رواية نوتفكيشن الفصل الثامن 8 - بقلم دينا ابراهيم

الصفحة الرئيسية

نوفيلا نوتفكيشن البارت الثامن 8 بقلم دينا ابراهيم روكا

رواية نوتفكيشن كاملة بقلم دينا ابراهيم

نوفيلا نوتفكيشن الفصل الثامن 8

بعد مرور أيام وقفت ميرا تهندم فستانها الوردي المنساب فوق جسدها بمهارة لاعب كرة قدم يراقص فوق جميع المنحنيات، وقد اتخذت القرار بضرورة الاستمرار في الحياة من جديد خاصة بعد اتصالات أصدقائها المتواصلة ورغبتهم في مقابلتها.
قطع شرودها صوت والدتها المتعجبة:

-أيه ده أنتي خارجة، مش كنا متفقين هنقضي الكام يوم اللي رجعت فيهم بدري سوا؟

-سوري يا مامي بس أنتي اللي رجعتي قبل معادك بكتير، كمان احنا هنتجمع شويه لأني زهقانة، بس اوعدك مش هتأخر.

-حقيقي كنت حابه نفضل سوا بقالنا كتير مش بنقعد مع بعض ونتكلم زي الأول.

ابتسمت لها ميرا ببطء، تشعر وكأنها مقيدة غير قادرة على التعبير عن مشاعرها بشكل صحيح لكنها أجابت:

-مش هتأخر صدقيني.

-اوكيه، هتتجمعوا في النادي كالعادة؟

ارتعش وجهها وهي تحيد بعيونها عنها تهرب قبل أن تكذب مؤكدة:

-اه في النادي.

حركت والدتها رأسها مرة ووقفت تطالعها بصمت للحظات مرت عليها طويلًا لكنها صدمتها حين اقتربت تقبل رأسها في حنو بالغ، افتقدته كثيرًا ونجح في إغلاق جوانب حلقها من شدة اضطراب مشاعرها المرهفة، أغمضت جفونها بينما تربت والدتها فوق خصلاتها قبل أن تغادر تاركه لها حرية انهاء تجهيزاتها.
قضمت "ميرا" شفاها بين أسنانها فبحركة صغيرة لا تذكر من والدتها أحيت داخلها وخيز تأنيب الضمير والاشتياق لقلب يحتويها.
تنفست على مهل في محاولة للسيطرة على توترها فهي لا تستطيع أن تخبر والدتها بانهم يتسكعون في الشقة التي اشتراها والد رامي وخصصها له وللأصدقاء ثلاث أيام أسبوعيًا.
تذكرت متألمة كيف كانت علاقتها بوالدتها فيما مضى قبل انفصالها عن والدها، صحيح كانت مجرد طفلة صغيرة السن وقتها، لكنها تتذكر كيف وجدت كلتاهن الأمان في ذراع أحدهن الأخر، في الوقت الذي غرق فيه والدها في بناء ورسم مستقبلًا هدم أسرته في سبيل تحقيقه، ولكن للأسف كل شيء تبدل بعد ذلك فوالدتها هربت للعمل تجد فيه الهرب وتركتها تتخبط وحدها غير قادرة على مواكبه الحياة وأبناء جيلها الذين تفننوا في تدميرها.
تنهدت في بطء فقد استطاعت تخطي تلك المرحلة كما هي قادرة على تخطي ونسيان هذا المغرور الذي يُصر على استوطان قلبًا ليس له، فكرت مغتاظة من تحول أفكارها نحو "زيدان" بشكل درامي سريع.
جذبت حقيبتها للمغادرة وهي تتمتم كلمات تشجيعية لنفسها، فهي امرأة حرة قوية، ولن تغرق مع شخص لا يبالي بها ولن تهين كرامتها في سبيل إيجاد شريك مناسب وبالتأكيد لن تتخلى عنها بسبب رجلًا يمتلك قلب ك "كمساري" القطار يوزع تذاكره على كل من ذهب وجاء.

*****

-تمام، لا كده فل أوي.

صمت "زيدان" يستمع للجهة الاخرى قبل أن يجيب مؤكدًا:

-هانت بلاش قلق، مع السلامة.

جلس داخل سيارته تحت بناية وكر الأصدقاء، فاليوم يوم من أيام اللقاء، وان حضرتك سيقتلع أظافرها الواحدة تلو الأخرى.
أخرج هاتفه من جديد وفتح غرقة الدردشة الخاصة بهما، ثم أخذ يتجول فيها وهو يقرأ رسائلهما القديمة تفصيليًا وكأنه يستمد منها الطاقة والحق كي يمنعها من إلحاق الأذى بنفسها والانغماس في هذا العالم أكثر.
غرق بين طيات الكلمات والمشاعر التي تولدت منها طويلًا حتى عاد إلى الحياة على صوت محرك سيارة تقترب، غامت عيناه العسلية لتعكس لونًا فريدًا كالعسل المحترق ما أن تبينت له السيارة الوردية وصاحبتها المتمردة.
ضغط على المقود في قوة يحاول جذب أنفس عميقة يهدأ بها غضبه الهادر على تهورها وكل ذرة في جسده تحارب للوصول إلى الثبات.

-أهدى، أهدى ما تتعصبش، خد نفس عميق وأهد....

قطع طقوسه من أجل استعادة الهدوء بإطلاقه لفظ اعتراضي بذيء تلاه أخر أبذأ متمتمًا:

-وأيه اللي هي لابساه ده بروح أمها، ده أنتي يومك أسود.

ترجل من سيارته ما ان هبطت "ميرا" من سيارتها ووقفت بكل ميوعة توصدها، اقترب منها في خطوات واسعة وواثقة ثم شعر بالتشفي سعيدًا بالهلع المسيطر عليها حين رأته أمامها.

-أنت بتعمل أيه هنا!

-قدامي.

قال في نبرة هادئة تشبه الهدوء للذي يسبق العاصفة بينما يجذبها جواره كي تلحق بخطواته النارية فزمجرت في محاربة لإفلات ذراعها من براثنه رافضة السهولة التي يجبر بها ساقاها الصغيرة على التحرك معه:

-سيبني أحنا اتفقنا ملغي ووجودك مرفوض.

-اركبي من سكات، أنا هعرف ازاي اتصرف معاكي.

دفعها دفعًا للمقعد وعندما حاولت الهروب عاد يقبض على جسدها الراكض وسحبها معه نحو مقعد السائق يجبرها على الانتقال منه للمقعد المجاور كالأطفال ثم أغلق الباب خلفه، تجاهل اعتراضاتها وأسرع منطلقًا بالسيارة:

-زيدان أنت اتجننت عربيتي هنا!

-تستاهلي ان شاء الله تتسرق.

أردف في تمني وصدق، فقالت مذهولة:

-انت مين اداك الحق للي بتعمله ده.

-أنا، لقيت نفسي فاضي ولقيت ان ما فيش حد يلمك ولا راضية تتربي، فاديت لنفسي الحق واتمنى اني اتبسط معاكي.

نجحت كلماته في إغلاق فمها للحظات وهي تبصره في ذهول، فتحت فمها تحاول تجميع جملة مناسبة ولكن عقلها توقف عن العمل من شدة الغضب حتى قالت مستهجنة:

-نزلني حالًا، انت عايز مني أيه لو على فلوسك هتوصلك بكرة.

أوقف السيارة في حدة على جانب الطريق ثن عدل جسده يرمقها شذرًا مؤكدًا:

-حلو أوي وأنا هاخد الفلوس دي واطلع على أبوكي، أقوله اتفضل يا باشا ده قبضي من بنتك عشان كنت عامل اني متجوزها عرفي.

-انت ليه بتحاول تأذيني مع اني عمري ما أذيتك.

همست وقد دب الرعب اوصالها، فأشار مذهولًا نحو صدره متمتمًا:

-أنا بأذيكي يا ميرا،
ده أنا هموت وانقذك وأطلعك من مستنقع سايبه نفسك تغرقي فيه وبدون مقاومة.

هز رأسه بعدم تصديق بعد كل هذا الوقت معًا تتهمه هو بأذيتها، أبعدت "ميرا" وجهها عنه ثم قالت من بين أنفاسها العالية:

-يا سيدي أنا بحب المستنقع ده، لكن أنت اللي مصمم تلغبط كل حساباتي.

ارتفع وجهه في ابتسامه ساخرة متسائلًا:

-أنا لغبطها ولا أنتي اللي معمولك غسيل دماغ ؟

-أيوه أنت قاصد تبعدني عن أهدافي وضحكت عليا وخلتني أسمع كلامك وأعمل حاجات مش عايزاها.

علا صوته في اعتراض داخل السيارة وقد رمى الهدوء في عرض الحائط:

-ليه كنت بضربك على إيدك ولا بعلقلك المشنقة، لو أنتي مش عايزة تعملي حاجة كنتي بتعمليها وماشيه ورايا ليه؟

بللت شفتيها وازدادت ملامحها ضيق رافضة الإجابة ولكن اضطراب حركتها جعلته يدرك ما تحاول إخفاءه، لتنير ضوء داخل كهف أعماقه يُشعره بأنها تعشقه كما يعشقها ولكنها تكابر فتابع في إصرار:

-ما تردي عليا كنتي بتسمعي كلامي ليه؟

لوحت رأسها اتجاهه قبل أن تهتف مستنكرة:

-عشان غبية وهبلة وبمشي ورا ناس ما تستاهلش.

ضغط قبضتيه يفتحهما ويغلقهما مرات متتالية يحاول تمالك غضبه وكلماته الحادة التي تحارب للانفجار في وجهها.
يبغض كيف تراه رخيصًا وترى القبح في تصرفاته بينما يختلق عقلها الأبله المبررات لمن لا يرتقوا لأن يصبحوا أصدقاء أي كائن في العالم، كان يريد تجاهل أعاصير المشاعر المتضاربة بين ضلوعه ولكن سؤاله تسلل من بين شفتيه:

-طالما أنا ما استاهلش واللي بينا مجرد اتفاق ولعبة،
مقموصة ومحسساني إني خنتك ليه؟

رمشت عدة مرات تحاول إدراك مقصده وتحاول إيجاد مخرج لهذا السؤال الثعلبي فهي مستعدة لأن تلفز أنفاسها الأخيرة على أن تعترف بحبها لهذا الخائن، فتلعثمت مجيبة:

-زعلانه لأنك ما احترمتش الاتفاق اللي بينا، أنت منعتني أقابل أي راجل من صحابي وأنا لوحدي، لمجرد أن أسمي مربوط بشكل وهمي بأسمك...

جذبت نفس كبير ترفض النظر نحوه وهي تحرك يدها في الهواء مستكملة:

-لكن أنت عادي تروح ...

صمتت وقد ضاق حلقها غير قادرة على إكمال وصف فعلته التي كانت كالرصاصة في صدرها، ثم أغمضت جفونها تخفي خوفها حين أنطلق صوته الغاضب جوارها:

-روحت وعملت أيه كملي ولا عشان عارفة اني معملتش حاجة مش عايزة تكملي!

دفعت رأسها نحوه تثبت عيناها على عيناه تلك المرة في شجاعة، ثم صرخت في وجهه:

-لما الاقيك في حضن صاحبتي وواقف سامعها بتتكلم عني ومأيدها تبقى عملت وعملت كتير أوي.

-وبالنسبة لصاحبتك عادي؟

أبعدت رأسها تنظر خارج النفاذة مجددًا قبل ان تخفي أصابع يدها أسفل مجلسها في محاولة لوقف ارتعاشها من شدة انفعالاتها ثم قالت في نبرة خافته مُتعبه:

-ده طبعها ودي حياتها وصاحبك على عيبه، لكن المفروض أن أنت اللي تقاوم.

-وأقاوم ليه ما أنا ابن جزمة جبان مش كده؟

كانت نبرته معاتبة أكثر منها غاضبة فوضعت يدها فوق جبينها فلا حق له بمعاتبتها وهو الذي مزق نياط القلب.
فرك "زيدان" عيناه يشعر بالخذل وخيبة الأمل، كان يظنها تمتلك في قلبها حبً كبير كحبه لها ولكنه كان مخطئًا فالغالية تمتلك في قلبها محبة لأصحابها فقط، بينما كان هو غارق كالأحمق حتى أنفه في هيامه بها وبكل تفاصيل حياتها، كان يقتطع من حياته لخوض ما يستطيع أن يشاركها فيه من حياتها.

نعم .. كان يشعر بمشاعرها نحوه ولكنها فتاة تصغره بأعوام كثيرة لا بد إنه اخطأ في حكمه على تصرفاتها لأنه بالتأكيد لا يملك في قلبها القدر الكافي من الحب الذي يجعلها تختلق له المبررات كما تفعل لأصدقائها.

وكم يكره هؤلاء الأشقياء الفاسدون بكل قطرة دماء في جسده!

كم هو حزين على ما آلت إليه الأوضاع بينهما وكيف ترك نفسه يتعلق بها دون حساب لألأم قلبه المنخدع فيها، كانت لديه ثقة كبيرة في مخططه، وكان سعيدًا يتفاخر أمام نفسه بأنه قطع شوطًا كبيرًا معها في علاقتهما وبانه أستطاع تقويمها وحثها عل فعل ما هو صحيح.

... ثم ماذا؟....

في النهاية مع أول مشكلة بينهما عادت علاقتهما لخانة الصفر، كان يظن أنه غير من شخصها ولكنها أصبحت أكثرًا عنادًا وتمردًا، كل ما مر كان تمثيل ومحاولة باهته لإرضائه في سبيل تحقيق الاتفاق.

جز على أسنانه يشعر بحرارة الغضب تزداد داخل صدره وكأنه جالس على فواهة بركان ناشط، أغمض جفونه يخفي عدستاه المشتعلتان لكنه فتحهم سريعًا في اللحظة التالية حين أردفت "ميرا" في صوت حزين ضعيف:

-فضلت تنتقدهم وتلوم على افعالهم وكنت مصور نفسك في صورة الملاك اللي مش بيغلط وفي الأخر...،

صمتت لحظة متعمدة إمساك بصره المشتعل ثم استكملت في لهجة قاسية جامدة:

-وفي الأخر طلعت أسوأ منهم بمراحل،
لو سمحت رجعني لأصحابي والناس اللي باقية ليا فعلًا.

تصلبت تقاسيم وجهه الصارم وتجمدت مشاعره فلم تصبح "ميرا" قادرة على تحليل مزاجه وخطوته التالية ولكنه أثار جنونها حين أخبرها مبتسمًا ابتسامة خالية من خيوط المرح:

-لو على الناس الباقية، يبقى أوصلك للمكان الصح.

أشعل محرك السيارة متحركًا من جديد في طريق معاكس تحت اعتراضاتها وهتافاتها المستنكرة تصرفاته المجنونة،
ولكنها على وشك اكتشاف أعلى درجات جنونه.

*****

بعد مرور ساعة كان يتحرك "زيدان" في خطوات واثقة نحو البناية التي تسكنها "ميرا" ممسكًا بيدها جارًا لها رغمًا عنها وسط توسلاتها:

-زيدان، أرجوك ماما فوق.

-عز الطلب.

-أنت عايز توصل لأيه باللي بتعمله ده!

وقف امام المدخل يمنعها من سحب ذراعها من بين أصابعه الغليظة ثم اجابها في هدوء يخفي خلفه الكثير:

-عايز أوصلك ان خيوط اللعبة في إيدي، وان أنا الانسان الوحيد اللي عقلك لازم يعمله حساب.

قالت في لهجة سريعة مهتزة استقر فيها الخوف وقد تلاشت شجاعتها:

-ما أنا بعملك حساب يا زيدان!

-امتى لما أرن عليكي وما ترديش ولا لما ابعتلك مسج وتتجاهليني ولا لما أقول كلام ويتعمل عكسه؟

وصلها صوته المتقطر بالتهكم والسخرية قبل أن يصعد أمامها على الدرج بينما هي تحارب للمقاومة وتقوم بضغط أقدامها على الدرج معترضة على أفعاله ثم هتفت في جنون:

-هتعمل ايه يا مجنون، هتوديني في داهية.

ابتسم لها ابتسامه كبير سمجة يمنع محاولاتها للهروب وكاد يشفق عليها حين سالت دموعها فوق وجنتها البيضاء كالياسمين وقد سحب الذعر اللون من وجهها بالإضافة إلى همستها المترجية:

-عشان خاطري بلاش يا زيدان، ماما عمرها ما هتسامحنى.

أزدرد ريقه رافضًا اللين والانسحاب، مصرًا على وضع حجر كبير فوق قلبه اللعين ورافضًا الوقوع في فخ توسلاتها، أكمل أخر خطوتين نحو الباب متجاهلًا قبضتها الصغيرة الضاربة فوق كتفه ليتركها، ثم مد كفه يرن جرس الباب.
كادت تسقط "ميرا" مغشيًا عليها حين فتحت والدتها الباب وأخذت أنظار والدتها المنذهلة تتنقل بينها وبين "زيدان" الذي زاد من صدمتها حين قال لوالدتها بابتسامة واسعة:

-طنط "أماني" ازاي حضرتك؟

خرجت والدتها من ذهولها وانفرجت ابتسامه بطيئة على ثغرها مرحبة:

-الحمدلله أنت عامل أيه يا زيدان وبابا أخباره أيه؟
أتفضل تعالى.

أشارت للصالون من خلفها ونظرة التساؤل تتعلق بابنتها المتصلبة في مكانها بأعين على وسعهما، كسر تحجرها صوت "زيدان" الهادئ:

-أنا قابلت "ميرا" في الشارع مكنتش مصدق نفسي أنكم ساكنين هنا قولت لازم أطلع أسلم على طنط أماني، صح يا ميرا؟

هزت ميرا رأسها في حركات سريعة للأعلى والأسفل دون أن تعي معنى ما يخرج من فمه أو تفهم سر المحبة الزائدة نحو والدتها ولما لا تصرخ والدتها في وجهه أو تطلب تفسيرًا!

-انتوا واقفين ليه ما تدخلوا يا ولاد.

قالت والدتها عندما لم يتحرك أي منهما للدخول فارتبكت ميرا لكنها دخلت في صمت بوجه شاحب خلف زيدان المبتسم ابتسامته القاتلة التي تتمنى اقتلاعها بأظافرها، ثم حاولت التحكم في انفاسها لا تعرف هدفه من اللعبة خاصة حين جلس ثلاثتهم واستقرت أنظار والدتها عليه في اعتيادية وكأنها تعرفه منذ سنوات قائلة:

-عمتك نادية رجعت من السفر ولا لسه؟

-لسه بس بعتالك السلام والله.

ابتسمت والدتها في ابتسامه شبه متهكمة، فعمته لا تطيقها حرفيًا لكنها تمتلك من الأدب ما يكفي ليجعلها تخبره:

-الله يسلمها فيها الخير.

حانت منه نظرة خاطفة نحو "ميرا" الجالسة كالبلهاء رأسها تتحرك فيما بينهما دون قدرة على تحريك لسانها، واصابعها لا تنفك عن التحرك فوق فخديهما وكأنها تحاول تنشيط الدورة الدموية في جسدها الشاحب قبل أن تسألهم ما يراه مرسومًا فوق ملامحها وما يثير حيرتها :

-أنتوا تعرفوا بعض؟

نظرت لها والدتها متعجبة من سؤالها الأرعن الذي قد ينم على قلة الذوق أمام قريبهم فقالت موبخه:

-أنتي بتهرجي ولا بتتكلمي جد؟
مش عشان مش بشوفهم كتير مش هعرف عيلتي ده متربي قدام عيني من قبل ما أنتي تتولدي.

رمشت عدة مرات تحاول استيعاب ما تخبره بها والدتها ثم نقلت بصرها المذهول نحو زيدان الصامت والذي يملك من الوقاحة ما يجعله يقذفها بنظرة محذرة وكأنه يحذرها من التفوه بأي حماقة!
جذبت نفس عميق تحاول الهرب من أمواج الصدمة المتلاحقة فوق رأسها وتابعت في صمت استئذان والدتها لإحضار واجبات الضيافة، ولا تدري كيف خرج صوتها المكتوم لكنها فعلت حين سمعت نفسها تردد:

-أنت قريب ماما؟

-لا، انا قريب ماما وقريبك أنتي كمان.

اجابها ساخرًا أثناء اعتداله للجلوس بشكل أكثر أريحيه فوق المقعد، فهمست في خفوت:

-يعني مش بس خاين وكمان كداب وبتضحك عليا.

-كداب وبضحك عليكي!
أقسم بالله بالقلم وعلى وشك، خدي بالك من لسانك أحسن ليكي بدل ما تخرب في دماغي وأقول لأمك بجد أنا ماسك نفسي عنك بالعافية.

-ماشي يا زيدان.

بصقت حروفها وهي تحافظ على انخفاض صوتها كي لا تسمع والدتها فارتفع صوته هو صادمًا إياها:

-أنتي بتهدديني؟
يا طنط أماني.....


قفزت من مكانها واقفه وهي تضم كفيها في خضه أسفل ذقنها ترجوه:

-خلاص أنا أسفة مش هقصدي والله!

-مش هتردي على التلفون تاني وهتخنقيني؟

-لا والله العظيم هرد.

-أيوة يا حبيبي، في حاجة؟

خرجت والدتها تحمل صينية مزخرفة بها كوب من العصير وطبق مليء بالحلويات، فوقف "زيدان" يلتقطها منها في أدب مبررًا صراخه قبل قليل:

-لا كنت بندهلك عشان أقولك ما تتعبيش نفسك أصل أنا مش هقدر أقعد عندي شغل.

-شغل بليل كده.

-اه ما أنا فتحت مطعم مع أصحابي، اتمنى تشرفيني أنتي وميرا يوم.

نظر إلى "ميرا" مبتسمًا في مشاغبة قائلًا في استفزاز يتعمد ارباكها:

-ابقي هاتي ماما تتغدى يوم.

-أنتي روحتي قبل كده يا ميرا؟

سألت والدتها المتعجبة فتلعثمت تخبرها:

-اه ... شفته مره صدفه وعرفت المكان.

-أنتي بتكدبي ليه؟
احكيلها من البداية من أول نوتفكيشن بينا!

-نوتفكيشن أيه؟

سألت الوالدة، وارتعشت شفتا "ميرا" تكاد تفقد الوعي ما أن كذبها زيدان بملامحه الجامد وشعرت بدموعها تتجمع للدرجة التي لم تمكنها من رؤية ملامح والدتها التي تتطلع إليها منتظره إجابتها،
لكنها جذبت نفسًا عميقًا واسترخى جسدها المشنج حين قال الوقح منقذًا للموقف:

-أنا وميرا بنسأل على بعض من ساعة ما لقتني صدفه على الفيس ومن وقتها واحنا بدأنا نتكلم أكتر ولما عرفت عن افتتاح المطعم والإعلان جابت أصحابها وعزمتهم يوم عندي.

انهى جملته بابتسامة كبيرة مغيظة، ثم رفع حاجبه يحركه في استفزاز منتظرًا تأكيدها فضحكت كالبلهاء ضحكة خرجت مختنقة هامسة في توتر:

-اه .. هو كده يا ماما.

-طيب هستأذن أنا.

-أشرب حاجة الأول مش معقول تيجي وتنزل كده.

أردفت والدتها مستنكرة ذهابه دون إتمام واجب الضيافة فاستقام واضعًا يده فوق صدره في حركة مهذبة معتذرًا:

-معلش تتعوض ان شاء الله.

وقفت "أماني" لتوصيله حين تحرك للمغادرة لكنه توقف في منتصف الطريق مطالبًا في نبرة مُحرجة:

-أنا اسف يا طنط لو هتعبك، بس ممكن كوباية ماية.

ابتسمت مؤكدة بينما تتحرك سريعا للداخل:

-طبعا يا زيدان.

ما ان اختفت حتى اختفت ابتسامته المهذبة وأشار بأصبعيه نحو مقلتيه ثم اعادهما نحو "ميرا" ذات العيون المتسعة، كناية عن مراقبته لها محذرًا:

-استني مكالمة مني قبل ما تنامي عشان نحط النقط على الحروف ... يا روحي.

تعمد مط كلمته الشهيرة سعيدًا بصمتها واستسلامها له رغم وضوح الغضب المتناثر في عدستيها السوداء، ثم رفع حاجبه في تحذير منتظرًا ردًا منها فهمست في صوت منخفض:

-حاضر.

-شطوره.

وصلت والدتها بكأس الماء وما أن ابتلعه على مرتين أعاده شاكرًا لها ثم رحل تاركًا "ميرا" تتكأ حولها حتى تصل إلى أمان غرفتها وتغلقها خلفها.
استندت فوق الباب تحاول التفكير واستجماع أنفاسها المسروقة، لا تصدق ما حدث وما وقعت به، ف "زيدان" خدعها ولم يخبرها إنه من عائلة والدتها وهذا اكثر ما يخيفها فهي لا تفهم أهدافه ومسعاه من خديعته لها ، عقلها مشتت تكاد تجن من كثرة التفكير لتحليل ما يحدث وما هو على وشك الوقوع فمن يعرف ماذا يخبئ لها زيدان في جعبته؟

أنا أعرف بس عمري ما أروح وأقول😂🤫😜
يتبع الفصل التاسع اضغط هنا
google-playkhamsatmostaqltradent