رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الثاني عشر 12 بقلم مريم محمد

الصفحة الرئيسية


   رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الثاني عشر بقلم مريم محمد غريب 



رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل الثاني عشر 

 ثعبانية ! _
مرهقًا، مكتئبًا، مهزومًا ... 
كعهده دائمًا، معاناته ليس لها رأسًا و لا عقب، لكل شيء بداية.. أجل 
و لكن حتى بدايته هو كانت تتجاوزه لعامين في حبًا سرمديًا صبّه أبيه صبًّا على أخيه غير الشقيق و ضرة أمه 
من هو ؟ 
إنه "مصطفى الجزار" ... 
في زمنٍ خلا، كان الابن البكر لوالده، على الأقل أمام الناس، كانوا بانتظاره هو، العائلة و القوم الموالين لسلطة آل"الجزار"... يوم مولده كان يوم عيدٍ... كثرت الذبائح و أقيمت المآدب سبع ليالٍ كروايات الأساطير
و بما أنه أتى بعد طول إنتظار
رغم أن والده لم يكن حاضرًا ساعة الولادة، لكنه فيما بعد جاء و أعطاه إسم جده، نشأ "مصطفى" نشأة كريمة، كان مدللًا و محاطٌ بالحب و الاهتمام، كل شيء كان بمتناوله، حتى عندما أنجبت أمه طفلها الثاني ذكرًا مثله، إلا إن ذلك لم يزعزع مكانته بين الأهل أو القوم الذبن تطلع لرئاستهم حين يكبر و يتسلّم الراية من والده 
كان طفلٌ، لكن هذا لم يمنعه من التأمل و تحديد الطموحات.. إنما فجأة، و إذ ظن "مصطفى" بأن لا أحد يمكنه أن يأتي و يسلبه أحلامه.. ظهر فجأة "رزق" ! 
كابوسه الأبدي 
إنه لم يسرق أحلامه فحسب، بل جاء و سحب البساط من أسفل قدميه، ليجلس هو متربعًا فوق الجميع 
و كانت صدمة "مصطفى" عندما علم بأنه يكون الابن البكر لأبيه و ليس هو كما أعتقد، كان الوضع محتدمًا وقتها، يذكر جيدًا كيف توترت أمه و قد اكتشف لاحقًا بأن الجميع بمن فيهم هي كانوا على علم بوجود "رزق" و أمه على طرفٍ آخر من البلاد 
سرعان ما تبدلت الأدوار بحلولهما عليهم بمنزل العائلة، فاصبحت ضرة أمه مفضلة أبيه على مرآى و مسمع، أهدرت كرامة والدته، و هو... لم يعد له أيّ أهمية منذ تلك اللحظة و حتى الآن 
فقد سطى "رزق" على كل شيء هنا، خاصةً بعد فرار أمه.. صار هو المدلل، الأكبر، الأذكى، المهذب، و الأجمل ! 
حتى حظه من التعليم، أبسط حقوق المرء، حاز عليه "رزق" وحده بموجب كلمة أبيه.. إذ سمح له باستكمال دراسته دون غيره، و بجانب عملهم المشبوه و المتخفَّي، لولا أن ألح "رزق" على أبيه بشأن أخيه الأصغر "حمزة" لما كان سمح له هو الآخر بارتياد المدرسة، بالطبع فعلها كرمى له، إبنه الكبير، قؤة عينه الحق ... 
برز العداء بين الأخوين منذ أول لقاء _ و إن كان ذلك ما أبداه "مصطفى وحده _ و دون أن يتكلَّف "سالم" عناء الاصلاح بينهما، تركهما يمضيان على هذا النحو ظنَّا منه بأنهما لا بد و أن يتجاوزا هذه الغيّرة في يومٍ قريب كما يصير مع الإخوة في كل مكانٍ 
لكنه لم يكن يدري أن كراهية "مصطفى" لأخيه الأكبر معضلة معقدة متعددة الأوجه، بحيث يتعذر تبيّن سببها الأصلي.. و لاسيما مؤخرًا 
باكتشافه علاقة الحب التي تجمع بين حبيبته و عدوه الأوحد... "رزق".. أخيه !!!! 
°°°°°°°°°°°°°°°°°° 
يوم الأحد، الموافق 20 من أكتوبر
تدق الساعة الجدارية تمام الواحدة ظهرًا.. لم يعد يفصل عن موعد زفافه سوى أربعة أيامٍ... و لكن مع هذا يمضي الوقت بسرعة السلحفاء ! 
آثار مباراة الملاكمة في تلاشي سريعٍ كما يبدو 
جروح وجهه في طور الالتئام، لم يكن هناك أصابات غائرة، فقد رضوض بسيطة، سيشفى منها سريعًا.. أي أنه سيكون على خير ما يرام بحلول ليلة عرسه... لذلك لم يكن قلقًا.. لا يزال معه الوقت 
كان يقف أمام مرآة الخزانة الطويلة، يعدل هندامه استعدادًا للخروج في مهمة عمل أسندها له والده داخل الحي.. كان مزاجه رائقًا، فإذا بأمه تلج إليه فجأة من دون استئذان ... 
-مصطفى ! .. هتفت "هانم" و هي تمد رأسها عبر فتحة الباب الموارب 
-صحيت يا قلب أمك ؟ 
يبتسم "مصطفى" بتهكمٍ قائلًا : 
-لا لسا نايم ياما.. صحيني كمان ربع ساعة 
ضحكت منه بخفةٍ، و دفعت بالباب لتوغل بالغرفة أكثر، إلى أن صارت خلفه تمامًا، طفقت تعدل له قميصه من الهلف و هي تقول بلهجة تأديبية : 
-مش عيب تتريق على أمك ياولا.. و حياة ربنا ما تستاهل الفطار إللي قمت أحضرهلك بإيدي. لولاش قلبي الحنين ده مهما تتلامض عليا ! 
استدار لها "مصطفى" و أمسك بيدها، بسط كفها فوق قلبه و قال بامتنانٍ و تقدير بالغين : 
-إنتي لولاكي أصلًا ماكنش بقى ليا أي لازمة في الحياة. إنتي أحسن أم. و أجمل ست في الدنيا دي كلها.. إنتي هانم بجد زي إسمك ياما 
ابتسمت له و قد أثرت فيها كلماته و أطفرت الدموع من عينيها و هي تقول بصوتٍ مختلج : 
-إيه البكش ده كله يا بيه. كل ده يعني عشان أقنعت أبوك يقدم معاد فرحك.. عمومًا بدل الدخلة هاتبقى إتنين. و أنا مش فرحانة أوي زيك. كان نفسي في ليلة ليك لوحدك يا مصطفى.. ليلة يتحاكى بيها الكل 
غمز "مصطفى" لها قائلًا بعدم إكتراث : 
-لأ أنا مايشغلنيش الكلام ده.. دخلة واحدة و لا إتنين مش فارقة معايا. المهم إللي في دماغي يمشي بالظبط 
هانم باهتمامٍ : و هو إيه إللي في دماغك يا مصطفى ؟!! 
نظر لها بصمتٍ لبرهة، ثم قال مشوّشًا على سؤالها : 
-قوليلي ياما أبويا ذاع الخبر و لا لسا ؟ بطة عرفت يعني ؟؟ 
-لأ لسا يا حبيبي. أنا لسا طالعة من عند ستك دلال. أبوك سابلك عندها 100 ألف. قال إنهاردة بالليل الكل هايدرى بالخبر و هاننزل كلنا نجيب الشبكة ليك و للمحروس التاني 
-و الـ100 ألف دول بتوع إيه يعني مش فاهم !! 
-أبوك قال نصهم تجيب بيه شبكة عروستك و النص التاني ليك. مصاريفك يعني عشان الفرح إذا كنت تشتريلك بدلة. كده يعني.. و هو هايبعت للنقاشبن و العمال يجوا يشطبوا الشقة الفاضية إللي قدامنا ليك. و العفش و الفرش كله هايجي قبل الفرح بيوم. أبوك متحمّل كافة شيء ماتقلقش خالص 
أومأ "مصطفى" مثبتًا نظراته الحادة بعينيها، ثم قال باقتضابٍ : 
-و أبو زيد الهلالي بتاعه نظامه إيه.. رزق يعني القسمة بتاعته زيي و لا كالعادة حاطط على الكل ؟! 
فهمت "هانم" ما يرمي إليه تحديدًا، فقالت دون أن تخفي حقدها المماثل : 
-ماعرفش تفاصيل كتير عنه.. بس ستك قالتلي أبوك هايكمل السطح عشانه. يعني بدل ما كان قاعد في أوضة الدور كله هايتقفّل و يبقى شقة يرمح فيها الخيل و الخيّال. مش زي بقية البيت. الدور على شقتين !
مصطفى بغضبٍ دفين : 
-كده فاتورة العفش و الفرش لشقته هاتضرب بالجامد. و طبعًا.. على قلب سالم الجزار زي العسل. ده غير المبلغ إللي هايكبش و يديه للباشا عشان شبكته و مصاريفه. أكيد معدي مش 100 ألف بس زي إللي رماهملي !!! 
لاحظت "هانم" احتقان وجه إبنها الخطير، و النيران التي شبّت بحدقتيه البنيتين، لتحيط وجهه بكفيها مسرعة و هي تقول بابتسامة متوترة : 
-يا حبيبي و لا يهمك.. إللي إنت عاوزه أنا أديهولك. إنت مفكر أمك فقيرة و لا إيه.. ده جدك سعد سايبلي شيء و شويات. كل ده ليك و لاخواتك يا حبيبي 
أزال يديها عنه بحركةٍ قاسية أجفلتها و لم تتوقعها، رمقته بنظرةٍ قلقة، بينما يبتعد عنها خطوة و هو يغمغم بغلظةٍ : 
-و أنا أبويا سالم الجزار.. فلوسك إللي سابهالك أبوكي دي ليكي ياما. أنا عندي فلوس أبويا. و ليا فيها زي غيري 
ثم أولاها ظهره متمتمًا لنفسه بصوتٍ لا يكاد يُسمع : 
-الأيام بينا يا رزق.. الأيام بينا يابن أبويا  !!! 
____________ 
شيئًا ما يدغدغ بشرته العارية أثناء نومه، في المنطقة بين كتفه و عنقه، حيث كان يرقد على وجهه، بدأ يشعر بحرارة أشعة الشمس فوق ظهره، و بأنفاسٍ دافئة تلفح رقبته من الخلف 
كان النعاس لا يزال يضغط على حواسه، لم يكن باستطاعته التركيز على أيّ شيء في الحال.. حتى سمع صوتها يهمس في أذنه برقتها المعهودة : 
-حبيبي.. رزق.. يلا يا روحي قوم. بقينا الضهر و أنا حضرتلك الفطار ! 
وحده الصوت الذي سمعه من دفعه لإجبار نفسه على الصحيان، رغم أن جسمه كان ثقيلًا مع ألم واخزٍ على طول عموده الفقري 
و بجهدٍ يُحسب له باعد بين أجفانه قليلًا، فتبين شعاعًا بسيطًا يلفه، و ما لبث أن إنقلب على ظهره متجاهلًا نداء الكسل و الإجهاد.. ليصطدم برؤية وجهها مباشرةً 
إذ كانت تميل صوبه و قد أحاط شعرها الطويل بوجهه ... 
-صباح الخير ! .. تمتم "رزق" بصوتٍ أجش متأثرًا بالنوم 
تبتسم له "نسمة" بتوّردٍ و تقول بحب : 
-صباح الفل و الورد على أحلى عيون.. رزق. حد قالك قبل كده إنك تتاكل أكل.. إنت فاتح دكان فاكهة في وشك يا حبيبي ! 
و دنت منه لتقبله، لكنه جمدها بقبضته و نهض بجزعه ساحبًا هاتفه من جواره، ألقى بنظرة على الساعة الرقمية و هو يقول بثباتٍ لا يخفي توجسه : 
-و إنتي عارفة إن نهارنا مش فايت إن شاء الله.. إنتي إزاي تسبيني نايم كل ده يا نسمة. 1 الضهر. أنزل من عندك إزاي دلوقتي. لو حد شافني هاتقلب مولد !!! 
عمدت إلى تهدئته في الحال و هي تتقرب منه مدلكة كتفيه بأصابعها الطرية : 
-إهدا بس ماحصلش حاجة.. أنا لاقيتك رايح في النوم خالص و شكلك كان تعبان. ماجليش قلب أصحيك. سيبتك ترتاح.. مافيش حاجة لده كله يا رزق. خليك قاعد معايا لحد بالليل و إبقى أنزل 
أثناء حديثها عن مظهره المتعب خلال نومه، تذكر رحلة سفره إلى الاسكندرية البارحة لزيارة قبر جده، فضلًا عن الحوار المحتدم الذي دار بينه و بين أبيه و حطم معنوياته نوعًا ما، ثم مروره على منزل عشيقته امتثالًا للوعد الذي قطعه لها 
قضى معها الليل كله منغمسًا بظلمات شخصيته الأكثر سوداوية و فجورًا، لبَّى لها كل متطلباتها التي عبّرت عنها هذه المرة بالحاحٍ أثار دهشته.. لكنه لم يبالي كثيرًا 
كان سيرحل قبل مطلع الفجر مثل كل مرة، لكنها لم تتركه، و يبدو أنه سقط اعياءً و تعبًا في الأخير.. و ها هو لم يشعر بنفسه إلا الآن ... 
-أنا لازم أمشي ! .. قالها "رزق" و هو يقوم على عجالة باحثًا عن ملابسه دون أن يجدها
-فين هدومي ؟؟؟ 
وقفت "نسمة" قبالته تمامًا، عقدت ذراعيها أمام صدرها معلنة بلطفٍ : 
-مش هاتمشي يا رزق.. زي ما قلت ممكن حد يشوفك. يبقى ليه تغامر. و بعدين أنا أستاهل تقضي معايا يوم بحاله بعد كل الأيام إللي أهملتني فيهم دول.. و لا مستكتر عليا يوم ؟! 
يحك "رزق" مؤخرة رأسها و هو يرد عليها بشيء من التردد : 
-يا نوسا أبويا هايعث ورايا.. كده قدامه بقالي يومين مابنامش في البيت. أبويا لما يعوز يعرف حاجة بيعرفها. و أنا مش هاعرضك لأي مشكلة يكون فيها. هاقف قصاده عشانك و الموضوع هايبقى صعب أوي 
نسمة بذهولٍ : كل ده عشان هاتقضي معايا يوم واحد ؟!
للدرجة دي وجودك معايا يسبب كوارث !! 
ثم تظاهرت بالحزن الشديد و هي تشيح بوجهها عنه مجبرة غدتها الدمعية على إفراز الدموع، لتقول بعدها بصوتٍ أبح ذي لهجة بائسة مصتنعة : 
-خلاص.. أنا أصلًا متنظرة منك إيه. عارفة ديتي كويس أوي عندك.. مجرد محطة. استراحة تنزل فيها شوية و بعدين تكمل و تدوس عليا. و لا كأني أسوى أقل حاجة 
و غطت وجهها بكفيها مجهشة ببكاءٍ مريرٍ متقن 
ضم "رزق" حاجبيه بجزعٍ، لام نفسه فورًا و ندم على اللا شيء الذي عناه في كلامه و أحزنها هكذا.. اقترب منها بسرعة و حاطها بذراعيه مغمغمًا : 
-نوسا.. نوسا ماتعيطيش عشان خاطري. أنا مقصدش أزعلك. طيب حقك عليا.. إنتي غالية عندي أوي و الله. إستحالة أفكر أقل منك أو أعاملك بشكل مايلقش بيكي. عيب تظني فيا كده بعد العشرة إللي بينا دي كلها.. أنا إللي أزعل منك و الله 
كانت تدفن وجهها في صدره متعمدة إسالة دموعها الساخنة فوق بشرته ليشعر بمدى آلامها، لكنها لم تبالغ كثيرًا في لعبتها و هدأت تدريجيًا... لترفع وجهها الغارق بالدموع بعد هنيهة 
تنظر له بتضرعٍ قائلة من بين شهقاتها : 
-إنت عارف إني بحبك.. أكتر من نفسي. أكتر من الدنيا دي كلها ! 
رمقها بنظرةٍ عطوفة و قال بصدقٍ : 
-و إنتي غالية أوي عندي يا نسمة.. عمري ما أفرط فيكي أبدًا ! 
ابتسمت من بين دموعها و قالت بلهجة قريرة : 
-ده كل إللي كنت محتاجة أسمعه منك.. الله يخليك ليا يارب 
و شبّت على أطراف أصابعها لتطبع قبلة على لحيته النامية، ثم همست بجوار أذنه : 
-إنهاردة هاطبخلك كل الأكل إللي بتحبه. إنهاردة ليك دلع في دلع.. إنسى كل حاجة و خليك معايا شوية يا رزق ! 
و قبلته مرةّ أخرى، ثم إنسلّت من بين ذراعيه مهرولة بقميصها القصير تجاه المطبخ لتبدأ تجهيز و إعداد أشهى أصناف المأكولات لحبيبها ! 


يتبع الفصل الثالث عشر اضغط هنا

google-playkhamsatmostaqltradent