Ads by Google X

رواية قطرات الحب الفصل الثاني - إلهام رفعت

الصفحة الرئيسية
رواية قطرات الحب الفصل الثاني بقلم الكاتبة إلهام رفعت
رواية قطرات الحب كاملة

رواية قطرات الحب الفصل الثاني

غرابته من حالتها التي تبدلت كليًا أضرمت اندهاشه، خاصة اصرارها إعداد طعام الإفطار بنفسها -على غير العادة- ناهيك عن إشراقة وجهها الظاهرة، جلس حسام على المائدة يتابعها بعين التعجب؛ حتى انتهت وجلست تقاسمه الطعام، هو يدرك سبب تغييرها ذاك، وما تفهمه راحة الأم تكمن في رسم السعادة لأبنائها، انتبه لها تخاطبه بود رائع:
-بالهنا والشفا!
ابتسم لها وقد باشر في تناول ما حضرته من طعام منمق ويبعث الرغبة في تناوله، ورغم أنه يعرف ما يخالجها الآن سألها:
-الفرحة في عنيكِ يا مريم، صغرتك سنين كتير
ابتلعت الطعام ثم نظرت له بطلعة سمحة، قالت:
-سعادة ولادي أهم حاجة عندي يا حسام، وإنت عارف كده
توقف عن الأكل وبدا أنه سيتحدث بجدية، حاذر في سؤاله لها:
-ويا ترى بعد ما جوزتي زين، هل هو سعيد دلوقت؟!
تجمدت فجأة متجهمة، فكبحت ضيقها وهي ترد:
-كان عاجبك حاله، حتة بنت هربت وسابته تلت سنين زي الراهب، يرضي مين ده؟!
سكتت لحظات ولم تتحمل حتى انفجرت تردف بانفعال:
-ومن لؤمها جاية تاني لما عرفت إنه هيتجوز، دي قاصدة تدمره، منها لله، بس أنا هقفلها لو فكرت تلعب بيه وتبوظ حياته الجديدة
تركها حسام تفعل ما تشاء، هو الآخر كان منزعج من حالة ابنه تلك، تنهد قائلاً:
-ما اظنش هتعمله حاجة، تلاقي بجوازه قررت تنزل، إنتِ عارفة إنه هو اللي كان متعلق بيها وبيحبها وهيموت ويعرف هي فين
أغتاظت مريم من ذلك، فهذه هي الحقيقة التي تبغض إعلانها، علقت على كلامه بحنق:
-منها لله، ربنا ما يوفقها
ثم نفخت بقوة ضجرة واستطردت:
-مش هناكل ولا أيه؟!، عاوزين ننسى أي حاجة وحشة!
تابعا تناول الطعام بألفة، وأخذت مريم تمرر أنظارها على مقاعد المائدة من حولها، وعادت تتذكر تجمع ابنائها حولها وابتسمت، قالت:
-الولاد بيكبروا بسرعة والعُمر بقى بيجري، كانت أحلى أيام لما كنا مع بعض
ابتسم قائلاً:
-فاطمة منورة حياتنا وبتونسنا
أردف باشتياق كبير:
-كمان لين وحشتني، مكنش لازم نسيبها تسافر وتبعد عننا!
-لين أثبتت نجاحها لما سافرت، الغربة علمتها كتير، ودا في حد ذاته حاجة مبهرة، غيرها بيسافر وبيرجع زي ما راح
رد بعدم رضى:
-بس اللي في سنها اتجوز وخلف، مش عاوزة تفرحي بيها ولا أيه؟!
عقبت على كلامه مبدية عدم اقتناعها به، قالت بجدية:
-الزمن اتغيّر، مبقاش حد بيجوز بناته صغيرين، وهي لسه صغيرة قوي، مش كبيرة يعني
تهكم من فكرها الذي تبدل وقال:
-مكنش كلامك، كنتِ هتموتي وتجوزيها لـ آيان، اللي عنده دلوقتي تلت عيال!
ردت بعدم اكتراث:
-لا خلاص، كنت فاهمة الحياة غلط، في حاجات أحسن ممكن نفكر فيها
سألها بظلمة ماكرة:
-طيب ليه مسبتيش زين براحته، ليه كنتِ هتموتي وتجوزيه؟!
حدقت به مريم بعبوس، وجهلت لما فكره مشغول بأمر زواجه وإصرارها على ذلك، استفاض غضبها وهي ترد:
-عاوز تقولي إن اللي كنت باعمله في زين بيتردلي في ابني، بس أنا مش هسمح بده، وفضلت وراه لحد ما اتجوز علشان يبعد عن الحشرة دي، اللي سابته يتعذب كده
ثم نهضت مريم تاركة متابعة أكلها، جاءت لتتحرك فأمسك حسام بيدها قائلاً:
-مريم اقعدي مش قصدي
فتحت فمها لترد فقاطعها رنين هاتفها، سحبت مريم يدها منه ثم تحركت صوبه، تناولته من على المنضدة ثم ابتسمت تلقائيًا، أجابت ببشاشة:
-صباح الخير يا حبيبتي، صاحين بدري كده ليه، المفروض إنتوا عرسان!
ظهرت هوية المتصل، فإذ بها سمر، التي تذمرت قائلة:
-الحقيني يا ماما مريم، زين خرج الصبح وسابني........!!
__________________________________

-سيب إيدهـا!
هذا الصوت الحازم الذي جاء من مدخل باب الشقة جعل قسمات زين تتحول للعُوْف، وفي نفس لمى تحول لتوجس مريب جعلها تخشى القادم، حدج زين صاحب هذا الصوت بغضب مستطير، وقد استنبط أنه من تزوجت به زوجته، تقدم سيف منهما معتاظ من رفض زين تنفيذ أمره، حين شدد من قبضه على يد لمى، التي تقف خابية الطلعة.
وقف سيف أمام زين يحدجه بنظرات رسم فيها الغضب ببراعة، خاطبه:
-بقولك سيب إيد مراتي!
ليس ذلك فقط فقد سحب يد لمى منه وجعلها تقف بجانبه، حدث ذلك في ثوانٍ جعلت زين مشدوهًا؛ متفاجئًا من وقاحته هو الآخر، وذاك ما خلق الضراوة في نفسه وهو يسترجعها منه بتملك أكبر عجيب، هتف باحتدام مقلق:
-دي مراتي أنا، وكلمة زيادة هحبسك إنت وهي
ذابت أوصال لمى وهي تتابع ما يحدث، لم تخشى مهاترات زين وتهديداته العلنية فهي لم تتزوج بأحد؛ لكن تخوفت من اشتباكه مع سيف، والذي قال بلا مبالاة:
-روح اشتكي، ولو وصلت لحاجة احبسنا، بس لمى مراتي ومش هسيبهالك
تجاهله زين والتفت لها ليحدجها بنظرات نارية، لزواجها بغيره، ود لو أنهى حياتها الآن، ولعن ما كان يخالجه من وهم انتظارها وعودتها له كما كانت، ولم يجد سوى أنه بصق في وجهها، فشهقت بصدمة من إهانته الصريحة لها، حدثها باحتقار:
-وأنا مش ممكن أرجع لواحدة اتجوزت واحد تاني وهي على ذمة غيره
ثم تعالت أنفاسه الغاضبة وهو يتابع:
-إنتِ طالق، والمرة دي بجد!
بؤس قحاف أخرجها من سفح ما حملته له من محبة ويده تترك يدها؛ وكأنه رفع راية الاستغناء، فقد ظنت غِيرته ومعاقبته؛ لكن تمادى الأمر لشيء آخر، شيء لم يقبله رجل بداخله كرامة وقورة، قبل أن يتحرك زين وجه بصره للطفل، كان ينتفض حنقًا وحزنًا، فقد أنجبت أيضًا، ابتسم في ألم جعل لمى تندم على عنادها له، ورؤيتها للمعة عينية الشاجنة أوجمت قلبها.
بث زين التماسك والصلابة في نفسه، وتنفس بهدوء، ثم انسحب من المكان بهيئة نتجت عنها انهمار عبرات لمى، وأحس سيف بها وبندمها، تردد في سؤالها؛ لكن تجرأ وسأل:
-أنا عملت اللي قولتيلي عليه، لو زعلانة ممكن ألحقه وأفهمه؟
أشارت بيدها بمعنى لا وهي تبكي في صمت، كفكفت عبراتها وقالت:
-لا مش ندمانة، هو السبب في كل اللي حصل، وأنا مش هقبل إهانته ليا، واللي عمله معايا
انضمت لهما نيڤين، الأخت الكبرى لـ سيف وهي تمسك بيد الصغير يونس، قالت:
-أنا افتكرت لما هيشوف يونس هيتغاظ وكده، بس بصراحة طلع الموضوع محدش يقبله، إزاي واحد متجوز يتفاجئ بمراته متجوزه غيره، وكمان مخلفة، دي أقل ردة فعل يا لمى
رغم أن ما حدث أثّر كثيرًا عليها، أوحت لهم عدم اكتراثها وهي تقول:
-محصلش حاجة، ودا كويس، أرد كرامتي اللي ضيعها باتهاماته ليا
ثم انحنت لتحمل طفلها، رفعته بين ذراعيها وابتسمت له، قالت بعزيمة:
-وابني هربيه لوحدي، مش محتاجة له..........!!
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
أثناء قيادته السيارة تشوّشت الرؤية لديه قليلاً، وظهرت عقلانيته حين صف السيارة جانبًا، فإذا قادها هكذا ستكون النتيجة سيئة، أسند زين رأسه على المقود يسترجع كل ما حدث قبل قليل، وضياع أحلامه وما دبره في سنوات مضت هباءًا، رغب في البكاء؛ الندم؛ الثأر لكرامته الضائعة، حقًا لن يستسلم بسهولة هكذا، وانفجرت بداخله رغبة قاتلة في الانتقام منها، وإن أفنى حياته في المقابل، رفع زين رأسه يحدق أمامه بعينين حمراوتين، يتوعد في نفسه لها، فلن يقبل بتاتًا بالإذعان لما فعلته هكذا، خاصة أنها تعرف جيدًا أنه زوجها ما زال، وكبح عنفه وهياجه بداخله، ويجزم أنه سينفجر الآن.
انتبه لرنين هاتفه ثم زفر بقوة، أخرجه من جيبه ثم نظر لشاشته، في البداية لم يرغب في الرد؛ لكنه أجاب؛ عل المتصل يخفف من حالته تلك، قال:
-خير يا آيان!
تساءل الأخير بلهف ظاهر:
-زين إنت فين؟، عمتو اتصلت بيا تسأل عليك، وبتقولي إنك سبت مراتك وخرجت
تأفف بصوت مسموع، قال:
-كنت عند لمى
قبل أن يعقب آيان على كلامه، تابع زين بضيق:
-الست اتجوزت، اتجوزت وهي على ذمتي
اندهش آيان واستفهم:
-دي جريمة، هتعمل أيه يا زين؟
رد بنبرة هادئة مناقضة لملامحه القاسية:
-طلقتها، بس دا مشفاش غليلي، مش قادر أسكت على كده، بقالي سنين بدور عليها وهي طلعت متجوزة ومخلفة
توالت أخبار زين التي صُدم آيان منها، والذي أعلن استيائه هاتفًا:
-أنا لو مكانك كنت قتلتهم
رد زين بشر:
-ما أنا مش هسكت، هسجنها، وأنا معايا دليل إنها مراتي
وافقه آيان القرار وقد تضايق من أجله، قال:
-اسجنها، بعد تلت سنين مستنيها وكنت تقولي عاوز تعتذرلها وندمان، تيجي بكل برود تتجوز عليك
تكشر زين وهو يعلق على كلمته الحمقاء:
-أيه تتجوز عليك دي، حسن كلامك
-مش قصدي يا زين، أنا هطق من اللي بتقوله، وحاسس بيك
قال بجدية:
-هشوف حياتي، وهدمر حياتها زي ما عملت معايا.
هتف آيان بعقلانية:
-المهم دلوقتي ترجع لمراتك، لأن عمتو قالبة الدنيا.......!!

بقلم إلهام رفعت

لمسات والدتها الحنون وهي تمس أوتارها المذبذية، خلقت راحة كبيرة في نفسها، وتعلقت بها كمن تكن طفلة صغيرة، وأخذت أنفاسها تنتظم، لتذعن لنوم يريح عقلها قبل جسدها، احتضنت نور ابنتها بقوة وأخذت تمسد على ظهرها؛ علها تغفا لبعض الوقت ويخفف النوم من حدة تعبها وحزنها، بالفعل استكانت ماريان وذهبت في نومٍ عميق، فتنهدت نور بغبطة ثم وضعت رأسها برفق على الوسادة، تأملت وجهها للحظات، وحزنت من أجلها، ولوهلة خاطفة ندمت على تزويجها مبكرًا، لترى الآن أن الأمر ليس بجيد في بعض الأحوال.
تنهدت بقوة ثم نهضت بهدوء؛ لتتركها تنعم ببعض الراحة، دثرتها نور ثم تحركت نحو الخارج، لتناقش ما حدث بشكل جدي، فهذه ابنتها ولن تسمح لأي أحد أن يزعجها..

دلفت نور نحوهم وهم بالصالون، استمعت لـ زين يتحدث برزانة لم ترضى عنها، فتجهمت قسماتها وهي تدنو منهم، هتفت:
-لو مش عاوزها يطلقها، أنا مافيش حد يزعل بنتي
ثم جلست مستشاطة، وبدا عدم الرضى على وجوههم من حديثها الجهول، رد زين بتأنيب:
-طلاق أيه بس يا نور، طبعًا مافيش الكلام ده، هو الشيطان بـ..
قاطعته باستياء:
-ولا شيطان ولا نيلة، دي بقالها فترة بشتكي منه وأنا ساكتة بس علشان ابن أختك
وجه زين بصره لـ أخته سلمى، التي خجلت مما يحدث وتعمدت عدم الرد، خاطبتها نور بسخط:
-ما تتكلمي يا سلمى، قولي لأخوكِ، ولا عاجبك اللي بيعمله ريان؟
ذابت الكلمات من على لسان سلمى وتلعثمت في الرد عليها، نظرت لزوجها؛ ليرد هو، بالفعل رد معتز بعقلانية:
-ماريان بنتنا يا نور، وإحنا أهلها، وزعلها مع ريان ممكن يحصل مع أي حد
قالت بتهكم:
-لا يا معتز الموضوع مش بسيط، لازم تعرّف زين السبب اللي ابنك بسببه كانت بنتي بتفكر تموت نفسها
ظن زين الأمر في البداية مزحة سخيفة، لكن وصول الأمر لهذا الحد، خلق مشكلة كبيرة عليه فهمها الآن، واستفهم:
-عاوز أفهم دلوقتي في أيه؟
ظهرت نبرته قاسية وهو يسألهم جميعًا، لم يجيب أي من معتز أو سلمى، فسخرت نور في نفسها من تراجعهما، ردت هي على زين بتضايق:
-بيعايرها يا زين علشان حملها متأخر، وإن الخلفة عندها فيها مشكلة
استنكر زين ذلك قائلاً:
-إزاي الكلام ده، ماريان كانت حامل قبل كده
وضحت الأمر عليه بشرح مبسط:
-واضح إن موانع الحمل اللي كانت بتاخدها أثرت على الخلفة عندها لما سابتها وفكرت تخلف تاني
فكر زين جديًا في الأمر، وجده لا يستدعي كل ذلك التضايق بينهما، مرر نظراته على أخته وزوجها، وجد الوجوم لائح عليهما، والحرج أيضًا، قال:
-يعني علشان تعبانة شوية يزعلها ويعايرها، فين الحب اللي بينهم، طيب لو مبتخلفش أصلاً، يستغنى عنها بسهولة
وجه زين حديثه المتحير لهم ولنفسه، مصدوم من ردة فعل ريان في مواجهة مسألة كتلك، أخفض نظراته مستاء من قلة الود والألفة التي اكتشفها، أردف:
-طالما ريان بدأ الموضوع إنه يلومها على حاجة بأيد ربنا، يبقى يسيبوا بعض أحسن
تفاخرت نور برد زين؛ لحفظ كرامة ابنتهما، بينما اعترض معتز بعتاب:
-أيه اللي بتقوله ده يا زين، مستحيل يحصل ده، إحنا قرايب وحاجة زي دي ممكن تأثر على علاقتنا
هنا ردت نور عليه بسخرية:
-لا متقلقش يا معتز لو دا سبب رفضك، هنبقى حلوين لو أطلقوا!
رد معتز مصححًا فهمها الخاطئ لكلامه:
-مش قصدي يا نور، ريان وماريان صغيرين، وإحنا كبار وفاهمين، إن الجواز مش سهل نفرق فيه بين اتنين، يمكن هما مش واعيين كفاية زينا، فلازم نقف ونخفف من اللي بيحصل ده
سأله زين بجمود:
-فين ريان؟، عاوز اتكلم معاه.
تجلج في الرد عليه وبالأخير قال:
-هو خرج، قال هيقعد كام يوم عند واحد صاحبه
-واللي بيعمله دا ينفع يا معتز؟!
سأله زين بتبرم شديد، ورد معتز جاء من سكوته، فهذا يعني عدم ارتضائه هو الآخر، نهض زين فوجهوا أبصارهم له، قال بحزم:
-قومي يا نور جهزي معاها كل حاجتها، هترجع معانا
نهضت سلمى وقالت برفض:
-لا يا زين، أ..
أشار لها بالصمت وقد قرر، قال:
-خلاص ماريان هترجع معانا، لأن بعيدًا عن إنه مش فاهم، مع إنه مش صغير، فدا بيبين إن حبه ليها كان وهم ومش لاقيله تفسير الصراحة
نهضت نور مادحة في نفسها قرار زوجها، ثم تحركت ناحية غرفة ابنتها لتستعد معها بالرحيل، وسط اغتمام سلمى ومعتز، وقلة حيلتهم في ردع زين عن قراره......!!
___________________________________

فور إغلاقه باب الشقة انتبه لصوت والدته تخاطبه:
-كنت فين إن شاء الله؟!
تحركت مريم نحوه حانقة الطلعة، فتقدم زين منها راسمًا هدوء غريب؛ لكنه استفزها، قال:
-خرجت شوية بالعربية، قولت أقف شوية على البحر
ثم تعمق للداخل وعينيه متصلبة على سمر، التي استغربت من نظراته نحوها، ولم تتفهم لما يفعل ذلك، وقف زين أمامها ثم برقة طبع قبلة على خدها فاندهشت، قال:
-متزعليش يا حبيبتي إني خرجت وسيبتك
رمشت سمر بعينيها غير مستوعبة ما يقوله، وجدت نفسها ترد بمحبة:
-مش زعلانة يا حبيبي، أنا بس خوفت عليك
تابعت مريم ما يحدث أمام عينيها بتهكم ممتزج بالضيق، انتفضت قائلة بجهامة:
-ولما الموضوع كده وحضراتكم حلوين، ليه كلمتيني وقولتيلي دا مشي وساب البيت؟!
حدق زين بـ سمر بنظرات لوم مزيفة، قال:
-ليه يا سمر تقولي كده، محصلش حاجة إني خرجت شوية
بادرت سمر بالإعتذار لـ مريم قائلة:
-أسفة يا ماما، مكنش قصدي أزعجك
ثم ابتسمت لـ زين طالبة عفوه لروعنتها تلك، بادلها الابتسام وهو يضمها إليه، ليعلن ود متبادل بين كليهما، جعل سمر تود الرقص من شدة فرحتها، ورغم ضيق مريم قبل مجيئه، ابتهجت داخليًا وهي تراهما هكذا، قالت بهدوء:
-خلاص بقى ماليش مكان بينكم، همشي وأسيبكم على راحتكم
قال زين بألفة:
-ما تقعدي يا ماما نفطر سوا
قالت بتحنن:
-فطرت يا حبيبي، كلوا إنتوا، يلا مع السلامة أنا
ثم تحركت للخارج وزين معها، عند الباب خاطبته بتمنٍ:
-ربنا يسعدك يا زين ويهديك يا رب، وأشوف ولادك قريب
قبّل زين يدها بمحبة كبيرة، قال:
-إن شاء الله يا ماما!
غادرت مريم تاركته هو وزوجته، التي تفاجأ بها تحتضنه من الخلف، قالت:
-خوفتني قوي لما صحيت ملقتكش
فورًا زيف ابتسامة وهو يغلق الباب ويلتفت لها، حاوط وجهها بكفيه وقال:
-مكنش ليه لزوم تكبري الموضوع، أنا بس حبيت أشم هوا وافكر في علاقتنا سوا
تلهفت وهي تسأله بترقب:
-وفكرت في أيه، اوعى تقول نسيب بعض؟!
تقوس فمه ببسمة غامضة، قال:
-ودا شكل واحد ناوي يسيبك
نظراته نحوها ومعالم وجهه أعربت أنه يتقبلها، ابتسمت بطربٍ وتراقصت دقاتها، وتلقائيًا كان يتحرك معها نحو غرفتهما، ورغم توتر سمر من لحظاتها الأولى التي ستحدث بينهما، تمنت في نفسها حياة رائعة برفقتـه..........!!
____________________________________

صف سيارته بداخل الحديقة وتعجب من وجود سيارتها، فقد ظن أنها بالخارج لمقابلة ضيوفها، ترجل أيهم وهو ما زال متحيرًا، دلف للداخل فوجدها جالسة بالصالون تتحدث في هاتفها، ومن طريقة حديثها اتضح أهمية الموضوع، لذا صمت وجلس بجوارها دون كلمة؛ حتى انتهت مكالمتها.
تنهدت رسيل وهي تضع هاتفها جانبًا، ثم أخذت تهز تخت طفلها أمامها، خاطبها بدهشة:
-مالك؟، سايبك الصبح كويسة!
انقشعت عليها علامات الحيرة وهي ترد:
-الجماعة الأجانب، النهار ده استنيتهم يجوا الفندق، بس لقيتهم بيكلموني وبيقولوا إنهم راحوا فيلا عايش فيها صديق ليهم
مط شفتيه بلا مبالاة وقال:
-ما عادي، فيها أيه إن طلع ليهم صديق يقعدوا عنده؟!
ثم أخرج علبة سجائرة وقداحته ليشعل واحدة، ردت معللة سبب حيرتها:
-وقت طلبوا مني اروحلهم هناك، لقيت نفسي مترددة، وخايفة، ورفضت أروح واتحججت ليهم
أنصت هنا إليها باهتمام، قال:
-عملتي الصح، مينفعش تروحي لوحدك عند ناس أول مرة تشوفيهم
طلبت رسيل بجدية:
-أيهم ابحث عن الناس دي، وشوف شركتهم في أمريكا، عاوزة ابتدي شغل معاهم وأنا مطمنة.
رد بموافقة:
-هاعمل كده من غير ما تقولي، بس اتصرفتي صح لما مروحتيش
تنفست براحة؛ كونها فعلت الصواب، قالت:
-كلمت مدام نور من شوية احكيلها، بس واضح فيه مشكلة عندهم، باين بخصوص بنتها اللي متجوزة في شرم
-متحاوليش تدّخلي، هما قرايب مع بعض
ردت متفهمة ذلك:
-أكيد طبعًا مليش دعوة
ثم انتبهت له يدخن سيجارته فقالت عابسة:
-اطفي السيجارة مش شايف الولد!
وعي أيهم لما يفعله ثم اطفأها سريعًا، قال:
-مخدتش بالي.
لامست بشرة طفلها بلطف وابتسمت له، تأمله أيهم بمحبة وقال:
-حبيبي، نايم زي الملاك
اومأت لتؤكد كلامه، تذكرت شيء ما ثم نظرت له، قالت:
-نسيت أقولك، سليم النهار ده وامبارح بيسأل عن رسيل هترجع إمتى، علشان المدرسة لما تبدأ هيدخلوا سوا وكده
قال مستنكرًا:
-سليم!، دا مكنش بيطيقها لما تاخد لعبة من بتاعته
ردت معارضة بتذبذب داخلي:
-بالعكس، دا بيحبها و...
قاطعها بعدم اقتناع:
-رسيل قولي إنها وحشتك إنتِ، بلاش تلفي وتدوري
ابتلعت ريقها في توتر، عللت:
-وفيها أيه لما توحشني، أنا بس عاوزاك تقول لباباك يجوا، لأن عمتي بتحب هناك ومش بتسمع مني
أظلم عينيه نحوها فتابعت بتردد:
-علشان سليم، يرضيك يزعل!
تيقن ميلها للصغيرة، واستمرارها التودد لها؛ كونها بنت بالطبع، لم يمهلها الفرصة لتجديد حماقتها السابقة، ثم مال على ابنه وحمله وسط غرابتها من ردة فعله، قال وهو ينهض به:
-هطلع أنيمه فوق، وأنام جنبه علشان جاي تعبان
تفهمت رسيل سبب ما يفعله فقالت له بحنق وهو يتحرك للأعلى:
-على فكرة اللي في دماغك مكنتش بافكر فيه
تجاهلها أيهم وصعد للأعلى، وظلت هي مكانها تصر أسنانها بقوة من سخافته معها، زفرت بضيق لكن ما زال أمر عملاء الخارج يشغلها حتى عاودت التفكير فيه، قالت:
-الأهم عندي دلوقت الشغل الجديد، هو ده اللي هيعملي مستقبل كويس......!!
___________________________________

تجهّزت وارتدت ثيابها، ووقف هو من خلفها يتابعها؛ حتى تأهبت للذهاب، حملت زينة ابنتها الصغيرة على كتفها، ثم التفتت له، قالت:
-مش هغيب، هسلم عليها وهرجع على طول، أصلها وحشتني
رد بحزن مزيف:
-كده هفضل لوحدي، ما تخليها بكرة ولا يوم تاني
تحركت ناحيته وهي تقول بمفهوم:
-الجماعة زمانهم على وصول، العب مع الولاد على ما يجوا
أومأ على مضص موافقًا، فدلفت هي للخارج وهو خلفها يحاول كفرصة أخيرة اقناعها بالبقاء؛ ولكنها كانت ترفض وتصمم..

عند نزولهما للطابق الأرضي وقبل مرورها من باب الفيلا، انتبها لدخول السيدة نور مع ابنتها، ومن خلفها السيد زين، ردد آيان بترحاب عظيم:
-حمد الله على السلامة
رد زين بهدوء ظاهري:
-الله يسلمك!
نظرت نور لـ زينة بطلعة قطوب ولم تتحدث، بينما تعودت زينة على طريقتها تلك، وبألفة رائعة تحركت نحو ماريان لترحب بها، قالت:
-حمد الله على السلامة، محدش قالنا إنك جاية
تعمدت نور وهي تهاتف ابنها، ألا تعلن ما حدث لـ ماريان، والتي ردت برقة شديدة:
-الله يسلمك يا زينة!
سحبت نور ابنتها للداخل وقالت بغلظة:
-هنفضل واقفين كده، جايين من سفر وعاوزين نقعد ونرتاح
ثم تحركت بابنتها نحو الصالون أمامها، فامتص زين عبوس زينة نتيجة كلام نور حين همس لهما بتوضيح:
-أصل ماريان تعبانة ونور متضايقة شوية
-سلامتها يا أنكل
قالتها زينة بذوق، فلحق زين بـ نور ليجلس بجانبها، وكذلك آيان الذي جعل زينة تبقى لبعض الوقت، حين خاطبها:
-اقعدي شوية وبعدين اخرجي
وافقت زينة لتجلس معهم، فهذه الأصول، وهي تتحرك حاملة الصغيرة نحوهم، تعقبتها نظرات نور الغير مفسرة، وكانت أعينها بالأخص على الصغيرة، ثم وجهت أبصارها لابنتها، مشفقة عليها، فما حدث معها، كانت هي السبب الأساسي فيه، حين دفعتها لعدم الإنجاب الآن، وها هي زوجة ابنها، لديها من الأبناء ثلاثـة.
قبل جلوس زينة معهم استوقفتها نور بلطف مزيف:
-شكلك كنتِ خارجة، روحي متعطليش نفسك
استغربت زينة من ردة فعلها، كذلك آيان، قالت:
-فعلاً كنت خارجة، ومكنتش هتأخر
-روحي، والايام جاية ابقى اقعدي مع ماريان
جهلت زينة سبب تحول طريقتها؛ لكن تماشت مع رأيها وقالت:
-طيب عن إذنكوا!
نظرت زينة لـ آيان بمعنى ثم تحركت لتغادر، وحين خرجت من الباب، قالت نور بجدية:
-مش عاوزة زينة تعرف سبب زعل ماريان مع جوزها
عاتبها زين بشدة:
-بقى دا سبب موافقتك لخروجها، يا نور زينة بقت مننا، مينفعش اللي بتعمليه ده
أيد آيان حديث والده، فقد ازعجته والدته بذلك، قال:
-أنا مع بابا، زينة زيي هنا بالظبط، والمفروض تعرف بكل حاجة
وضحت نور بانفعال:
-هتشمت فيها، كانت على طول تقولي سيبي بنتك تخلف، وأنا أرفض
استفهم آيان بغرابة:
-ودا علاقته أيه بوجود ماريان؟!
حاذرت نور في الرد؛ خوفًا من جرح مشاعر ابنتها، قالت:
-تعبانة شوية، عندها مشاكل في إنها تحمل تاني
نظر آيان لاخته بعين الشفقة، وهنا فقط تفهم سبب ردة فعل والدته تجاه زوجته، فبالفعل كانت ترفض انجابها مبكرًا، بحجة أنها صغيرة، بينما ودت ماريان البكاء، وتماسكت بصعوبة، فسأل آيان باستنكار:
-وهو ريان زعلها علشان كده؟!
ردت نور كابحة غضبها من الآخر:
-قليل الأصل، مكنتش فكراه كده
كل ذلك جاء بالسلب على نفسية ماريان، وشعر زين بها، فقال لينهي هذا الحديث السخيف؛ رأفةً بحالة ابنته:
-كفاية كلام في الموضوع ده، مش عاوزوه يتفتح تاني.......!!
__________________________________

عادت لفيلا والدتها؛ لتمكث معها من جديد، وباقتضاب شديد شرحت موجز ما حدث، بداية من ذهابها مع سيف، حتى حضور زين وطلاقه لها، وابتأسن كل من زينة التي حضرت لرؤيتها بعد غياب دام لثلاث سنوات، ومايا التي أشفقت على وضعها الميؤوس منه.
قالت السيدة إيمان باستياء:
-أما وقح صحيح، ليه عين بعد اللي عمله معاكِ جاي عاوزك كده، تلاقيه عاوز يبهدلك، مكفهوش اللي عمله معاكِ
ثم أردفت بنصح مقارب للتنبيه:
-اوعي تضعفي يا لمى، وتقولي علشان الواد، دا ابنك وإنتِ اللي تعبتي فيه
تابع السيد كارم ما يحدث باعتراض احتفظ به بداخله؛ تاركًا زوجته تفعل ما تريد؛ فهي ابنتها، فتدخلت زينة لتقول بتردد:
-بس اعتقد من حقه يعرف بابنه، يعني لازم يكون على اسمه، علشان الولد لما يكبر ويعرف
ردت عليها السيدة إيمان بسخط:
-كفاية إنها سمحتله يجي الدنيا، دا كان نتيجة اغتصابه ليها وجرحه لكرامتها
نكست لمى رأسها في ألم وعقلها لا إراديًا يتذكر، بينما حذرتها السيدة إيمان:
-زينة مش عاوزة حد يعرف بـ يونس، حتى آيان جوزك
أعلنت زينة طاعتها لرغبتهم؛ تاركة الحرية لهم، قالت:
-مش هقول حاجة
تصلبت نظرات السيد كارم على لمى؛ شاعرًا بمدى معاناتها في مواجهة موقف صعب كهذا، تعامل معها بعطف أبوي وهو يخاطبها:
-لمى متعمليش حاجة مش راضية عنها لمجرد العند، حياتك دي بتاعتك إنتِ، مش علشان ترضي حد تيجي على مستقبلك
استنبطت السيدة إيمان أنه يقصدها بحديثه، فردت عليه بغيظ:
-وأنا قاصدة أدمر حياتها يعني، ما هو بقلة أصله وتربيته أهان بنتي، وكان لازم يتربى على اللي عمله، هي سهلة لما حد يتهم غيره في شرفه لمجرد إنه شاكك بس من غير دليل
لم تتحمل لمى كل ذلك، فليكفي ما مرت به اليوم، قالت بأسى:
-لو سمحتوا محدش يدّخل، ومش محتاجة من حد ينصحني، أنا عارفة باعمل أيه، وكفاية اللي أنا فيه
أبان تحنن السيدة على ابنتها وهي تخاطبها:
-يا حبيبتي محدش بيحبك ولا عايز مصلحتك غيري، لأن لو فكرتي ترجعي ليه فدا غلط، هو شك فيكِ ودي حاجة مش صغيرة، واكيد هتتكرر
للمرة الثانية تدخلت زينة لتوضح الأمر عليهم، قالت:
-بس زين كان ضحية، لما يوصله إنها بتخونه وبدليل، هو آه كان كيدي، بس حطوا نفسكوا مكانه
ثم تابعت حديثها وهي تنظر لـ لمى بالأخص، قالت:
-خصوصًا إن لمى كانت متعلقة بـ أيهم، ورسيل ملهاش ذنب إنها لما يوصلها إن لمى لسه بتفكر فيه تتجنن، الموضوع ملخبط وكان لصالح حد مجرم قاصد يوقعنا في بعض
تأملت السيدة إيمان تعابير ابنتها، ونتيجة وقع كلمات زينة عليها، وتوجست من لينها في العودة للآخر؛ فحتمًا ستندم؛ لكن فاجأتها لمى حين قالت باحتدام:
-مهما حصل مش هسامحه، علشان لما هو عارف إني وحشة وأخلاقي زفت كده، كمل جوازوه مني ليه، كان بعد وسابني في حالي
ذاك هو الأمر المحير بالنسبة لهم، لكن جاء من رغبة زين في الزواج منها، ليأخذ ثمن مقابل لحبه لها، حين وسم علاقته بها بطريقة مستقبحة، نتجت عنها نفور وكراهية.
قطع جلستهم العائلية ومناقشتهم الحادة، بعض أفراد الأمن وهم يلجون من باب الفيلا، دُهش السيد كارم من وجودهم ونهض أولاً، وهن من بعده، وتحرك في المقدمة ليسألهم:
-خير فيه أيه؟!
رد الضابط بروتينية صدمتهم جميعًا:
-السيد زين رفع قضية على مدام لمى مراته، بيتهمها إنها اتجوزت وهي على ذمته لسه، وإحنا جايين علشان ناخدها......!!
google-playkhamsatmostaqltradent