Ads by Google X

رواية ابتليت بعشقك الفصل العاشر 10

الصفحة الرئيسية

رواية ابتليت بعشقك الفصل العاشر 10 بقلم بسنت علاء وبسمة عبد العظيم

رواية ابتليت بعشقك الفصل العاشر 10

اليوم التالي ..
جالس بجوارها يتأمل وجهها الجميل القسمات وهي نائمة ... يتذكر كل شيء منذ طفولتهما وكيف كانا مقربين جدًا ... وكيف زاد تقاربهما بعد حادثة وفاة والديهما فصار لها الأب وصارت له الأم قبل الأخت الصغرى التي كان يحكي إليها دائمًا كل شيء ... كان كل شيء على ما يرام ولا يعرف ماذا حدث وكيف انشغل عنها هكذا بدوامات الحياة والعمل و... الحب ! لقد وجه لشغف كل مشاعره متناسيًا تلك التي لها الحق الأكبر عليه .. يتذكر نظراتها المنطفأة التي كان يتحاشاها بداخله وكأنها لم تكن .... همس لها بألم 
-: آسف ملاك .... آسف على كل شيء حبيبتي ... 
ثم أمسك بيدها يقبلها لكنه تفاجئ بها تسحب يدها من يده بضعف وهي ترجع لإسنادها على صدرها بدون أي تغير في ملامحها فحدق بها ثم قال بلهفة وصوت عالٍ
-: حبيبتي ! حمدًا لله على سلامتك هل استفقتيِ ؟ استفقتي صحيح ! 
أدارت وجهها إليه ببطئ وهي تفتح عينيها تناظره بنظرة ! أقل ما يقال عنها أنها قاتلة ! صوبت السهم نحو قلبه باحترافية ثم وبكل هدوء أدارت رأسها للناحية الأخرى وهي ترجع لإغماض عينيها أما هو فحدق بها بذهول ! لكنه تجاهل ذلك الألم قائلًا بنفس لهفته 
-: بماذا تشعرين ؟ هل أنادي الطبيب ؟ 
ابتسمت بسخرية وقالت بهمس
-: بماذا أشعر ؟ أشعر بالوجع 
صدمته بتلك الكلمة المتوقعة بل البسيطة جدًا لمن في مثل حالتها لكن نطقها لها بكل تلك المرارة والوجع الحقيقي أشعرته أنها لا تقصد الوجع الجسدي فقط بل أكثر بكثير لكنه قال يسألها وقد فقد أي قدرة على التصرف
-: هل أنادي الطبيب حبيبتي؟؟ 
-: لا غيث ... فقط اخرج 
ارتسم التعجب مرافق للاستهجان على ملامحه ألهذه الدرجة لا تحتمل تواجده معها ؟ أتشعر حقًا نحوه بهذا الاستحقار والرفض الذي يسمعه في نبرتها الخفيضة !! 
لكنه أيضًا لم ييأس وهو يسألها بتقطع خافت
-: هل ... هل تتذكرين ما .. حدث ! 
لم ترد فناداها ثانية متسائلًا
-: ملاك ؟ 
ردت أيضًا وهي على نفس الوضعية وكأن حتى النظر إليه يزعجها 
-: ماذا غيث ! نعم أتذكر ونعم أعرف ماذا حل بي إجابة لسؤالك الغير منطوق هل يمكنك الخروج الآن لست في حال جيدة للكلام أو حتى لمرافقة أي أحد ...
حدق بها متألمًا من نبرتها التي بالرغم من خفوتها إلا أن فيها من القسوة ما يفاجأه حد الوجع !! أهو السبب في تلك القسوة والمرارة في صوتها ! يا الله ماذا فعل !! نادى عليها بضعة مرات لكن ما قابله لم يكن سوى الصمت فاستدار خارجًا محني الرأس يلملم أذيال خيبته وارتمى جالسًا على المقعد أمام الغرفة وهو يشعر بذلك الخواء واليتم العجيب يتوسع بداخله أكثر !!.....
********
شركة الهواري الهاشمي....
بدأت العمل لتوها وها هي لا تستطيع التركيز !! وكيف تستطيع وهي لا تفكر إلا به بالإضافة إلى ضميرها الأحمق الذي يؤنبها على تركه في مثل هذه الظروف ... كانت ترى رجاءه في عينيه لتبقى لكنها ولسبب غير معروف اختارت الرحيل ! ربما خوفًا من مواجهة ملاك ..  الحقيقة هي خائفة جدًا من تلك المواجهة ... تشعر لا بل هي متأكدة أنها لم تكن لها نِعم الصديقة التي تفضي إليها بكل ما يؤرق لياليها .. هي الأخرى التهت مع غيث والعمل وابتعدت عن كل صديقاتها حتى ياسمين لم تصبح تهاتفها إلا لمامًا.... قاطع شرودها و رسوماتها المتداخلة على الورق صوت نحنحته !! يا الله هل هو فعلًا !! رفعت رأسها وهي تناظره بهيئته الضخمة وقد تحققت شكوكها ... هل كانت تنقصه ومواجهته هو الآخر ! قامت ببطئ مستندة بيدها على سطح المكتب وهي تناظره في توتر أما هو فدخل ملقيًا تحية جافة اخبرها بعدها وهو يتحاشى النظر إليها
-: من فضلك اريد أي عمل لم تنجزيه خلال أيام غيابي بالإضافة إلى الذي قمتِ بإنجازه أيضًا لأراجعه و.......
لم تكن تنصت لكلامه وقد لفتت انتباهها تلك  الحلقة الفضية التي يرتديها في بنصره ال... أيسر!!! هل تزوج ؟ كيف ومتى ! هل تزوج نكاية بها ! أم أنه كان يسخر منها عند عرضه للزواج !! الكثير والكثير من الأسئلة لم ينتزعها منها إلا صوته الحانق الجاف
-: آنسة شغف ! آنسة شغف ليس لدي اليوم بأكمله لمناداتك ..  من فضلك انجزي ما أخبرتك به واريده في أسرع وقت على مكتبي .....
ولم يزد كلمة أخرى وهو يدخل إلى مكتبه صافقًا الباب خلفه كعادته تاركًا إياها تحدق في أثره بذهول وصدمة ...  اما هو فرمى نفسه على كرسيه الذي اصطدم بالحائط من ثقله وقوة دفعه حانقًا ... متأثرًا بذلك الشعور البغيض عند رؤيته لعيناها مجددًا ! لكنه لا يقارن بشعور النقمة والجرح بداخله ... لا هو لن يسمح لها ثانية باقتحام حصونه لا لها ولا لغيرها لقد اخذ عهد على نفسه ألا يحب ثانية هذا إن كان حبها من الأساس حبًا ... لكن على كل حال هو لن يسمح لأي من جنس حواء الاقتراب لقلبه ولا من قريب ولا من بعيد .... ثم تجهم وجهه وافكاره ترجع للبارحة ليلًا عندما اتصل به أبيه مخبرًا اياه أن العرس بعد أسبوع وأن يأخذ اجازة ويأتي ... آآآه كم هو مقهور ... مغتاظ ... كاره لنفسه وما يحدث حوله ... يريد لكم أي انسان أمامه الآن لعله يرتاح .... لكنه القدر لا فرار منه ... تمتم بنبرة كارهة خافتة
-: حسنًا يا أبي ... حسنا يا ... سنابل 
********
اليوم التالي....  
دخل إلى المكتب بهيئة و خطوات هادئة تناقض الشخص الذي كانه منذ يومان فقط بل تناقض حاله الآن من الأصل ... ألقى التحية بخفوت وهو يجلس قبل أن يسمع الآخر مخاطبًا له 
-: كيف حالك يا زياد أراك ... بخير !!
تغاضى عن تشديده على الكلمة الأخيرة وهو يجاوب بهدوء 
-: نعم بخير حمدًا لله ... لقد استدعيتني هل تريد شيئا ؟ 
أشبك غيث كفيه أمامه على المكتب وهو يتكلم بهدوء مصطنع هو الآخر 
-: نعم ... لقد كنت أريدك بأمر بخصوص ملاك ...
وهربت تلك الدقة المصاحبة لذكر اسمها كما تهرب منه دائمًا بالرغم من يقينه بأن الأمر الذي يريده به غيث لم يكن إلَّا هذا.. 
فقال وهو يتصنع الجهل 
-: ملاك صحيح ! كيف هي أتمنى أن تكون بخير 
لم يرد غيث على سؤاله بل واجهه بالسؤال المباشر 
-: ماذا حدث يوم حادثة ملاك يا زياد ؟ أريد أن أفهم كل شئ من الألف للياء ولا تتغابى كما فعلت الآن لأنك لن تلقى ما يسرك مني ابدًا 
كانت لهجته قد تحولت للحادة في نهايتها وهو يضرب بيده على المكتب بينما الجالس أمامه لم يُحرِك إنشًا واحدةً من ملامحه حتى بل جاوب بهدوء 
-: اهدأ غيث ... أظنك فهمت كل شيء لم أعتدك غبيًا !
هب غيث من مكانه متجهًا له ثم امسك بتلابيبه وهو يقيمه من جلسته مسددًا له تلك اللكمة التي يوّد تسديدها له منذ ما حصل ... أما الآخر فبكل هدوء نهض من الأرض بعد سقطته على أثر قوة اللكمة ماسحًا تلك الدماء التي انطلقت من أنفه بكل هدوء متجاهلًا ذلك الألم في عظام فكه مرددًا داخله 
"استحقها اضعافًا ..  من أجلك ملاكي" 
ثم هندم ملابسه بهدوء جعل غيث يكاد يجن وهو يهم بلكمه ثانية لكن الآخر سبقة قائلًا
-: سأخبرك بما تريده غيث والذي أرجح أنك عرفت أهمه فلم يعد هناك مجالًا للمواراة 
-: تكلم هيا 
قالها بجفاف وهو يلتفت ليجلس على مكتبه بينما رجع زياد لمقعده قائلًا وهو يدلك فكه 
-: ماذا تريد أن تعرف ؟ أنني أحبها ؟ نعم غيث أحبها ولم ولن أحب سواها وهذا أول اعتراف صريح مني أمام أحد غيري .... 
صفق غيث بيده على المكتب زافرًا بقوه وهو يشعر الآن أنه لو قتل ذلك الماثل أمامه فلن تعتبر جريمة بل بالعكس ... لكنه قال بنبرة حادة محاولًا التغلب على طاقة الغضب والقهر الجبارة بداخله 
-: منذ متى ؟
ابتسم زياد بسخرية قائلًا وقد قرر البوح
-: منذ متى ! ياله من سؤال سطحي جدًا !! منذ أصبحت لا أرى من النساء إلا هي ..  منذ أصبحت نظرة منها تحييني و أخرى تقتلني ... منذ هدير القلب المصاحب لرؤياها دائمًا ..  منذ قررت أن أبعد نفسي عنها لعدم استحقاقي لها .. منذ منذ منذ .... لو تكلمت لن انتهي يا غيث فانتقل إلى سؤالك التالي 
فصاح غيث غير متمالكًا أعصابه 
-: أيها الغبي أيها الأحمق 
لكنه عندما لم يجد منه رد فعل سأله
-: ماذا حصل يوم ال ... الحادث
تغاضى عن ذلك الألم الصديق والوجع في قلبه  كما يتغاضى دائمًا وهو يحكي له ما حصل مسوءً صورته قدر الإمكان على عكس صورتها ثم أنهى كلامه بصوت متحشرج قليلًا 
-: لذلك أخبرك ... أنا السبب .. أنا السبب في كل ما تعرضت له وتتعرض له من الألم ... أقسم يا غيث أنني كنت ابعدها لتنجو ... أنت تعلم من أنا ... تعلم ماذا فعلت وماذا بمقدوري أن افعل ... كنت أسعى لتكرهني خائفًا حد البكاء من رؤية نظرة الكره في عينيها ... كنت أحاول ابعادها لكن ذلك الجزء الخائن هنا *قرع على مكان قلبه بقوه* كان فرحًا بوجودها بالقرب .. كان فرحًا بحبها لي ...
كانت ملامحه تتقلص بألم وهو يتكلم .. يبوح بكل ما أخفاه لعله يرتاح ولو قليلًا ثم أكمل بابتسامة ساخرة موجوعة
-: أرأيت من أنا يا صديقي ؟ أرأيت أن زياد الماضي مازال بالداخل متخفيًا خلف تلك القشرة الواهية من التمدن  والاحترام ! 
كان غيث يستمع له بذهول ووجع خفي في قلبه لحال صديقه ثم قال 
-: لا أدري ماذا أقول سوى أنك أغبى من رأيت ... لو تعلم كم أريد اشباعك ضربًا الآن حتى تزهق روحك بين يديّ لو تعلم فقط 
ابتسم الآخر بسخرية مريرة مرافقة له  قبل أن يقول بملامح جامدة متحاشيًا النظر إليه
-: لست تعلم يا صديقي كم هو موجع عدم تعبيرك عما بداخلك .... أن تكون تلك الكلمة تحاول جاهدة بكل الطرق الخروج من فمك و أنت تمنعها ... وفي كل مرة تمنعها تكسر قلبك شيئًا فشيئًا ... تُميته شيئًا فشيئًا حتى يعتاد الوجع ... يعتاد الموت ! لست تعلم شعور الخجل من نفسك أولًا قبل الناس بماضٍ أسود مازال يلاحقك ... أن تُبعد حبيبتك عنك بإرادتك المسلوبة ... أن تشعر بقلبك يقتلع اقتلاعًا عند رؤيتك لوجعها ... أن تكون أنت مصدر وجعها من الأصل ! لست تعلم هذا كله فلا تأت لمحاسبتي الآن فكل قلب أدرى بما داخله و قلبي لم يعرف سوى الوجع
فصفق غيث على مكتبه متألمًا لألم كلاهما
-: ألم أقل لك أنك غبي ؟ ترثي نفسك وأوجاعك الوهمية السخيفة متخفيًا وراء ماضيك اللعين والذي اعلم أنا وأنت أنه انتهى بلا رجعة غافلًا عمن توجع قلوبهم بدافع أوهامك السخيفة ... غافلًا عن تلك البريئة التي لا تفقه شيئًا غير محاولاتك بكل الطرق لكسر قلبها متعللًا ببراءتها التي لن تحتمل معرفة شيء كهذا ... أنا لا أرى أمامي سوى شخص أناني سطحي غبي كان ومازال يجري وراء سراب ... أتعلم ! أنت بالفعل لا تستحقها ... لكن ليس بسبب تلك التفاهة التي ذكرتها الآن بل لأنك لم تحاول حتى استحقاقها  ... وأنا لا أرضى لأختي شبه رجل يتخفى وراء الأشياء ... الرجل الحقيقي هو من ينتزع ما يريده من براثن القدر فما بالك بحبيبته .. الرجل الحقيقي هو من يحاول جاهدًا التغير ليستحق حب حبيبته لا أن يجلس في الظلام نادبًا حظًا مولولًا كالنساء ... أتعجب من كل تلك المرارة التي تعيشها وأنت حتى لم تجرب مواجهتها يومًا أو مواجهتي !! كنت جربت من باب الفضول حتى أن رفضتك لن يغير من حياتك البائسة شيئًا!! بل كنت ستجد لك سببًا سخيفًا آخر لتغرق في ماضيك أكثر ... أتعرف كل ما هي فيه الآن هو بسببك !! لو تعلم كم استحقرك في هذه اللحظه وأنا لا أرى بك أكثر من حطام رجل ! ولا حتى حطام ... اخرج يا زياد ولا تعد إلا عندما تصبح رجلًا قادرًا على المواجهة ..  مواجهة كل شيء ... أخرج هيا
ختم كلماته القاسية بصياح أقسى متغاضيًا عن الألم الذي رآه مرتسمًا على ملامحه أكثر من ذي قبل بمراحل ... لكنه يستحق .. يستحق تلك القسوة لعله يصحو مما هو فيه .. و بمجرد أن اغلق زياد الباب خلفه أرجع رأسه للخلف مغمض العينين مفكرًا فيما يمكن فعله لإخراج ملاك من تلك الحالة ! ... تنهد بقوة وهو يتمتم بصوت خافت مناجيًا الله
-: يا الله أصلح كل شيء ... ارجوك لا تكسر قلبها أكثر
******
بعد قليل.....
مازال في نفس جلسته على مكتبه يحاول العمل وهو يناظر الأوراق أمامه بنصف عقل .... لقد ملل التركيز عبثًا ... وكيف يركز بعد ذلك الكلام الذي قاله ذاك الأحمق ! كيف يركز و ملاك على حالها ترفض حتى النظر إليه لا التحدث معه ! كيف وهو لم يكلم شغف منذ يوم الحادث وهي الأخرى لم تجرب السؤال عنه تاركة ذلك الفراغ بداخله يتوسع أكثر فأكثر ، تزامنت تنهيدته الطويلة ورجوعه للخلف مسندًا ظهره على كرسيه مع صوت طرقات على الباب فقال وهو بنفس الوضعية
-: تفضل !
سمع صوت قفل الباب يُفتح ويُغلق ومن ثم السكون التام ! ففتح عينيه ليرى ذلك الزائر الصامت فلم تكن إلَّا ... ياسمين ! 
واقفة عند الباب لم تتحرك وهي تناظره بارتباك ... أشار لها بالجلوس بدون كلام هو الآخر وكأن الوضع أعجبه فتقدمت بتنورتها السوداء القصيرة إلى حد ما والتي انحسرت قليلًا مظهرة جزء من وركيّها عندما جلست ملفتة لنظره لكنه
رجع بنظراته لوجهها الذي يختلط الارتباك مع الجمال على محياه وقال
-: مرحبًا آنسة ياسمين 
فردت تحيته بتمتمة خافتة ثم تنحنحت وقالت 
-: لقد كنت ... لقد أخبرتني أن آتي إلى مكتبك منذ يومين لكنك سيدي لم تكن موجودًا ... آسفة جدًا لما حل بالآنسة ملاك كان الله في عونكم ... 
رد عليها هو الآخر بتمتمة خافتة مجاملة فأكملت 
-: فقد جئت اليوم لأعرف فيما كنت تريدني سيدي !! 
تنهد وهو يمرر يده على صفحة وجهه يريد النوم فلم ينم منذ ما حصل 
-: حسنًا ياسمين ... لقد أردتك أن تكوني سكرتيرتي البديلة إلى أن تأتي السيدة أسماء من عطلتها الطويلة ... فهل هذا يناسبك
اندفعت وهي تقول وكأنها لا تعرف !
-: بالتأكيد يناسبني سيدي ... متى يمكنني أن أباشر في العمل ؟ 
أشار للباب بيده قائلًا 
-: من الآن لو أحببتي ... اذهبي لمكتبك و إفتحي الحاسوب والملفات عليه ... حاولي الفهم إلى أن أشرح لكِ في الغد بنفسي لكنني اليوم مرهق جدًا 
أخذت تنظر إلى وجهه الجميل مسبل الأهداب الظاهر عليه علامات الإرهاق بالفعل فقالت 
-: حسنًا سيدي سأحاول.... 
ثم نهضت متجهة ناحية الباب إلّا انها التفتت له مجددًا متسائلة 
-: هل أنت بخير سيدي ؟ هل بوسعي أن أفعل لك أي شيء !
نظر إليها باستغراب داخلي من نبرة الاهتمام في صوتها لكنه لم يدقق كثيرًا وهو يجيبها
-: شكرًا لكِ ياسمين إن احتجت شيئًا بالطبع سأحادثك ألستِ سكرتيرتي ! 
قال كلمته الأخيرة بابتسامة فردتها له وهي تخرج مخمدة شعورها بتعدد معانِ
تلك الكلمة داخلها.... 
********
دخل إلى المنزل وهو يترنح يمينًا ويسارًا في مشيته غير قادر على الاتزان  يرى الدنيا مشوشة بعينيه ... ميز أمه بصعوبة جالسة على مقعد بانتظاره فهم بسرعة بالصعود إلَّا أنها اعترضت طريقه قائلة بنبرة قلقة 
-: زياد حبيبي لماذا تأخرت ولماذا تبدو دائخًا هكذا وعينيك حمراوتين ؟؟ 
مسح بكفه على صفحة وجهه وهو لا يعرف بماذا يرد ..  عقله من الأصل ليس في حال جيدة لإعطائه إشارات بالتكلم هو فقط يريد الارتماء على فراشه والنوم متمنيًا ألّا يستفيق لكنه فتح فمه محاولًا إجابتها ولم يخرج من فمه سوى تلك المناداة الهامسة 
-: أمي ! 
وكأن أمه أصابها مسًا كهربيًا وهي تحملق فيه مكتشفة ما سر حالته ... بالتأكيد فهي تحفظ تلك الرائحة العفنة الخارجة من فمه ! فقالت بهمس مذهول
-: زياد ! هل شربت خمرًا ؟
لم يرد وهو وقد كان متوقعًا لمعرفتها مذعورًا منها كطفل صغير لكنها عرفت وانتهى الأمر فنكس رأسه وهو يسمع صوتها الهامس الرقيق الذي تحول إلى صياح يصم الآذان 
-: شربته ثانية يا زياااد ! شربته ثانية ! لماذا أخبرني لمااذا 
كانت أثناء صياحها قد أمسكت بياقة قميصه وهي تهزه بقوة فنفض كفيها عنه تحت تأثير المخدر صائحًا هو الآخر بلسان ثقيل
-: أنت لا تعرفين شيئًا أمي 
رجعت لإمساكه وهزه ثانية قائلة بصياح أقوى من ذي قبل وعينان انطلقت منهما الدموع
-: أعرف ماذا !! أيوجد شيء في العالم يجعلك ترمي بنفسك لطريق التهلكة من جديد ؟ ألم نتفق أنا وأنت على ألَّا تكون مثله أبدًا .. لماااذا ؟ 
قالت سؤالها الأخير وهي تصفعه بكل قوتها صفعة أدارت وجهه للناحية الأخرى بكل قوة فانطلقت الشرارات من عينيه وهو يقول بتقطع ثقيل صائحًا مغيبًا 
-: لا بل أنا مثله ... كم من سنين عشتها لأثبت لنفسي ولكِ وللكل أنني لست مثله وفي الحقيقة كنت أثبت العكس ! حقيقتي لم ولن تتغير  .... أنا لست مثله بل أسوأ منه ...  أنا قاتل أمي قاتل 
صرخت به قائلة 
-: توووقف 
كلمتها تلك تزامنت مع صفعة أقوى مما ذي قبل ثم توالت الصفعات على وجهه وهو يتراجع وهي مستمرة في التقدم نحوه ... تصفعه بهيستيريا مرددة الكلمات بهيستيريا أكبر 
-: أخرس أخرس ... لا تقل هذا أنت لست هو .... أخرس يا زياد
كانت الرؤية لدى كلاهما مشوشة مع اختلاف الأسباب ففتحت الباب وهي تدفع به خارجًا صارخة بحرقة 
-: أخرج يا زياد ولا تعد ... طالما سترجع هكذا لا تعد ثانية ... لقد ماتت والدتك منذ وضعت هذا السم في فمك ثانية ... أخرج
قالت كلمتها الأخيرة بصياح قوي وهو تدفع الباب بقوة مغلقة إياه تاركة زياد في الخارج يحدق في الباب بعدم استيعاب ثم لم يستطع كلاهما الوقوف فانزلقا جالسين هي تبكي بحرقة وهو يبكي بحرقة توازي حرقتها أضعافًا......
*********
جالس يضم ركبتيه إلى صدره مسندًا رأسه على الجدار خلفه مغمض عينيه اللتان تحرقانه من كثرة كتم البكاء ..  بعد أن طردته أمه أخذ يمشي هائمًا على وجهه في الشوارع حتى وجد نفسه واقفًا أمام ذلك المسجد .... وها هو جالس هنا كالمشردين منذ ساعات وكأنه التصق بغراء ... لا يستطيع الرحيل ولا يستطيع الدخول ، يناجي الله من الخارج لعله يسمعه ويغفر له .. بكلمات مبهمة ولسان ثقيل يتضرع ويطلب المغفرة وهو يضرب رأسه بخفة في الحائط خلفه في تناغم إلى أن سمع ذلك الصوت الوقور يسأله
-: ما بك بني ؟ لماذا تجلس هنا هكذا ؟ 
فتح عينيه بصعوبة وهو يتجه بنظراته نحو الرجل الواقف أمامه الذي يبدو عليه الهيبة والوقار بلحيته التي خالطها الشيب ثم حاول الكلام قائلًا
-: أنا ؟ أنا جالس ... أريد الصلاة ... لكن ... لا لا 
أخذ يهذي متمتمًا بكلمات غير مفهومة حتى له وهو يرجع لوضعيته الأولى فاستغرب الشيخ لحاله وهو يجلس القرفصاء بجانبه يربت على خده برفق قائلًا 
-: بني !! أأنت بخير ؟ 
فتح عينيه ثانية ينظر لوجهه الذي يشعره يشع نورًا عن كثب ثم قال بتشوش
-: لا ... لا أعلم بخير أو ... ابتعد ابتعد لكي لا تتلوث ... تبدو جيدًا ابتعد 
نظر له الشيخ متفحصًا ملامحه باستغراب حتى وصلته رائحة الخمر النفاذة بأنفاسه فقال بنبرة شبه مستهجنة 
-: أنت مخمور صحيح ؟
فضحك زياد ضحكة عالية ثم قال بتقطع
-: صحيح نعم ... تخيل بعد كل تلك السنوات يا الهي ! 
أخذ يضحك بهيستيريا ثانية وهو يضرب رأسه من الخلف بالجدار مكملًا 
-: حبيبتي كادت تموت و صديقي وأمي طرداني لماذا لا اشرب ؟ 
ثم تحولت ملامحه في ثانية من السخرية الضاحكة إلى ملامح تجسد فيها كل معاني الألم وهو يقول وقد تجمعت الدموع في عينيه
-: لكنني شربت .. كثيرًا ثم ... ثم ندمت وجئت هنا ... ولا ادري ماذا افعل ! ها أنا قريب لكنني بعيد للغاية
كان أثناء كلماته تساقطت من عينيه بضع الدموع فأشفق الشيخ على حاله وقال بحنو
-: أنا إمام المسجد يا بني ..  هل تريد الصلاة ؟
فالتفت له وهو يحاول التركيز مرددًا خلفه 
-: الصلاة ؟ 
اومأ الشيخ برأسه علامة الموافقة فقال هو بسرعة متقطعة
-: نعم نعم أريد الصلاة ... لا لن ينفع !... لكن ... 
ثم ضرب رأسه ثانية بقوة هذه المرة قائلًا بألم
-: لا اعرف لا اعرف 
فقال الشيخ بأشفاق تام لحالته البائسة وهو يسنده لينهض 
-: هيا بني ... هيا لنذهب إلى حجرة الوضوء لتغتسل وتستفيق أولًا 
ذهبا إلى الحجرة فأسنده الشيخ حتى يدخل ويغتسل تاركًا اياه على راحته ثم ذهب و ذهب لاعتلاء المنبر استعدادًا لآذان الفجر ٍ ثم عاد له بعد سويعات ليجده على حاله شاردًا متكورًا على نفسه في ركن قصي فأعطاه كوب من القهوة احضره له بصمت 
شرب زياد القهوة بصمت وخجل من نفسه ومن الموقف وقد استعاد وعيه نوعًا ما ثم انهاها وهو يضعها أرضًا بجانبه متمتمًا بشكر خافت للشيخ الذي ربت على كتفه قائلًا 
-: هل أنت جاهز لنصلي الضحى سويًا ؟ 
أخذ ينظر له حوالي دقيقة كاملة ثم هز رأسه ببطئ أخيرًا علامة الموافقة فابتسم الشيخ قائلًا 
-: حسنًا هيا لتتوضأ 
يقف بجوار الإمام الذي كان يتلو آيات الذكر الحكيم بصوت خاشع يبعث السكينة لقلبه و سمعه يرتل تلك السورة التي لمست شغاف قلبه و جعلته يئن صامتًا يكبح دموعه كالأطفال 
-: أَلَـمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ  (1)  وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ  (2)  الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ  (3)  وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ  (4)  فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا  (5)  إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا  (6)  فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ  (7)  وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ  (8) 
لم يقدر على كبح دموعه أكثر تاركًا دموعه تنهمر مرددًا تلك الآيات بهمس متقطع عدة مرات وراء الشيخ 
وها هو الآن على سجادة الصلاة راكعًا بخشوع بين يدي خالقه ... خجلان من نفسه حد البكاء ... هو يبكي بالفعل بدون أن يشعر ... سجد بارتعاش وهو يغمض عينيه بقوة لتتساقط دموعه مبللة سجادة الصلاة من تحته ثم أخذ نفسًا عميقًا قائلًا بخفوت متقطع 
-: سبحان ربي الأعلى ... سبحان ربي الأعلى ... سبحان ربي الأعلى
كان عند الثالثة قد خنقته غصة البكاء فشهق بقوة سامحًا لدموعه بالانهمار لعله يغتسل من الداخل كما الخارج.... 
 جالسًا وراء أحد الأعمدة بسكينة بعد أن حكى للشيخ حكايته منذ البداية وقد طمأنه واخبره بما شرح صدره ... أخذ يناجي الله ثانية في سره ... يسأله أن يحميها ويحفظها ... يسترجع مشهد الحادثة بألم 
يتذكر ذلك الرجل ذو الوشم على يده الذي صدمها بسيارته ... متأكد من أنه رآه من قبل ...  تتشكل معالم وجهه في عقله .... عقد جبينه يحاول التذكر .. يعتصر عقله اعتصارًا مفكرًا أين رآه من قبل ! ثم فجأة اتضحت الصورة في عقله .... اتسعت عينيه وهو يحدق في الفراغ أمامه هامسًا بذهول 
-: شذا !!!!
google-playkhamsatmostaqltradent