U3F1ZWV6ZTE0NTkwMzMxMzUwX0FjdGl2YXRpb24xNjUyODgzMjYyNTQ=

قصص مؤثرة قصة لنا لقاء يا أمي بقلم فاطمة محمد

لنا لقاء يا أمي قصة بقلم الكاتبة الحورية فاطمة محمد وأشراف الكاتبة نسمة مالك (نسوم) القصة كاملة عبر مدونة دليل الروايات (deliil.com)

قصة لنا لقاء يا أمي

كان يسير منكمشاً علي نفسه، خطاه ثقيلة، جسده ضعيف ،..
فملابسه الرقيقة البالية غير قادرة على أن تمنحه الدفء الكافى في تلك الليلة الباردة بأمطارها الغزيرة ... خارت قواه من التجول في الطرقات طيلة النهار ،
فهو يقضي يومه بين مسح زجاج السيارات في الإشارات ، وبيع المناديل ، وأحياناً التسول حينما تنفذ نقوده.
منذ هروبه من منزل والده الذي لايستحق لقب أب ، يسير كالتائه، ضائع بلا مأوى، لا يجد مكاناً يقضي فيه ليله؛
فمنذ أسبوعين كان يقضي ليله في فناء أحد المنازل دون علم صاحبه ، ولكن من المؤسف قد طرد منه بعدما علم صاحب المنزل،
لم يرحم ضعفه وقلة حيلته،
حذره من المبيت بمنزله مره أخرى وإلا سيطلب له الشرطه ، بعد مده من السير بأقدام مرتجفة من شدة البرودة ، جلس أرضاً بجانب إحدي المتاجر المغلقة مستنداً علي بابها لعله يغفي قليلاً ، ولكن هل من الممكن أن يغفي في تلك البرودة بالاضافة إلي جوعه الشديد؟؟!!.. فهو لم يتناول إلا القليل من الطعام منذ الصباح الباكر ،
فاليوم استطاع أن يهرب من الشرطه بأعجوبه،
ولكن سقطت منه المناديل، التي كان يبيعها، وأصبح لا يملك أي نقود!!.. فظل طول اليوم دون طعام ،. بوهن أغمض عينيه ،
ولكن انقبض قلبه حينما شعر بيد أحدهم علي كتفه ، فتح عينيه، والخوف يتملكه، ظناً منه أنه أحد رجال الشرطة، الذين يلاحقونه دائماً، وكأنه جانى وليس مجني عليه ...

" ايه يابني خايف تفتح عينك ؟"
بصعوبه التقط أنفاسه المسلوبة من شدة فزعه..
تنهد سعد تنهيدة طويلة مخرجاً الكلمات بصعوبة "حرام عليك ، هو انت؟؟ ، كنت فاكرك اللي ما يتسموا."
حماده ضاحكاً
" لا اطمئن ، زمانهم نايمين "
سعد بسخريه
" هما دول بيناموا؟!! ، ربنا ينتقم منهم ، مش كفايه الزمن علينا"
جلس حماده بجانبه أرضاً ، وفتح كيساً بلاستيكياً بيده، وأخرج منه بعض بقايا طعام ...
سعد متسائلاً
" انت هربت منهم ازاي ؟ وجيبت الاكل دا منين ؟"
حماده بفخر
" هربت منهم وهما بيدخلوا العيال البوكس ، والحمد لله ماحدش عرف يمسكني ، أما الاكل فواحده بنت حلال كانت بتأكل وانا وقفت جنبها وهي ادتهولي"
سعد بشكر
" الحمد لله ، والله انا جعان اوي ، ربنا يبارك لها الست هانم."
بدأ الاثنان بتناول الطعام بنهم شديد، وكأن الطعام لم يعرف طريق أفواههم منذ وقت طويل ..

حماده وهو يلوك الطعام بفمه
" يابني ارجع بيتك احسن من البهدله دي ، علي الاقل ترتاح من المرمطه ونومه الشارع"
سعد وقد تبدلت ملامحه للحزن الشديد، عندما تذكر أنه لديه أباً علي قيد الحياة ، وللأسف يسكن الشارع كمن لا أهل له ، فبعد وفاه والدته لن يهتم لأمره أحد حتي والده ، كل ما يهمه زوجته تلك السيدة القاسية، التي تتعامل معه بكل قسوة وجبروت ، فاق من شروده وأردف بيأس وألم

" ارجع فين ؟ الشارع أهون من قسوة مرات أبويا ، علي الاقل هنا باكل مرة واثنين ، وبتحرك براحتي ، لكن معها زي الخدامين أو العبيد ، مسح وتنضيف ، واكل مره واحده في اليوم وبالذل كمان .. سيبك سيبك ، خلينا نفتكر حاجه عدله ، ونشوف مكان تاني ننام فيه"
قال حماده يطمئنه "اطمن أنا معايا ١٠٠ جينه ، الصبح نشتري بيهم مناديل وننزل نبيعهم في الاشاره و رزقنا علي الله"

بقلم الحورية فاطمة محمد

سعد بامتنان
" شكراً يا صاحبي"

حماده ضاحكاً "مفيش بينا شكرا ، احنا في الهوا سوا"

سعد متسائلاً بحزن
وهنقضي الليله دي فين ؟ ممكن الشرطه تلف في أي وقت وكده هيتقبض علينا"

نهض حماده ، وأزاح التراب من علي ملابسه، وكأنها هكذا أصبحت نظيفة ، فكم البقع بيها اخفي لونها الحقيقي
" قوم معايا "

سعد وهو يرتجف "علي فين في الجو دا ؟ "

حماده بابتسامة
" قوم بس في بيت مهجور قريب من هنا ، فيه ناس شبهنا كتير ، نقضي الليله دي معاهم لغايه ما نشوف مكان تاني"

نهض سعد واتجه معه إلي ذلك البيت المهجور ، لكي يقضيا ليلهما به هروباً من أعين الشرطة ، التي تلاحقهم دائماً بلا رحمة.
وصلا الاثنان إلي البيت المهجور ، فكان عبارة عن بيت ، يتكون من طابق واحد فقط وبدون سقف ، يملؤه القمامة بكثرة، تسبح فوق المياه التي ملأت تلك الخرابة، بسبب الأمطار الغزيرة ، تنبعث رائحه كريهه و مميتة.
سعد باشمئزاز
" احنا هنام هنا ؟"

حماده بسخرية
" ايوه طبعا مش محتاجه سؤال ، اومال هنام في قصر ابويا"

سعد بضيق
" مش وقت هزارك "

قال حماده وعينيه تجول بالمكان بحثاً عن زاوية لهما
" يعني هو وقت اعتراض ، عندك مكان تاني احسن من هنا"

طأطأ رأسه في حزن وأردف بخفوت "لا ..بس انا بردان اوي ، والمكان مليان ميه هنام ازاي ؟"

قال حماده وهو يشير لأحد الأركان "في كام عيل هناك اهم و رصين الحجره علي بعض ونايمين عليها هنام زيهم"

اتجها الاثنان إلى الداخل بحذر حتي لا يقع أحدهما بالمياه ، وعندما وصلوا عند الحجارة المرصصة بجانب بعضها ، نهض النائمون في فزع خوفاً من أن يقبض عليهم .

كان بينهم طفل تحدث بصوت مهزوز من الخوف "انتو مين ؟"

قال حماده بهدوء "أنا حماده"

فتحدث طفلاً آخر لكن أكبر سناًطفل "حرام عليك وقعت قلوبنا"

تنهد حماده وهو يلملم الحجارة
" ربنا يسترها ..احنا عايزين ننام هنا النهارده "

نظرت إليهما فتاة ملامحها طمرت من كثرة الغبار على وجهها
" تعالوا جنبنا "

تمددا حماده وسعد بجانب الأطفال الآخرين ، فكانوا ولدين وبنت ، كل منهم يحتضن نفسه لعله ينعم ببعض الدفء ....

نظر سعد إلى السماء وقال لصاحبه
" خلينا نتكلم شويه يمكن نعرف ننام في البرد دا"

فرد عليه أصغر الاطفال الثلاث متسائلاً
" نتكلم في ايه ؟ "

فرد حماده
" كل واحد يقولنا ايه اللي وصله للشارع"

فرد الطفل وكأنه كان ينتظر أن يرمى بما فى داخله
" أنا عندي سبع سنين ، في الشارع من سنتين"
ثم أكمل بنبرة شبه باكية
" أبويا و امي ماتوا في حادثه ، وبعد العزا بيومين عمي طردني من البيت بعد ما اخد كل حاجه ، روحت عند خالي ، بس مرات خالي كانت علي طول الوقت بتزعق فيا وتضربني ، فهربت منهم علي الشارع ومن وقتها محدش سأل فيا ...
ثم أخذ الطفل الأكبر طرف طرف الحديث :_ أنا عندي عشر سنين ، في الشارع من سنه ، ابويا وامي مطلقين بعد ماكان ابويا بيضرب امي كل يوم وهي تصرخ وتلم علينا الشارع كله ، وفي الاخر طلقها ورمنا في الشارع ، راحت عند اهلها ، بس امها قالتلها ، وأنتِ تاخدي ابنه ليه ارميه لابوه واتجوزي ،وهي سمعت كلام امها ، قالتلي ارجع لابوك بس انا اخدتها من قاصرها واخترت الشارع ، علي الاقل اهون من ضرب ابويا"

حماده بحزن شديد "أنا بقي غيركم خالص عندي ١١ سنه ، مش عارف انا في الشارع من أمتي بس انا فيه من زمان ، ابويا وامي مع بعض ، لكن امي كانت قاسيه معايا اوي ، كانت بتضرب فيا ليل و نهار كان أنا مش ابنها ، لغايه ما تعبت من كتر الضرب ، فهربت من البيت"

الفتاه ببكاء علي حالهم
" أنا عندي ١٠ سنين ، في الشارع من كام شهر ، كبرت لقيت نفسي خدامه عند ناس وحشه اوي ، وكانت صاحبه البيت بتضربني ، وكنت بشتغل ليل ونهار من غير راحه واكل قليل اوي .. ثم أكملت ببكاء شديد .. كنت ببقي جعانه اوي وتعبانه بس مفيش حد يطبط عليا ويقولي مالك ، عشان كده هربت للشارع"

سعد بحزن وصوت بالكاد مسموع "عندي ١٣ سنه ، في الشارع من كام اسبوع ، امي ماتت من سنه ، و ابويا اتجوز بعد شهر من موتها ، مرات ابويا كانت بتتعامل معايا كان أنا عبد عندها ، اهانه و بهدله لغايه ماهربت"

بعدما انتهي الجميع من سرد قصته ، غفي الجميع سريعاً ، علي الرغم من برودة الجو اللاذعة ولكن التعب كان الأقوي.
سطعت الشمس لتعلن عن بداية يوم جديد ، استيقظ الخمس أطفال، واتجه كل منهم ليبحث عن شئ يكسب منه المال.
اشتري حماده المناديل، وتقاسمها مع صديقه سعد كما قال له ليلة أمس، واتجه كل منهما للإشارة لبيع المناديل.
بعد عناء طيلة اليوم ، استطاع كل منهما بيع ما معه ، و تمكنا من شراء بعض الطعام، وجلسا بإحدي الجوانب لتناول الطعام ...

حماده وهو يلوك الطعام في فمه
" مش بتأكل ليه يا فقري ؟"

سعد بتعب واضح علي معالم و جهه "تعبان ، و نفسي اشوف امي و احضنها اوي"

توقف حماده عن تناول الطعام ، وتحدث إلي صديقه بحزن ، فعلي الرغم من معرفته به من فترة قصيرة، ولكنه أحبه وبشدة ، وضع يده علي كتفه وأردف بحزن
" ليه كده يا صاحبي ، عايز تمشي وارجع لوحدي تاني ، دانا ماصدقت الاقي حد اصحبه"

سعد بابتسامة ألم "انا معاك يا صاحبي "

ولكن قطع حديثما رجال الشرطة وهم يهرولوا إليهما ... نهضا الاثنان سريعاً للهروب ، جريا الاثنان سريعاً ولكن سعد كان ينظر خلفه وهو يجري وإذا به يصطدم بسيارة تأتي بسرعة ، ارتفع لاعلي ثم سقط علي الأرض، وتكون حوله بركة من الدماء ، توقف قلب الآخر عندما رأي صديقه بين بركة من الدماء أسرع إليه سريعاً واحتضنه وهو يصرخ باسمه ...
"ليه يا صاحبي انت قولت انك هتفضل معايا"

سعد بخفوت وهو يلتقط أنفاسه الأخيرة
" أنا اسف بس اشتقت لامي اوي ... وبعدها صعدت الروح الي خالقها "

حماده بصراخ وبكاء يمزق القلوب "صااااااااااحبي ..."
ببتسامه راضيه..أغلق سعد عيناه حين رأى والدته تنتظره بلهفه فاتحه ذراعيها له ليرتمى داخل حضنها براحه وأمان أفتقدهم منذ فتره ليست أبدا بقليله..
وأخيرا بعد رحله مليئه بالألم والشقاء.."لنا لقاء يا أمى"..
قد يعجبك أيضا
الاسمبريد إلكترونيرسالة