رواية كاره النساء الفصل السابع والعشرون والأخير

الصفحة الرئيسية

رواية كاره النساء البارت السابع والعشرون والأخير مع الخاتمة، بقلم سهير عدلي

رواية كاره النساء كاملة

رواية كاره النساء الفصل السابع والعشرون والأخير

بعد مرور ثلاث سنوات على الأحداث:
دلفت جمانة على ناريمان وهي تحمل صنية مليئة بالطعام، كانت الأخيرة شاردة والحزن سار جزء من ملامحها هتفت جمانة وهي تعاني من حملها:
_ خدي مني الصينية ياست السرحانة أنتي.
تنبهت لها ناريمان وتناولت منها الصينية وساعدتها على وضعها على الفراش وقد قالت لها:
_ انتي جاية تاكلي هنا واتبوظي لينا الدنيا.
هتفت جمانة:
_ بقولك ايه نبقى نروق بعدين ..المهم انك تأكلي معايا انا مش قادرة اكل لوحدي.
هتفت ناريمان بتزمر:
_ ياستي انا مليش نفس ومش عايزة أكل..هو الاكل فيه غصب كمان.
بصوت يملؤه الحنان والترجي همست جمانة:
_ لا ياستي مفهوش غصب بس فيه جبر خاطر ..اجبري خاطري بقى وكلي معايا وغلاوتي عندك.
نظرت ناريمان لها نظرة جانبية تعني أنها عجزت على كسر خاطرها ..فابتسمت لها جمانة بامتنان وقبلتها في جبينها وهي تقول لها:
_حبيبتي يانانا كنت عارفة اني مش حهون عليكي.
قربت منها الصينية واستطردت:
_ يلا بقى لحسن أنا جوعت قوي.
كانت ناريمان تأكل جبر خاطر لصديقتها التي بقت لها ومعها بعد الأحداث التي حدثت، تفكر في كل ماجرى.. ترك مالك لها..وشعور الوحدة الذي لازمها منذ أن فارقها.. وكسرة قلبها..ظنت أن مع مرور الوقت سوف تتجاوز محنتها تلك وتنساه ولكن كل يوم يمضي وهو يستحوذ على تفكيرها اكثر.. كل يوم يمضي وهي تشتاقه، تحبه أكثر من زي قبل، تحن إليه، تحلم به وتناديه في أحلامها، كل يوم تسأل نفسها آلاف الأسئلة أسئلة تمزقها لماذا أبتعد عنها؟ لماذا تركها وكسر قلبها، بعد مرور سنة ألم يحن لها ويشتاقها مثلما تشتاق له؟ بعد مرور سنة ألم يراوده ولو مرة أن يسأل عليها ويأتي لرؤيتها؟ الهذا الحد هو قاسي القلب؟ هل لفظها من حياته إلى الابد؟......
_ايه يابنتي حتفضلي سرحانة كده كتير؟
هذا السؤال الذي نطقت بها جمانة جعل ناريمان تخرج من شرودها الحزين وتهمس:
_ هه
_هه ايه ياماما.
تنهدت جمانة بأسف من أجلها ثم استطردت:
_ وبعدين معاكي يانانا من ساعة ال حصل وانتي مش نانا ال أنا أعرفها..فين نانا ال بتهزر..وتضحك وتشتم وتعمل مقالب فيا وتناكفني.
_ماتت خلاص
قالتها ناريمان بقنوط وحزن.
_لا يانانا بعد الشر عليكي، متقوليش كده..معقول انتي نانا القوية الكانت بتمشي كلمتها على أي حد، نانا ال كنت بحسدها على جرأتها وأنها مفيش حد يقدر يأثر عليها مهما كان، لازم تعرفي أن كل الحصل ده خير ، مهو أنا قدامك قدرت أتجاوز محنتي وابتديت اعيش حياتي من جديد و.........
قاطعتها ناريمان وهي تهتف بوجع وصوتها مكسو بالعصبية:
_ انتي قدرتي تبدأي من جديد لانك اتخلصتي من كل معاناتك، اتخلصتي من مروان لما اتقبض عليه واتعدم وورثتيه..لقيتي حريتك ال خدها منك أبوكي..دلوقت انتي بقيتي حرة نفسك ومحدش بيتحكم فيكي..يعني كل ال كان مضايقك خلاص انتهى مبقاش موجود..لكن أنا........
_انتي ايه كملي..انتي شفتي وعانيتي زي العانيته.. أبوكي حبسك زيي وبقى يتحكم حتى في النفس ال بتتنفسيه، قسى عليكي من غير لازمة..فرض عليكي واحد في سنه وجوزهولك غصب عنك.. اندبحتي زي في ليلة عمرك ..حبيتي واحد واتحرمتي منه بسرعة.....
لم تستطيع أن تكمل حديثها فقد غلبها الحزن وظلت تبكي بشدة.. مما جعل ناريمان تشعر بالندم على أنها كانت السبب في تقليب المواجع عليها فجذبتها إلى حضنها وهي تقول لها:
_ متزعليش ياجوجو مكنش قصدي والله..خلاص بقى بطلي عياط حقك عليا.
خرجت جمانة من حضنها وهي تكمل ومازالت الدموع ترقص في عينيها:
_لا ياحبيبتي انا مش بعيط عشان انتي السبب أنا بعيط لأن الدموع بتغسل قلبي من كل ال حصلي..عارفة لو انتي عيطتي حترتاحي..لكن مشكلتك إن بالرغم من كل ال حصلك مخزناه ومعبياه جواكي لحد متعبتي.
مسحت دموعها في طرفي اكمامها ثم تابعت بأمل:
_ انا حاسة إن مالك حيرجعلك والله
صرخت ناريمان حتى جعلت جمانة تتراجع للخلف وقد ربشت بعينيها:
_ متجبيش سيرة الزفت ده قدامي، سيرته بتعصبني.. أنا مش عايزاه يرجعلي أنا بكرهه واو رجع حتطرده.
همست جمانة بتحدي قاصدة أن تجعلها تعترف انها مازالت تحبه وان كل ما تفعله هذا ماهو سوى بركين من الغضب منه على مافعله بها غير إلا:
_ والله طب عيني في عينك كده وهو ال بيكره حد يموت نفسه عشانه كده.
_يوووووووه شكلك مش حتعدي ليلتك دي على خير.
صرخت بها وقد احتقن وجهها وأخذت الوسادة وظلت تضربها بها وجمانة تصدها بيديها وهي تهتف وتبتسم في نفس الوقت:
_ خلاص ..خلاص..انتي حطلعي خلقك عليا ولا إيه؟ اسمعيني بس.
بحلقت ناريمان في السقف وهي تزفر في عدم القدرة لسماعها ومع ذلك تابعت جمانة:
_ يانانا مالك آه هو بعيد بس معانا في كل لحظة مسابناش، كل مشكلة تحصل في الشغل نلاقيها انحلت وهو السبب في حلها من بعيد، هو ال اسس لنا الشركة باسمي واسمك وعين لينا أوصياء شرفاء ياخدوا بالهم من فلوسنا ويديروا معانا الشركة دي، وعلمونا كتيير قوي، هو ال قدم للكلية اعتذار عن السنة الأولى لينا نظرا للظروف ال حصلت لنا هو ساعدني وكان السبب في أنه يخلصني من مروان وساعدني في أنه يخلص لي الورث بتاعي من قاريبه، عملنا حاجات كتير وبيساعدنا كتير لغاية دلوقت، صدقيني انا حاسة أنه حيرجع بس مستني الوقت المناسب، بس انتي اصبري.
_ خلاص ..قولتي ال عندك ..ممكن بقى تنامي عشان ورانا شغل.
زفرت جمانة بيأس من اقناعها، فأردفت:
_حاضر حنام.
_شيلي الصينية دي الاول ونفضي السرير.
_ حاضر.
هتفت بها كالمغلوب على أمره..رفعت الصينية ونادت على مربيتها تأخذها ..ساوت الفراش ونفضته بيديها واستلقت بجوارها وهي تحتضنها من الخلف..فازاحت ناريمان يدها عنها وهي تقول متزمرة:
_ابعدي بقى مش ناقصة خنقة.
قالت جمانة بطفولية:
_لا انا بخاف بقى ولازم الزق فيكي لحسن الحرامي يجي بالليل يخطفني.
رفعت جمانة رأسها لكي ترى وقع كلامها على صديقتها فوجدتها تبتسم فضحكت وهي
تضمها أكثر وتهزها هامسة:
_حبيبتي يانانا ربنا يخليكي ليا يارب ياأحلى أخت في الدنيا.
_طب نامي ياختي ورانا شغل الصبح بدري
_ حاضر ياابلة.
**
شركة( N&g) تلك الشركة التي جمعتهما سويا وكانت فكرة جمانة أن تئسسا شركة تجمع بينهما إلى الأبد..وكما جمعهما الحزن تعاهدتا على أن تكونان يدا واحدة إلى آخر العمر، حتى أن جمانة لم تستطيع العيش بمفردها في منزلها فلملمت أغراضها وذهبت إلى ناريمان لتقيم معها، هذه الأخيرة التي كانت في حاجتها أيضاً, كانت جمانة تحمل في يدها بعض الملفات وهي تدلف على ناريمان، فاتسعت عيناها ضجرا فقالت وهي تتقدم إليها:
_الله انتي ماشية يانانا؟
قالت ناريمان وهي تلملم بعض الأغراض من على مكتبها وتضعها في حقيبتها ويبدو عليها العجلة:
_ أيوة طبعاً ورايا مصالح في المحافظة لازم اقضيها.
_افندم امال الدكتور الجاي ده ومعاه دراسة الجدوى للمشروع ال حيشاركنا بيه مين حيقابله إن شاء الله.
ببساطة قالت ناريمان:
_انتي.
صرخت جمانة غاضبة:
_نعم ياختي.. ومن أمتى بقى بتصدريني لحاجات زي دي، لا بقى ده من اختصاصك انتي.
_ياجوجو اكبري بقى هو كل حاجة عليا أنا، لازم تتعودي على المقابلات دي وتفاوضي وتملي شروطك كمان..سكرتير المحافظ اتصل بيا وحددلي معاد مع المحافظ عشان اعرض عليه مشروعنا ،ماينفعش اقوله مش فاضية..وبعدين الدكتور ده حيقدملك عرضه بمشروعه واكيد حناخد وقت عشان ندرسه وحنديله وقت عشان نرد عليه يعني مقابلة تاني واكيد حكون معاكي فيها..فمتعقديش الدنيا بقى.
همست وهي تمط شفتيها بقلة حيلة قائلة:
_ يعني اعمل ايه أنا معاه دلوقت؟
_ كل ال حتعمليه أنك تسمعيه وبس وتقولي له أننا حنفكر وحنبقى نرد عليك..صعبة دي.
_بسس ....
_بس ايه تاني.
قالتها ناريمان وهي على عجلة من أمرها.
بنبرة مهزوزة أردفت جمانة:
_ايوة بس أنا بصراحة خايفة دي اول مرة اتعامل فيها وجها لوجه مع عملا.
_لازم تتعودي.. اتجرأي بقى..ويلا بقى عشان امشي ومتأخرش..سلام.
زفرت جمانة باستسلام مغمغمة:
_سلام..استرها يارب معايا وسدد خطايا.
جلست خلف مكتب ناريمان. في انتظار العميل..تتنفس كل الهواء الذي تستطيع أن تتنفسه وكأنها سوف تصعد للرحلة فضائية وتخشى أن ينفذ الأكسجين، طلبت من السكرتيرة ان تدخله بعد عشر دقائق.. عدلت من نفسها وتنفست بعمق، ثم ارتدت قناع الجدية والتماسك وعندما سمعت طرقات الباب تصنعت الانشغال في بعض الملفات لكي تحد من توترها بعدها قالت:
_ ادخل.
كانت السكرتيرة تنبأ عن وصول الضيف خرجت وأغلقت الباب دخل الزائر ملقيا التحية:
_السلام عليكم
رفعت عيناها من فوق ملفاتها وهي ترد بابتسامة دبلوماسية:
_وعليكم السلام ورحمة.....
بترت عبارتها عندما رأته وإذا بها تهتف بلهفة دون وعي
_أكرم!
_افندم!
نطقها الضيف وقد ضيق عينيه متعجبا لتفحصها له، ومع ذلك مد يده لها مصافحا وقد أردف:
_ د..يامن صفي الدين دكتوراه في الاقتصاد يا افندم .
حاولت أن تنفض عن نفسها تلك البعثرة التي حدثت لمشاعرها عند أول طلة له، ذلك الشتات الذي اجتاحها وجعلها غير مصدقة لهذا التشابه الذي جمع بين هذا الضيف وبين أكرم غير أن أكرم بشرته أفتح منه قليلا ولولا ذلك لأيقنت أنه أكرم بالفعل..ابتلعت ريقها بصعوبة بعدها أردفت:
_ أهلا وسهلا بحضرتك أنا جمانة اتفضل.
جلس يامن وأخرج من حقيبته المستقرة على فخذيه، ملف كبيراً وناوله لها وظل يشرح مشروعه، بينما هي تتصفح ملامحه، تهمس لنفسها:
_ هو ..هو أكرم ملامحه طريقة كلامه معقول الشبه الكبير ده.
لقد لاحظ يامن مدى تدقيقها في وجهه فقطع حديثه قائلاً:
_هو حضرتك بتشبهي عليا ولا حاجة؟
سؤاله أحرجها فاطرقت رأسها خجلا وهمست:
_ فعلا حضرتك تشبه لحد كنت اعرفه تشبه لحد كبيير أنا اسفة.
_لا ويهمك ياافندم
رفعت رأسها وجدته يحدق بها كأنه يتساءل من هذا الذي أشبهه؟ من هذا الذي شتت مشاعرك وقلبها وجعل عليها أسفلها؟
تحمحمت وحتى تقتل هذا الحرج قالت:
_ تمام حضرتك أنا فهمت مشروعك كويس وشركتنا اكيد حتدرسه وبعدين نرد على حضرتك.
_تمام وأنا مستني الرد واتمنى يكون في تعامل بينا.
_ان شاء الله.
اغلق حقيبته ومد يده ليصافحها قائلا وهو يتعمق في عينيها:
_انا سعيد جدا بمعرفتك.
اختلج صدرها ولا تعلم لماذا قالت وعلى وجهها ابتسامة مجاملة:
_أنا أسعد.
انصرف وكأن يدها مازالت محتفظة بيده، تضم يدها بقوة وتتنفس بعمق، وتقربها نحو صدرها عله يهدأ.
**
_هيييه.
نطقتها ناريمان وهي تشيح بيدها أمام وجه جمانة تلك الشاردة فالتفتت لها جمانة وقد انتبهت قائلة:
_ايوة كنتي بتقولي إيه؟!
_نعم ياختي بقالي ربع ساعة برغي وانتي وفي الآخر تسأليني كنت بقول إيه.
_خلاص بقى يانانا قولي تاني اهو منتبهه اهو.
_كنت بقولك متيجي ناخد يومين إجازة ونسافر أي حتة أنا حاسة اني مخنوقة وعايزة اغير جو.
_ياريت بس بشرط نرجع قبل يوم التلات.
بنظرة ريبة من ناريمان التي همست تحدق فيها بشك:
_اشمعنا بقى يوم التلات.
بصوت مرتبكة حاولت أن تبرر:
_عشان العميل ال حيشاركنا انتي ناسية أنه معاده يوم التلات.
بنفس نظرات الشك همست:
لا مش ناسية وبعدين مالك كده فجأة مهتمة بالعميل ده مش كنتي بتصرخي فيا عشان أقابله أنا.
_مهو انا لقيت انك معاكي حق المفروض اكبر بقى واقابل عملا وكده عشان اتعود يعني.
_يسلام ..بت انتي حتقولي في إيه..ولا اخلي السكرتارية يتصلوا بيه ويبلغوه أن مشروعه اترفض.
_لااااا.اوعي تعملي كده.
صرخت بها بنبرة خائفة سريعة كالتي تخشى على فقدان شئ غالي.
فحدقت فيها ناريمان باتهام فقالت وهي تقبض على قميصها :
_لاااا..انتي شكلك حكايتك حكاية حتقولي ولا...
_خلاص حقول بس اوعي ايدك سيبي البچامة.
_سبت أيدي اهو انطقي.
قالت وهي تاخذ نفسا عميقا وكان صوتها حالما كأنها تسبح في دنيا الأحلام:
_أول ماشفته يانانا كأن أكرم قدامي لقيتني اتلخبطت وبقيت ابحلق فيه ونسيت خالص أنه عميل المفروض ابقى متزنة قدامه، حسيت مشاعري جوايا كلها مهزوزة ، قلبي بيدق جااامد..وكأني مش عارفة أتنفس، ومن غير ما احس قلت أكرم..رد عليا وقالي أفندم..فوقت نفسي بالعافية واعتذرت له، فضل يتكلم عن مشروعه ومش قادرة احس غير أن ال قدامي ده هو أكرم ولولا ما شفت صورة بطاقته ال في ملفه كنت قلت إنه هو..هو كمان لاحظ اني بشبه عليه وفضل يبصلي بس مش عارفة نظراته دي معناها ايه؟.
_شكله قال في سره ده مجنونة ولا ايه.
قالت ناريمان ذلك ثم ظلت تضحك..وازدادت ضحكاتها عندما ضربتها جمانة بالوسادة وهي تقول لها:
_تصدقي انا مجنونة فعلا اني حكتلك.
_خلاص ياست العاقلين.. اقدر اقولك السنارة غمزت..وشكلك كده حتبتدي قصة حب جديدة.
همست بها وهي تغمز بإحدى عينيها.
_حب ايه ياختي..هو انا بعد ال شفته ده كله ححب تاني ..ولا عايزة احب اصلا، انا بس اتلخبطت لما شفته.
قالتها بشجن وابحار نحو الماضي الأليم.
فاتكأت ناريمان بيديها على كتفيها واراحت ذقنها عليهما قائلة:
_ والله حيحصل وبكرة افكرك.
رفعت يديها عنها وهي تقول :
_بقولك ايه يلا نام احسن عشان نصحى بكرة بدري نحضر الشنط.
**
تململت جمانة على فراشها تمط جسدها بكسل ..فتحت عينيها وتحسست موضع ناريمان فلم تجدها بجوارها على الفراش فهبت من نومها تبحث عنها بقلق وهي تهمس لنفسها:
_هي راحت فين دي عالصبح كده.
وإذ بها تلمح ورقة مكتوب عليها
( أنا عالبحر ابقي حصليني)
_ يامجنونة حد يروح بدري كده.
غمغمت بها وهي تتجه صوب المرحاض لكي تغتسل وتغير ملابسها حتى تلحق بها.
سارت ناريمان على البحر شاردة نسيم البحر يداعب وجهها ليته يخترق قلبها الحزين، قلبه الذي يئن من وجع حفره مالك بقسوته، وحدة ثقيلة خلفها هجره لها، كل هذه السنين و الشهور والايام لم تمحو حبه في قلبها، فكم حاولت أن تجعل العمل وسيلة لمحو هذا الحب، ولكنه وسيلة فاشلة فحبه منقوش كالوشم لا شئ يزيله.. نظرت للبحر وعيناها تريد أن تصل لاخره ولكنها لم تستطيع، أن الوجع الذي يحمله قلبها مثل ذلك البحر ليس له آخر لا تستطيع بنظرك أن تصل لمنتهاه، همست لنفسها :
ماذا عساي أن أفعل؟ الا يوجد جراح يبتر ذلك الحب من قلبي، حتى لو بتر قلبي معه وعشت بدون قلب، أرحم بكثير من هذا الوجع الذي لا يحتمله قلبي.
أغمضت عينيها تعتصرهما، لتخرج عصارة أنينها، فتحت عيونها عندما اصطدمت بشخص ما، فهمست معتذرة:
_ أنا أسف..
بترت اعتذارها وقد حدقت بعدم تصديق وهي تراه أمامها يبتسم بحنين قائلا:
_ مش تفتحي وانتي ماشية..في حد يمشي إكده وهو مغمض عينيه.

كاره النساء الخاتمة

أغمضت عينيها تعتصرهما، لتخرج عصارة أنينها، فتحت عيونها عندما اصطدمت بشخص ما، فهمست معتذرة:
_ أنا أسف..
بترت اعتذارها وهي تحدق بعدم تصديق وهي تراه أمامها يبتسم بحنين قائلا:
_ مش تفتحي وانتي ماشية..في حد يمشي إكده وهو مغمض عينيه.

لو أن هناك جهاز يقيس هزات القلوب مثل جهاز ريختر الذي يقيس الزلازل، لوجدوا أن قلبها يهتز بأقصى معدلاته .
أنه هو حبيبها واقفا أمامها، لا.. بل معذبها الذي
كسر قلبها وأذاقه الويلات، اسودا وجهها وقالت وهي تضغط على حروفها وكل حرف غاضب عليه:
_ وأنت مالك، امشي مغمضة..امشي مفتحة أمشي زي ما انا عايزة شأنك ايه انت.
ثم تجاوزته لتكمل طريقها بعيدا عنه ولكنه أوقفها من ذراعها وجعلها تتراجع للخلف بضع خطوات هامسا بحنين واشتياق:
_مالي كيف عاد، مرتي ورايد اردها ، حبيبتي ورايد اصالحها.
تحدث نفسها..
هل يتحدث عن الصلح ذلك القاسي؟
ويكذب ويقول أني حبيبته؟ منذ متى وأنا حبيبته وأنا لم أرى في عيونه إلا القسوة والجحود.
حدقت فيه رافضة لكلامه وكأن قلبها يتلقاه، ثم يرمي به عرض الحائط، صرخت به وقد احتقن وجهها:
_ مراتك مين دي ال انت عايز ترجعها، وانت عمرك ما حسستها إنها مراتك اصلا، و حبيبتك بإمارة ايه؟؛ بإمارة انك عمرك ماقلت لها كلمة حلوة تحسسها فيها انك بتحبها فعلا، دانت سبتها ٣سنين تتعذب وتتقهر لوحدها ومفكرتش مرة وحدة تسأل عليها، مراتك مش موجودة يااستاذ دور عليها في حتة تانية.
أنهت كلامها وهي تخلص ذراعها منه بحركة ساخطة، ثم ركضت بعيد عنه، تمسح دموعها التي سالت على وجنتيها رغما عنها وقد حاولت كبتها ففشلت، أوقفها مرة أخرى وقد أمسك يديها بقوة خشية أن تضيع منه ويخسرها للأبد، قائلا بإصرار يلاحق عيونها التي تفر منه ولا تريد الصفح:
_ غصب عني يا ناريمان، لو تسمعيني هتعرفي أنه كان غصب عني، انا عارف اني عذبتك جوي معايا، حججك عليا ياحبيبتي.
_ متقولش حبيبتى دى ، ومش عايزة اسمعك ومش عايزة أشوفك اصلا، انا بكرهك ..بكرهك غور بقى.
صرخت بها ويديها تبعده عنها، وكل ذرة فيها تصرخ وتعاني مما فعله بها. تفلتت منه وظلت تركض ودموع العذاب الذي عانته طوال السنوات العجاف اللاتي عاشتهم بعيدا عنه سالت على وجنتيها دفعة واحدة.
ركض خلفها واستوقفها مجدداً قبض على كتفيها صارخاً فيها وهو يهزها :
_حتسمعيني، برضاكي ..غصب عنيكي حتسمعيني، فاهمة ولا لاه.
_ قلتلك بكرهك.. بكرهك ومش عايزة اسمع منك حاجة انت ايه مابتفهمش حل عني بقى.
قبض يده بقوة يمنعها من صفعها، أغمض عينيه وضم شفتيه ليحد من غضبه، فحملها بحركة خاطفة لم تتوقعها ورماها على كتفه وسار بها قائلا:
_ شكلك إكده لساتك عايزة تتربي من أول وجديد.
صرخت هي وتضربه بيديها على ظهره :
_انت بتعمل ايه وحتوديني فين..نزلني يا جلف انت..نزلني ي
لم يبالي لصراخها ولا ضرباتها وركلات قدميها، واستمر في طريقه صوب حجرتها.

من بعيد شاهدت جمانة ذلك الشد والجذب بينهما، ولما حملها وسار بها، وضعت يدها على فمها تضحك بخجل، سعيدة من أجل صديقتها داعية وهي ترفع عيونها إلى السماء:
ربنا يهديكي يا نانا يارب ويسعدك ياحبيبتي.. آه لو عرفت إن أنا ال قلت لمالك على مكانها وكنت ببلغه اخبارها حتنفخني..يلا كله في سبيل الصداقة و الحب.
تنهدت وهي تشبك أصابعها وتمدهم إلى الأمام، ثم تدور بخفة ووجهها مشرق بالفرحة، وإذ بها تصتدم به فتهتف وهي تحدق فيه:
_أكرم!!
_ياستي يامن والله اسمي يامن تحبي تشوفي البطاقة.
فأطرقت خجلاً وهمست:
_أنا أسفة .

حدق في عينيها التي ترتد في حياء، وفي شفتيها التي تغني انشودة الاشتهاء، في وجنتيها التي أوشكت أن تطرح تفاحا، قائلا:
_ اسفة على إيه؟!
تحديقه بها اربكها، وحتى تتخلص من ذلك الارتباك قالت لتصرف عيناه عنها:
_ هو انت ايه ال جابك هنا؟!
بهجوم ساحق من عينيه لعينيها همس:
_جيت عشانك.
بنظرة مستفهمة من عينيها وهي تشير على ذاتها سألته:
_ عشاني أنا؟! خير .
ببساطة وتلقائية هتف:
_تتجوزيني؟
لا تعلم لماذا خفق قلبها بسرعة، وكيف توقف ريقها في حلقها وكأنها فقدت القدرة على بلعه، أمن المفاجأة أم من نظرات عيناه الوالهة، ولكن سرعان ما استفاقت لنفسها، الزواج كلمة حزفتها من قاموسها فتهفت بحزم:
_لأ

_لأ ليه؟! عشان مش قادرة تنسي أكرم، ولا عشان ال حصلك من مروان؟!
اتسعت عيناها غير متوقعة ما قاله إذا هو بحث وعرف عنها كل شئ ..انزوى ما بين حاجبيها فتهتفت بضيق:
_أنت عرفت عني كل حاجة بقى، وازاي تسمح لنفسك تدور وتعرف حاجات متخصكش.
_ أنا آسف بجد ..بس ال خلاني دورت هو اهتمامي بيكي، ومن حقي اني اعرف كل حاجة عن الأنسانة ال عايز ارتبط بيها.

قالت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها :
_ وحضرتك عايز تتجوزني عشان صعبت عليك مش كده شفقة يعني.. أسفة أنا مش بفكر في الجواز اصلا بعد اذنك.

وهمت أن تنصرف لولا أنه استوقفها بأنه وقف أمامها قائلا بنبرة صادقة:
_جمانة استني واسمعيني من فضلك، الجواز مفهوش شفقة ولا صعبتي عليا، ده ارتباط حيبقى العمر كله، لو انتي صعبتي عليا اقدر اواسيكي بكلمتين. لكن اني اربط اسمي باسمك للأبد وابني حياة معاكي على الشفقة، مينفعش، جمانة صدقيني، أنا من أول ما شفتك حسيت بحاجة شدتني ليكي، حاجة كده خلتني عايز اعرف كل حاجة عنك، حاجة مخلتنيش سكت غير لما عرفت كل حاجة وقررت اني اتقدملك، حاجة خلتني اجاي وراكي من بلد لبلد واسيب شغلي ومصالحي.
صمت قليلا عندما وجدها تزفر وتشيح بوجهها بعيدا عيناها حائرة، تصدقه ولكن تكابر، تهرب منه ، لكنه لن يدعها سوف يطرق الحديد وهو ساخن ويهجم على قلبها عله يلين فتابع بحماس:
_جمانة لازم تدي نفسك فرصة تانية، مهما حصلك لازم تنسي وتعيشي حياتك. اديني فرصة اثبتلك أن لسة في أمل، في حب، في خير، في أيام حلوة جاية زي أيام صعبة عدت.

حديثه لامس شغاف قلبها فرغما عنها بكت فمسحت دموعها وهمست وهي تهم للانصراف:
_ من فضلك سبني دلوقت أنا عايزة أمشي.
قبل أن تخطو خطوة واحدة قال لها:
_فكري ياجمانة، أنا مش حيأس، حستنى ردك .
انصرفت دون أن تجيب خطواتها سريعا كأنها تلحق بنفسها قبل أن تسقط في شراكه.
**
دخل بها حجرتها وانزلها ولكنها ظلت حبيسة بين ذراعيه، لفت يديها خلف ظهرها لتحرر يديه المتشابكتان وهي تغمغم غاضبة:
_سبني بقى حوش ايديك الله.
_ جولتلك لاه، لازم تسمعيني الاول
قالها وهوويضربها بصدره. . تنهد بحب تنهيدة حملت كل تعبه وخوفه أيضا من أن يفقدها، يتأملها يحاول أن يبحث عن كلمات يسترضيها بها، وهي تهرب بوجهها وعينيها عن سهام تأملاته اخيرا همس وهمسه محملاً بالعشق والأشتياق:
_اتوحشتك جوي
ابتسمت من جانب فمها بسخرية في عدم تصديق وأشاحت بوجهها بعيداً عنها.
تابع همسه الشغوف:
_عارف انك ممصدجاش، بس والله توحشتك جوي.
تنفس بعمق ونظر للسقف ثم استطرد
_ أوعاكي تفكري إن ال ٣ سنين ال سبتك فيهم كنت مرتاح ، لا والله، أنا كل دجيجة فيهم عدت عليا كأنها سنين، كنت تعبان من بعدي عنك، تعبان من جلجي عليكي، تعبان من نفسي ال الشايلة فوج طاجتها، تعبان من ال حوصل ليا وال شفته من خالتي ومن الإنسانة ال كنت فاكر أنها حتعوضني وحتكون بالصورة ال نفسي فيها، لكن صدمتني، بعديها كنت حالف إني متدوز واصل، لجيت نفسي كرهت كل الستات، كرهت انضرهم، كرهت حتى أفكر فيهم، كنت فاكر إن جلبي ديه اتجفل بالضبة والمفتاح وإن مفيش وحدة تجدر تفتحه تاني.
همس وكسى صوته كل حب وصدق وداعب وجننتيها بظهر أصابعه ثم تابع:
_ أنتي جدرتي تفتحيه تاني جدرتي تخليني أحبك من دون النسوان كلتها خلتيني أحبك.
زفر كأنه يخرج عبء جاثم على صدره، التقط يدها وجذبها نحو أريكة وجلسا عليها وظل محتفظا بيدها بين يدها واستطرد:
_ أنا مجدرتش أعيش الحب ديه، مجدرتش احس بيه، مجدرتش اديكي حجك واخد حقي منه، فاكرة اليوم ال جيت فيه وكنتي لابسة جميص نوم مخابرش حوصلي ايه لما شفتك وجتها، حسيت اني شفت واحدة مايصة من بنات الليل، لجيت نفسي بضربك من غير ما أوعى، بس بعديها وبعد ماسبتك لمت حالي وبكيت عليكي، وندمت على قسوتي معاكي، أنا يا ناريمان بكره العري ، كرهته من كتر ما بشوفه جدامي، في النت عري، في الشارع عري، في السوق عري، حتى لو غمضت عيني الاقي عري، وداني تسمع عري الصوت والمياصة، كل ما اشوف وحدة كاشفة جسمها وصوتها، بفتكر طوالي خالتي، واحس أن كل الستات إكده تشبهلها، كلهم زيها، حتى انتي كان لبسك كله مكشوف كنت بقسى عليكي عشان أجولك لاه انتي غيرهم كلتهم، انا جلبي مفتوحلك، مينفعش تعملي زييهم، كنت بتعذب بتألم، مكنتس جادر حتى احكيلك، ولا أنا نفسي عارف فيا ايه، وأيه ال بيحوصلي ، وليه مش جادر اجرب منيكي، ولا أجولك اني حبيتك، عشان إكده كان لازم أبعد عنيكي، وسيبتك غصب عني، رحت للضاكتور عشان اعرف أنا مالي، وايه بيا كنت حاسس أني عيان، بعيا مش حخف منيه، عيا مستعصي، فطلجتك، زمبك ايه انتي تضيعي حياتك مع واحد معجد زيي، وكمانيتي انتي لساتك صغيرة، يمكن حبك ليا كان حب مراهجين، لما تكبري تحسي انك ضيعتي حياتك مع حب وهمي، ومع انسان معجد، بس أنا دلوك خفيت، رحت للضاكتور واتعالجت، دلوك مستعد اكمل حياتي معاكي، أنا مجدرش أستغنى عنيكي، ٣سنين عشتهم من غيرك كنت حاسس أني ضايع، واني مجطوع من سدرة.
التقط يدها الأخرى وجعلا الاثنين على صدره ثم همس :
_انسي ال حوصل وتعالي نبدأو من جديد.

ماذا ستفعل ياقلبي؟
هل ستسامحه بعد كل الذي عانيته منه؟
هل ستقاوم ذلك التوسل الذي يطل من عينيه يريد أن يقبل يدك لتصفح عنه؟
هل ستقاوم تلك الدقات التي تصرخ تحت يدك ترجوك أن تسامحه؟
لا تنكر انك تحبه وتعشقه حد الموت، ولكن وجعك منه أكبر من الصفح، وحديثه لم يمحو وجعك، انك حائر تقاتل وتتعارك مع عقلك، انت تريده وعقلك يرفضه، وأنا بينكما أتمزق، عاجزة لا أعلم ماذا أفعل؟
كل تلك التساؤلات التي دارت في عقلها وهي تتأمل نظراته التي تنتظر حكما بالبراءة وتخشى الأعدام، وهي حائرة .
ويبدو أنه لم يطيق صمتها القاتل فسألها:
_ساكتة ليه؟! اتحددتي جولي أي حاجة، متسكتيش إكده.

همست والدموع خرجت من مقلتيها:
_ عايزني اقول إيه، كلامك وجعني أكتر ما أنا موجوعة، تعبني وزود غضبي منك، ليه مقلتليش كل ده، ليه مشاركتنيش وجعك، كنا نتحمله مع بعض، وايه كل شوية صغيرة ..صغيرة وان حبي ليك حب وهمي، وحب مراهقين.. ولو انا صغيرة ومش فاهمة ايه هو الحب؟ أنت ياكبير يافاهم، مقدرتش تفهم أنا ليه اتحملت منك كل قسوتك دي ؟ وليه بعد ٣ سنين مقدرتش أنساك، لأني……
لم تستطيع أن تنطقها، گانه لا يستحقها بل اطرقت رأسها تخفي دموع الحب والأشتياق.
فرفع رأسها ليجد وجهها أغرقته الدموع، فخفق قلبه لبكاءها فهمس :
_ كملي..جوليها عشان خاطري، متكتمهاش جوات جلبك، انطقي بجى.
_لأ. .أنت متستحقهاش .
_لاه عتجوليها من ورى جلبك.. أنتي بتموتي فيا.
وقفت وقالت بدلال غاضب:
_كان زمان.
وقف بدوره وحدق في عينيها هامسا:
_طب عيني في عينك إكده.
مازالت تماطل ولا تريد أن ينول الصلح بسهولة فصرخت وهي تهم أن تنصرف :
_قلتلك مبحبكش ..مبحبكش افهم بقى.
أوقفها وكاد أن ييأس فقال :
_خلاص عاد يانانا ميبجاش جلبك اسود.
تلفظه بنانا ولهجته الصعيدية جعلتها تضحك، فقد خرجت منه مضحكة، خاصة أنها لم تتعود منه على التفوه بها.
فسألها متعجبا:
_عتضحكي ليه؟!
_اصلك أول مرة تدلعني بالطريقة دي.
_لو أعرف أن دلعي حيخليني اشوف ضحكتك الحلوة دي..كنت دلعتك من الاول ووفرت على نفسي العذاب ال شفته ديه.
ثم ظل يحدق فيها بظمئ، عيناه ترتشف قسمات وجهها التي اشتاق لها، هي الأخرى تنهل من نبع رؤيته، كانا قلبيهما يعزفان لحن الاشتياق ، لم يقوى على التحمل فخطفها إلى حضنه يضمها بقسوة ويديه التي تبعثر شعرها وظهرها..هي تركته يفعل بها ما يشاء، تغمض عينيها لتستقبل روحها التي فارقتها وها هي تعود لها بعد سنوات من القحل، كان يعزز ضمه لها بهمسه المشتاق:
_ وحشتيني جوي، وحشتيني جوي يبت.
أخرجها من حضنه، وكان لا يريد ذلك، فقال وانفاسه متلاحقة:
_ انا مجدرش اصبر أكتر من إكده حاروح أجيب المأذون .
طأطأت رأسها بحياء وقد تخضب وجهها فابتسم لتلك الموافقة الملونة بلون الخجل فقبل جبهتها وهما أن ينصرف ولكنه خبط على جانب جبهته كأنه تذكر شئ فقال:
_ فرحتي بيكي نستني، بجولك ايه، يامن طلب يد جمانة مني ، كلميها وحاولي تجنعيها الرادل زين جوي، ومعجب بيها.
_بجد يامالك..يااريت خلاص سيبها عليا.
همست بها بسعادة وقد تمنت أن تكون هذه فرصة لها تتذوق السعادة بعد المرار الذي مازال عالق في فمها.
_خلاص أنا حاروح اظبط الدنيا وانتي بجي عليكي الموضوع ديه..سلام ياحبيبتي.
_مع السلامة.
وبعد أن اختفى أغمضت عينيها بسعادة تضم نفسها بحب. ثم تذكرت جمانة فركضت نحو حجرتها وهي مصرة أن تقنعها على الارتباط بيامن.

النهاية

_مين يامن ده انطقي.
قالتها وهي تدفع الباب كالشرطة فجعلت جمانة تقفز فزعا وتصرخ وهي تعنفها:
_يخرب بيتك خضيتني ايه دخلتك دي.
قالت وهي تجلس على الفراش متربعه :
_حرام عليكي حتخربي بيتي قبل ما انيه انا مصدقت أنو حيبقالي بيت.
جلست جمانة في مقابلتها وقد أشرق وجهها فقالت بفضول:
_ الله بقى..لا أسمع الحكاية من الأول.
_لا مش حتعرفي حاجة غير لما اعرف حكاية يامن دي، يابتاعة يامن .
_يوو بقى ابو راخمتك..قولي بقى.
قالتها جمانة وهي تقوس فمها بضيق وكان الفضول يقتلها.
_انطقي انتي الأول ايه حكايته..الواد باينله وقع فيكي من أول نظرة ومقدرش يقاوم وجه وراكي لحد هنا وطلب ايدك من يامن.
ضيقت جمانة عينيها وقد تفاجأت فسألت مندهشا:
_ايه يامن طلب أيدي من مالك امتى ده.
_ مش عارفة .
_اصله طلبني للجواز وأنا رفضت.
_ايييه ..امتى ده ..لا احكيلي بالتفاصيل .
وبالفعل قصت عليها كل ما قاله لها وماوحدث بينهما، وأنتظاره ردها على طلبه.
_طب وافقي بقى ياجوجو بقى كفاياكي حزن ووجع عيشي حياتك.
هتفت بها ناريمان بعد أن سمعت منها كل ما حدث.. ثم تابعت بلهفة:
_هاه حتوافقي؟
زفرت جمانة بحيرة ثم غمغمت:
_مش عارفة.
بنبرة كادت تقتلها صرخت ناريمان وهي تكذ على أسنانها:
_ليييه يابنتي ليه.. ده مالك بيقول أنه كويس قوي.
_أنا خايفة يانانا.
_انتي خايفة من يامن ولا من الجواز نفسه؟
نظرت لها جمانة دون أن تجيب.. فقالت ناريمان:
_صوابعك مش زي بعضها ياجوجو اديله وادي نفسك فرصة.
تنهدت بخوف ثم همست:
_أنا خايفة بجد مش حستحمل صدمة تانية.
_يا بنتي وليه تفترضي الوحش مش يمكن سعادتك معاه.
صمتت جمانة حائرة فقالت ناريمان:
_طب حسألك سؤال.. أنتي مرتاحة له، ولا مفيش قبول خالص من ناحيته؟
_هو بصراحة جذاب يعني.
نطقتها بحروف متقطعة فيها حياء.
قالت ناريمان مهللة:
_ياسيدي بقى طب يا ختي طالما الواد جذاب متوافقي بقى.
_يووه بقى ياستي انا مش عايزة اتجوز المهم سيبك مني واحكيلي عملتي ايه مع مالك.
تنهدت ناريمان بحب ورومانسية وراحت تحكي لها ما حدث.
**
مفاجآت توالت للبنتين أولهما متخصصين في التجميل طرقا حجرتهما ومعهما فستانين على احدث موضة، في المساء كانت المفاجأة الثانية حفلة زفاف في القرية السياحية ، والمفاجأة الثالثة كانت من نصيب جمانة عندما تقدم يامن من جمانة وهو يحمل باقة ورد يقدمها لها وهو يقول:
_ أنا لبست بدلة وجهزت نفسي وعملت حسابي أني أكون عريس زي مالك ..حتكسفيني؟
كل شئ فيها تشتت، وقلبها هرب منها لا تعلم ماذا تفعل؟ ولكن مع تصفيق الجميع حولها شعرت بنشوة غريبة تسري في أوصالها فوجدت نفسها تلتقط منه الورود وهي تهمس بخجل:
_موافقة.
صفق الجميع بحماس من حولهم مرة أخرى ..وصدحت الموسيقا التي جعلت العرسان يرقصون والسعادة تلفهم.
انتهت الحفلة وكل عريس اصطحب عروسه إلى جناحه.

في جناح يامن وجمانة.
رغم عنها هجم عليها خوفا شديدا، رغم عنها شعرت أن هذا الذي أمامها هو مروان وليس يامن، وإن هذه اللحظة لحظة ذبحها وليس دخلتها، شحب وجهها وجف ريقها، واختنقت وارادت أن تبكي ولكن الدموع هربت منها، شعر بها يامن، واحس بتوترها، وتفهم وضعها، شغل موسيقى هادئة علها تساعدها على الاسترخاء، واقترب منها التقط يدها في يده، ويده الأخرى خلف ظهرها وظل يرقص بها وهو يهمس :
_ بحبك..بحبك.. بحبك..بحبك..بحبك..بحبك بحبك بحبك.
ظل يرددها كأنه يمحو بها خوفها، يزيل بها توترها، يسمعها إياها علها تشفيها، وتعالجها وتفك عقدتها، يضمها إليه بهدوء وما إن استقرت في حضنه، كأن سحر الكلمة سيطر عليها ثم وشوشها بجوار أذنها:
_متخافيس مني، أنا يامن مش مروان، أنتي من يوم ما اتولدتي مكتوبالي أنا، حياتك الجاية، حتكمليها معايا، أولادك حيكونو مني، أنا أمانك وسندك، وحبيبك، أنا كل أهلك.
بعد كلماته هذه وجدت نفسها تدفن وجهها في صدره تبكي، بكاء صحياً، وكأنه الخوف، والتوتر، والأرتباك، ترجمته إلى دموع، صبتهم كلهم في صدره، فشدد من ضمها حتى يشعرها بحنانه أكثر..رفع رأسها ونظر في وجهها وهمس:
_جوجو.
ابتلعت دموعها وههتفت:
_نعم.
_حنبتديها دموع كده.
_أنا أسفة.
_على ايه؟
مسح دموعها بأبهاميه ثم استطرد:
_ حاسة بايه دلوقت.
أخذت نفساا عميقا ثم أخرجته دفعة واحدة فقالت:
_حاسة أني بتولد من جديد..والطفل لما بيتولد بينزل يعيط.. عشان كده عيطت.
_بعد كده مش حيكون في دموع تاني، من اللحظة دي حيبقى في ضحك وسعادة..يلا بقى وريني ضحكتك الحلوة.
ابتسمت له..ولكنه قال وهو يقرص وجنتيها بخفة:
_بقول ضحكة مش ابتسامة.
فضحكت من قلبها، وظلت تتأمله بامتنان، وكأنها تراه بنظرة أخرى قالت:
_أنا ربنا بيحبني عشان عوضني بيك.
_وأنا ربنا بيحبني عشان خلاني الاقيكي.
همس بها ثم التقط شفتيها في قبلة قضى بها على باقي خوفها.
**
في جناح مالك وناريمان.
وبمجرد دخولهما وجدت ناريمان نفسها ترتفع عن الأرض لأن مالك لف ذراعيه حول خصرها وظل يدور بها..ويدور ..ويدور..وهي تصرخ :
_مالك..بتعمل ايه..مالك كفاية بقى دوخت.
وأنزلها ولكن مازالت بين يديه، يتأملها بحب واشتياق مغمغما بعد أن أراح جبهته على جبهتها:
_سلامتك من الدوخة ياروح جلبي، كانت تلهث ليس من دورانه بها، بل من وفرة مشاعره التي تشعر بها، هو أيضا يلهث وانفاسه تعلوا وتهبط من فرط اشتياقها لها، وقد عبر عن اشتياقه هذا عندما همس:
_أتوحشتك جووووي، جوي ..آه لو تعرفي وانتي بين ايديا حاسس بايه دلوك, كأني كنت تايه ولجيت نفسي، كأني كنت متكسر ميت حتة، وقربك لملمني تاني، ربنا يخليكي ليا ياحبيبتي.
تلقت كلماته باابتسامة حب ولكنها لم تقل شئ فرفع رأسه عن جبهتها ونظر في عينيها وسألها:
_سامحتيني يابت ولا لاه..أنطقي.
همست:
_ايوة سامحتك.
_عتحبيني يابت؟.
أومئت برأسها وقد تخضب وجهها خجلا ولكنه همس:
_لاه متهزيش راسك عايز أسمعها جوليها.
أطرقت برأسها ولم تسطيع أن تتفوه بكلمة فلاحقها بإصرار:
_جولي يبت، بصيلي إكده وسمعهاني.
فهمست بصوت خافت حتى أنه أعطاها أذنه:
_بحبك.
_فأغمض عيناه وغمغم:
_يا ابوووي. أنا كنت حمار عشان حرمت نفسي من السعادة دي.
_أنت لسة حتعرف.
فحدق فيها بغضب وقال :
_ايه يبت أنتي نسيتي نفسك ولا إيه ولا عشان جولتلك كلمتين حلوين حتسوقي فيها لاه لمي روحك واحترمي حالك، أنا راجلك يبه ولازمن تحترميني. كسحة تاخدك وتاخد الحريم كلتها.
وبهذه الجملة التي اشتاقت لسامعها ولم تتوقع سماعها في تلك هذه اللحظات ظلت تضحك بعمق، حتى أنها لم تستطيع الكف عن الضحك وقالت وهي تلف ذراعيها حول رقبته:
_أنا مالي مش انت ال قلت على نفسك الأول .. وبعدين اه انت حمار عشان محستش بيا وعذبتني معاك.
غمغمت لنفسه وهو يقوس فمه غضبا:
_شوفي البت حتعيدها تاني وجعتك سودا معايا.
قال ذلك وهو يخلع عنه حزام سرواله، وما إن رأته ركضت بعيدا عنه وظل يركض خلفها وهي تضحك كأنها تضحك ضحك السنين.

تمت بحمد الله.. رواية جديدة اضغط هنا
google-playkhamsatmostaqltradent