رواية في غيابة الجُب الفصل الأخير بقلم نعمة حسن

الصفحة الرئيسية

            رواية في غيابة الجُب الفصل الأخير  بقلم نعمة حسن


رواية في غيابة الجُب الفصل الأخير 

بعد مرور عدة أيام...

ترقد لينا علي سريرها بذلك المصح النفسي الذي أودعوها إياه بعد نوبة الصرع الشديده التي داهمتها.

كان يقف كلاً من والدها، بسمة و رزق جميعهم ينتظرون إفاقتها و عودتها للوعي من جديد.

مرّ الطبيب المعالج لها و الذي ربت علي كتف جمال و هو يواسيها و قال:

_متقلقش يا جمال بيه.. آنسه لينا هتبقا كويسه إن شاءالله.. ده إنت المفروض تحمد ربنا إن حد بنفس ظروفها دي و مأذاش نفسه أو اللي حواليه.

نظر له جمال بتعب و إرهاق ثم سأله: ظروف إيه مش فاهم.

قال الطبيب بعملية شديدة: هو حضراتكوا معرضتوهاش لطبيب نفسي قبل كده؟!

_لأ.. حاولنا معاها مرات كتير بس دايما كانت بتنفعل و تغضب و مبترضاش تروح لأي دكتور.

أومأ الطبيب بتفهم و قال: إتفضلوا معايا.



إلتفوا ثلاثتهم حول الطبيب الذي بدا حديثه وهو يقول:

_حضرتك يا جمال بيه بتقول إنكوا حاولتوا تقنعوها تروح لدكتور بس هي كانت بترفض.. صح؟!

اومأ جمال بموافقة فسأله الطبيب مجدداً: إيه الأعراض اللي شوفتوها منها تخليكوا تقولوا ناخدها لدكتور؟!

نظر جمال إلي بسمة و من ثَم إعتدل بمجلسه و تكلم:

_يعني.. لينا طول عمرها ليها تصرفات عجيبه و شخصيتها أعجب كمان.. إنطوائيه، منعزله دايماً، مبتحبش تكون صداقات كتير، من بعد وفاة صاحبتها الله يرحمها وهي قافله علي نفسها.. كتير حاولنا معاها إنها تعرف ناس جديده و تعيش حياتها بس هي كانت بترفض.. فـ أنا كنت بحاول معاها إنها تروح لدكتور نفسي تتكلم معاه بما إنها مش بتتكلم معانا بس مفيش فايده.

ضيّق الطبيب عينيه بتركيز وهو يتسائل:



_حضرتك بتقول إنها كان بتتصرف تصرفات عجيبه.. زي إيه؟!

تنهد جمال مردفاً: يعني مثلاً كانت بتفهم اللي قدامها من لغة جسده او نظراته و كانت أوقات كتير بسمعها بتكلم نفسها و لما أسألها بتتكلمي مع مين تقوللي مع بابسي مثلاً.. اللي هو الكلب بتاعها.. و من بعد موت حنين صاحبتها بقت تقوللي بتكلم مع حنين.

اومأ الطبيب متفهماً و سأله مجدداً:

_حاجه زي دي مخليتكش تقول مثلآ دي مجنونه أو مريضه نفسيه؟!

=كنت شاكك في حاجه زي كده.. عشان كده كنت بحاول معاها نروح لدكتور.. لدرجة إني فكرتها ممسوسه و جيبتلها شيخ بس قال مفيش حاجه.

إبتسم الطبيب وهو يقول:

_يعني حضرتك جيبتلها شيخ.. كان من باب أولي تجيبلها دكتور.

=منا بقول لحضرتك كانت رافضه و بشدة.. كل ما كنت بحاول أتكلم معاها كانت بتقول إنتوا مفكريني مجنونه و كانت بتغضب و تخاصمنا بالأيام.



أومأ الطبيب ثم عقد يديه و بدأ حديثه بجدية وهو يقول:

_بص يا جمال بيه إنت و المدام.. لينا للأسف مريضه بمرض الذهان أو ما يسمي بالإنفصام.. المرض ده كل ما كان تشخيصه بدري كل ما كان أحسن للحاله و للأسف واضح إن لينا بتعاني منه من فترة طويلة و متعرضتش علي دكتور يشخص الحاله صح ولا يديها علاج عشان كده الحاله إتطورت للأسوأ و بقت منعزله إجتماعياً زي ما حضرتك بتقول.

و تابع: مريض الذهان أو الفصام دايماً بيتوهم إنه بيسمع أصوات مش موجوده أو بيشوف حاجات مش موجوده و ممكن توصل كمان إنه يشم روايح مش موجوده و علي طول بيعتقد إنه عنده قوه خارقه أو خاصه.

هنا تسائلت بسمة:زي إنها بتعرف لغة الجسد يعني؟!

أومأ الطبيب نافياً: لا خالص بالعكس.. لغة الجسد مش قوة خارقه إنما هي منحه ربنا بيميز بيها حد عن التاني مش أكتر.. و واضح إن لينا مميزة من صغرها. اللي أقصده هو إن لينا كانت بتتوهم إنها عندها القدرة إنها تتكلم مع ناس مش موجوده زي صاحبتها كده.. أو إنها عندها القدرة تتكلم مع حيوانات و تفهمهم زي الكلب بتاعها.

سحب شهيقاً و أكمل وهو يوجه حديثه إلي جمال: أنا ليه قولتلك لينا أحسن من غيرها؟! لأن مريض الفصام ممكن في حاله من اللاوعي يأذي نفسه أو توصل لإنه يقتل حد.

_يقتل!!

برز بها صوت رزق الذي تمتم متعجباً فقال الطبيب:

=أيوة بتحصل.. و لسه جايلنا حاله من شهرين قتلت والدتها لأنها كانت بتعتقد إنها بتخون باباها.. و لما سألتها عرفتي منين إنها خانت والدك قالتلي شوفتها بعيون الغراب اللي بابا مربيه..

ظهر التعجب و الذهول جليّاً علي وجوههم فقال:

_متستغربوش.. مرض الذهان هو أسوأ مرض نفسي ممكن يصاب بيه الإنسان.

تسائلت بسمة: طب و إيه الأسباب اللي ممكن تأدي إن الإنسان يبقا مريض بالإنفصام؟!

_عوامل كتيره جداً.. ممكن عوامل چينيه زي إن حد من قرايب المريض يكون له تاريخ مع المرض ده.. و ممكن عوامل بيئيه زي إن المريض مثلاً إتعرض لصدمة شديدة وهو في بطن أمه أو وهو أو وهو لسه حديث الولاده بتسهم في ظهور المرض.

نظر ثلاثتهم لبعضهم البعض بصمت فتابع الدكتور وقال:

_و ممكن لو في خلل في العلاقات العائلية ده بيزود فرص الإصابه بالمرض.. أو لو الشخص ده بيتعاطي المخدرات مثلاً او لو عنده مرض مناعي ذاتي.. كل دي عوامل بتسبب الإصابه بمرض الذهان.

تسائل جمال بلهفه و خوف وقال: طب و الحل إيه يا دكتور؟! هتفضل في المصحه هنا؟!!

_ده علي حسب رغبتكوا أولاً وثانياً علي حسب إستجابتها للعلاج.

تحدث رزق وقال: طيب وحضرتك شايف إيه؟!

_والله اللي أنا شايفه إن الحاله الحمدلله مش خطيرة أوي و مش مستدعيه إنها تفضل هنا خصوصاً و إن الفصام ملوش علاج نهائي.

قالت بسمة بقلق: يعني إيه يا دكتور ملوش علاج.. يعني هتفضل كده طول عمرها؟!

تحدث بحرص وهو يقول: مدام بسمه أنا مقولتش ملوش علاج.. أنا بقول ملوش علاج نهائي..بمعني إن هو له علاج للسيطرة علي الأعراض و الحد منها لكن ملوش علاج للشفاء منه.. يعني زي مرض السكر كده.. بناخد علاج عشان نسبة السكر تفضل منتظمه لا يقل ولا يزيد لكن مفيش ليه علاج بيقضي عليه تماماً.

تسائل رزق بإهتمام: طب المفروض نتصرف معاها إزاي و هتفوق إمتا ولا هتفضل كده لحد إمتا؟!

_أولاً هي نايمه بفعل المهدئات اللي بتاخدها واللي هنوقفا أول ما حالتها تستقر شويه.. ثانياً بقا و الأهم.. تبعدوها عن التوتر او أي جو فيه شحنات سلبيه تماماً و ياريت عالأقل في الفترة الجايه ميكونش جمبها غير الناس اللي بتحبهم و بتطمن لهم بس و تبعدوها عن أي ضغط أو توتر زي ما قلت في بداية كلامي.. إلي جانب الأدويه اللي بتاخدها و ممنوع توقفها حتي لو إتسحنت.. هتبقي كويسه إن شاءالله.

شكر جمال الطبيب لسعة صدره و تفهمه و من ثم إنصرفوا نحو غرفة لينا مجدداً ينتظرون إفاقتها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جلس جمال إلي جانب بسمه التي تجلس علي مقعد الإستراحه الموجود بالممر أمام الغرفه ثم قال:

_سمعتي كلام الدكتور يا بسمه؟! ياريت تأجلي موضوع الطلاق ده علي الأقل لحد لينا ما تقوم بالسلامه.. خلينا نبقا كلنا جمبها.

نظرت له بإنتباه و برز صوتها مستاءاً وهي تقول:

=أيوة سمعت كلام الدكتور يا جمال.. بس مش هتنازل عن قراري.. مش وجودنا مع بعض اللي هيعالج لينا.. لينا مشكلتها بقت معاك إنت يا جمال.. و إستحاله تقبل بيك في حياتها تاني لا أب حقيقي ولا أب بديل.

مسح وجهه بغضب عارم وهو يقول:

_إنتي ليه مصممه تحاسبيني علي حاجه أنا مليش يد فيها.. أنا معترف إني غلطت بس ده كان زمان و أي حد بيغلط.. المفروض عقابك ليا ده يبقا لو أنا عملت حاجه زي دي و إنتي في حياتي.. ده مش ذنبي.

قالت بإنفعال مماثل:

=لأ ذنبك يا جمال.. أنا لما كنت بسألك و أقوللك عمرك ما عرفت بنت ولا صاحبت بنت تقوللي أنا؟! أنا عمري ما عرفت قبلك ولا حبيت قبلك.. إنتي أول و آخر واحدة في حياتي.. يا شيخ ده أنا من كتر ما كنت بصدقك كنت بعيط من فرحتي بنضافتك و عفتك.

ثم تابعت ببغض: و طلعت مفيش أوسخ منك يا جمال!!

فاجئه نعتها المهين و لكنه لم يعقّب فتابعت هي:

=إنت من جواك عارف كويس أوي إنك تستحق اللي بيجرالك.. أنا عن نفسي مكتفيه بالطلاق.. مش عايزة شوشرة و لا تقليب في الماضي لأنه مش هيفيد بحاجه.. بس خليك مستعد للي بنتك هتعمله لما تفوق.

ثم قالت بتهكم ساخر: ده كله كوم و عقاب ربنا ليك كوم تاني خالص.. و لسه ذنب مشيرة اللي في رقبتك.

تفوه حانقاً: ذنبها في رقبتي ليه؟! و أنا كنت غصبتها علي حاجه؟!

أطلقت ضحكه ساخرة و قالت: هه.. إظهر علي حقيقتك كمان و كمان.. إنت صغرت في عيني أووي يا جمال.

أشاح بوجهه بعيداً عنها ثم قال:

_أفهم من كده إنك مصممه علي طلبك؟!

=و ياريت تعجّل و بلاش مماطلة عالفاضي.

_ماشي يا بسمة اللي تشوفيه.

°°°°°°°°°°°

بعد مرور يومان آخران و بعد إتمام إجراءات طلاق بسمه من بسمة يتواجد الجميع بغرفتها بعد إفاقتها و بدء تعافيها.

تجلس بسمة بجانبها وتقول: حمدلله على سلامتك يا حبيبتي.

إحتضنتها لينا بشدة و تشبثت بها وهي تقول:

_إنتي هتسيبيني يا مامي؟!

ضمتها بسمة إليها بحنان صادق و قد سالت دمعاتها وهي تقول:

=عمري ما هسيبك يا روح مامي.. حد يسيب روحه؟!

شددت من ضمها إليها و إستكانت بين ذراعيها قبل أن يصل إلي مسامعها صوت والدها وهو يقول:

_حمدلله على سلامتك يا لينا يا حبيبتي.

إنقبض قلبها و بدأت معدلاتها الحيويه بالإضطراب و تشنجت عضلاتها و طفقت تصرخ بشدة فضمتها بسمة إليها بحنان وهي تهدأ من روعها وتقول:

_إهدي يا لينا.. إهدي يا حبيبتي بابي عايز يطمن عليكي.

زادت نظراتها حدة وهي تنظر له بأعين باكية و ترتجف فصرخت بسمة به قائلة:

_لو سمحت يا جمال إخرج دلوقتي.

علي مضض غادر جمال الغرفة فأسرع رزق إليها يحاول تهدئتها وهو يقول:

_خلاص يا لينا خرج.. إهدي و هنعمل كل اللي إنتي عيزاه.

"رزق"

قالتها وهي تحتضنه فجأة مما أثار خجله ولكنه لم يبالي فجذبها إليه يضمها بشوق و لهفه و يمسح علي رأسها بحنان فقالت:

_أنا مش عايزه أشوفه تاني.. متخليهوش ييجي تاني.

مسحت بسمة علي شعرها بحب وقالت:

=كل اللي إنتي عيزاه هيحصل بس تهدي نفسك.

أومأت لينا بموافقة ثم نظرت حولها بتعجب وهي تقول:

_أنا في مستشفي ليه؟! هو إيه اللي حصللي؟!

تحدث رزق قائلاً: إنتي تعبتي و النوبه جاتلك تاني فـ جيبنالك دكتور وهو اللي جابك هنا عشان يتابعك كويس.

_طب أنا عايزة أخرج من هنا.. المكان هنا خانقني.

تحدثت بسمه: حاضر يا روحي هنخرج..الدكتور يشوفك بس و يعرف إنك بقيتي كويسه و هنخرج فوراً.

خرج رزق لإستدعاء الطبيب فوجد جمال يجلس علي مقعد و يضع رأسه بين كفيه فذهب إليه و ربت علي كتفه قائلاً: جمال بيه.

إنتبه جمال ونهض علي الفور وهو يقول: لينا مالها يا رزق.. حصلها كده ليه؟!

حمحم رزق و تكلم بحرص فقال:حضرتك عارف إن ده وارد يحصل خصوصاً إنها بتمر بصدمة عصبيه مش هينه.. أرجوك متزعلش و متضغطش عليها.. هي هتاخد وقت و هتبقي كويسه إن شاءالله.

تمتم جمال: إن شاءالله.

_إتفضل أروحك و أرجع اخدهم لأن لينا عايزة تخرج.

=لأ لأ.. أنا هفضل مستني هنا لحد ما تمشوا.

_أنا آسف يا جمال بيه بس أنا خايف لينا تشوفك تتعب تاني.. معلش إستحمل تصرفاتها و تعالي علي نفسك الفترة دي.

اومأ جمال بتفهم وقال: صح.. خلاص يا رزق خليك جمبهم إنت و أنا هطلب حامد يجيلي بالعربيه و أروح.

ثم تسائل بحزن: هي هتروح مع بسمه؟!

زم رزق شفتيه و تكلم بشفقة: علي الأغلب أيوة.

هز جمال رأسه بموافقة و قال: خلاص يا رزق هستني منك تطمني عليهم.. ولو أنا غبت و مسألتش إبقي تعالي زورني و طمني عليهم.. و خلي بالك منهم يا رزق والنبي.

_ولا يكونلك فكر يا جمال بيه.. في عنيا.

إنصرف جمال مغادراً بينما ذهب رزق لإستدعاء الطبيب الذي ذهب معه إلي غرفة لينا فدخل قائلاً:

=ماشاء الله.. بقينا عال العال أهو يا لينا.

تحدث رزق وقال: لينا عايزة تخرج يا دكتور.. هينفع؟!

تشدق الطبيب وقال: ينفع طبعاً.. بس هنلتزم بالعلاج و نروق كده علي ما نقدر و لو أمكن نطلع الساحل يومين نفرفش و.....

قاطعته لينا قائلة: لا الساحل لا.

تكلم الطبيب بكل هدوء وقال: الساحل لا مفيش مشاكل.. نروح أي مكان تاني بنرتاح فيه و نغير جو.. أهم حاجه نبعد عن أي توتر و قلق.. إتفقنا؟!

أومأت لينا بتأكيد فإنصرف الطبيب بينما إستعدت هي للمغادرة.

إصطحب رزق لينا و بسمة و أخذ أغراضهم ثم غادروا المشفي.

إستقلوا السيارة فقالت لينا: إحنا رايحين فين.؟!

قالت بسمة: المكان اللي تحبيه يا روحي.

حدثت لينا رزق وقالت: ودينا عند مامي يا رزق.

أومأ رزق موافقاً وهو يشير إلي عينيه ويقول:من عنيا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في تلك الأثناء دخل جمال إلي الڤيلا و ألقي سترته إلي المقعد بإهمال ثم نادي "موانا" قائلاً:

_أنا تعبان وهطلع أرتاح.. متصحينيش إلا لو رزق إتصل.

=أجهز الغدا؟

_لا مش عايز آكل.. عايز أرتاح وبس

صعد إلي غرفته و أخذ حماماً دافئاً ثم دخل إلي فراشه و راح في سبات عميق...

•••••••••••••••••

قامت "بسمه" بمساعدة لينا كي تأخذ حماماً و تبدل ملابسها ثم صعدت إلي الفراش لكي تحظي بقسطٍ من الراحه.

_إرتاحي بقا علي ما أحضر الغدا و أعملك كل الأكل اللي نفسك فيه.

إبتسمت لينا وهي تقول: معقوله يا مامي.. هتدخلي المطبخ؟!

_عيب عليكي ده أنا طباخه بريمو.. دلوقتي تجربي و تحكمي.

ذهبت لإعداد الطعام قبل أن يستأذن منها رزق و يدخل إلي الغرفه ليطمئن عليه لينا فجلس بجانبها و أمسك بكفيها بين يديه و قال:

=عامله إيه دلوقتي يا فله؟!

إبتسمت بوهن وقالت: الحمدلله كويسه.

=الحمدلله.. و هتبقي زي الفل إن شاءالله أهم حاجه تاكلي و تاخدي العلاج.

_هو إنت هتمشي؟!

=أيوة هرجع الڤيلا دلوقتي.

_ومش هشوفك تاني؟!!

=وهو أنا أقدر أغيب و مشوفش نصي التاني؟!

إتسعت إبتسامتها فإقترب منها و قبّل جبينها و قال:

_هجيلك كل يوم أطمن عليكي و أشوف لو عايزين حاجه أجيبهالكو.. وهكلمك علي الموبايل طول الوقت.. أهم حاجه دلوقتي تخلي بالك من صحتك.

أومأت بتأكيد فإنصرف مغادراً نحو الڤيلا...

فور وصوله إلي الڤيلا سأل السائق "حامد":

_وصلت جمال بيه يا حامد؟!

أومأ الآخر وقال: أيوة وصلته و طلع.

هز رأسه موافقاً ثم دخل إلي الڤيلا و نادي" موانا" فقال:

_جمال بيه فوق ولا في المكتب؟!

=هو فوق نايم و قاللي متصحينيش غير لو رزق إتصل.

_تمام.. إطلعي صحيه و شوفي هيقولك إيه؟!

صعدت موانا إلي الطابق العلوي و طرقت عدة طرقات علي باب غرفة جمال و لكن لم يأتها رد.

نادت رزق قائلة: مش بيرد يا رزق.

صعد إلي الأعلي و طرق الباب منادياً بإسمه فقال:

_جمال بيه..!!

لم يأتهم جواب فأدار مقبض الباب ببطء فوجده ينام علي فراشه بكل هدوء فناداه مجدداً:

_جمال بيه..!!

دخل إلي الغرفه و قام بهزه برفق وهو يقول:

_جمال بيه..!!

بدأ القلق يعتمل بداخله فناداه مجدداً وهو يهزه بشده عدة مرات دون جدوي.

وضع رزق يده موضع النبض برقبة جمال وهنا كانت الصدمه... توقف النبض....!!!

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

الموت ناقوس يقرع آذاننا كل حين؛ ليوقظ كلَّ غافل منا، ويُشعرنا أن الحياة الدنيا ممرٌّ وليست مستقرًّا..

إرتفع صوت القرآن الكريم يصدح عالياً في كل أرجاء البيت، إمتلأ الهواء بعبق البخور الذي يلف الجو بالمنزل، خيمت الكآبه و الحزن علي الأجواء المحيطه، نحيب و بكاء و عويل، القريب و الغريب يواسي و يربت علي اليد و الأكتاف، الغادي و الراحل يوصي بالصبر و يتمني السلوان.

بينما تجلس لينا صاحبة الوجه الشاحب و العينين الحمراوتين المنتفختين ترتدي ثيابً من اللون الأسود و وشاحاً أسوداً و بجانبها بسمة التي ترتدي الأسود كذلك و تنتحب بشدة وهي تشعر بأنها تكاد تهوي أرضاً و تضم "لينا" إليها بخوف و حسرة.

إحتضنتها "سماح" زوجة "بكري" وهي تمسح علي شعرها بشفقة و حزن وتقول:

_شدي حيلك يا لينا يبنتي.. ربنا يصبركوا.

أومأت لينا دون أن تنبس ببنت شفة ثم جلست علي مقعدها بوهن، تشعر بأن قدماها لم تعد تحملها.

صافحت "سماح" بسمه وهي تقول: البقاء لله يا ست بسمة ربنا يصبركوا.

تحدثت بسمة بصوتها المختنق المتحشرج: الدنيا و الدوام لله يا أم خالد.

إقترب رزق من لينا و حمحم ثم قال: لينا.. الغُسل خلص.

ثم تابع بتردد: عايزه تشوفيه قبل ما يمشي؟!

إنقبض قلبها إثر كلمته و أومأت أن نعم فإصطحبها إلي الغرفة التي يتم بها الغُسل...

أجفلت فور دخولها إلي الغرفه، نظرت من مكانها فوجدته ملفوفاً بالكفن الأبيض فإقشعر بدنها و إنتفضت بشدة.

تقدمت منه و وقفت بجواره، تشعر بالبرودة تسري بجميع أطرافها و خاصة عندما نظرت إلي وجهه.

إنفجرت باكيه فحاولت كتم نحيبها بان كممت فمها بيديها وهي تهز رأسها بعدم تصديق وقالت:

_ليه؟! ليه حرمتني أكون معاك في آخر أيامك.. لو مكانش ده كله حصل كنت زماني جمبك علي الأقل كنت لحقت أشبع منك..طول عمرك أناني.. حرمتني منك من قبل ما آجي الدنيا و أعرفك و لما عرفتك بردو حرمتني منك تاني!!

ثم تابعت بهيستيريه: كنت هسامحك... والله كنت هسامحك وهرجع أعيش معاك.. منا عمري ما عرفت أب غيرك.. بس إنت مستنيتش و مشيت.

تقدمت منه و طبعت قبله أخيرة علي وجنته ثم هرولت إلي الخارج مسرعة.

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

بعد إنتهاء مراسم الدفن و العزاء و بعد مرور شهر علي وفاة "جمال" غادرت لينا و بسمة و معهم موانا إلي بيت "بسمة".

رن جرس المنزل ففتحت" موانا"فإذ بـ رزق يقف و بجانبه "صبري" المحامي الخاص بـ"جمال".

بعد المصافحه و التحيه جلس "صبري" الذي بدأ حديثه مباشرةً و قال:

_طبعاً كان المفروض نفتح الوصيه من فترة بس أستاذ رزق كان مأجل الموضوع لحين إستقرار الأمور.

إنتهي من قراءة نص الوصية ثم قال: جمال بيه الله يرحمه أوصي بإن من بعد ورث مدام بسمة تلت أرباع ممتلكاته من عقارات و رصيد في البنوك يروح لـ الآنسه لينا و الربع للأستاذ رزق.. و نظراً لأن الطلاق بعد الوصيه فـ حق مدام بسمة من الورث هيسقط!!

أومأت بسمة بتفهم شديد بينما تسائلت لينا و قالت:

_بس اللي أعرفه إن المكفول مش بيورث من الكافل!!

أجاب المحامي وقال: مظبوط.. عشان كده جمال بيه الله يرحمه تنازل لك عن تلت ارباع ثروته تنازل رسمي لأنه عارف إنك ملكش حق تورثيه.

كان رزق يستمع إلي ذلك الحوار بذهنٍ شارد.. أيعقل؟! لهذا الحد كان يعدّه قريباً منه لتصل به الحال أن يهبه ربع ثروته!!

نهض المحامي وهو يقول: في أي إستفسارات؟!

أومأ الجميع بالرفض فقال: تمام.. لو في أي حاجة حابين تسألوا عنها أستاذ رزق هيكون علي تواصل دائم معايا.. عن إذنكوا.

إنصرف المحامي فقالت بسمه: ليه يا لينا؟!

قطبت لينا حاجبيها بتعجب وقالت: ليه إيه؟!

_ليه معرفتيش المحامي إنه جمال يبقا باباكي فعلاً و تخليه يمشي في الإجراءات و يطلع لك شهادة ميلاد جديدة.. ده حقك!!

=و هيفيد بإيه؟! خلاص ملوش لزوم نجرح في ناس ماتت و نفتح في الماضي.. الله يرحمه و يرحمها و يسامحهم.

ثم نظرت إلي بسمة وقالت بإبتسامة:

=وبعدين أنا لو عايزة أغير شهادة ميلادي هيبقا عشان حاجه واحده بس!!

_إيه هي؟!

=عشان أكتب إسم الأم'بسمة محمد رياض'...

إبتسمت بسمة بحب و حنان و جذبت لينا إلي صدرها تحتضنها بشدة فبادلتها الأخري تلك المشاعر الصادقه ولكن قاطعهم رنين جرس المنزل مرة أخري فقام رزق و فتح الباب و تفاجأ عندما رأي الزائرين....

تمتم متعجباً: الشيخ بلال؟!!

_السلام عليكم.

تشدق بها الشيخ بلال بحرج فأفسح له رزق المجال وهو يرحب به و يقول: إتفضل.

دخل "بلال" و أولاده "محمد" و"عبدالرحمن " إلي غرفة الإستقبال فقال رزق:ثواني هبلغهم.

قال "بلال": كنا عايزين نعزي لينا و نتكلم معاها شويه.

_حاضر هبلغها.

ذهب رزق وقال لـ لينا: لينا.. الشيخ بلال هنا..

نظرت لينا إلي بسمة التي إنتابها القلق من إحتمالية رجوع لينا له فقالت: في حاجه؟!

_بيقول جاي يعزي لينا و معاه ولاده الإتنين.

ثم تحدث إلي لينا وقال: لو مش حابه تقابليهم أقوللهم هي تعبانه.

قالت لينا بثقه: لا هقابلهم.. خلينا نقفل الصفحه دي.

ذهبت لمقابلتهم و دخلت غرفة الإستقبال فأجفل" بلال"عند رؤيتها و وقف منتبهاً بينما صافحته هي ببرود و جلست.

_البقاء لله يا لينا يابنتي.. والله ما نعرف غير إمبارح.

أومأت قائلة بإقتضاب: الدنيا و الدوام لله.

_دول ولادي.. محمد و عبد الرحمن.

نظرت مباشرةً إلي "عبدالرحمن" و لا إرادياً إبتسمت ثم قالت: مش فاكرني يا عبدالرحمن؟!

نظر إليها بصدمة و قال: مش إنتي البنت بتاعة المولد!!

_أيوة أنا.

طفق يقلّب كفيه بتعجب فقال والده: إنتوا تعرفوا بعض؟!

أومأت لينا و شبح إبتسامه يظهر علي ثغرها ثم قالت:

_إتقابلنا صدفه قبل كده و عبدالرحمن ساعدني.

=سبحان الله.. رب صدفةٍ خيرٍ من ألف ميعاد.

أومأت لينا بتأكيد فإنتبهت إلي صوت'محمد' الذي قال:

_إزيك يا لينا.. أنا إسمي محمد.

قال الأخيرة وهو يمد يده لمصافحتها ففعلت و قالت:

=إزيك يا محمد.. أنا كويسه الحمدلله.

قاطع حديثهم "بلال" و الذي قال:

_لينا أنا كنت عايز أتكلم معاكي في كلمتين لو تسمحي.

نظرت له بإهتمام و قالت: بعد إذن حضرتك لو جاي تتكلم في الماضي يبقا بلاش.

زم شفتيه بـ حيرة وقال: والله مش عارف أقوللك إيه.. بس الحاضر مبني علي الماضي.

_يبقا منتكلمش في حاجه خالص.. الإتنين ماتوا و الله يرحمهم.. أظن مفيش حاجه نتكلم فيها.

=هما ماتوا بس أنا عايش و المفروض و الطبيعي تيجي تعيشي وسط أهلك و ناسك.

إبتسمت بتهكم ولكنها تحدثت بإيجاز شديد:

_مع إحترامي لحضرتك بس أنا عمري فيه كام عشرين سنه تانيين عشان أقضيهم وأنا بتعود علي أهلي اللي معرفهومش دول!!.. أنا بالنسبه ليا طول عمري كان أهلي مامي و بابي الله يرحمه.. معنديش إستعداد ولا عندي طاقه أعرف أهل غيرهم.

تحدث عبدالرحمن وقال: بس يا لينا اللي حصل زمان بابا مكانش ليه يد فيه.. إحنا كمان ملناش ذنب نتحرم من بنت عمتنا الوحيدة.

إبتسمت لينا و قالت: بص يا عبدالرحمن.. في حاجات كده مينفعش فيها تبديل او تعديل.. بنعيشها زي ما هي و بنحبها زي ما هي.. ولو إتغيرت او إتبدلت مبيبقاش ليها طعم.. ده مش ذنب حد.. بس هي كده.

و تابعت: أنا معنديش أي مشاكل معاكوا.. بالعكس أنا مرحبه بوجودكوا جداً بس مش لدرجة إني أسيب أمي و أجي أعيش معاكوا.

_اللي يريحك يا لينا.. أنا مش عايز أي حاجة من الدنيا غير إني أسمع عنك خير دايماً.. ولو في أي وقت إحتجتي أي حاجة كلميني و أنا أجي لحد عندك.

=شكراً ربنا يخلي حضرتك.

إنصرف بلال و أولاده علي وعدٍ بالتواصل الدائم و المستمر.

ذهبت لينا و إحتضنت بسمة بشدة ثم قالت:

_جاي عايزني أرجع أعيش معاه بإعتبار إنه أهو أمي.. ميعرفش إني مليش أم غيرك.

ضمتها بسمة إليها بحب وحنان يغلف قلبيهما.. ♡

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

•••"بعد مرور خمسة أعوام"•••

تجلس "لينا" تستند إلي رزق الذي يضمها بحنان وهو يقول:

_هاا يا فله.. سرحانه في إيه؟!

رفعت ناظريها إليه ثم طبعت قبله عاشقه علي وجنته و قالت:

=سرحانه في العفريته اللي هناك دي.. كل ما تكبر بتبقا شبهك اكتر.

نظر إلي طفلته ذات الأربعة أعوام وقال: حنين!!

_حنين دي فرحة عمري..الوحيده اللي بتشاركني في حبك.

=والله.. طب و بسمه؟!

_لأ بسمة دي حاجه تانيه.. تعرفي؟!

=هااا؟!

_بسمة دي الوحيده اللي بتشاركني في حبك.

نظرت له وقالت: يارااجل.. بردو؟!

ضحك مليّاً فضحكت هي بشدة فقال:

_مهو مش عارف أفضل واحده فيكوا عن التانيه.. إنتوا التلاته بناتي و إنتوا التلاته حته من قلبي.

إحتضنته بعشقٍ تام وهي تقول: و إحنا من غيرك ولا نسوي أي حاجة.

قبّل وجنتيها وهو يقول: ماتيجي أسلّم علي البيبي قبل ما أروح الشغل.

نظرت له نظرة مغناجه وقالت: رزق.. إتلم.

*إتلم يا رزق و قوم روح شغلك خليها تشوف عيالها بدل ما هي لازقه جمبك كده*

تحدثت بسمة بصراخ ممازح فإنتفض رزق علي الفور وهو يقول:

_منا ملموم والله يا حماتي هي اللي متبته فيا.. يلا ألحق أمر أنا بقا علي المصنع أشوف خلصوا الطلبيات ولا لأ و بعدها هعدي علي المزرعه أبص عليهم.. هتعوزوا حاجه؟!

قالت لينا: عايزين سلامتك يا حبيبي.

و قالت بسمه: مع السلامه يا حبيبي ربنا يصلح حالك و يقويك.

قبّل طفلته الكبيره ثم طفلتيه الصغيرتين قبل أن ينصرف.

نادت لينا علي طفلتيها: حنين.. بسمه..

هرولت الطفلتين إليها فحملت حنين و صعدت بسمة تلقائياً إلي حضن جدتها و إحتضنت كلاً منهما الأخري بحب و حنان و عطاء و ألفه...........

•••••••••••••••••••••••

نقابل ناس، نفارق ناس، وماشية الحياة عادي
حال الدنيا بيتغير مابين الثانية والتانية، هنعمل ايه
وده جارح وده مجروح وده عايش على الماضي
وأحوالنا دي بتحيّر ولو نرضى هتحلالنا، بنزعل ليه!
ومين الدنيا دايماله محدش ضامن الأيام
يابخت اللي رضي بحاله وفرّق بين حلال وحرام
سؤال واجابته عارفينها، في يوم هنسيبها، واخدين ايه
مادام سايبنها سايبنها هنتضايق ونزعل ليه!
نصيحة عيش ومتخليش في حاجة شاغلة تفكيرك
غير الفرحة وغير ضحكة مبتفارقكش، في ملامحك ومش بتروح
ترتب ايه وتحسب ايه نصيبك كله هيصيبك لكن عافر مع الفرصة ومتسبهاش في يوم أبدا تضيع وتروح
دقيقة بص كده حواليك هتلقى شمس بتنوّر، وبعديها في عز الليل قمر سبحانه مين صور منوّر ليك
تمللي الأمل موجود قريب للي شايفينه هتتفائل هتضحكلك، في غمضة عين هتبقي الدنيا ملك ايديك
حياتنا ساعات بنرسمها وبنجمّلها بالألوان في لون نختاره يكتمها ولون يدي لحياتنا آمان
همومك بكره هتعدي مفيش حاجة مبتعديش حياة عايزاك تكون عِنَدي وكل ما تقوي فيها تعيش
نقابل ناس، نفارق ناس، وماشية الحياة عادي حال الدنيا بيتغير مابين الثانية والتانية، هنعمل ايه
وده جارح وده مجروح وده عايش على الماضي، وأحوالنا دي بتحيّر ولو نرضى هتحلالنا، بنزعل ليه

تمت رواية كاملة عبر مدونة دليل الروايات
رواية في غيابة الجُب الفصل الأخير بقلم نعمة حسن
rana elhady

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent