رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل السابع 7 بقلم مريم محمد

الصفحة الرئيسية

 

   رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل السابع بقلم مريم محمد غريب 


رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل السابع 

ليست المرة الأولى التي يذهب و يبتعد لفترة... لكن هذه المرة ! ستة أيام.. كانت تلك الأطول على الإطلاق في تاريخ علاقتهما ... ثلاثة سنوات حتى الآن.. أحبته من أول نظرة و لكنها لم ترى يومًا بعينيه أمل يطمئنها بأنه يبادلها نفس الشعور.. لم تراه أبدًا ... -و بعدين معاكي ؟! كانت "نسمة" تصب فنجانًا من الشاي، عندما سمعت صوت صديقة طفولتها المقربة و تدعى "سامية" ... كانت في حالة يرثى لها من الكآبة، حتى صوتها على الهاتف لم يكن طبيعيًا بالمرة، ما دفع "سامية" للمجيئ على الفور.. لتجدها كعهدها دومًا، وحيدة، حزينة ! -إنتي مكبرة الموضوع ليه يا سامية ؟ .. قالتها "نسمة" بلهجة مرهقة و هي تقدم لها الشاي عبر بنش المطبخ أمريكي الطراز الذي يفصل بينهما -أنا كويسة على فكرة.. ماكنش ليها لازمة مجيتك الساعة دي و إنتي بيتك بعيد. دلوقتي أتسبب لك في خناقة مع جوزك لما تروّحي. إشربي الشاي و قومي روّحي بقينا العشا يابنتي سامية بحنق : ممكن مالكيش دعوة بيا.. إنتي عارفة إني كده كده بفوت في الحديد. إنما إنتي هبلة .. لم تنزعج "نسمة" من النعت المهين، بل إبتسمت دون تعليق، لتكمل "سامية" بنفس الاسلوب : -ثم كده كده المحروس جوزي هايجي ياخدني ياختي ماتقلقيش.. أول ما أرنله جاي. المهم دلوقتي أنا مش هاحل عنك ألا أما أعرف إيه إللي عامل فيكي كده.. و لو إن مافيش غيره ! كانت إشارة صريحة لحبيبها و محطم قلبها بلا تعمّدٍ منه !! لم يغيب عن خاطرها لحظة أساسًا، فكان ذكر صديقتها له مجرد حافزٌ آخر دفع بدموعها لتكوين طبقة لامعة غلّفت نظراتها الصامتة إليها و المقرّة بصحة تلميحها ... -كنت عارفة ! .. غمغمت "سامية" بغيظٍ، لتنفجر باللحظة التالية : -إنتي يا بت هاتفضلي لغاية إمتى تحت رحمته.. بقالك كام سنة معاه عايشين زي المجوزين و مدلعاه و مهنهناه كل ده ببلاش كده. على إيه ياختي كل ده. ياريته حتى كان كاتب عليكي ورقة. ده حتى و لا واعدك بأي حاجة. قوليلي إيه مخليكي مستحملة عيشة زي دي. إنطقي يابت ! -بحبه !!! .. صاحت بحنقٍ شديد سرعان ما تحوّل إلى نحيب مكتوم و هي تستطرد بلوعةٍ : -بحبه و مش قادرة أخليه يفضل جمبي.. مش قادرة أطلب منه أي حاجة. و هو علطول ساكت ! ردت الأخيرة في المقابل و على الفور : -يبقى طالما بتتنيلي تحبيه يا حبيبتي لازم تشوفيله حاجة تربطيه بيها.. الراجل دايمًا في الحالات إللي زي دي يبكون عامل حسابه يخلع. إنتي بعبطك ده هاتسمحيله يعمل معاكي كده صرخت بعصبيةٍ : يعني أعمل إيه ؟؟؟ لتتلقى الرد الصارم في الحال : -تشيلي منه.. لازم تحملي منه في أسرع وقت ! تجهمت "نسمة" في هذه اللحظة و تدلى فكها لأسفل و هي تردد مشدوهة : -أحمل.. أحمل من رزق ؟!! -آه يا نانوسة قلبي تحملي من رزق.. مش هو يا بت إللي خد عرضك. مش هو بذات نفسه عارف إنه أول راجل يلمسك. صح و لا لأ ؟!! -صح ! .. ردت "نسمة" منفعلة، و أردفت بيأسٍ مثير للشفقة : -بس أنا ماشرطش عليه حاجة. أنا إللي سلمته نفسي يا سامية.. من كتر ما كان حنين معايا و بيخاف عليا. لمني من الشارع و عايشني كويس و بقى بيصرف عليا و مكفيني.. كنت حاسة إنه راجلي بجد. شوية شوية مقدرتش أمنع نفسي. أنا إللي كنت محتاجاله ! سامية بتوبيخٍ : و مافكرتيش نتيجة ضعفك معاه هاتكون إيه. يا نسمة ده إنتي أكتر واحدة عارفة طينة الرجالة.. ده لو كان أجدع راجل و شبعان حريم يحلوا من على حبل المنشقة. إنما لو شاف بياعة فجل مدياله سكة هايركع تحت رجليها.. إنتي غلطي يا نسمة و لازم تصلحي الغلط ده بأي تمن. إوعي تسبيه يفلت منك بعد ده كله. مين هايرضى بيكي و إنتي في الحالة دي !! آنت "نسمة" بلهجة معذبة : -حتى لو سمعت كلامك و حملت منه.. حتى لو هو رضي يتجوزني. أبوه مش هاريضى. أبوه أصلًا ماوافقش يقعدني هنا إلا بعد ما جاب أصلي و فصلي و عرف إني تربية ملاجئ و هربانة منها كمان.. قوليلي يا سامية واحد زيه إزاي يوافق على جوازة زي دي لإبنه !!! مدت "سامية" يدها على الحاجز الرخامي بينهما و قبضت على يد صديقتها قائلة بثقةٍ : -غصب عنه هايوافق يا بت.. ده إبنه الكبير. و لما يعرف إنه هايبقى جد لأول مرة قلبه هايحن و مش بعيد تبقي ست الستات في بيت الجزارين. إسمعي كلامي بس و إنتي تكسبي ! من أجل أن تضمن صمتها أظهرت "نسمة" موافقة مبدئية للتفكير باقتراحها ... حتى حانت ساعة رحيلها، ودَّعتها عند الباب و أغلقت ورائها... و صارت وحيدة من جديد تنهدت "نسمة" بثقلٍ و هي تمشي ببطء، كأنما تجر ساقيها ناحية غرفة النوم، كانت تضع هاتفها على الشاحن، أمسكته بترددٍ.. لقد حاولت مرارًا خلال اليومين الماضيين الإتصال به، لكنها في كل مرة كانت تمنع نفسها في أخر لحظة لا تريد أن تتسوّل حبه أو وجوده معها أكثر، فهي لا تتحمل أن تستمع إلى أعذاره التي يلقيها على مسامعها أغلب الأوقات.. ها هو قد تغيّب عنها لأيامٍ رغم أنه وعدها بألا يطول الهجر القلق يتسرب بداخلها و يملأ رأسها بالهواجس، حاله لم يعد كسابق العهد خلال تلك الفترة الأخيرة، طرأ عليه ثمة تغيير، لكنها لا تنجح في تحسسه جيدًا و لا حتى معرفة سببه ... -آااااه يا رزق ! .. هكذا أصدرت "نسمة" آهة حارقة من أعماقها و هي تلتفت إلى طاولة ضخمة حملت تحف و خزف، يتوسطهم ذلك البرواز المستطيل الذي يكنف صورته.. صورة وجهه الضاحك الجميل ... -آه يا حبيبي !!! سالت دموعها و هي تلتقط صورته و تضمها إلى صدرها بقوة، ثم لم يسعها بعد ذلك إلا البكاء بقهرة و الارتماء فوق السرير غارقة بأولى ذكرياتها معه ... Flash Back كانت ذكرى ميلادها، و قد أتمّت العشرون عامًا ... في تلك الليلة التي قررت بها الهرب من ذاك الجحيم الذي يُطلق عليه دار رعاية... و كأنها غزالة أُطلقت بغابة ملأى بالضواري هربت من وحوش عديمة الرحمة، تحديدًا كبيرهم و المسؤول عن فتيات الدار.. الأمين عليهم ! و من بينهن كانت هي الوحيدة التي طار عقله بها، و أكثر من مرة حاول أن يواقعها، و خاضت معه معارك مؤذية نفسيًا و جسديًا، لكنها تمكنت الليلة من الفرار منه، خرجت من الدار سليمة، نقيّة كما خلقها ربها إنما لم تكن تعلم بأن الخارج لا يقل بشاعة عن الداخل ... تحت غطاء الفجر الساتر، قطع طريقها مجموعة من الشبّان الضالة، و هنا على قارعة الطريق النائي طرحوها فوق العشب الذابل و التراب، وسط صراخها الهستيري و بكائها المرير.. و الأهم إداركها و هي بين أيدي هؤلاء السفلة بأن ما ناضلت و كافحت للحفاظ عليه طوال عمرها سيضيع للأبد، الآن و بأقسى صورة يمكن أن تتخيّلها !!! لولا أن هبط عليها فجأة، و كأنه ملاكًا من السماء.. جاء و أطاحهم جميعًا بعيدًا عنها، أجهز عليهم بمفرده و بقوته الجبارة و مهارته القتالية، بعثر وجوههم و أنزل بهم أشد المعاناة حتى هربوا من أمامه كالجراء ... بينما كانت تنظر نحوه و هي لا تزال هناك فوق العشب، تحاول ستر جسمها بباقيا ثيابها الممزقة، لا تكف عن النحيب و الخوف يفتك بها لكنها أطمأنت فجأة، عندما إستدار ناحيتها و شاهدت تلك النظرة العطوفة الرؤوفة بعينيه.. علمت بأنه غير الجميع، راحة مجهولة المصدر غمرتها و هي تشاهده يقبل صوبها رافعًا كفيه أمام وجهها ... -ماتخافيش ! ..خرجت كلمته بلهاثٍ خفيف بسبب مجهوده المضنِ الذي بذله ليرد الاعتداء الجماعي الوشيك عنها -ماتخافيش أنا مش هأذيكي.. أنا شوفت إللي بيحصل من الناحية التانية ... و أشار لها إلى البر الثاني للقناة المائية القذرة، و تابع مركزًا على النظر إلى وجهها المحتقن إنفعالًا و خوفًا : -عديت بسرعة لما سمعتك بتصرخي.. إنتي كويسة صح ؟ حد قربلك ؟! هزت رأسها سلبًا و هي تضم القطعة العلوية لتستر صدرها، بينما يقول مبتسمًا بخفةٍ : -الحمدلله.. الحمدلله إنك بخير ! و بدون مقدمات خلع معطفه الجلدي، مده لها دون يلمسها و قال : -حطي ده على كتفك.. الجو برد و بعد ترددٍ واضح، لم يمل من مد يده.. فمدت يدها بدورها و أخذت معطفه، لكنها لم تستطع ارتدائه و لا حتى التحرك قيد أنملة من مكانها لاحظ هو هذا، فإبتسم لها من جديد و عرض عليها بلطفٍ : -تسميحلي أساعدك ؟ .. ماتخافيش خالص. أنا مش زيهم و لا عاوز منك أي حاجة. أنا عاوز أساعدك و بس ! لم تجعله يكرر عرضه ثانيةً، عندما إمتدت يداه صوبها تركته يتعامل مع وضعها كما يشاء.. ليمسك برسغها بقبضته القوية، و يلتقط المعطف باليد الأخرى، ثم ينهضها بطرفة عين فترتمي عرضيًا فوق صدره جمدت و لم تحاول الابتعاد عنه، بينما يضع المعطف فوق كتفيها، ثم يحاوطها بذراعيه قائلًًا بصوتٍ هامس : -أنا ساكن في حي قريب من هنا.. لو تحبي تيجي معايا و هابيتك في حتة أمان لحد الصبح. و ماتقلقيش.. محدش هايتعرضلك تطلعت إليه مأسورة فورًا ببهائه و أصالته الواضحة مثل الشمس في ملامحه و طريقة كلامه... و في كل الأحوال لم تكن الخيارات متاحة لها، فنطقت أخيرًا بالموافقة : -خدني لأي حتة أبات فيها للصبح ونبي ! -قادرة تمشي ؟ .. و أرخى ذراعيه من حولها قليلًا و فورًا خمن من ترنحها العكس، فلم يسألها مجددًا و حملها على ساعديه القويين إلى سيارته، و كان لا بد أن يعبر بها الجسر الخشبي ليصلا إلى الجانب الآخر من القناة وضعها بالمقعد الأمامي و أغلق حولها حزام الأمان، ثم إستقل إلى جوارها و شغل المحرك.. لكنه قبل أن ينطلق أدار وجهه لها و قال بابتسامته الجذابة : -أنا اسمي رزق.. انتي اسمك إيه ؟ صوّبت عينيها تجاهه و قالت و أسنانها تصطك من البرد بينما نصف وجهها مخبأ بمعطفه : -نسمة.. إسمي نسمة و بيقولولي نوسا ! أعطاها تحية مخصوصة مشيرًا بسبابته و إبهامه قائلًا بمرح : -تشرفنا يا آنسة نسمة.. يا نوسا ! و ضحك بخفة مديرًا عجلة القيادة و منطلقًا رأسًا إلى حي "الجزارين" ... ذلك المكان الذي شهد قصة حبها أحادية المشاعر، فهي فقط التي تحبه.. أما هو... فلا تعلم ! بعد كل الذي فعله من أجلها ظنّت بأنه ربما يكن لها بعض المشاعر، لكنه قد يكون محرجًا من إظهارها أو خجلًا و من جهتها أرادت بشدة أن ترد له جزء من إحسانه إليها و التصرفات التي قام بها و ترجمتها كرسائل الحب... لذا لم تتردد لحظة حين دعته في ليلة مميزة كان القمر مكتملًا و النجوم ساطعة متلألئة أعدت له عشاءً على ضوء الشموع، و كانت تمنّي نفسها بليلة رومانسية لا تُنسى، كانت تعي جيدًا ما هي مقدمة عليه و لم تخاف... كانت ثقتها فيه بلا حدود و قد أعماها الحب، بعد قضاء ستة أشهر في كنفه و رعايته التامة و كالولد المهذب الذي وضعوا أمامه حلوى شهية مسيلة للعاب، كانت أمامه بردائها المغري و طلتها الجريئة.. لكنه لم يبدي أيّ ردة فعل و جلس رصينًا عاقلًا حتى قامت هي بالمبادرة و سقطت في حضنه مطوقة عنقه بذراعيه بقوة و كأنه طوق النجاة لها ... لم يفوّت الفرصة الذهبية التي واتته، رغم أنه أعترف لها بعلاقاته النسائية المتعددة من قبلها.. لكنه أيضًا أعترف بأنها غير سواها، و بأنه أبدًا لن يمس امرأة أخرى ما دامت هي بحياته كان هذا عهد قد أخذته عليه، لكنها اكتشفت بأنه عهد غير مشروط.. يستطيع أن يخرجها من حياته أيّ وقت يريد، فيكون قادرًا على الارتباط بغيرها و لكن.. هذا بشع.. هذا مميت بالنسبة لها، ليس بعد كل هذا، ليس بعد أن أحبته، و صار لها الدنيا و ما فيها !!! Back ... إنقطع شريط الذكريات بعقل "نسمة" فجأة كما لو أنه خرب ... لتصحو على الواقع الأليم، واقع لم يكن "رزق" فيه إلى جوارها.. فقط الصمت وحده الذي تسمعه، و السكون الذي تراه و صورته التي تحتضنها و تبكي.. تبكي جفاؤه و هجره و حبها معدوم الأمل له ... ______________ يـــوم المبـــاراة ..... و هذه اللحظة المنتظرة... وقوف الأخوان فوق حلبة المصارعة وسط الحي، كلاهما ضد الآخر كان الخبر قد إنتشر بين الجميع منذ أيام، و الساحة الآن قبل التحضيرات مزدحمة.. يراقبها من الشرفة الرئيسية "مصطفى" الذي راح يستمع بمللٍ إلى ثرثرة شقيقه الصغير : -مصطفى بلاش جنان.. إحنا هانقول إنك طالع مشوار شغل مفاجئ و هانلغي الماتش ده رمقه "مصطفى" بنظرة جانبية مرددًا باستخفاف : -بس يا بابا.. بس بلاش لوكلوك مالوش عازة حمزة باستنكار : إياكش تكون فاكر هاتعرف تغلب رزق.. ده عنتر أبو جبل البلطجي بتاع المعلم بدوي مقدرش عليه و كان جتة و أعفى واحد وقف قصاده. تيجي إنت بفرمة الساحل دي عايز تغلب رزق ! ضحك "مصطفى" من أخيه و استدار صوبه رابتًا على خده و هو يقول : -إبقى أحجز مكان حلو كده عشان تعرف تتفرج يا ميزو ! و تركه موليًا برشاقة إلى الأعلى، إذ لم يتبقى الكثير... بضعة ساعات تفصله عن المواجهة الحتمية !

يتبع الفصل الثامن اضغط هنا

google-playkhamsatmostaqltradent