسها في المرآة بشرود وهي تسرح شعرها ، فلم تنتبه له عندما دخل الغرفة واقترب منها بخطوات متريثة من الخلف ، لم تفق سوى على لمسته لخصرها بقبضته الكبيرة وهو يحطها فوق جسدها بتملك ويده الأخرى وجدت طريقها لشعرها تزيحه عن رقبتها وترجع به إلى ظهرها .. وكانت خطوته التالية بشفتيه التي مالت وطبعت قبلة ناعمة فوق كتفها .
سرت رعشة بسيطة بجسدها كفتاة يلمسها زوجها لأول مرة ! .. تسارعت نبضات قلبها فانزلت يدها إلى قبضته حتى تزيحها عن خصرها لكن سمعت همسته الخافتة وهو يبتسم لها في انعكاس المرآة :
_ استني !
أبعد كلتا يديه عنها وادخل كف في جيبه يخرج العقد ثم يرفعه ليمسك طرف بيد واليد الأخرى لفها حول رقبتها حتى يلتقط الطرف الآخر ويعود بالطرفين للخلف يعقدهم حول رقبتها .

التقطت عيناها ذلك العقد المفقود منذ سنوات .. من أين عثر عليه ؟! .. فقد بحثت عنه كثيرًا حتى فقدت الأمل ولم تجده .. تطلعت لانعكاسه في المرآة بدهشة فقرأ هو من نظراتها ما يدور بذهنها .. وظهرت ابتسامته الواسعة فوق شفتيه .
حتى وجدته ينحنى عليها من الخلف يهمس بالقرب من أذنها في عاطفة :
_ أول مرة اتقابلنا فيها لما كنتي في الشركة عند نشأت ونازلة السلم وبتعيطي وخبطتي فيا .. بعد ما مشيتي لقيته على الأرض اخدته ولما وصلت عند مكتب نشأت اديته للسكرتيرة على أساس إنك لو رجعتي تاني تدهولك بس لما قالتلي إنه اكيد بتاعك إنتي اخدته تاني

مرت دقيقة من الصمت بينهم .. كانت هي تستعيد تلك الذكرى في عقلها وبتلقائية ترفع أناملها للعقد تتحسسه برقة .. ثم التفتت بجسدها كاملًا له وهمست بحيرة :
_ ومدتهونيش ليه بعدين ؟!
_ مش عارف بس من وقتها وأنا محافظ عليه معايا .. وأعتقد إن جه وقته دلوقتي أنه يرجع لمكانه
رأى الابتسامة الجميلة تزين شفتيها ثم اخفضت نظرها تمسك بالعقد بين كفها الناعم وتتطلع إليه بفرحة متمتمة :
_ زعلت جدًا لما وقع مني .. العقد ده غالي عندي أوي وبحبه جدًا
عدنان بنظرات غرامية ومحبة :
_ حتى أنا غالي عندي
ابتسمت باستحياء جميل ثم قالت مسرعة وهي تهم بالانصراف :
_ أنا هروح اشوف هنا بتعمل إيه
قبض على رسغها يرغمها على الوقوف ليضع عيناه بعينها في عمق ويسأل باهتمام :
_ كنت بتعيطي ليه وقتها ؟
أخذت نفسًا عميقًا واعتدلت في وقفتها حتى تصبح مواجهة له تمامًا وتجيب بالصدق في عبس :
_ كنت أنا وبابا بنزعق وأنا كنت مضايقة ومتعصبة إنه حدد معاك معاد كتب الكتاب من غير ما يقولي وأنا أساسًا مكنتش موافقة

ابتسم بدفء ثم مد يده يلتقط كفها الرقيق بين يده ويميل عليها بوجهه هامسًا :
_ ويشاء القدر إننا نتقابل في اليوم واللحظة دي بذات

تطلعت في عيناه بشرود وهيام .. لكنها باللحظة التالية استندت بكلتا كفيها فوق صدره وابعدته برفق بعدما احست بأنه سيتمادى في اقترابه واردفت :
_ الحدود ياعدنان
تلاشت ابتسامته وظهر محلها الحنق ليجيبها بنفاذ صبر :
_ والحدود دي هتفضل لغاية امتى بقى ؟!
جلنار بلهجة حازمة :
_ لغاية ما اسامح
أصدر تنهيدة حارة بعدم حيلة ليجيبها بهدوء :
_ طيب ياجلنار وأنا هحاول احترم ده ومتخطاش الحدود

غمغمت بخفوت وهي تسير خارج الغرفة تاركة إياه يقف مغلوبًا على أمره :
_ كويس

***
استر الليل ستائره وارتفع ضوء القمر في السماء ......

الساعة تخطت التاسعة مساءًا ولم تعد حتى الآن .. محاولاته للاتصال بها كانت كلها بائسة وبلا فائدة .. يستمر الرنين فقط دون رد ، لم يصبح الأمر غضب عارم بقدر ماهو قلق وخوف من أن يكون قد صابها مكروه ، يجوب الطرقة إيابًا وذهابًا ويمسح على شعره بقوة مطلقًا زئيرًا مكتومًا من بين شفتيه .. بات لا يدري أيقلق عليها أم يشتعل من الغضب والغيرة أنها قد تكون حتى الآن مع صديقها ذلك !! .
التفت إلى خالته وصاح بانفعال :
_ الساعة تسعة ومش بترد ولا رجعت .. متلومنيش على اللي هعمله لما تيجي
أجابت عليه فاطمة بحدة :
_ لا إنت خطيبها ولا جوزها يبقى ملكش حق تعمل حاجة من الأساس معاها .. وهي أكيد بخير إن شاء الله وزمانها راجعة
حاتم في غضب هادر :
_ صديقها مين اللي نزل مصر .. هي متعرفش حد غيري وبعدين قاعدة معاه من الصبح لغاية دلوقتي .. دي ليلتها طين معايا

رفعت فاطمة سبابتها وقالت محذرة إياه بجدية :
_ حاتم لو عملت أي تصرف مش لطيف مع البنت أنا اللي هقفلك فاهم
حاتم بصوت محتقن وبه لمسة الاحترام :
_ لو سمحتي إنتي ياخالتو متدخليش بينا لما ترجع .. هي موجودة وقاعدة معايا دلوقتي لما تبقى ترجع امريكا تبقى تخرج وترجع براحتها مـ ....
ابتلع بقية عبارته في جوفه عندما صك سمعه صوت رنين الباب .. فهبت فاطمة فورًا مسرعة وهرولت لتفتح لها الباب .. كانت نادين تقف أمام الباب ومتوترة قليلًا بعدما سمعت صوته المرتفع وحين فتحت لها فاطمة الباب وانحنت عليها تهمس في عتاب :
_ اتأخرتي ليه ده كله !
نادين بخوف وهي تختلس النظرات للداخل :
_ عصب كتير مو هيك ؟!
فاطمة بملامح وجه عبثية :
_ اكتر من المتوقع .. ادخلي يلا
دخلت نادين بخطوات مضطربة فوجدته يقف على مسافة بعيدة نسيبًا ويرمقها بنظرات مميتة .. ازدردت ريقها وابتسمت في ارتباك ملحوظ ، ثم تبادلت نظرات الندم مع فاطمة ، ليتها لم تستمع لتلك النصائح ونفذتها .
حاتم بعصبية :
_ كنتي فين لغاية دلوقتي ؟!
توترت ولم تعرف بماذا تجيب .. إذا اكملت كذبتها وقالت أنها كانت مع صديقها المزيف ستهب العاصفة .. وبنفس اللحظة لا تريد كشف مخططها بعد كل هذا وهي وصلت للنقطة الحاسمة .
سمعت صيحته الملتهبة :
_ نادين أنا بسألك كنتي فين ؟
الحل الوحيد للهروب من الإجابة هي التصرف مثله تمامًا .. فصاحت هي الأخرى بغضب مزيف لكنها اتقنته بمهارة :
_ ليش عم تعيط عليا .. بأي حق بتكلمني هيك ، وإنت ما إلك دخل أساسًا وين كنت أنا ماني طفلة صغيرة فهمان ولا شو !!
اندفع نحوها كالثور الهائج يجذبها من ذراعها إليه ويصيح بعينان حمراء وغيرة عمياء :
_ كنتي مع *** رفيقك ده لغاية دلوقتي
استاءت حقًا وبعدما كانت تتصنع الغضب تملكها بالفعل حيث صاحت به :
_ احترم حالك واتركني
أسرعت فاطمة إليهم تهتف بحاتم في غضب وهي تبعد يده عنها :
_ حاتم أنا حذرتك
صرخ في صوت جهوري وعدم وعي لما يتفوه به :
_ إنتي مش شايفة بترد عليا ازاي ومش عاجبها إني بسألها كانت فين .. هيعجبها ازاي طبعًا ماهي كانت مبسوطة مع رفيقها و.....

لم يكمل كلمته وتوقف حين شعر بصفعتها له فوق وجنته .. لوهلة ظنها في البداية خالته لكن كانت هي من صفعته وتتطلع إليه بغضب وخزي مع عينان غائمة بالدموع .
اندفعت نحو الدرج تركض مسرعة تجاه غرفتها بالأعلى بينما فاطمة فألقت نظرة معاتبة على ابن أختها واسرعت تلحق بنادين .. بقى متسمرًا بأرضه يحدق في الفراغ وكأنه بعالم آخر حتى تحرك نحو الأريكة بعد دقائق وجلس فوقها يجز على أسنانه بغيظ مكتوم .

مرت خمسة عشر دقيقة تقريبًا حتى سمع صوت أقدامهم وهي تنزل الدرج وصوت خالته وهي تتوسلها أن تقف ولا تذهب ، بينما هي فتحمل حقيبة ملابسها معها على الدرج حتى وصلت لآخر درجاته فانزلتها على الأرض وجرتها خلفها وهي تسير مسرعة باتجاه الباب .
التفتت فاطمة إلى ذلك الجالس بجمود فوق الأريكة يتابع بصمت دون أن يتدخل وصاحت به :
_ إنت ساكت ليه ما تتكلم !!
لم يبدي أي ردة فعل استمر في الجلوس بسكون هكذا حتى رحلت فضربت فاطمة كف بكف في عدم حيلة وغضب ثم استدارت وصعدت لغرفتها بالأعلى .

أخرج حاتم هاتفه وأرسل رسالة لحارس بوابة المنزل وكان محتوى الرسالة كالآتي ( خليك ورا نادين هانم بالعربية وقولي راحت فين ) ! .

***
انتفضت واقفة عندما سمعت صوت المفتاح في قفل الباب .. هاهو يعود مرة أخرى .. لكن ياترى ماذا سيفعل هذه المرة .. المرة السابقة انهي كل شيء حتى زواجهم فماذا ستكون خطته اليوم .
انفتح الباب وظهر من خلفه مرتديًا بنطال وقميص أسود اللون ويعلو قميصه جاكت من نفس اللون .. انقبض قلبها فهو لا يرتدي الأسود مكتمل هكذا إلا في العزاء .. تقهقهرت للخلف بحركة لا إرادية منها تسأله بخوف :
_ لابس كدا ليه ياعدنان !
رأته يضحك دون صوت ويغلق الباب خلفه كالعادة ثم يتقدم منها بخطوات متريثة وهي تستمر في التراجع برعب أشد .. حتى وصل إليها بعدما اصطدمت بالحائط خلفها وتوقفت .
عدنان ساخرًا بنظرات مشمئزة :
_ متخافيش مش هقتلك .. قولتلك متستاهليش ادخل السجن فيكي أساسًا .. ده بالعكس أنا جاي اقولك إني هسيبك تطلعي خلاص
اشرق وجهها الذابل بسعادة وقالت غير مصدقة :
_ بجد ياعدنان هتسبني امشي
اماء لها بالموافقة يجيب في هدوء مريب :
_ أيوة هتمشي بس مع عمك أصل أنا اتصلت بيه وهو في الطريق دلوقتي
صابتها الصدمة وفرت الدماء من وجهها فور سماع لاسم عمها .. فإن أشفق عدنان عليها ولم يتمكن من قتلها .. لن يشفق عمها .

تعلقت بجاكت عدنان تهتف متوسلة إليه بعين دامعة :
_ ابوس ايدك متخليش عمي ياخدني ياعدنان إنت عارفه ممكن فيا إيه .. أقل حاجة يقتلني .. ابوس ايدك سيبني امشي وانا والله العظيم اوعدك إنك مش هتشوف وشي تاني ولا هقرب من جلنار ولا هنا أبدًا
التهبت نظراته ليقبض على ذراعها ويهدر في تهديد :
_ وهو مين قالك إنك هتقدري تقربي منهم .. لأنك لو تجرأتي وعملتيها سعتها هقتلك أنا واطفي ناري بجد .. احمدي ربك إني مبلغتش عنك بعد ما حاولتي تقتليني إنتي و ****
فريدة ببكاء قوي :
_ عدنان ابوس ايدك متعملش فيا كدا بقولك عمي ممكن يقتلني

_ كويس أهو يبقى عمل اللي أنا مقدرتش اعمله
جثت على الأرض تبكي بحرقة ورعب فتسمع صوته الرجولي يلقي عليها تحذيراته :
_ هتغوري مع عمك ومش عايز اشوف وشك تاني فاهمة ولا لا .. وأقسم بالله يافريدة لو حاولتي بس تقربي من جلنار وهنا مش هرحمك واللي هيعمله عمك فيكي هتولي أنا مهتمه واعمله بداله وبطريقة ابشع منه كمان

لم ترفع نظرها له وانخرطت في البكاء العنيف منكمشة في زاوية الغرفة .. رأت فقط قدميه وهي تتحرك باتجاه باب الغرفة ليغادر ويتركه مفتوحًا هذه المرة .. ومن شدة تدمرها النفسي وفقدانها للأمل لم تحاول حتى الخروج والهرب .
بقى هو جالسًا بالخارج فوق الأريكة يتفقد ساعة يده .. في انتظار الموعد المنتظر لقدوم عمها حتى يأخذها ويخلصه منها .. فلم يعد يحتمل رؤيتها أكثر من ذلك .. كلما يراها يتذكر حماقته وغبائه وهي تنام كل ليلة بين ذراعيه ويغمرها بحبه دون أن يشعر بخيانتها له .. لا يتمكن من تمالك أعصابه حين يتخيل أنها كانت تنام بحضنه ليلة وبالليلة التالية تكون بحضن ذلك الوغد ! .

وأخيرًا ارتفع صوت طرق الباب ومع صوت الطرق توقف قلبها بالداخل من الرعب .. بينما هو فاستقام وسار نحوه ليفتح فيقابل عمها بنظرات ثاقبة ووجه جامد .. فيندفع عمها للداخل كالثور الهائج يدخل الغرفة الكامنة بها .. سمع عدنان بالخارج صوت صفعة مدوية منه تبعتها صرخة متألمة ومرتعدة منها ، وهو يلقن مسامعها بألفاظ تليق بفعلتها المشينة .
اندفع عدنان بغضب للداخل وصاح بعمها بصرامة :
_ خد بنت اخوك واعمل فيها اللي عايزه بعيد عن هنا .. ومتخلنيش اشوف وشها تاني عشان وقتها مش هترجعلك
حدق عمها بعدنان وهو يوميء بتفهم وبنظراته يعتذر منه في خزي من فعلا ابنة أخيه .. ثم التفت إليها وجذبها من ذراعها معه للخارج ويهمس في أذنها بالوعيد لها .. بينما هي فألقت نظرة أخيرة على عدنان .. نظرة ألم وندم حقيقي ، لا تتوسله بنظراتها لكنها تطلب منه العفو حتى لو بعد زمن .

***
كان في طريقه للمصعد حتى يغادر بعد أن قضى اليوم كاملًا بالمكتب ينهي أعماله .. لكنه لاحظ الضوء المنبعث من طاولات أحد الموظفين .. فضيق عيناه بدهشة وحيرة ، لا يعقل أن يكون هناك أحد مازال بالشركة .
غير وجهته وسار تجاه تلك الطاولة في خطوات متريثة فرأى فتاة تستند بمرفقيها فوق سطح الطاولة وتضع رأسها فوقهم نائمة .. رفع حاجبه باستغراب واقترب أكثر حتى وقف أمام الطاولة وابعد خصلات شعرها عن وجهها حتى يتمكن من رؤيتها فصابه الذهول عندما وجدها مهرة !! ..
كانت تنام بعمق والإرهاق والتعب يبدو على وجهها حتى هي ونائمة .. فمد ذراعه وهزها برفق هامسًا حتى لا يفزعها :
_ مهرة .. مهرة
انتفضت كالتي لدغها عقرب ووثبت واقفة تحدق بآدم في عدم استيعاب وكأنها لم تدرك ما يحدث حولها .. فهتف هو بحدة :
_ إنتي مجنونة إيه اللي مقعدك لغاية دلوقتي .. مفيش حد غيرك في الشركة
رفعت كفها لفمها تتثاؤب وتجيبه بخفوت :
_ أصل كان معايا شغل كتير ولازم بكرا الصبح يتسلم فقولت اقعد واخلصه ولما عرفت إنك لسا موجود فاطمنت اني مش هقعد وحدي يعني .. بس معرفش ازاي نمت
آدم بحزم واستياء بسيط :
_ ما يتحرق الشغل .. إنتي إيه ضمنك تقعدي وحدك ممكن يحصل إيه .. واحمدي ربك إني اخدت بالي منك قبل ما امشي
مهرة بخنق من توبيخه لها :
_ خلاص متبقاش قفوش ياعم .. أنا غلطانة إني همي على مصلحة شغلكم .. بعدين مين ده اللي يقدر يقرب مني ده أنا أخلي وشه شوارع
آدم مستنكرًا :
_ اه انتي هتقوليلي بإمارة امبارح .. بعدين ايه الألفاظ دي ، المفروض انتي بنت تكوني رقيقة وكلامك لطيف مش أخلي وشه شوارع !!
_ اه زي ليلى سكرتيرة عدنان بيه
_ مالها ليلى !
مهرة بقرف وغيظ :
_ بتمشي تتقصع بالكعب بتاعها في الشركة كلها وتفضل تتطوح زي الفرخة الدايخة يمين وشمال .. لغاية ما في مرة هتتكفي على بوزها وهيبقى منظرها وحش أووووي

انطلقت منه لا إراديًا ضحكة عالية يعيد جملتها من بين ضحكه بتعجب :
_ فرخة دايخة !!!
مهرة بثغر متسع وبمرح :
_ شوفت ضحكت .. اعترف بقى هااا اعترف إني دمي خفيف وبضحك يبقى متسكتنيش تاني لما اتكلم عشا......
قاطعها عمدًا وهو يبتسم بمشاكسة :
_ اسكتي يامهرة ويلا
مهرة بنفاذ صبر :
_ اووووف سكت أهو حلو كدا !!
اماء برأسه في إيجاب وأشار لها بأن تلحق به فسارت خلفه باقتضاب لكن سرعان ما عادت تتحدث إليه من جديد هاتفة بعفوية :
_ هو إنت ليه عينك مش باينة خضرا دلوقتي ؟!
غضن حاجبيه باستغراب من سؤالها لكنه ابتسم واجابها ببساطة :
_ عشان احنا في الضلمة لازم مش هيبان لونها الطبيعي
وقفا أمام المصعد الكهربائي وبمجرد ما أن انفتح ودخلا فاقترب بوجهه منها فجأة وهمس مداعبًا بابتسامة :
_ كدا رجعت خضرا في النور صح !
انتفضت للخلف بزعر وهتفت مفزوعة :
_ إيه الهزار البايخ ده ياعم
قهقه بخفة فوجدها تبعده لآخر المصعد هاتفة بغيظ :
_ خليك بعيد كدا عني
آدم بتعجب وعدم فهم :
_ ليه !!
_ مش واثقة فيك
عاد يضحك مرة أخرى لكن دون صوت حتى انفتح باب المصعد وخرجا .. يسيران معًا إلى خارج الشركة بأكملها .. فيهتف هو محدثًا إياها باستنكار :
_ تحبي اوصلك ولا لسا مش واثقة فيا
مهرة بعفوية ومزاح :
_ هتخطفني ؟!
زم شفتيه بجدية مزيفة يبادلها المزاح :
_ على حسب لو صدعتيني في العربية ممكن اعملها
هتفت بثغر متسع وبطريقة كوميدية وحماسية :
_ يبقى هصدعك
رمقها مدوهشًا وهو يبتسم بحيرة فأسرعت تعدل جملتها بضحكة بلهاء :
_ إنت بتصدق أي حاجة كدا علطول .. بهزر طبعا أنا هاكل دماغك بس
انفجر ضاحكًا واكمل سيره باتجاه سيارته ليفتح باب مقعده ويجيب عليها قبل أن يستقل به :
_ طيب اركبي يابلائي
ابتسمت له باتساع في عفوية ولطافة كالأطفال ثم استقلت بالمقعد المجاور له .

***
كانت كامنة في فراشها وتسحب الغطاء فوق جسدها .. تولي ظهرها للباب كالعادة ، وعيناها تحدق في الفراغ أمامها بسكون تام لكن يدها امتدت لعنقها تعبث بعقدها الذي البسها إياه بصباح اليوم .. وإذا بها تسمع صوت باب الغرفة ينفتح وتلتقط أذنها صوت خطواته داخل الغرفة .

نزع عدنان الجاكت وعلقه ثم أخرج مفاتيحه وهاتفه يضعه فوق الطاولة الصغيرة بجانب فراشهم .. وتقدم خطوة نحو الفراش ليتسطح بجسده فوقه دون أن يبدل ملابسه حتى .

كان صوت زفيره وانفاسه العالية فقط المسموعة في الغرفةةحتى مرت دقائق وشعرت به يعتدل في نومته ليقترب منها يعانقها من الخلف وذراعه يلفه حول جسدها .. اضربت وانزلت يدها لكي تبعده لكن بمجرد ما إن لمست يدها كفه سمعت همسه الضعيف :
_ مش هعمل حاجة ياجلنار متخافيش
تنهدت بعمق وردت في خفوت :
_ عدنان لو سمحت ااا......
وصلها رجائه في صوته يهمس لها وهو يدفن وجهه في شعرها ورقبتها :
_ لو سمحتي إنتي خليني احضنك .. هحضنك بس صدقيني

استسلمت لرجائها ومنحته ومنحت نفسها متعة الشعور بالدفء والحب لساعات .. تشعر بأنفاسه الدافئة تلفح رقبتها من الخلف .. يتنفسها بقوة كالأكسجين ، يأخذ نفسًا عميقًا يستنشق فيه رائحتها ثم يعود ليزفره متهملًا في حرارة تبعث رجفة في جسدها ..

أخيرًا سمعته يهمس بصوت به لمسة الانكسار لأول مرة :
_ طلقتها !
كان هذا المتوقع لكن سماعها منه تحديدًا بتلك النبرة كان كافيًا ليجعلها تتجمد قليلًا ويغلف الاجواء بينهم حالة من الصمت القاتل حتى تلتفتت برأسها له تقطع عليه استنشاقه لعبيرها وتسأل باهتمام :
_ وهي فين دلوقتي ؟!
حين التفتت برأسها أصبحت في مواجهة وجهه تمامًا لا يفصلها عنه سوى سنتي مترات لا تحسب .. ليجيب عليها متطلعًا في عيناها بعمق :
_ عمها اخدها .. مش عايز اشوف وشها تاني .. مش طايق اشوفها أساسًا
جلنار برقة :
_ كويس إنك فكرت في هنا ومعملتش فيها حاجة
استند بجبهته فوق خاصتها هامسًا :
_ انتوا كل حياتي دلوقتي
اغمضت عيناها للحظات تستمتع بجمال اللحظة لكن سرعان ما فتحت عيناها وابعدت وجهه تعود لوضعها الطبيعي فتسمع تنهده القوى في عدم حيلة ، ثم عاد يدفن وجهه من جديد في شعرها وهدأت أنفاسه تدريجيًا وهي معه حتى غطوا كلاهما في نوم عميق بعد دقائق طويلة نسبيًا .

***
بصباح اليوم التالي ......
كانت تجلس هنا فوق فخذ أبيها تشاهد التلفاز معه .. تستند برأسها فوق صدره وعيناها عالقة على التلفاز .. وفجأة دون مقدمات تذكرت شيء فابتعدت عن صدره وهتفت برقة :
_ بابي !
عدنان مبتسمًا بحنو :
_ نعم ياروح بابي
هنا بعفوية طفولية :
_ إنت تعرف عمو حاتم ؟
اختفت ابتسامته وظهر محلها القوة في الملامح ليجيب على صغيرته بمضض :
_ أيوة اعرفه ياحبيبتي ماله
اكملت هنا بنفس عفويتها غير مدركة لما تتفوه به وكيف سيكون تأثيره على أبيها :
_ لما كنا أنا وماما في أميكا ( امريكا ) .. هو في يوم فضل يلعب معايا كتير عشان كنت تعبانة وقعد لغاية لما الليل خلص ولما صحيت الصبح لقيته لسا مش مشي

يتبع الفصل الواحد والثلاثون اضغط هنا
google-playkhamsatmostaqltradent