U3F1ZWV6ZTE0NTkwMzMxMzUwX0FjdGl2YXRpb24xNjUyODgzMjYyNTQ=

رواية سل الغرام الفصل الخامس بقلم مريم غريب

سَلْ الغرام الجزء الثاني من رواية عزلاء أمام سطوة ماله بقلم مريم غريب الفصل الخامس كامل عبر مدونة دليل الروايات (deliil.com)
رواية سل الغرام بقلم مريم غريب
رواية سل الغرام بقلم مريم غريب

رواية سل الغرام الفصل الخامس "5" بقلم مريم غريب

_ إحتيال ! _

تستيقظ "هالة" من نومها باكرًا.. تتمطى بفراشها مستقبلة برحابة آشعة الشمس الدافئة المنبثقة عبر شرفتها المواربة

كانت الإبتسامة ملء وجهها

و لأول مرة منذ فترة طويلة جدًا تشعر بكل هذه الراحة و التفاؤل.. إذ أخيرًا بدت أحلامها المستحيلة تلوح لها من قريب، و لعلها تتحقق أسرع مما تتمنى.. بل أنها ستتحقق بالتأكيد، ما من خيارًا آخر

تقوم "هالة" بتكاسل من مضجعها، لكنها سرعان ما تستبدله بالنشاط و هي تخلع روب قميصها الخفيف و تهرع إلى الحمام الملحق بغرفتها.. تأخذ حمامًا ساخنًا لتنعش ذهنها و تصفيه جيدًا من ضغوطات الفترة الماضية.. ثم تخرج ملتفة بمنشفة كبيرة

فتحت خزانتها و أخذت تبحث بعينيها تارة و يديها تارة بين كدسات ملابسها.. إبتعدت تمامًا عن الألوان القاتمة ذات الطابع الرسمي الذي كان يفضلها طليقها.. كانت تعرف جيدًا ما الذي يتعين أن تختاره

إتسعت إبتسامتها و هي تمد يدها لتأخذ ذلك الفستان الزهري المزركش ذي الأكمام الطويلة و القماش الثقيل المصقول.. إرتدته من فورها، ثم إتجهت نحو المرآة

صففت شعرها الطويل و تركته ينسدل خلف ظهرها بحرية دون أن تقيده بشيء، و وضعت بعض من مساحيق التجميل الخفيفة، لكنها أكثرت من طلاء الشفاه الأحمر القانٍ.. لطالما عرفت بأن "عثمان" يعشق هذا اللون خاصةً على النساء

إبتسمت بخجل متحمس و هي تتساءل في نفسها.. ترى ماذا ستكون ردة فعله عندما يراها هكذا ؟ إنها لدعوة صريحة.. و لابد أن يفهمها هذه المرة، يتوجب عليه ذلك بعد كل الذي فعلته لأجله !!!

-صحيتي يا هالة !

إنتفضت "هالة" بخفة حين سمعت صوت أبيها و قد آتى فجأة من خلفها، إلتفتت إليه لتجده يمشي ناحيتها بتؤدة لتكتشف أنها لم تكن منتبهة لأيّ شيء أثناء شرودها بخططها المستقبلية و المتعلقة كلها بإبن عمها و حبيب عمرها.. "عثمان البحيري" ...

-بابي ! .. هتفت "هالة" بإبتسامة مشرقة

-تعالى يا حبيبي. أنا صحيت من شوية و كنت جاية أصحيك عشان ننزل نفطر كلنا.. بس شكلك صاحي من بدري

يقف "رفعت" أمامها و هو يعلق بغرابة :

-أحوالك عجيبة أوي الفترة دي.. و بتصحي بدري كمان !

قهقهت "هالة" برقة قائلة :

-إيه يا بابي و أنا من إمتى كنت كسولة ؟ أنا طول عمري نشيطة أوي

يرمقها "رفعت" بنظرة فاحصة، ثم يقول بنبرة ذات مغزى :

-أحمر على الصبح يا هالة !
يا ترى عشان مين الشياكة دي كلها ؟!

ترتبك "هالة" لدى سماع ملاحظة أبيها الموحية، لكنها ردت بثبات قدر إستطاعتها :

-إيه عشان مين دي يا بابي ؟ مش عشان حد طبعًا. هو عيب لما أبقى حلوة في أي وقت يعني ؟!!

مط "رفعت" شفاهه للأسفل و هو يقول :

-لأ مش عيب و لا حاجة.. بس مش شايفة إن تصرفاتك مش ماشية خالص مع الظروف إللي بتمري بيها

عبست "هالة" و هي تقول بضيق شديد :

-أيوة إيه هي بقى ظروفي ؟ يا بابي إحنا إتكلمنا في الموضوع ده كتير.. و إنت بنفسك قولتلي إللي حصل حصل. ليه عايزني أحطه في دماغي و كل شيء إنتهى خلاص ؟ أنا من حقي آ Move On بحياتي بقى مش هفضل واقفة مكاني يعني

-Move On ! .. تمتم "رفعت" و هو يومئ برأسه و يحرك عينيه يمينً و شمالًا كأنما يتأمل عبارتها

نظر لها من جديد و قال و قد إتسم محياه بقسوة فجائية :

-عايزة تتخطي أكبر مصيبة في حياتك بالسهولة دي يا هانم ؟؟؟

هالة بإستنكار : مصيبة إيه دي ؟!!!

-طلاقك ! .. صاح "رفعت" بغضب

-طلاقك في السن ده أكبر مصيبة. إنتي مش حاسة بإللي بقيتي فيه ؟ و نظرة الناس ليكي هاتبقى إزاي !!!

تنهدت "هالة" مغمضة عينيها بقوة، ثم فتحتهما ثانيةً و نظرت إلى أبيها قائلة بشيء من الهدوء :

-بابي.. حضرتك عارف كويس إن الوضع ده مش هايطول. عثمان إتصل إمبارح و قال إن مراد عايز يرجعني. و طبعًا ده مستحيل إلا لو لجأنا لحل واحد بس

فهم "رفعت" ما ترمي إليه إبنته على الفور، ليقول بحدة :

-ده إللي إنتي حطاه في دماغك بقى ؟ عايزة عثمان يكون المحلل و تمثلي إنك موافقة ترجعي لجوزك صح ؟

تمسك "هالة" بيديه و تتوسله بوهن :

-بابي أرجوك إوعى ترفض. لو عثمان جه و طلب يتجوزني حتى لو محلل إوعي تقوله لأ.. دي هاتكون فرصتي الوحيدة معاه !

يسحب "رفعت" يديه من قبضتيها بقوة هاتفًا بسخرية :

-إنتي فاكرة حتى لو إتجوزك هايقدر يعاملك كزوجة ؟ عثمان عمره ما يعمل كده. هو فيه العِبر لكن كرامة أهله و صديق عمره عنده في المقام الأول. و الأهم من كل ده سيادتك إنه فعلًا متجوز. إنتي إزاي خطر على بالك أنه ممكن يطلبك للجواز و في واحدة تانية على ذمته ؟؟!!

هالة بثقة : هايطلبني يا بابي.. صدقني عثمان هايطلبني للجواز عشان يرجعني لمراد. لكن أنا مش هاسمحله يسبني لما ده يحصل. أنا هاعرف إزاي أخليه يتمسك بيا و يحبني زي ما بحبه. أنا بس محتاجة فرصة أقرب منه.. فرصة واحدة بس بلييزززز ساعدني !

عقد "رفعت" حاجبيه و هو ينظر إليها مشفقًا و غير راضيًا في آن... كانت أمامه كالمسكينة لا تستحق أن يفطر فؤادها بأيّ وسيلة خاصةً بعد الذي قالته

لكنه وجد نفسه يفصح لها بصرامة :

-هالة.. عثمان كلمني شوية. قالي هانحل مشكلتك إزاي.. و ماكنش في كلامه أيّ نية لجوازه منك !

تلاشت لمعة الأمل من عيني "هالة" و إنطفئت شعلة الحماس التي إجتاحتها منذ حلول رابطة زواجها ...

نظرت إلى أبيها بوجوم مريب، ليكمل هو قاضيًا على بقايا الأمل بداخلها دفعة واحدة :

-بالعكس.. هو إقترح حد تاني خالص. بس لسا بندرس القرار كويس. و لو لاقيناه مناسب هايتنفذ.. فاهماني ؟

لا ..

لم تفهم "هالة" أيّ شيء.. كان ذهنها مشوش لأبعد الحدود، إذ شعرت كما لو أن بناءًا إستغرق تشييده سنوات، ثم آتى أحدهم و نسفه بلحظة

هكذا هوت أحلامها و إستحالت سرابًا، لكنها لا والت ترفض فكرة التخلي عن حبيبها.. "عثمان" لها، مهما كلف الأمر هو لها ...

سل الغرام الفصل الخامس

يصل النهار لمنتصفه، و كما تجري العادة أحيانًا تغيب الشمس خلف سحب ديسمبر الرمادية، بل تهطل أمطار خفيفة فوق المدينة الساحرة الفريدة.. عروس البحر الأبيض المتوسط "الأسكندرية" ...

لكن ذلك لم يمنعه من المرور على بائع الزهور القريب من بيتها، حتى يشتري لها و لأول مرة منذ غادرت حياته بمحض إرادتها باقة من "الليلك".. نوعها المفضل، و التي ترمز بلونها الأبيض إلى البراءة، و الأُرجواني إلى العواطف و الفخر و الثقة

حتمًا أن كل هذه صفاتها.. لا يخالجه شك بأن زوجته تجمع بداخلها كل تلك الخصال المثيرة للأعجاب، لكنها تخفي، لطالما فعلت ذلك و تستمر في فعله.. لكنه اليوم عازمًا على إنهاء وصلة عصيانها، سيجعلها تخضع له و لن يجد أيّ صعوبة في السعي خلف ذلك، فمتى خيبت أمله !

يصل "عثمان" إلى الحارة التي تقطن بها زوجته، يركن سيارته أسفل بنايتها، ثم يترجل مجتذبًا باقة الزهور في يده.. كان قد إستقطب جميع الأنظار إليه فور دخوله إلى المنطقة الشعبية بسيارته الفخمة الفارهة

لكنه من بين كل الذين يرمقونه بنظرات الفضول و الإنبهار لم يهتم لإلقاء نظرة إلا على شخص واحد فقط !

لاحت على فمه إبتسامة مغترة لا تخلو من الهزأ و هو يرشق ذاك ال"خميس" نجل الجزار الذي كان معجبًا بزوجته و يطمح في الإرتباط بها بنظرة مستخفة، ثم أدار رأسه ثانيةً و إتجه إلى داخل البناية تتبعه نظرات حقد من أعين "خميس" المشتعلة ...

صعد "عثمان" إلى شقة زوجته.. جاء ليدق الجرس، لكنه وقف متسمرًا أمام بابها، فجأة أصبح مترددًا هكذا، و لا يعرف السبب.. فقط ظل على وضعيته، و سرعان ما سرقته ذكرى الليلة الماضية ...

Flash Back ... فلاش باك


بعد أن إنفض المجلس الصغير، و ذهب "مراد" بسبيله خائبًا خالي الوفاض.. إستوقف "عثمان" الدكتور "أدهم عمران" و أخذه بعيدًا عن "صالح" الجالس بالسيارة منتظر عودة إبن عمه

لم يتردد و هو يفصح له عن المشكلة الجسيمة التي إرتكبها بحق أسرته و زوجته تحديدًا، أحس ناحيته ألفة و طمأنينة جعلته يسهب في شرح و توضيح كافة التعقيدات منذ البداية.. و بدوره إستمع "أدهم" إليه بإهتمام شديد

ليقول بجدية فور إنتهاء الأخير من الحديث :

-طيب قولي الأول يا أستاذ عثمان.. إنت بتحب مراتك بجد ؟

أجابه "عثمان" دون تفكير :

-بحبها طبعًا يا دكتور. لو ماكنتش حبيتها ماكنتش أتجوزتها مهما حصل و خصوصًا بعد إللي مرينا بيه سوا

أدهم مبتسمًا : طيب لما هو كده. ليه تظلمها معاك و تعذبها ؟ على فكرة إنت حياتك كلها متهربة و بإيدك إنت. إنت لسا ماهدتش لطريقك للأسف

زفر "عثمان" بضيق قائلًا :

-يا دكتور أرجوك أنا مش جاي أخد محاضرة أخلاق و قيم.. أنا بسأل سؤال و عايز جوابه. دلوقتي كده لما أحب أرجعها أعمل إيه ؟ المشاكل إللي بينا خلاص هاتخلص في أقرب وقت. بس لسا في المشكلة دي إللي حكيت لحضرتك عنها.. المطلوب إيه دلوقتي ؟!!

يهز "أدهم" رأسه رامقًا إياه بنظرة مدهوشة و الإبتسامة لا تزال عالقة بثغره الدقيق، لكنه قال في الأخير بلطفه المعهود :

-طيب أستاذ عثمان.. هاجوبك. مبدئيًا مافيش شك إن إللي عملته خطأ كبير.. إنك تحلف على مراتك بيمين صعب و أبدي زي ده. كانت بتتقال زمان ( أنتِ عليّ كظَهْر أمي و أختي ) يعني تشبيه الرجل لزوجته أو لجزءٍ منها بإحدى النساء المحرّمات عليه تحريمًا مؤبّدًا.. بس لما القرآن نزل ربنا حرم اليمين ده أصلًا و جعل له كفارة "وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ"

عثمان بإهتمام : كفارة بس ؟ يعني مش زي الطلاق و المحلل و الكلام ده كله إللي حصل مع مراد ؟؟!

نفي "أدهم" كلامه مؤكدًا بقوله :

-كفارة يا أستاذ عثمان الموضوع بعيد عن الطلاق. إنت حلفت عليها بس ماقولتش مثلً تبقي طالق. أو إنتي طالق.. مجرد يمين لو حبست ترجعها هاتكفر عنه

-طيب أكفر عنه إزاي ؟ .. تساءل "عثمان" بحيرة

أدهم بإبتسامة : واضح إنك ندمان إنت التاني و مشتاق لزوجتك.. هاقولك. هاقولك يا أستاذ عثمان و أكسب فيك ثواب !

Back


يفيق "عثمان" من الذكرى حين إنفتح باب الشقة فجأة ..

سمع شهقة متفاجئة، أعقبها صراخ طفولي إنفجرت به شقيقة زوجته الجميلة اللطيفة.. "ملك" ...

-عثمااااااان ! .. صاحت "ملك" بفرحة عارمة فور أن رأت زوج أختها

قفزت عليه و تعلقت بخصؤه بكلتا ذراعاها و هي تهتف بحب :

-وحشتني أوي أوي أوووووووي يا عثمان !

يبتسم "عثمان" بمودة و هي ينحني ليحمل الصغيرة على ذراعه قائلًا :

-الأنسة لوكا بنفسها مستقبلاني. إنتي إللي وحشتيني أكتر يا بيبي .. و طبع قبلة أبوية على خدها

-بس قوليلي سا هانم كنتي فاتحة الباب كده و رايحة فين ؟ بتخرجي منغير إذني و لا إيه ؟؟

كان يتظاهر بالزجر و الحزم، لترد الصغيرة ببراءة :

-لأ و الله مش بخرج غير مع سمر. أنا كنت نازلة عند ماما زينب بس عشان سمر عاوزة منها حاجة

أومأ "عثمان" بتفهم و هو يخطو خطوة داخل الشقة قائلًا بصوت خفيض :

-إممم. أوك يا لوكا.. يعني سمر دلوقتي في أوضتها لوحدها صح ؟

-أيوة لوحدها. و فادي مش هنا كمان

-عارف يا حبيبتي إنه مش هنا ! .. قالها "عثمان" و قد ألتوى ثغره بإبتسامة خبيثة

حشر باقة الزهور بسن ذراعه و ساعده و مد يده إلى جيبه الخلفي مجتذبًا مغلف الحلوى الذي تفضله "ملك".. ليشرق وجهها بالفعل ما أن لوح به أمام عينيها الجميلتين ...

-أنا طبعًا مستحيل أنسى لوكا بتحب إيه و ماجبلهاش منه معايا ! .. تمتم "عثمان" مقبلًا خدها مرةً أخرى

قبضت "ملك" على مغلف الشوكولاه صائحة بإبتهاج :

-هيييييه الشوكلاتة إلاي بحبها !

عثمان بنعومة : أيوة يا قلبي هي.. بس أنا بقى عايزك تاخديها و تنزلي عند ماما زينب زي ما أختك قالتلك. بس ماتطلعيش علطول. خليكي قاعدة تحت لحد ما أندهلك عشان أنا عايز أتكلم مع أختك في موضوع مهم.. أوك ؟

أومأت "ملك" موافقة :

-أوووك

-قلبي.. Give Me A Five بقى !

إبتسمت الصغيرة فظهرت غمازاتها و هي تبسط كفها و لتضربه بكفه المفتوح كناية عن الوفاق، قبلها "عثمان" على جبهتها للمرة الأخيرة، ثم أنزلها و رأها تركض إلى خارج الشقة.. إنتظر حتى إطمئن بأنها هبطت عند السيدة "زينب" و أن الأخيرة إستقبلتها، ثم ولج من جديد و أغلق الباب من خلفه، حتى أنه أوصده بالمفتاح و تركه بالقفل حتى لا يستطع أحد فتحه

عدل هندامه سريعًا، حمحم منظفًا حنجرته، ثم إتجه مباشرةً بخطواته الواثقة نحو غرفة زوجته !
قد يعجبك أيضا
الاسمبريد إلكترونيرسالة