رواية لأجلك أحيا الفصل الثالث والأربعون 43

الصفحة الرئيسية

رواية لأجلك أحيا الفصل الثالث والأربعون 43 بقلم أميرة مدحت

رواية لأجلك أحيا المشهد الثالث والأربعون 43

أنتفض جسده بذعر وهو ينحني بجذعه سريعًا يمرر ذراعه الآخر أسفل ركبتيها حتى يحملها سريعًا بين ذراعيه، هدر بلهجة جهورية وهو يتحرك نحو الدَرَج:
-أبعدوا من قُدامي، أبعـــدوا.
ابتعدت أحدى الخادمات تدعى "سمر" سريعًا من أمامه وهي تنظر لـ"شاهيناز" بخوفٍ، أرتبكت "شاهيناز" من نظرات إبنها المخيفة خاصةً حينما هدر مرة أخرى بحدةٍ عالية:
-أتصلوا بالدكتور بسرعـة.
قالها وهو يصعد على الدرج بخطوات شبه سريعة، وصل إلى الغرفة فـ وضعها على الفراش وهو يسألها بخوف:
-تيجان، حاسة بإيه؟؟..
أغمضت عيناها وهي تصرخ بألم:
-رجلي آآه، أصهب أرجوك ألحقنــي.
قبضت على يده، تضغط عليها بقوة تستمد منه العون، مسح على وجهها بحنو وهو يقول بهدوء رغم أرتباكه الخائف:
-تيجان كل دي أوهام، أهدي.. أهدي يا حبيبتي، خدي نفس عميق، أيوة يالا..
كانت تنظر في عينيه مباشرةً وهي تحاول أن تتنفس بعمق حتى تتمكن من ضبط إنفعالاتها، مسح بيده على جبينها برفق حتى تهدئ تمامًا وهو يكمل في تدريبها على سحب نفسٍ عميق وزفره ببطء شديد حتى هدأ الألم قليلاً بـ قدميها.
أعتدل بجلسته وهو يسحب جسدها نحوه ساندًا رأسها فوق صدره ممررًا يده بحنوٍ مثير على رأسها المغطي بالحجاب وهو يشعر بجسده يرتجف بإنفعال، وقبضة حادة تعتصر قلبه بعنف وهو يُراقب وجهها الباكي بعجز، ضمها إليه أكثر وهو يهمس لها:
-أستحملي علشان خاطري، هانت يا حتة من قلبي.
قال كلمته الأخيرة وعيناه تلتمعان بالضعف خوفًا، أغمض عينيه بقوة وهو يسحب نفسًا حادًا محاولاً التماسك، فتح عينيه وهو ينظر لها ليجدها تنظر أمامها ودموعها تهبط وهي تهمس له بوجع:
-مش حاسة برجليا، أنا أتشليت يا أصهب صح؟؟..
أمسك وجهها بين يديه المرتعشتين بشدة وهو يُجيبها بقوة:
-تيجان، شيلي الأفكار دي، متستسلميش، متخليش الوجع ينتصر عليكِ.
نظرت إليه نظرات خالية من الحياة قبل أن تشعر بثقل كبير في جفنيها، ودوار يُهاجم رأسها بضراوة، تمتم "أصهب" بذعر وهو يراها على وشك فُقدان وعيها:
-تيجان أفتحي عينيكي، تيجـــان.
أغمضت عيناها بإستسلام فاقدة وعيها، غير مستشعرة نبضات قلبه المتسارعة بفزع، وصوته الخائف وهو ينطق إسمها.
*****
فتحت "تيجان" عيناها ببطء وهي تشعر بألم غريب في قدماها، وألمٍ آخر يهاجم رأسها بشدة، تناست كل ذلك فور وصول إليها صوت "أصهب" الحاد وهو يصب غضبـه على شخصًا ما.
رفرفت بـ عينيها عدة لحظات حتى تتمكن من الإستيعاب، نظرت حولها بتوجس محاولة النهوض ولكن سرعان ما تأهوت بألم، وضعت يدها على جبينها وهي تتنهد بتعب:
-آآآه.
مدت يدها نحو قدمها تلمسها بحذر، حاولت تحريكها ببطء ولكن عجزت عن فعل ذلك، أرتجفت شفتيها وهي تتساءل بخوف:
-رجلي، هو في إيه؟؟..
رفعت رأسها نحو الباب ما أن رأت "أصهب" يدخل بحذر، ولكن سرعان ما أنتفض مسرعًا نحوها وهو ينحني فوقها متسائلاً بعينين فاحصتين قلقتين:
-لسه حاسة بحاجة؟؟..
أجابته بصوت ضعيف:
-رجليا، هو أن آآ...
قاطعها وهو يقول بهدوء محاولاً رسم إبتسامة على شفتيه:
-ماتخفيش، كل الوجع إللي جالك ده بسبب حالتك النفسية السيئة، التراكمات إللي كانت جواكِ طلعت كلها عن طريق رجليكِ، الحمدلله أنها جت على أد كده.
همست بحروف مرتعشة:
-بس أنا مش عارفة أحركهم.
رفع يده يمسح تلك الدمعة التي هبطت على وجنتها وهو يرد بثقة:
-أنا بأكدلك إنك هترجعي أحسن من الأول، بس لازم الفترة الجاية دي تهدي تمامًا وإلا الموضوع هيتطور بجد ويحصل بعد الشر إللي أنتي خايفة منه.
أمسك بيدها وهو يقول بإبتسامة:
-كلها يومين وهتبقي أحسن من الأول، وأنا كمان جبت ممرضة عشان تعملك تمرينات الرجل وتتابع حالتك عشان تبلغني أنا والدكتور.
نجح في بث الطمأنينة بداخلها بشأن صحة قدماها، فـ عاودت التمدد بجسدها على الفراش وهي تهمس بإنهاك:
-أنا عاوزة أنام، تعبانة أوي. 
قَبّل يدها وهو يقول لها بوعدٍ:
-نامي يا حبيبتي، نامي وأنا معاكي. 
*****
دقائقٌ، وكان يلج إلى خارج غرفته ما أن أطمئن عليها، وعينيه القاتمتين تشتد ظلامًا مرعبًا، هبط إلى الأسفل متوجهًا نحو غرفة الطعام حيثُ تتابع هناك ثلاثة خادمات أعمالهن، قبل أن يدخل بخطاه الغاضبة، شعر بمن يقبض على ذراعه، فألتفت برأسه وهو يرى والدته تنظر له برجاء قبل أن تقول:
-صدقني يا أصهب، أنا مكنتش بتهم تيجان ظلم، أنا فعلاً الأسورة بتاعتي أختفت، وغضبي وكرهي ليها خلاني أندفع وأتهمها بـ ده.
أبعد يدها عنه وهو يسألها بهدوء قبل العاصفة:
-وموضوع أهلها؟!..
أجابته "شاهيناز" بإرتباك:
-زي ما قولتلك يا أصهب فوق، أول يوم إنتوا جيتوا فيه هنا، كانت سمر معدية بالصدفة من جنب أوضتكم قبل ما تسمع تيجان وهي بتتكلم فالموضوع ده، فـ جت بلغتني على طول.
إبتسم "أصهب" بوحشية وهو ينطق بـ:
-حلو أوي.
أستدار بجسده وهو يهدر بحدة جعلت عروق نحره تنتفض:
-سمـــــر، سمـــــــر.
هرولت "سمر" إليه وهي تقول بلهفة:
-أيوة يا باشا، في إيـ آآآه.
صرخت بألم حينما صفعها بقسوة على وجنتها، أتسعت عيناها برعب مدركة أنه قد علم بكل شيء، جذبها نحوه قابضًا على فكها بعنف وهو يزأر بغضب:
-بقى يا بنت الـ(...)، فتحت بيتي وخليتك تشتغلي فيه تقومي تعملي عملتك السودا، وفين؟!!!.. فـ بيتي أنا؟!!!.. طب والله ما أنا سايبك. 
حاولت أن الإبتعاد عنه حتى تُقبّل يده برجاء هاتفة بهلع:
-لا يا باشا، والله معملتش حاجة، أنا مظلومة آآه.
صفعة آخرى أشد قسوة هبطت على وجنتها وهو يهدر بعصبية:
-بقى تسمعي اللي مراتي بتقوله وتروحي تقولي لأمي عشان توقعي أكتر، ومش بس كده..
أخرج من جيب بنطاله شيء ما وهو يبتسم لها بتشفي قبل أن يقول:
-وإيه ده بقى، مش دي الأسورة اللي أمي بتقول أنها أختفت، ألاقيها تحت مرتبة السرير عندك بتعمل إيه يا بنت الـ(...).
ألتفت برأسه إلى والدته وهو يقول بحدة:
-بلغي الرجالة إللي برا يسيبوا إللي فإيديهم ويجولي حالاً. 
جذبها من خصلات شعرها وهو يقول كلماته الأخيرة، فقالت "سمر" بتوسل:
-سامحني يا باشا، سامحني أرجوك، آخر غلطة.
أتسعت إبتسامته المخيفة وهو يهمس لها بفحيح الأفاعي:
-ده فالمشمش، هتاخدي عقابك قدام أهل القرية كلهم.
دخل أحد رجاله وهو يقول بإحترام:
-أيوة يا كينج؟!..
دفعها بعنف نحوه وهو يهدر بصيغة آمرة:
-خدوها على السجن فورًا، وأظن أنتوا عارفين إيه المطلوب.
أومئ برأسه وهو يجذبها بقوة في إتجاهه:
-أمرك، يالا يا بت أتحركي.
صرخت "سمر" بفزع وهي تتملص منه:
-لأ، كله إلا السجن، لأااااااا، سامحني يا باشا.
لم يعيرها أي أنتباه، بل أستمر في جذبه لها حتى خرج من القصر بأكمله. 
تسمر "أصهب" مكانه وهو يحدجها بنظراتٍ مُظلمة.. مُتهكمة، وضع يده على قلبه وهو يجلس بهدوء على المقعد رافضًا مساعدتها، فـ نكست رأسها بحزن على ما وصلت إليه مع وحيدها. 
سحب نفسًا عميقًا بصعوبة بالغة محاولاً أن يهدأ نبضات قلبه التي لازالت مرتعبة عليها، ثم همس بصوتٍ كالصلب رغم رجفة جسده الخفية:
-ليه؟!.. ليه تزودي التعب والوجع عليها أكتر ما هو موجود. 
أقتربت "شاهيناز" منه وهي تقول بإرتباك:
-أصهب. 
رفع عينيه القاسيتين نحوه قبل أن يصرخ بغضب جامح:
-ليه يا أمي؟!!!.. ليه تعملي ده؟؟.. بتعقبيها على ذنب مرتكبتهوش ليه؟!!.. 
بدا عليه علامات الأسى وهو يخفض رأسه، في حين أشار بإصبعيه نحو غرفتهِ ويده الأخرى مازالت موضوعة على قلبه الذي يخفق بألم عاشق:
-أنتِ السبب فإللي وصلتله ده، ياريت تسبينا في حالنا. 
أبعد يده عن قلبه وهو يقول بحزم:
-أنا مش هستنى لحظة واحدة هنا، مش هستنى.
هب واقفًا فجأة وهو يتحرك بخطى سريعة نحو الدرج قبل أن يصعد إلى الأعلى متوجهًا نحو غرفته، ما أن دخل حتى وجدها نائمة كما هي ساكنة.. فاقدة شعورها بالحياة تمامًا.
تحرك نحو الخزانة ليخرج منها عبائة سوداء اللون ولكن مطرزة على شكل قلوب صغيرة في الجانبين، تعامل معها بحذر وهو يلبسها إياها، رمقها بنظرة أخيرة قبل أن ينحني برأسه يُقبّل جبينها قبلة عميقة وهو يتنهد بألم على ما يحدث معها.
بدون مقدمات مرر ذراعه على أسفل ظهرها والذراع الأخرى مررها أسفل ركبتيها يحملها بين ذراعيه ورأسها على كتفه، رمقها بنظرة ألم خلفها الكثير من القسوة مما هو قادم وهو يقول بحسم وقد وصل إلى نطقة النهاية مع الجميع:
-كفاية أوي كده، لازم أخدك بعيد عن هنا حتى لو وصل الأمر أننا نعيش فمكان مفيش فيه حد غيرنا، المهم إننا نعيش سوا من غير وجـع.
قبل أن يلج إلى الخارج وجد والدته تقف أمامه تنظر إليه بدموع هاتفة بضعف:
-خلاص يا أصهب، أرجوك متسبنيش وتمشي، أنا مليش غيرك أنت وأبوك، مش هستحمل خسارتك يابني.
رمقها بجمودٍ أخافها، فـ أضافت بصدق وهي تنظر في وجه "تيجان" النائم بوهن:
-أنا فعلاً محبيتهاش من البداية، بس دي غلطتي أنا، أنا إللي حكمت عليها بسبب ماضي مش هي اللي عملته من نفسها.
هبطت دموعها وهي تقول:
-والله العظيم ما هعاملها وحش تاني، أديني فرصة تانية وإذا أتكرر أبقى أعمل وقتها إللي إنت عاوزه.
حرك رأسه بإيماءة خفيفة قبل أن يعود إلى الخلف وهو يقول بهدوء:
-خلاص يا أمي، خلاص.
نظر لـ"تيجان" وهو يضيف بشرود:
-كله يستحق فرصة تانية.
*****
لاحقًا، ما أن أستيقظت حتى هاجمتها نوبة بكاء قوية، وكأنها تخرج أيضًا طاقتها السلبية عن طريقها. 
انهارت على صدره تبكي، تبكي غير واعية من الألم، تتشبث به وتزيحه عنها في آن، تريده حد موت قلبها، وترفضه حد موت كرامتها، فرغت القليل ليبقى الكثير، الكثير جدًا.
احتضنها بين ذاعيه بألم، يود شق صدره ليدخلها بداخله علها ترتاح، شدد من احتضانها وهو يهمس في أذنها باحتراق:
-إزاي مش شيفاني؟؟.. إزاي يا تيجان بعد كل ده؟!..
أخرجها من أحضانه ينظر إليها محاولًا رسم ابتسامة هاوية على شفتيه وهو يقول رغم الوجع:
-حبي ليكِ.. هدوئي معاكِ رغم إللي بتعمليه.. وحضني إللي مفتوح ليكِ من غير ميعاد، كل ده ولسه مش قادرة تشوفي إنك أستثناء!!..
اختنق صوتها ليخترقه ألم مضني هاتفة بحرقة:
-أنا بموت يا أصهب، مش قادرة أشوف نفسي عشان أشوفك.. أنا تعبت والله.
أبتعدت عنه وهي تهمس:
-من يوم ما أتولدت وأنا عبء على الكل، مش هتيجي عليك يعني.
أنهمرت دموعها مرة أخرى وهي تضيف بإختناق:
-يارب أموت يمكن آآ..
قاطعها "أصهب" بصوته الجهوري.. الصارم.. المخيف:
-تيجـــــان.
أرتجفت شفتيها وهي تتراجع للخلف، أشار بإصبعيه قائلاً بعصبيةٍ شرسة:
-أنا مستحمل كل كلامك، لكن قسمًا بالله لو قولتي الكلمة دي تاني لهتشوفي مني وش مش هيعجبك، هتشوفي أول وش شوفتيه في الساحــة.
نكست رأسها وهي تكفكف دموعها بظهر يدها هامسة:
-أنا آسفة. 
مسح على وجهه بقوة قبل أن يرفع ذقنها بإصبعيه هاتفًا برفق:
-تيجان، انسي كل ده عشان تعرفي تعيشي، صدقيني أنا لا أتغيرت من ساعة ما عرفت ده كله، ربنا يعلم وحده إن حبي ليكِ بيزداد كل لحظة أنا بعيشها. 
هتفت ببسمة صغيرة ضعيفة:
-وأنا كمان بحبك. 
أتسعت إبتسامته وهو يحتضنها بحنان قائلاً:
-مش عاوز أكتر من كده. 
شدد عليها العناق وهو يقول بهدوء واثق:
-عاوزك ترجعي قوية، لأن مش أنا بس إللي هحكم القرية لوحدي. 
تسائلت "تيجان" بتعجب:
-قصدك إيه؟؟.. 
رد "أصهب" عليها وعينيه قد ألتمعت بوميض خاص:
-بعدين، بعدين هتعرفي كل حاجة، بس أول ما ترجعي قوية. يتبع.. الفصل الرابع والأربعون اضغط هنا
google-playkhamsatmostaqltradent