رواية سل الغرام الفصل الحادي عشر 11 - مريم غريب

الصفحة الرئيسية
الفصل الحادي عشر 11 من رواية سل الغرام الجزء الثاني من رواية عزلاء أمام سطوة ماله بقلم مريم غريب
رواية سل الغرام بقلم مريم غريب
رواية سل الغرام بقلم مريم غريب

رواية سل الغرام الفصل الحادي عشر 11 مريم غريب بعنوان رجل حر !

مكالمة هاتفية أخيرة من إبن عمه، ألحت عليه بوجوب الوصول سريعًا ليصلحوا هذه المشكلة العويصة، و التي تدعي "هالة".. لم يكذب "صالح" خبرًا و ضاعف سرعة قيادته بقدر من الحرص مراعاةً لحالة زوجة الحبلى

يصل إلى قصر "البحيري".. قصر عائلته و فخرهم على مر الأجيال ...

يستبق "صالح" زوجته و يتركها تلحق به على مهل، بينما يعدو مجتازًا باحة المنزل، و يلج عبر الباب المفتوح على مصراعيه، ثم يتجه صاعدًا إلى الطابق العلوي

يجد "عثمان" و زوجة عمه يقفا أمام غرفة شقيقته، فيقبل عليهما راكضًا و هو يهتف بشحوب :

-إيه يا جماعة.. حصل إيه ؟ إستعجلتوني أوي و كنت هاعمل 100 حادثة في الطريق

-أبوك عايز يبوظ إتفاقنا ! .. صاح "عثمان" بإنفعال مكبوت و هو يقبض على هاتفه بقوة كادت تحطمه

سارعت "فريال" لتهدئته قائلة و هي تربت على ذراعه بلطف :

-إهدا شوية يا عثمان. العصبية مش هاتحل حاجة يا حبيبي

لكنها كانت كمن يصب البنزين فوق النيران أكثر، لولا تدخل "صالح" للمرة الثانية ...

-قولي بس إيه إللي حصل ؟ إحنا مش كنا إتكلمنا في الموضوع ده قبل ما تسافر و إنهاردة أخو مراتك جاي ؟ بابا عمل إيه ؟؟؟

-هاي يا جماعة ! .. برز صوت "صفية" في هذه اللحظة

كانت تقف عند مقدمة الدرج، تلهث و القلق يعلو وجهها المرهق، أخذت تقترب من عائلتها ببطءٍ و هي تضع كفها فوق بطنها ذات السبعة أشهر

رؤيتها هكذا عملت على تخفيف غضب "عثمان".. و بطريقة ما قل عبوسه و إسترخت عضلات جسمه المشتنجة ...

-حبيبتي ! .. صاحت "فريال" بتلهف و هي تستقبل إبنتها بين أحضانها

عانقتها "صفية" و قبلتها و هي تقول دون أن تشح ببصرها عن أخيها :

-في إيه يا عثمان ؟ صوتك عالي أوي أنا سمعتك من تحت !

تمكن "عثمان" من الرد عليها بلهجة أكثر هدوءًا حين عجز عن منحها إبتسامة :

-مافيش حاجة يا حبيبتي. مشكلة هالة بس. ماتشغليش بالك .. ثم فتح لها ذراعاه و قال داعيًا إياها :

-تعالي الأول كده عشان وحشاني !

إبتسمت "صفية" بجهد، و إنتقلت من حضن أمها لحضنه ..

ضمها "عثمان" بحنان شديد و هو يقبل رأسها متمتمًا :

-أنا إتفقت مع صالح هاتقعدوا معانا لحد ما البرنسيس بتاعتنا تشرف. هاتسيبوا كل حاجة في القاهرة مؤقتًا و تقضوا الفترة دي كلها معانا هنا.. و إياكي أسمع إعتراض يا صافي. إنتي تحمدي ربنا إني سمحت بحوار خروجك من البيت ده و كمان تبعدي المسافة دي كلها عننا

ضحكت "صفية" بخفة و إبتعدت عنه قليلًا، تطلعت إليه بشوق قائلة بصوتها الرقيق :

-على فكرة منغير ما تقول. الغربة وحشة أوي و أنا مش قادرة أبعد عنكوا تاني.. على الأقل في آخر شهور الحمل

-طيب يا حبيبتي كفاية عليكي واقفة بقى ! .. قالها "صالح" مقترحًا بهدوء و هو يلمس كتفها لمسًا خفيفًا

ثم نظر إلى "فريال" مستطردًا بتهذيب :

-طنط فريال بليز ممكن تاخديها تريح في أوضتها ؟ الدكتور موصي على الراحة التامة. أي مجهود مش كويس عشان البيبي و عشانها

آيدته "فريال" بقوة :

-طبعًا أهم حاجة راحتها و راحة البيبي. تعالي يا قلبي أوضتك جاهزة من إمبارح. و حالًا هاخليهم يطلعولك الشنط.. يلا يا حبيبتي

و أخذتها "فريال" إلى غرفة فورًا ...

لينتظر "صالح" حتى توارت عن ناظريه.. نظر مرةً أخرى إلى إبن عمه متسائلًا :

-ها بقى يا سيدي. فهمني حصل إيه بالظبط ؟!

أطلق "عثمان" زفرة مطولة و تمهل قليلًا ليضمن سيطرته على أعصابه ...

نظر إلى "صالح" قائلًا و هو يشير صوب غرفة "هالة" :

-أختك بتستعبط.. و أبوك داخلة عليه حركاتها

عبس "صالح" و هو يقول بعدم فهم :

-لأ وضحلي قصدك.. عملت إيه هالة يعني ؟!

تآفف "عثمان" بضيق، لكنه حكى له ما حدث في الأخير ...

صالح بجدية : طيب ما يمكن أنهارت فعلًا يا عثمان. هو مش الدكتور كان هنا و أدلها مهدئات من شوية زي ما قلت ؟!

عثمان بنفاذ صبر :

-بقولك إيه يا صالح أنا جبت أخري من الكل.. إصحى كده لكلامي و ركز في إللي حصل. بعد عمايل أختك و تخطيطها عشان تتخلص من مراد بالطريقة دي. لو بتموت حتى ماينفعش تتصدق بسهولة. أختك ممثلة هايلة يا أستاذ و الحركات دي ماتخيلش عليا. أنا إلتزمت بكلمة و لازم أوفي بيها

صالح بتفهم : طيب يا عثمان أنا مستوعب و الله كلامك كله. بس في النهاية عمك ده أب.. و إنت بتطلب منه يرميها في جوازة غريبة زي دي. أنا شخصيًا لما عرضتها عليا قولتلك ماينفعش. بس وجهة نظرك نوعًا ما أقنعتني. جايز يكون بابا لسا مش مقتنع مع إللي بتعمله هالة.. لازم تعرف إنها دلوقتي زي ما بتقول ممكن تكون بتمثل و بتضغط عليه من الناحية العاطفية عشان يرفض

عثمان بغلظة : أنا ماليش دعوة بالكلام ده. تدخل تفهم أبوك إن إللي إتفقنا عليه هايحصل بأي شكل. و يستحسن يتعب نفسه شوية و يربي بنته ساعة و لا ساعتين لحد ما الضيف يمشي. لكن جو السهوكة ده ماينفعنيش دلوقتي.. بلا دلع مرئ !

و أشاح بكفه و هو يلتفت موليًا للأسفل دون أن يضيف كلمة أخرى ...

تنهد "صالح" بثقل و هو يحدق في إثره بنظرات عاجزة، لكنه أبى إلا أن يذعن لرغبته.. بالنهاية أخته المتهورة هي التي أفضت بهم جميعًا إلى هذا الوضع

بهوسها و قلة حيائها التي إكتسبتها مؤخرًا بطريقة لا يعلمها إلا الله، أخلاقها الرفيعة أمست بالحضيض لو لم يهتدي "عثمان" لتلك الفكرة التي ربما تعيد إليها رشدها، حتى لو لم تجدي الخطة.. حتى لو فشلت هذه الزيجة

لا بد من القضاء على تلك الـ"هالة" الجديدة، قبل أن تدمر كل شيء صالح داخل قلب أخته الضامر خلف ذلك الجسد ذي العقل الفاسد المخرب ...

°°°°°°°°°°°°°°°°°°

كان "رفعت" جاثيًا بوضع القرفصاء إلى جوار سرير إبنته ...

كانت غائبة عن الوعي، تحت تأثير ذلك المخدر الذي أعطاه الطبيب لها قبيل رحيله و مغالاته بأهيمة الإعتناء بها ما لم تسوء حالتها فيضطروا لإستدعائه مرةً أخرى، حينها لا بد أن تنقل إلى مشفاه.. و هذا أمر أنزل القلق و الخوف بقلب "رفعت" على إبنته

ألهذه الدرجة صدمها الخبر ؟ ألهذه الدرجة تحب "عثمان" ؟ أم أنه هوس ؟ كما قال له و آيده الطبيب بعد أن شرحوا له كافة الملابسات ...

-بابا !

إنتبه "رفعت" فجأة لهذا النداء الخفيض

إلتفت قليلًا دون يفلت يد "هالة"،أدار رأسه للخلف، ليجد إبنه ماثلًا أمامه ...

-صالح ! .. تمتم "رفعت" بصوت ملؤه الكآبة

-لسا واصل دلوقتي ؟ حمدلله على السلامة ! .. ثم عاد ينظر في وجه إبنته الذابل من جديد و هو يكمل :

-تعالى شوف أختك جرالها إيه !!

زفر "صالح" بضيق و هو يهز رأسه، ثم قال :

-يا بابا إطمن. هالة هاتبقى كويسة ماتقلقش.. بس ياريت تمسك أعصابك و تبقى شديد معاها أكتر من كده

يقف "رفعت" على قدميه في هذه اللحظة، يواجه إبنه و هو يهتف منفعلًا :

-إنت سمعتلي كلمتين من إبن عمك و جاي ترددهملي هنا ؟ بس أنا خلاص قررت.. بنتي مش هاتتجوز الشخص ده. مش هاتنزل للمستوى الحقير ده أبدًا حتى لو قعدت جمبي عمرها كله منغير جواز. أنا بنتي ألف راجل أحسن من عثمان يتمنوها أصلًا هو فاكر نفسه إيه !!!

صالح بصلابة : يا بابا لو سمحت مش كده.. إحنا عايزين نخلص من الموضوع ده. إللي عرفته إنه كان بادئ من بدري و أنا إللي عرفت متأخر. هالة مش هاتسكت و لا هاتهدا غير لما تنفذ إللي في دماغها

-كلام عثمان مش هايمشي لا عليها و لا عليا من إنهاردة !

هكذا صاح "رفعت" بصوت جهوري يفيض غضبًا ...

لولا أن "هالة" مخدرة لقفزت مذعورة من فراشها !!

أطبق "صالح" جفنيه بشدة و هو يحك أعلى أنفه بإبهامه و سبابته قائلًا :

-يا بابا دي مش طريقة منطقية نصلح بيها إللي حصل. بغض النظر عن إللي عملتوه.. حد يفاجئ واحدة في ظروف هالة و يقولها في عريس جايلك كمان ساعتين و هي ماتعرفش عنه حاجة لأ و كمان كانت فاكرة إنها هاتتجوز الراجل إللي طول عمرها بتحلم بيه.. ما طبيعي تتصدم و يحصلها كل ده و أكتر !

و فتح عيناه محملقًا بأبيه بقوة ...

صمت "رفعت" و هو ينظر إليه متجهمًا، بيّد أنه لن يجادله و لن يتنازل عن قراره أبدًا.. لكنه رغم هذا وجد نفسه يقول بصرامة شديدة :

-أنا مش هاعرض بنتي لموقف جارح زي ده. عثمان عايز يكسرها.. مش هانولهاله !

تنفس "صالح" بعمق، ثم قال واعدًا :

-ماتقلقش يا بابا.. أنا فاهم كل حاجة. و هاتصرف !

___________________

تدق ساعة القصر تمام الثامنة مساءًا ...

كل شيء على ما يرام، و القاعة الداخلية جاهزة لإستقبال الضيف المنتظر.. الأجواء هادئة كالعادة، لكن هدوء الليلة مريبًا مبهمًا لأول مرة !

ها هو "عثمان" يقف أمام الشرفة المطلة على الباحة، كان بكامل أناقته، مختالًا بحلة سوداء و قد تخلى عن سترته و ترك الثلاث أزرار العلية من قميصه مفتوحة

يمسك في يده فنجان قهوة يكاد ينهي نصفه، يده الأخرى مطوية خلف ظهره، عيناه لا تفارقان الجزء الخارجي للبيت، إذ أراد أن يكون أول من يستقبل زوجته و أسرتها ...

-كلهم جهزوا ! .. تسلل صوت "صالح" إلى مسامع "عثمان" فجأة هكذا دون ينذر شيء عن حضوره

أدار "عثمان" رأسه لينظر إليه، و قال بصوته الهادئ :

-أوك. كده تمام أوي. و سمر كمان كلمتها و زمانهم على وصول .. و أكمل بإمتعاض :

-و لو أن حكاية تعب هالة المفاجئ إللي هانتحجج بيها دي ماتدخلش الدماغ و تعمل قلق في القاعدة.. لكن معلش. أنا هاشوف هاصلح الهبل ده إزاي و الليلة هاتمشي

صالح مبتسمًا بسخرية :

-هو الصراحة يا عثمان الموضوع كله أهبل.. بس أنا واثق فيك. و أما نشوف أخرتها مع هالة هانم

عثمان بتهكم: أخرتها خير. خير إن شاء الله ماتخافش .. ثم شرد للحظات قائلًا بإبتسامة خبيثة :

-كلكوا هاتشكروني بعدين.. كلكوا !

و شعر بتردد ضوء مصباحي السيارة، قبل أن يسمع صوتها مقبلة صوب المنزل ...

أعاد ناظريه نحو زجاج الشرفة مجددًا، ليجد زوجته قد وصلت بالفعل، بل أنها أول من هبطت من السيارة

علت الإبتسامة وجهه و أعطى فنجان القهوة لإبن عمه، ليسرع إلى الخارج ...

أبطأ من سيره ما إن تخطى باب المنزل.. علا صوت هتافه المرحب و هو يثبت بمكانه مستقبلًا ضيوفه :

-أهلًا أهلًا أهلًا.. شرفتوا و نورتوا و الله !

كانت "ملك" أولى من وصلت إليه، حيث ركضت بسرعة و قفزت عليه و هي تضحك بإبتهاج، ليحملها "عثمان" من فوره و يغرقها بقبلاته الحنونة مغمغمًا :

-لوكاا القمر. إيه الحلاوة دي يا بيبي ؟ لأ أنا كده أغير عليكي بقى ! .. و أبعدها قليلًا ليراها بوضوح، ثم يقول مازحًا و هو يدغدغها بأصابعه :

- و كمان لابسة mini jupe. و إيه الـ Stockings ( الشوراب ) المخرمة دي !!!

كركرت "ملك" ضاحكة بقوة و حاولت التملص منه، لتأتي "سمر" برفقة أخيها في هذه اللحظة.. فيكف "عثمان" عن مداعبة "ملك" و يمد يده دون أن ينزلها عن ذراعه ليصافح "سمر" بينما يلقي التحية على "فادي" :

-أهلًا بيك يا فادي. شرفتنا. خطوة عزيزة !

فادي ببرود : الله يعز مقدارك

كبتت "سمر" ضحكة لم تعرف سبيها، فرمقها "عثمان" بنظرة حانقة ملؤها الدهشة.. لتحيل ضحكتها إلى إبتسامة رقيقة و هي تقول له بلطف :

-معلش إحنا إتأخرنا شوية. بس فادي أصر نعدي نجيب الورد ده و هدية بسيطة للعروسة !

و أشارت "سمر" إلى ما حمله "فادي" فوق ذراعه السليمة.. كانت علبة شوكولا صغيرة حملت توقيع أفخم متاجر الحلوى أسفل باقة من زهور البنفسج اليانعة ذات الرائحة النفاذة الساحرة ...

عجبًا !

إتضح إن لديه ذوق رفيع ذاك الـ"فادي"..

هكذا حدث "عثمان" نفسه و هو يطالع "فادي" و هيئته النبيلة الجديدة، إنه حقًا جديرًا بالثراء، حتى بذلك الجسد المعطوب جزئيًا

ينقل "عثمان" نظراته إلى زوجته ليرمقها بنظرة فاحصة شاملة.. كانت محتشمة كعادتها و متأنقة بأجمل الثياب المؤلفة من تنورة سوادء واسعة، و قميص فضفاض من الستان الأبيض يفصل بينه و بين التنورة ذاك الحزام الجلدي العريض و الذي حمل شعار الماركة العالمية ( Gucci ).. و أمسكت بيدها حقيبة سوداء تحمل نفس الشعار، أما وشاح رأسها فكان يدمج اللونين الأبيض و الأسود معًا

و أخيرًا يرى أنها قد إلتزمت بتعليماته و لم تضع نقطة زينة واحدة على بشرتها.. فكانت أجمل شيء يراه على الإطلاق بهذه اللحظات ...

-طيب إتفضلوا يا جماعة هانتكلم على الباب و لا إيه ! .. قالها "عثمان" مفسحًا لهما طريق الدخول

تبعهم و هو يشير للخادمة حتى تتلقى من "فادي" ما يحمله.. أرشدهم إلى القاعة المجهزة لإستقبال كبار الزوار.. أجلسهم بأماكنهم، ثم قال و هو يضع "ملك" فوق الأرض من جديد :

-تشربوا إيه بقى ؟

نابت "سمر" عن أخيها في هذا السؤال :

-فادي بيحب يشرب شاي في الوقت ده بس منغير سكر .. ثم نظرت لأختها مخمنة :

-و لوكا يتحب الـ Orange Juice !

أومأت الصغيرة لها، فأدارت "سمر" رأسها نحو زوجها و أضافت بإبتسامة كبيرة :

-و أنا عايزة يحيى من فضلك. وحشني جدًا

رد "عثمان" لها الإبتسامة و قال :

-حالًا هايكون عندك. فريال هانم أكيد مش هاتنزل منغيره مش بتسيبه لحظة أصلًا !

ثم إلتفت إلى الخادمة و أملى عليها الطلبات و أصرفها ...

و هنا يصل أفراد العائلة تباعًا... "رفعت"، "فريال"، "صالح"، "صفية"

فيقوم الأخوة الثلاث ليتلقوا المصافحات و التحيات ...

-أهلًا بيكوا منورين يا حبايبي ! .. قالتها "فريال" موزعة إبتساماتها الحلوة على ضيوفها و زوجة إبنة خاصةً

و بالفعل كانت تحمل الصغير "يحيى" بين ذراعيها، لم تتردد و هي تضعه بين أحضان أمه، بينما تسارع "سمر" نحو أخيها ليتعرف على صغيرها الذي لم يقضي معه وقتًا كافيًا ليحفظ ملامحه على الأقل

إنفرجت أسارير "فادي" لأول المرة في هذه الليلة، إبتسم للطفل بمودة، و مسح على شعره الحريري بحب و هو يحني رأسه ليقبل وجنته المكتنزة المحمرة دلالة على الغذاء الجيد

تطلب "فريال" من الحميع أن يجلسوا بإسلوبها اللطيف، بنفس الوقت تأتي الخادمة و تضع صينية التقديم فوق الطاولة، ثم تقف على مقربة من القاعة بإنتظار أيّ إستدعاء ...

-معلش يا حبايبي حصل ظرف مفاجئ لينا كلنا ! .. قالتها "فريال" مسترعية إنتباه آل "حفظي"

نظر إليها الأخوة، بينما تكمل على إستحياء :

-العروسة للأسف مش هتقدر تنزل الليلة من أوضتها. أصلها تعبت أوي إمبارح و الدكتور إدلها حقنة منيماها في السرير

سمر بإهتمام : سلامتها ألف سلامة عليها. مالها هالة حصلها إيه ؟!

أجابتها "فريال" بتظاهر متقن بينما يراقب "عثمان" ينظراته الثاقبة وجه "فادي" مبهم التعابير :

-إنتي عارفة يا حبيبتي حالتها النفسية بقالها شهور في النازل.. الوسط الإجتماعي بتاعنا بقى وحش أوي و كلامه كتير. و هي زي ما إنتي عارفة رقيقة و مش بتستحمل

يتدخل "صالح" بلهجة حازمة :

-بكرة لما تتجوز تاني هايتخرسوا كلهم. و لو إن دي طبيعة البشر عمومًا.. محدش بيسيب حد في حاله أبدًا

وافقه الجميع، ثم إنقطعت الأصوات بعد ذلك.. لتتركز النظرت نحو "فادي" تاليًا ...

-إيه يا فادي ساكت ليه كده ؟ .. قالها "عثمان" بصوته العميق

تطلع "فادي" إليه و قال و هو يهز كتفاه بخفة :

-بسمع حضرتكوا.. أظن يعني سبب وجودي هنا الليلة معروف

إستغرب بعض أفراد العائلة من رده و همهم البعض الآخر، ليكمل "فادي" بهدوء شديد واضعًا كفه فوق صدره :

-أنا جيت عشان أطلب إيد هالة هانم. لكن إزاي إطلب واحدة فعلًا للجواز و هي مش موجودة ؟!

فريال بلطف : ما أنا لسا قايلة يا فادي.. هالة تعبانة و الله حتى ممكن سمر تطلع تبص عليها و تتأكد بنفسها

يبتسم "فادي" بشيء من الهزأ و هو يقول :

-على كده بقى ممكن إتجوزها و هي مش موجودة بردو !

صالح بجمود : لأ طبعًا إزاي يعني.. إنت هاتشوفها و هاتتكلم معاها كمان قبل ما ناخد أي خطوة رسمية. مش إنت بس إللي هاتحب تتعرف عليها. هي ظروف بس إللي منعتها من ده الليلة دي زي ما طنط فريال قالت

رمقه "فادي" بنظرة مطولة، ممعنًا التفكير بكلماته.. ثم نظر نحو "رفعت" فجأة و قال بلهجة مهذبة :

-تمام. رفعت بيه أنا يسعدني و يشرفني طبعًا إني أطلب إيد بنت حضرتك. و هاكون سعيد أكتر لو وافقت بيا

أجفل "رفعت" عدة مرات من شدة غضبه المضطرب بداخله، لكنه رد عليه بصوت معتدل :

-و هي موافقة يا بشمهندس.. ناقص بس تتعرفوا على بعض زي ما قال صالح. بعد كده كل شيء هايتم في أسرع وقت

فادي بدهشة : أوام كده ؟ مش تدوني مهلة أجهز طلبات العروسة على الأقل.. بس ياريت تكون طلبات أقدر عليها إذا سمحتوا أكيد حضرتك عارف ظروفي !

-إنت مش مطلوب منك حاجة أساسًا يا بشمهندس ! .. قالها "رفعت" بنزق و لم يعد بإمكانه كبح سخطه أكثر من ذلك

ثم لوّح بيده مشيرًا إلى دلائل الرغد و الثراء الفاحش المحيط بهم و هو يقول بلهجة مترفعة لا تخلو من الإزدراء :

-البيت زي ما إنت شايف. يساع حارتكوا كلها.. بمجرد ما تتجوزا تقدر تجيب شنطة هدومك و تتفضل تعيش معانا هنا طبعًا

و في هذه اللحظة ساد صمت متوتر بين جميع الجالسين، و كم أراد "عثمان" أن ينفجر غاضبًا بوجه عمه الذي من الواضح أنه يطمح لهدم مخططاته كلها، حتى قبل أن يضع حجر أساسًا واحدًا ...

لكن "فادي" يستبقه موجهًا كلماته المستخفة إلى والد العروس المتعالٍ :

-لأ هو شكل حضرتك إللي فاهم غلط و الله.. القصة مش هاتبقى كده خالص

نظر "رفعت" إليه عابسًا، ليكمل "فادي" ببرود شديد و قد تشكلت إبتسامة شيطانية على ثغره :

-لما الجواز يتم إن شاء الله العروسة هي إللي هاتيجي تعيش معايا.. في الحارة !

-نعـــم ! حـارة إيـ آ ..

-عمــي ! .. صاح "عثمان" مقاطعًا ثورة عمه المندلعة

حدجه بنظرة زاجرة و هو يقول بلهجة أقل حدة :

-عمي مايقصدش يا فادي.. هو بس حب يقولك إن بيتنا كبير و وجودك إنت و هالة معانا ده هايخلينا عيلة واحدة و أهو أحسن ما يبقى كل واحد عايش بعيد عن إللي منه. إنت فاهم ؟ يعني أنا و سمر و إبننا أهلي. و إنت و هالة أهلها و إخواتك

فادي بصرامة شديدة :

-على عيني و راسي و الكلام ده و على فكرة بحترمه. و ممكن راجل غيري يقبل بكده. لكن صوابعك مش زي بعضها و أنا ربنا خلقني كده. راجل حر. حر في كل حاجة تخصني و تخص حياتي. مراتي لازم تعيش في بيتي أنا. تاكل من أكلي و تشرب من شربي. تقدر تزور بيت أهلها. زيارة مش أكتر من كده.. طول ما هي في عصمتي لازم تلتزم بآوامري و حقوقي عليها. دي الأصول. و الأصول ماتزعلش حد !

أخذ "عثمان" يواري إبتسامة متراقصة على ثغره، هذه الكلمات بالذات هي كل ما أراد أن يستمع إليها عمه و هي تخرج من فمه "فادي".. هذه الكلمات تمامًا

حانت منه نظرة صوب عمه مكفهر الوجه، ثم نظر إلى "صالح" الذي حمل وجهه نفس تعبير أبيه، لكن نظرة عينيه إتفقت مع "عثمان" قلبًا و قالبًا رغمًا عنه !
google-playkhamsatmostaqltradent